الدين

فقه الممكن عند الطبري

  • فاطمة الشاشي

ذكر الخطيب البغدادي في كتابه: تاريخ مدينة السلام[1] أن أبا جعفر الطبري قَالَ لأصحابه: ‌أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة.

فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة.

ثم قَالَ: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم[2] وعنه اقتبس السمعاني في الأنساب[3]، والحموي في معجم الأدباء[4]والذهبي في السير[5].

تعد تراجم العلماء لنا مدارس تربوية وعلمية وقائمة، وكما نأوي إليها لاقتناص العلم فكذلك نستلهم منها دروس الحياة، وفقه الدعوة إلى الله والحكمة في الحياة.

إن هذه القصة ترتبط بعالم كبير قل أن ترى العيون مثله كما يقول الذهبي[6]، وهو موقف يفيض علما وفقها، فهو تجسيد للقاعدة الفقهية: ما لا يدرك كله لا يترك جله في حياة ابن جرير رحمه الله مهندس علم التفسير ومشيد كثير من أركانه وعمده، وبالأحرى أن يكون فقيه النفس كما كان فقيه الشرع.

وهذا الموقف الكبير من مواقف الطبري كثيرًا ما نقرؤها بزاوية التحسر والتباكي على ضعف همم التلاميذ، فنتحسر على ما فاتنا من علم الإمام بسبب ضعف همتهم، ولكني في هذه السطور أقرأ القصة بمنظار آخر، من زاوية الشيخ العالم الكبير الذي ملأ الدنيا علما وفضلا.

بداية تذكر التراجم أن كتابة التفسير كان مشروع العمر للطبري فقد ذكر عنه أنه قال: ” حدثتني به نفسي وأنا صبي”[7]، ولقد طلب رحمه الله العلم صغيرا بمعونة من والده كما نقل عنه تلميذه ابن كامل قوله: “حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين، ورأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معي مخلاة مملوءة حجارة وأنا أرمي بين يديه، فقال له المعبر: إنه إن كبر نصح في دينه وذبّ عن شريعته، فحرص أبي على معونتي على طلب العلم وأنا حينئذ صبي صغير”[8]، فحرص الأب على طلب ابنه العلم في تلك السنين وتحديث الابن بذلك مما يزيده رحمه الله عزمًا ومضيًا على العلم، ومن طلب العلم تبليغه ولهذا نراه يحدث نفسه بالتأليف صبيًا.

وقد ظلت هذه الأمنية في خلده رحمه الله فتهيأ له رحمه الله قبل تأليفه بثلاث سنين فقال: “استخرت الله تعالى في عمل كتاب التفسير وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أن أعمله فأعانني”[9].

ولا أدل على تهيّئُه لهذا العمل العلمي الكبير من خلال تقديره لحجم العمل وأنه سيكون قرابة ثلاثين ألف ورقة، ولا أخال رحلاته وتنقلاته في الأقطار الإسلامية التي حدثت عنها كتب التراجم إلا تهيئة عامة لهذا العمل الجليل وسائر أعماله العلمية الأخرى.

وعلى كل فمما لا شك فيه ولا ارتياب أن الإمام رحمه الله قد أعد نفسه وتهيأ لهذا المشروع سنين عددا إن لم يكن دهره كله فلم يكن وليد حماس ساعة، وإنك لتجد برهان ذلك في التفاصيل الدقيقة لهذا العنوان بدءا من العنوان الجليل للكتاب العظيم (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) فهو عنوان يترجم عن مقاصد المؤلف من الكتاب.

وهذه المعطيات مهمات في فهم موقف الإمام وفقهه إبان شروعه في إملاء الكتاب على تلامذته، ومدى ثبات النفس في تحقيق الأمنيات مع فقه الواقع وطول النظر واعتبار المآل.

أتت الرياح بما لا يشتهيه الإمام! وحسبك بهذا أن تقرأه في استرجاعه عند قولهم تفنى الأعمار قبل تمامه، إيه إنها مصيبة في نظره، أن ينسف مشروعك تلميذك الذي يفترض أن يكون سندًا وعونًا وامتدادًا.

لكن الإمام كان عصيًا على الانكسار فأقدم في مقام الإحجام، آخذا بقاعدة الفقه متمثلًا بها في الإنتاج العلمي: مالم يدرك كله لا يترك جلّه.

(فاختصره) لم يلغِ المشروع، وإنما عمد إلى (الممكن) والمتاح أمامه في سبيل نهوض المشروع وقيامه فكان اختصار الكتاب وفقا لقدرات التلاميذ، وفقها للممكن والمتاح بدلا من اللهث وراء المحال، والجري في سراب المتعذر، والركض وراء الكمال.

إن هذا المشروع وقد تم وبلغ القاصي والداني في حياة الإمام ويدل على ذلك ما قاله تلميذه عبدالعزيز بن محمد الطبري: “وحمل هذا الكتاب مشرقا ومغربا، وقرأه كل من كان في وقته من العلماء، وكلّ فضّله وقدمه”[10]، ما كان له هذا لو أنه رحمه الله ظل سابحًا في بحر الكمال، وهائما في لجج المتعذر.

لم يلجأ إلى غير تلامذته، ولم يضيع الوقت في عتاب التلاميذ، لم يغير الواقع فذاك فوق طاقته، ولكنه فقه الممكن فكانت المرونة في تحقيق الأمنيات والمشاريع العلمية؛ فقها جليلًا منه لـ مالًا يدرك (كله) لا يترك (جله).

إنه رحمه الله في هذا الموقف ليعلمنا توظيف الواقع لتنفيذ المشاريع، واستثمار الممكن في صناعة الإنجاز، إنه يعلمنا المرونة فإن بين السواد والبياض مساحات كبرى نستطيع أن نعمل فيها وننجز.

لقد تجرد رحمه الله من حب الكمال فتنازل عن نحو 27 ألف ورقة، أي ما يعادل ما يقرب من نحو (90)% من مشروعه لأجل أن يقوم المشروع ولو بنسبة (10) %.. هكذا يترجم الموقف بلغة الأرقام، فأي مرونة كانت لدى الإمام؟!

إنه فقه عظيم من الإمام في إنجاز المشاريع العلمية لا سيما الجماعية، فأن تمضي في عشر المشروع خير من إلغائه، وأعظم نفعا من كمال موهوم يعيق ويمنع ولا يغني شيئا.

بهذا الفقه استطاع الإمام إنجاز مشروعين عدا ركنين في بابهما: تفسيره العظيم جامع البيان، وتاريخه الكبير: تاريخ الأمم والملوك، فكانا من أعظم مشاريع التأليف في الأمة بل ومعاقد الفنين فكان موردين لمن جاء بعده.

وكثيرا ما أتأمل حجم الخسارة العلمية لو جمد الإمام على موقفه، ولم ينزل عند قدرات التلاميذ، كم كنا سنحتاج من المؤلفات لتسد محل الكتابين في التفسير والتاريخ، وكم كان سيتعب من جاء بعده من المؤرخين والمفسرين، وهل كان قرابة ثلاثمائة مادة علمية[11] متعلقة بتفسيره أن تكون؟

إنه رحمه الله في هذا الموقف ينتشلنا من وهم الكمال إلى فقه الممكن في الحياة العلمية والعملية، في موقفه مع التلاميذ حيث انطلق من قدراتهم المتواضعة أمامه والتي لا تفي بمواصفاته في أصحابه، وفي اختصاره الكتاب؛ لأجل العمل والإنجاز.

يعلمنا التكيف مع النفس والتصالح مع الواقع والانطلاق من الممكن لبلوع المأمول؛ كي لا ننقطع عن الممكن فنكون كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

وأما ما في المواقف من أخلاقيات فذاك أظهر دلالة، وأنصع من بيض الثياب، لكنني أردت في هذا المقام أن نتعلم من الإمام فقه الممكن، وفهم العمل العلمي والتغلب على المعوقات ورباطة الجأش في تنفيذ المشاريع العلمية، وأن (100)% متعذرة للبشر في الحياة العلمية والعملية فهل من مقتد؟ وهل من متأس؟ وهل من متفقه؟


[1] كذا أثبته د. بشار عواد معروف في تحقيقه للكتاب. ينظر: تاريخ مدينة السلام (1/73).

[2] تاريخ مدينة السلام (2/550-551).

[3] ينظر: الأنساب للسمعاني (9/42).

[4] ينظر: معجم الأدباء للحموي (6/2442).

[5] ينظر: سير أعلام النبلاء (14/274-275).

[6] ينظر: سير أعلام النبلاء (14/267).

[7] معجم الأدباء (6/2453).

[8] معجم الأدباء ( 6/2446).

[9] معجم الأدباء (6/2453).

[10] معجم الأدباء (6/2452).

[11] بلغت الأعمال المتعلقة بالطبري في دليل معهد الشاطبي 236 عملًا علميًا، هذا وقد صدر الدليل سنة 1438هـ، وقد سجل في الجامعة رسائل علمية متعلقة بالطبري فلهذا جبرت الكسر.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى