عام

اللقاء الأكاديمي الأخير

ذات لقاء جامعي، استوقفني تلميذ نجيب، وطلب مني أن أكتب له وصية ما بعد التخرج فكانت هذه الأحرف.

  • حمود العلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ النبيل/

– سلمه الله-

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فتهانينا لك ولأسرتك تخرجك، وتفوقك، وتألقك في المرحلة الجامعية، ومبارك لك هذه الدرجة الحقيقة بكم المزينة لمسيرتكم.

وتأتي هذه السطور استجابة لمطلوبك، وتحقيقا لمقصودك، وتيسيرًا لمرغوبك بعد أشهر بينها وبين لقائنا المتعاقب في ذلك المكتب. ومثلكم يا نبيلُ يَعذُرُ المُطَالَبَ في توفية المُطالِبِ حتى تزدان الحروف، وتجتمع الكلمات، وتنتظم الأسطر وفق اعتدال المزاج، وراحة البال، واستقامة الحال، وموافقة القلب اللسان على نحو يبقى أثره عند تغير الزمان والمكان والإنسان. وكان مطلوبكم رسالة تتسم بالخلود والخلجات على نحو يحفظ لكم لفيف الذكريات في المرحلة الجامعية وتعاقب السنوات؛ وأكد شخصكم الكريم على تسطيرها فأكدت لكم تحقيقها – إن شاء الله- حال توافر أدواتها وخريطة أفكارها؛ وهذا أوانها في فقراتها فتقبلها قبولا حسنا على وهنها، وعجالتها، ومعالجتها؛ وهي عبارات لا تتسم بالمبادئ والأصول، ولا تدّعي أنها محكمات وثوابت؛ بل من وحي الخاطر، والبوح العابر تقترب من الشذرات والومضات التي ترجع في تبويبها، وتوصيفها، والنظر والتأمل فيها إلى شخصكم الكريم.

 

الوصية الأولى: يمتاز الحصيف بمراعاة حياته وفق دوائر ثلاثة؛ دائرة العلاقة مع مولاه جل في علاه-، ودائرة علاقته بالناس، ودائرة علاقته بنفسه؛ فكلما أحسن في حفظ حدود الله واجتناب نواهيه؛ فإن هذه الرعاية تلقي بظلالها ونتاجها الطيب على بقية الدوائر.

العلاقة بالله –رب العزة والجلال- قائمة على الافتقار، والذل، والخضوع، والخشوع  في كل حالات المسلم الموحد، وسيظل الإنسان الموفق على حذر ووجل اقتداء بسنة الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام- : {ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء:90].

    

الوصية الثانية: يُعدّ التعقيدُ والتركيبُ سمة بارزة في عصرنا الحاضر؛ فمجالات العلم والمعرفة، ومسارات تطوير النفس وتهذيبها، وميادين التدريب والعمل ارتبط بعضها ببعض حتى صارت الأرزاق المالية في غالبها تتطلب شهادة تخصصية إما علمية، أو مهنية، أو سنوات الخبرة؛ فلم تعد المسألة (اختر ما تريد) بل تؤثر فيها الفرص والإمكانات على نحو قد يتطلب تغيير المسار للحصول على فرص حسنة وصالحة. وكلما حصّلت أكثر، وحسّنت، وتابعت؛ فإن الأبواب المفتوحة تتابع وتتعاقب، ويتيسر لك الدخول مع ما تحب – إن شاء الله تعالى-.

 

الوصية الثالثة: النهم لازم للإنسان، ويختلف البعض في توظيفه على نحو يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة بين مقل ومكثر، ونقي ومخلّط؛ فإذا جعلت نهمك منصرفا إلى العلم الشرعي، أو المعارف الإنسانية النافعة، أو ميادين العمل الجاد الحلال؛ فإنك تسلم – إن شاء الله- من أمراض الترف والنعمة، وتبعات الفراغ، وفقدان الهوية الشرعية والطبيعة الإنسانية التي تمتاز عن غيرها باستعمال العقل وفق المعطيات النافعة والطيبة.

 

الوصية الرابعة: ربما بالغت معاهد التسويق وشركات التنمية في موضوع (صناعة الخطط وصياغة الأهداف) حتى ظهر مصطلح (الموارد البشرية) على نحو يصيّر قدرات الإنسان وأفكاره إلى جعله موردًا خادمًا لغيره – وهذه المسألة- أخذتنا بعيدًا عن صناعة أهداف خاصة بأرواحنا ونفوسنا بعيدًا عن تشويه المدنية المعاصرة. التحدي يا بُني هو أن ترسم أهدافًا دون اتباع – إجراء أو سلوك محدد- وفق طبيعتك، وجبلتك، وسجيتك تراعي في ذلك (ما جاء في الوصية الأولى)؛ وأقترح أن تكون أهدافك مختصرة، ومحددة، ومنوعة، ومقدورًا عليها، وثمرتها قريبة، ومسهمة في سعادتك، وزيادتك؛ فتألفها ولا تتكلفها.

على سبيل المثال: مراجعة جزء عم في أسبوع، وصدقة يومية بريال واحد، والمحافظة على الصلوات الخمس جماعة في المسجد في الصف الأول وإتباعها بالسنن الرواتب، والجلسة مع الوالدين مغربا، ومزاولة رياضة المشي نصف ساعة يوما بعد يوم، ومشاهدة برنامج هادف، ومطالعة 30 صفحة من كتاب، وهكذا؛ لأن هذا الرصيد يعين على المسير، والتوازن، والنجاح، والثقة، وحب الناس، واستقرار النفس، و فهم الحياة.

 

الوصية الخامسة: الصداقة سفينة الإنسان على هذه البسيطة، والأصدقاء مجادفك في إبحارك أرجاء حياتك؛ فكلما اهتديت إلى علاقات نقية المشرب، صافية المذهب، خلية من كل ما يشغب، ويؤلب، ويتعب؛ فإن سعادتك ستملأ الأفق حولك وسترافقك في مسيرتك؛ والضد بالضد. لقد تغيرت مذاهب أقوام، وتأثرت أخلاق آخرين، وفسدت تصورات وأفكار فئام من الناس نتيجة الخليل المصاحب الساحب. والعاقل يحيط نفسه بأصدقاء صالحين في دينهم: قيامًا، واهتمامًا، واغتنامًا، واعتزازًا، وإسلامًا، وسلامًا؛ وصالحين في دنياهم: اعتدالاً، وغرسًا، وحرثًا، واحترامًا، وانسجامًا، واشتغالاً بما يقيم أودهم، ويقطع عوزهم، ويلبي حاجتهم؛ فالصديق الصالح نعيم الحياة وطبيب العمر.

 

الوصية السادسة: خلّف تركيب الحياة المعاصرة في الإنسان شغلا دائما، ولهثا دائبا نحو الأفضل، والأسرع، والأقوى، والأبقى، والأحسن، والأرقى، والأسهل… في سبيل الحياة المادية (حياة الرفاهية) المحضة على حساب الأوفق، والأليق، والأرفق، والأنسب، والألطف، والأشفق، والأنقى…إلخ. وسلب كثيرا من لحظات راحة البال، وساعات صفاء الفكر والذهن حتى لم يعد هناك فرصة للتأمل في خطواتنا، وخطراتنا، وأخطائنا، ومخاطرنا؛ الأمر الذي يتطلب إعمال التأمل والتفكر على أي حال نكون في يومنا وليلتنا حتى لا نغرق في ركام اللحظات السعيدة أو التعيسة دون فحص ومحص.وقد جاء عن بعضهم:(ما أكثر العبر وأقل الاعتبار).

 

الوصية السابعة: هذا الكون له نواميسه وتأسيسه وفق التأصيل الشرعي، والنمط الاجتماعي، وحصيلة التجارب، ونتاج العقول، ومسيرة الحياة، وحصاد الأمم والمجتمعات. والحكمة ضالة المؤمن؛ فأوقد شرارة البحث وجذوة السؤال في نفسك أثناء تجوالك وتحولاتك، وعوِّد النفس على الاستقامة، وأغرها بطلب الفضيلة؛ حتى تعيش على وفق السنن فتأتيك المنن وتسلم من الفتن والإحن – إن شاء الله-.

وستجد في الآيات والعلامات  دليلا على هذه النواميس في كافة المجالات الشرعية، والإنسانية، والاجتماعية، والمجتمعية، والاقتصادية. على سبيل المثال: من جَدّ وَجَدَ ومن زرع حصد، ومن ثبت نبت، (ولن يغلب عسر يسرين)، ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وعلى الباغي تدور الدوائر، و (ما عال من اقتصد)، ولاعقل كالتدبير، ومن يهن يسهل الهوان عليه، ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما يعنّيه، والعقل متعب بحذره والأحمق مستريح بطمأنينته، و {إن الله لا يصلح عمل المفسدين}، ودوام الحال من المحال، والكرام أصبر نفوسا واللئام أصبر أجسادا، والعبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع، والشكر صيد النعم المفقودة وقيد النعم الموجودة، ولا يكن حبك كلفا وبغضك تلفا، والجزاء من جنس العمل، وتعوّد ألا تتعوَّد، والمتحيز لا يميّز، وعدو عاقل خير من صديق جاهل، وقلوب الأحرار قبور الأسرار، و أما ترى الماء بتكراره  في الصخرة الصماء قد أثر، وما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته، وما صدق عبدٌ اللهَ في طلب شيء إلا أعطاه إياه، والراحة نصف القوت، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وحسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة – في التعامل مع الناس-، ومن أتى مواطن السوء اُتُهم، واقنع بمن عند يقنع بك من عندك، والبلاء موكل بالمنطق، ومن أدمن قرع الأبواب فتحت له …إلخ ،  وابحث في غياهب الأيام، والأحكام، والأعلام؛ تجد وتعثر ولا تتعثر – إن شاءالله-.

 

الوصية الثامنة: اعلم أن القدر سر الله في الخلق؛ ولقد حارت طوائف من الناس في اقتحام المغيبات، أو إقحام عالم الشهادة عبر مقاييس ومعايير منهم ليست لهم؛ فعاشوا في  خلل وخطل، ووقعوا في قلق وزلل. ولنا في جيل الرعيل الأول النبيﷺ وصحبه الكرام – رضوان الله عليهم- ، ومن تبعهم بإحسان غايةٌ وهدايةٌ إذ قالوا : {سمعنا وأطعنا}؛ فأجادوا التعامل بتوفيق الله ورحمته في ميدان الشهادة بحقائق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتوكلوا على الله وسلموا له واستسلموا، ولم يخوضوا في هذه الأمور لأنهم آمنوا بـ{ومن يدبر الأمر فسيقولون الله}، {ولله الأمر من قبل ومن بعد}، و{قل إن الأمر كله لله}، و{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.واشتغلوا بما فيه تكليفهم وتمكينهم، وتجنبوا الأسئلة العقلية والمنطقية – وفق زعم من ابتلي بها -؛ فعلموا أن الخلق، والرزق، والحياة، والموت، والتوفيق، والهداية، والذرية، والسعادة، والاستقرار، والطمأنينة، والمال، والصلاح، والقوة، والجاه، والمنصب، …ذات قَدَر وبقَدَر وتدبير الحكيم العليم، وقطعوا الطريق على وساوس الشيطان الرجيم ومدارك النفس المسترسلة، والهج بـ{اهدنا الصراط المستقيم}؛ فهي فاتحة صلواتك، وأنيس خلواتك، ومنارة حياتك، ومدد بعد مماتك.

 

الوصية التاسعة: ما تشربت نفسٌ الخيريةَ الإيجابية- إلا استقرت في حياتها، وربت، وأنبتت، وأثمرت في محيطها ومن حولها من النفوس. فالخيرية تعني: التسليم لله والرضا في كل منعطفات الحياة، والصبر في منحنيات الألم، وبذل الندى للناس من حولك، وكف الأذى عنهم، والفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم، والسعي في رسم الابتسامة على أرواح  أضناها الحرمان وأقض مضجعها الألم، وأن تتجنب الأنانية والأثرة، والشح، والبخل. وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تكون صادقا في انتصار منافسك ، وظفر صديقك، وفوز حبيبك، وكسب شريكك، وترقية زميلك، وسعادة زوجك، وأولادك، وعمالك، وربح البائعين، وهناءة المشترين، واستقرار المضطربين، وطمأنينة الخائفين، وأن تكون محبا للخير ولأهله وللمسلمين في العالمين، وسلسلة تطول ينظمها نبض فؤادك بالخيرية، ولهج لسانك بالدعاء، وتردد خاطرك بالنفع المبذول على طول، ومن الله القبول.

 

الوصية العاشرة: أسهمت  بعض دور الأوبرا، والسينما، والإمبراطوريات الإعلامية من مثل: هوليوود ذات الطابع الغربي، وبوليوود ذات الطابع الشرقي، والمسلسلات الأخرى ذات الطابع الأوربي والعربي في تشكيل أذواق تشاكس وتعاكس الذوق الجبلي والطبعي لبني الإنسان؛ فصاغت مفاهيم حول الدين، والحياة، والنفس، والحب، والأسرة، والصداقة، والرفاهية، والنعيم، والمتعة…إلخ.

ونجحت في مخاطبة الغرائز على نحو مبهر ومدمر، واستطاعوا صناعة ما يسمى -في فن التسويق- بالحاجة إلى الشيء؛ حتى إنك لتحار في الإبحار في هذه المفاهيم مع سلامة أفكارك ظاهرا في التعامل مع من حولك. ومن الأمور التي ما زالوا يراهنون على خطفها وأسرها (هذه النفس التي بين جنبيك)؛ فتجدهم يصنعون الأذواق، والأنماط، والقوالب، والمذاهب التي لا تخرج النفس عنها ما دامت قد دخلت معهم في هذه الملاعب. وحماية النفس من الأهمية بمكان حتى تهنأ في دينك ودنياك. ومن الأمور التي تتعلق بالنفس (مسألة السعادة والبهجة) التي تحدث القاصي والداني في تصويرها، وتأصيلها، وتأطيرها، وتنميطها، وصياغتها، وحدها، ورسمها. السعادة يا حبيبي لا تختزل في صورة، ولا ترتبط في زمن، ولا تتعلق في فن، ولا تتكلف من متن، ولا تتجسد في نظارة ممثل؛ أو معطف تاجر، أو ساعة رئيس شركة، أو مشلح شيخ، أو رتبة وزير، أو ريالات مصفوفة.

السعادة يا سعيدُ قد تظهر في فهم نفسك، وقيامك بواجبك، وكوب ماء بارد حال الظمأ، وقطعة بوظة لذيذة مع إطلالة ساحرة، وعلامة طيبة حصلت عليها في مقرر دراسي، أو اتصال على صديق، أو قبلة على رأس والدين، أو أخذك بيد تائه، أو صدقة في يد محتاج، أو معرفة ظفرت بها في مرحلة بحث، أو معلومة سمعت بها وعنها، أو هندام جميل على بدنك، أو رشفة قهوة سوداء، أو رائحة زكية.

السعادة قد تصنع، وقد تجلب، وقد تشترى، وقد تباع، وقد توهب، وقد تكتسب، وقد تدوم، وقد تختفي؛ ومحددات ذلك منك وإليك وفق ما تستند إليه وتستهدي به من وحي الشريعة الغراء، ثم التوفيق بين حاجات النفس، ومعلومات الدرس، والعبر والخبر من اليوم والأمس. من مثل قول محمود غنيم:

فما عاش حي أطال الهموم
ولا مات حي أطال المراحا

 

أخيرا: ثمة حياة قد يطيلها أملك ويقصرها أجلك، والنقص ملازم للكمال، والضعف يتبع القوة، واستقرارنا مؤقت على هذه الأرض.

والأيام تمضي والساعات تنقضي، وسعادتنا ونجاتنا معقودة  على اتباع ديننا، واقتفاء أثر نبينا ﷺ، ونحيب سكيب على محراب العبادة كلما جفت ماء العين من الدمعات بسبب الشواغل العاديات. أن تكون سخيا في أوقاتك، وأعمالك، ونفقاتك نحو ما يرضي الله – جل جلاله-، وأن تجود بخشية القلب، ودمع العين بين يدي رب السماوات والأرض على أن تضن بدينك من زغل دنياك دون إفراط أو تفريط؛ فهو حياتك التي ستصحبك إلى الدار الآخرة، وسعادتك التي سترافقك مظللة نومك الطويل في حياة البرزخ.  من كلام رب العالمين في شأن دنيانا: {قال اهبطوا بعضكم لبعضكم عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف:24]. ومن كلامه ﷻ: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} [الكهف: 46]. و {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة:201]، و {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8].

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ القائل:  “فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حَرُم” أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما-  وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى