فكر وثقافة

الرحلة إلى الداخل: الأصلاني المنشق وقلق الهوية

  • ملاك إبراهيم الجهني
  • تحرير: عبير الشهري

 

يقول: أنا من هناك، أنا من هنا..

ولستُ هناك، ولستُ هنا.

لِيَ اسمان يلتقيان ويفترقان..

ولِيَ لُغَتان، نسيتُ بأيِّهما

كنتَ أحلَم..

 

دَوَّنَ محمود درويش هذه الكلمات في إدوارد سعيد مُجسِّدًا أنموذجًا للقلق الذي تتسم به هوية الناشئ في ثقافة المستَعْمِرين، فهكذا كان سعيد ابن القدس المولود لأسرة مسيحية، والناشئ في مصر المستَعْمَرة، والمتلقي تعليمه وفقًا للنظام البريطاني فالأمريكي بعد رحيله للولايات المتحدة الأمريكية.. هكذا كان سعيد المتعاطي للثقافة الغربية، والمتذوق الخبير بتفاصيلها الدقيقة أدبًا وفكرًا وموسيقى، والذي أسس موقعه في المهجر بعيدًا عن بلده الأم وقضاياها وهمومها وثقافتها، حتى جاءت نكسة ١٩٦٧م فاكتشف وقتها أنه يجلس على ثقافتين، وأدرك تناقض هذا الموقع، إذ ألفى نفسه محاطًا بوسط معاٍد للعرب، وأفكارهم، وبلدانهم، “ومن يجلس على ثقافتين؛ يندر أن يجلس جيِّدًا في الواقع، ولا يجد دائمًا النبرة المناسبة”. كما ذكر ألبير ميمي المثقف التونسي المولود لأسرة يهودية، والناشئ هو الآخر في تونس زمن الاستعمار الفرنسي.

ورغم ما بين سعيد وميمي من اختلافات في الموقف من الاستعمار وسياساته، إذ كان سعيد ناشطًا سياسيًا ومناهضًا صريحًا للاستعمار والسياسات الإمبريالية، يواجهها بضرواة المثقف الملتزم بقضيته، لم يكن ميمي ناشطًا سياسيًا ولا داعيًا صريحًا لمناهضة الاستعمار، وإن قدَّم تحليلاً ونقدًا مهمًا للاستعمار واجتراحاته ضد الذات المستَعْمَرة والشعوب الخاضعة لنير الاستعمار، رغم ذلك فقد انحاز كلٌ منهما لثقافة المستَعْمِر وحدَّد نفسه داخلها. هكذا فعل ميمي الذي اختار فضاء المستَعْمِر، ورحل لفرنسا مع رحيل المستَعْمِرين عن بلاده، وهكذا كان سعيد الذي تشرَّب هذه الثقافة، وبقي محتفظًا بمنظورها، واستمر بإدراج نفسه ضمن ضمير (نحن) العائد على الغرب، في الوقت الذي كان ينتقد فيه المركزية الغربية وتقسيماتها الحِدِّية والاستعلائية القائمة على (نحن) و (هم)، فاضحًا تحيِّز الخطابات الاستشراقية في تمثيلها للشرق والشرقيين، ومستمرًا في كشف زيف تحليلات الخبراء بالإسلام، إنْ في زمن الاستعمار التقليدي أو النسخة الحديثة من الإمبريالية الأمريكية.

ورغم ذلك فإن كلاً من سعيد وميمي يمثل بصورة أو بأخرى ما أطلق عليه سعيد مصطلح الأصلاني المنشق the dissenting native أي المثقف الناشئ في مستَعْمَرة، والذي انتهى به الأمر إلى الانشقاق عن الثقافة الاستعمارية المهيمنة وانتقادها من داخلها. وبعد أن كانت تجربة الاستعمار حِكرًا على المستَعْمِر يحكيها من منظوره الخالص، أصبح هذا الفضاء الاستعماري مُنتَهَكًا ومَغْزوًا ويُعاد فحصه وتفنيده نقديًا من قبل أصلاني لا يؤكد هويته الأصلانية ولا الاستعمارية.

وهذه التجربة النقدية المنتِجة والقلقة في الوقت نفسه، هي ما أطلق عليه سعيد (الرحلة إلى الداخل) the voyage in التي ينتقل فيها الأصلاني من سياسة اللوم إلى سياسة التحرر، موظِّفًا أدوات المستَعْمِر في الرد عليه، والتي تُشَكِّل كما يقول سعيد: ” تنويعًا شيِّقًا من تنويعات العمل الثقافي الهجين، -تصبح-معه- أسلحة النقد جزءًا من الميراث التاريخي للإمبراطورية الذي تمُحى فيه إجراءات الفصل والعزل والإقصاء، وتنبثق منه تشخصَّات جديدة مفاجئة”.

وصحيح أن سعيد ضرب مثلاً للأصلاني المنشق بفرانز فانون وأعماله المناهضة للاستعمار، كما ألحق بها نصوص كتَّاب أبناء المستعمرات السابقة الذين خاطبوا المستَعْمِر على أرضيته ومن داخل ثقافته، فردوا عليه بإعادة كتابة الرؤى الاستعمارية من وجهة نظر المستَعْمَرين أنفسهم، مقدمين سرديات بديلة مقابلة للسردية الاستعمارية السائدة عن الشعوب المستَعْمَرة وتاريخها وثقافاتها، لكن سعيد نفسه يندرج ضمن هذه الأصلانية المنشقة بشكل أو بآخر.

مع ملاحظة أن الرحلة إلى الداخل التي يصفها سعيد، والتي سُبِقَت بتكوين المستَعْمَر وفقًا لثقافة المستَعْمِر، والتي على الأصلاني المنشق أن يقطعها في سبيل تحرره، هذه الرحلة ليست عودة مجردة لماضي الأصلاني الثقافي، إذ لا يعني الانشقاق عن ثقافة المستَعْمِر الخلاص التام من آثارها ولا ينبغي له -بحسب سعيد-أن يكون كذلك، وغاية ما يعنيه الانشقاق هو تمحيص فرضيات تلك الثقافة ومسلماتها عن الشعوب المستَعْمَرة والرد عليها.

ويتناول فرانتز فانون -الذي نشأ في مستَعْمَرة فرنسية- الصعوبات التي يواجهها المثقف المستَعْمَر الذي تشرَّب علوم المستَعْمِر وآدابه ولغته، ثم عاد لشعبه دون أن يتمكن من التخلص من آثار الاستعمار الثقافية، فيبيِّن فانون كيف تبقى هذه الآثار راسخة في تفكير المستَعْمَر وسلوكه مهما حاول الهرب منها، حتى أن هَجْر المستَعْمَر ثقافة المستَعْمِر، وبحثه بالمقابل عن جذور ثقافته، هو ذاته مظهر من مظاهر هذا التأثر؛ ذلك أن عودة المثقف المستَعْمَر لأقدم ينابيع شعبه هي تعبيرٌ عن حرص هذا المثقف على التراجع للوراء أمام الحضارة الغربية التي يغوصُ فيها، ولأنه يشعر أنه يوشك أن يفقد نفسه، ويفقده شعبه، تراه يندفع بقوة إلى تلك الينابيع ، وفي تحليل أعمق يرى فانون أنه ربما فعل هذا بدافع من احتقار الذات بحثًا عن ماضٍ مكللٍ بالمجد، وفرارًا من واقع همجي لم يحبه يومًا، وهذه العودة نتيجة لهدم الاستعماري لماضي الشعوب المستَعْمَرة ولها دلالتها الجدلية.

وهي تقترب مما يصفه ألبير ميمي بالتلاقي المقفل للوضع الاستعماري الذي يقوم بإنتاج المستَعْمَرين كما يقوم بتصنيع المستَعْمِرين.

ويكشف ميمي انعكاسات هذا الوضع على المبادئ والأخلاقيات، واللغة والتفكير والانتماء، لدى كل من المستَعْمَر والمُسْتَعْمِر، ونخص بالاهتمام منها ما يعانيه المستَعْمَر، ومنه ما وصفه ميمي بالتمزق الجوهري للمستَعْمَر، ويجد هذا التمزق تعبيره ورمزيته الكبرى في ازدواجية اللغة، إذ لا يتم إنقاذ المستَعْمَر من الأمِيَّة حتى يقع في هذا الفخ، ولأن اللغة الأم قد تكون شفهية وغير مدونة، أو غير مستعملة في مؤسسات يحتكُ بها المستَعْمَر في حياته اليومية، فإن هذه المحدودية للغة الأم تجعل المستَعْمَر غريبًا في بلده. وازدواجية لغة المستَعْمَر ليست لسانين بحيث يتعايش لسان القوم مع لغة صفائية وينتميان كلاهما إلى العالم الوجداني ذاته، كما أن هذه الازدواجية ليست بتعددية لغوية تستفيد من مفتاح إضافي ومحايد نسبيًا، إنها مأساة اللغة المزدوجة.

وينعكس التمزق الذي ذكره ميمي على موقع الكاتب المستَعْمَر بوجه خاص، والذي يُجسِّد كل التباسات وقصورات المستَعْمَر، فهذا الكاتب وإن تغلب على رفضه للغة المستَعْمِر واستعملها فسوف يكتب بلغة لا يفهمها معظم شعبه، أما الطبقة المتعلمة والبرجوازية فلا تعرف إلا لغة الاستعمار، ولذا يجد هذا المثقف نفسه مجبرًا على الكتابة بها، وتبقى المشكلة في المستَعْمَر الذي يعرف لغتين، لكنه لا يتقن أيًا منهما، ما يفسر بطء ظهور أدبيات استعمارية، والكارثة حين يكتب المستَعْمَر لمن يستعير لغته عن عذابات المستَعْمَرين، فالكاتب المستَعْمَر لا يمكنه أن يستخدم لغة المستَعْمِر إلا بما هو في صالح لغته، وأما أدب المستَعْمَرة المكتوب بلغة المستَعْمِر فإنه محكوم بالموت المبكِّر، إذ لا يصنَّف ضمن المعتمَد الأدبي الاستعماري، ولا ضمن الأدب القومي للمستَعْمَرة.

وقد حمل مجموع هذه الأوضاع التي يجد فيها المستَعْمَر ذاته ميمي على وصفها بأوضاع الفاقة، ووصف المستَعْمَر بالكائن المعوز، مشيرًا أن أبناء المستعمرات ليسوا الضحايا الوحيدين في التاريخ، لكن البؤس التاريخي الخاص بهم هو الاستعمار.

الأمر الذي يدفع المستَعْمَر لتغيير واقعه متخذا طرائق عدَّة، ويذكر ميمي الطرائق التي يحاول بها المستَعْمَر الخروج من المأزق الذي سببه الوضع الاستعماري مبتدئًا  بمحاولة المستَعْمَر تغيير ظرفه بتغيير جلده والتشبه بالمستَعْمِر ، وهذا يقتضي تأبيد الاستعمار، لكن المستَعْمَر كلما انغمس في هذا الدور كلما رفض ذاته بأشد ما يملك من الإصرار، وهو ما يعني بجدلية واضحة أنه يرفض الوضع الاستعماري، فرفض الذات وحب الآخر هما مشتركان لكل مرشح للاندماج بحسب ميمي، فالمستَعْمَر لا يبحث عن الاغتناء بقيم المستَعْمِر فقط، بل بدافع ما يتمناه من صيرورة يستشري في إفقار الذات كما في الخروج منها، وعندما يتبنى المستَعْمَر هذه القيم فإنه يتبنى ضمنًا إدانته الخاصة، وعندما يتحرر بالاندماج بثقافة المستعمِر كما يعتقد فإنه يقبل تدمير ذاته.

ولذا يرى ميمي استحالة الاندماج، فرغم أن المستَعْمَر المندمج يمعن في إخفاء ماضيه، ويتستَّر في النهاية على تقاليده وكل أصوله التي أصبحت فاضحة بنظره، فإن ما يحدث في النهاية هو أن الاندماج يتكشف عن استحالته في الواقع الاستعماري، حين يصل المرشَّح للاندماج لحالة من الإرهاق والتخلي أمام الثمن الباهظ الذي يتوجب عليه تقديمه دون أن ينتهي يومًا من تسديده. ويكتشف بشيء من الذعر أنه غدا يحمل على عاتقه كل اتهامات وإدانات المستعمِر، وأنه أخذ يتعوَّد على النظر لجماعته بعين المدِّعي العام… متسائلاً: هل عليه أن يتحمل هذا الوضع إلى الأبد؟ وهل لتحريره الخاص ألا يمُر بعدوانية منهجية ضد نفسه؟

ومع ذلك-والكلام لميمي- فإن الاستحالة الكبرى ليست هنا، بل سوف يكتشفها المستَعْمَر قريبًا، وهي أن تسليمه بكل شيء لا يكفي لإنقاذه، إذ لا يكفيه لكي يحقق اندماجه أن يغادر مجموعته، بل يجب عليه دخول مجموعة أخرى، وهنا تحديدًا يصطدم المستَعْمَر برفض المستَعْمِر، وما يجنيه المستَعْمَر المندمج في نهاية المطاف هو السخرية، والوصم بالتفاهة، والوصف بالقردية، وبقدر ما يكون القرد حاذقًا بقدر ما يجيد التقليد ويثير المستَعْمِر أكثر.. فأكثر.

وهذا ما حدا بميمي إلى القول إن نجاح الاندماج ربما يتحقق في ظروف أخرى غير الظرف الاستعماري، إذ لا يمكن لمأساة جماعية أن تُستنفد عبر حلول فردية، فالفرد يتلاشى نسله، أما مأساة الجماعة فتستمر، ولكي يكون الاندماج ممكنًا فلابد من أن يمسّ الشعب كله، وهذا لا يتأتى بوجود الظرف الاستعماري والعلاقة الاستعمارية، ما يعني أن الاندماج والاستعمار في الشروط المعاصرة للاحتلال أمران متناقضان.

وبعد فشل محاولة الاندماج من قبل المستَعْمَر ينتقل ميمي للمحاولة الثانية التي يلجأ إليها المستَعْمَر للخروج من مأزقه، وهي رفض المستَعْمِر وثقافته، والانقلاب عليها. فمع التخلي عن الاندماج يصبح تحرر المستَعْمَر رهينًا باستعادة الذات، والكرامة المستقلة، ورفض المستَعْمِر، تمهيدًا لاستعادة الشخصية، غير أن هذا الانقلاب ليس مطلقًا، فالمستَعْمَر في  قمة تمرده يحتفظ ببصمات ودروس معايشة طويلة جدًا مع المستَعْمِر، وهنا تكمن المفارقة حيث أن المستَعْمَر يطالب ويناضل باسم قيم المستَعْمِر ذاتها، ويستخدم آليات تفكيره، وطرق المواجهة ذاتها، مع ملاحظة (أن هذا هو المنعطف الوحيد الذي يفهمه المستَعْمِر)، لكنه من الآن وصاعدًا سيكون هو وثقافته موضع شك، ومعه كل ما يمثل المتروبول، وفي هذا المناخ تظهر كراهية الأجنبي إجمالاً، كما تظهر عنصرية المستَعْمَر ورفضه كل من هو غير مضطهد مثله.

لكن ميمي يُفَرِّق بين عنصرية المستَعْمَر والمستَعْمِر؛ فعنصرية المستَعْمَر تنبثق- عند ميمي- نتيجة خداع أكثر عمومية هو الخداع الاستعماري، وهي ليست عنصرية بيولوجية وميتافيزيقية كعنصرية المستَعْمِر، بل عنصرية تاريخية واجتماعية، أي هي باختصار عنصرية دفاعية، وليست عنصرية عدوانية كعنصرية المستَعْمِر بحيث يسهل نسبيًا تجريدها من سلاحها.

ومن هنا يعمل المستَعْمَر على تأكيد الذات، فيسترد ذاته ويؤكدها بتأكيد اختلافه عن المستَعْمِر، وعلى رأس هذا كله اختلاف الدين واللغة. وهنا أيضًا تقع التباسات تأكيد الذات، إذ يلحظ المستَعْمَر بالتوازي مع استعادة الذات جملة التباساتها، وإذا كان تمرد المستَعْمَر يمثل موقفًا واضحًا، فإن محتواه يمكن أن يكون مشوَّشًا لكونه ناتجًا عن وضع قليل الشفافية، هو الوضع الاستعماري. ومن أمثلة هذا أن السلبية التي فرضها المستَعْمِر على المستَعْمَر تجعل الأخير يلجأ لمواجهة (أسطورية مضادة)، يُسبغ بها على الأهالي، وثقافتهم، وبلادهم، وكل ما يمثلهم وينتمي إليهم إيجابية تامة، وما يحدث في الواقع هو أن خرافة السلبية المطلقة التي يفرضها المستَعْمِر على المستَعْمَر تتبعها خرافة الإيجابية المطلقة التي يفرضها المستَعْمَر على ذاته.

أما الموقف الاستعماري إزاء موقف المستعمَرين فهو المبالغة والإصرار على فرض تقاليد المستَعْمِر، وكل ما يمثله، وتزداد عدوانيته وعنفه تجاه المستعمَرين.

ورغم كل محاولات المستَعْمَر لتأكيد الذات والتطابق معها فما ينتج عنها هو نوع من تفاوت الذات، وهذه هي مأساة المستَعْمَر عند ميمي، إذ لا يصل المستَعْمَر أبدًا للتطابق مع نفسه، ويستمر في التشكيك بالذات، والصراع معها، والتمزق بين ما يريد أن يكون عليه، وما يصوغه لذاته.

أما بالنسبة للمستَعْمِر في ظل النظام الاستعماري فإن مصيره التشوَّه؛ إذ ليس له مخرج إلا تقبل الظلم اليومي لصالحه، أو التضحية بالذات كضرورة لا يمكن تنفيذها. هذه هي وضعية المستَعْمِر التي إن قَبِل بها فَسَد وإن رفضها تَبَدَّد– كما يذكر ميمي-وللشفاء التام لكليهما فلا بد من الاختفاء التام للاستعمار والتمرد ضده ضمنًا.

هذه هي النتيجة التي يختم بها ميمي تحليلاته، وهي لا تمثل احتفاء بالهجنة، أو دعوة للمقاومة، بل اعترافًا ضمنيًا بخيبة الأمل واليأس والاستسلام للوضع الاستعماري الأمر الذي جعله يذكر بصراحة في خاتمة هذه الآراء أنها وُلِدت تمعنًا في نكسة تم قبولها، ولم تكن مهمة نضالية أو بحثًا عن حلول. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن كل تعرية هي مجدية في النهاية، وكل حقيقة هي في الحصيلة مفيدة وإيجابية لأنها تلغي الأوهام على الأقل.

إن تحليلات ميمي تَصُب موضوعيًا فيما يُعرف بالعلاقة الجدلية بين المستَعْمِر والمستَعْمَر. ولم يكن ميمي وحده من لفت النظر إليها- وإن استفاض أكثر من غيره في تحليلها- فقد شاركه فانون، وإيميه سيزر- وإن بدرجة أقل منهما -تجلية هذه الجدلية، وكيف يؤثر الاستعمار سلبًا في طرفي هذه العلاقة، ويرتد على ذاته لينقض ما بناه، كما في قول سيزر عن المستَعْمِرين: “إنهم يثبتون أن الاستعمار، يُعرِّي الإنسان الأكثر تحضرًا من إنسانيته. إن النشاط الاستعماري، المشروع الاستعماري، الإخضاع الاستعماري، يميل لتغيير صاحبه، فيرى الآخر كحيوان، ويتحول هو أيضًا لحيوان، وهذه هي الصدمة المرتدة للاستعمار”.

وهذا ما بيَّنه ميمي، بعد شرحه علاقة المستَعْمِر بالمستَعْمَر بنفس الطريقة التي شرحها ماركس عند تناوله لعلاقة العامل بصاحب المال، إذ كلما حاول المستَعْمِر التخلص من المستَعْمَر وشطْبه من خارطة الأحياء كلما أساء إلى وجوده الخاص؛ ذلك أن “وجود المستَعْمِر مرتبط بوجود المستَعْمَر بشكل يستحيل عليه تجاوز هذه الجدلية”.

ولجدلية المستَعْمِر والمستَعْمَر صلة بجدلية السَيِّد والعَبد عند هيجل-التي هي جزء من مطارحة أكبر كما يذكر نغوغي واثينغو-ولها رمزية تشبه رمزية الكهف عند أفلاطون، وقد سُجِّل الحضور البارز والمبكر لهذه الجدلية في أعمال فانون، ولم تحضر هذه الجدلية عنده مجردة عن الأثر الماركسي، حتى أن هومي بابا سماها- في مقدمة الطبعة الإنجليزية الصادرة عام ١٩٨٦م لكتاب فانون (بشرة سوداء أقنعة بيضاء)- بـ(الجدلية الهيجلية-الماركسية)، كما وصف بابا سعي فانون لصياغة شكل مفاهيمي مناسب لهذا التناقض في العلاقة بالاستعمار بالبحث المنهك عن (جدلية الخلاص).

وقد قرأ منظرو ما بعد الاستعمار جدلية السَيِّد والعَبد عند فانون من زوايا مختلفة، ووظَّفها كل منظر منهم وفقًا للموضوعات التي يعالجها وتتمحور حولها اهتماماته النقدية، فتناولها إدوارد سعيد تحت عنوان (موضوعات ثقافة المقاومة)، حيث قسَّم سعيد مراحل المقاومة لمرحلتين يجري خلالهما فكفكة الاستعمار، إحداهما: مرحلة أوليَّة، تتمثل في القتال ضد العدوان الخارجي، والثانية مرحلة ثانوية، تتمثل في المقاومة الثقافية التي تجري خلالها جهود إعادة بناء أو ترميم أو إنقاذ مجتمع دمَّره الاستعمار، وهنا يبحث المناضلون ضد الاستعمار عن أساس عقائدي يحقق وحدة أوسع وأشمل من أي شكل عُرِف في ماضي مجتمعاتهم المستعمَرة، الأمر الذي يدفعهم إلى إعادة اكتشاف ماضي الأصلانيين قبل الغزو الاستعماري.

وفي هذا الإطار يقرأ سعيد جدلية السَيِّد والعَبد عند فانون، فيقول: “هكذا يمكن أن نفهم إصرار فانون على إعادة قراءة جدلية السَيِّد-العَبد عند هيجل في ضوء الموقف الاستعماري، وهو موقف يُعلِّق فيه فانون على الكيفية التي يكون بها السَيِّد في الإمبريالية مختلفًا بشكل أساسي عن السَيِّد الذي يصفه هيجل. فبالنسبة لهيجل ثمة تبادلية، وأما هنا فإن السَيِّد يضحك ساخرًا من وعي العَبد. فما يريده السَيِّد من العبد ليس الاعتراف، بل العمل. وأن يحقق المرء الاعتراف هو أن يعيد رسم المكان المحجوز للخضوع والانضواء في أشكال الثقافة الإمبريالية، وأن يحتله بوعي للذات محاربًا من أجله على الأرضية نفسها التي كان قد حكَمَها ذات يوم وعيٌ افترض بداهةً خضوعَ آخرٍ دوني مخصَّص. ومن هنا (إعادة النقش أو الكتابة)”.

ويدرك سعيد المفارقة الكامنة في هذا الوضع فيُعقِّب بقوله: “وتكمن المفارقة اللاذعة في أن جدلية هيجل هي جدلية هيجل، بعد كل حساب: فلقد كان ثمة هيجل أولاً، بالضبط كما أن جدلية (الذات والموضوع) الماركسية كانت موجودة قبل أن يستخدمها فانون صاحب كتاب (المعذبون في الأرض) ليشرح الصراع بين المستَعْمِر والمستَعْمَر. وتلك هي المأساة الجزئية للمقاومة: أنها ينبغي أن تعمل إلى حدٍّ ما من أجل استعادة أشكال أسستها ثقافة الإمبراطورية من قبل، أو على الأقل أثَّرت عليها، أو تسللت إليها“.

وبمقابل قراءة سعيد لجدلية فانون ضمن إطار المقاومة يقرأ هومي بابا جدلية فانون في إطار اهتماماته النظرية بمسألة الهُجنة والتداخل بين المستَعْمِر والمستَعْمَر، فيجردها من بعدها الصراعي، قائلاً:”ما يكشفه فانون بعمق وشعرية لا يضاهيه فيهما أي كاتب آخر هو: ذكرى تاريخ العِرْق والعنصرية، والكولونيالية، وسؤال الهوية الثقافية. أما ما يُحققه فهو باعتقادي شيء أعظم بكثير: ذلك أن فانون إذ يرى الصورة الرهابية للزنجي، أو المحلِّي، أو المستَعْمَر متناسجة أعمق التناسج في النموذج النفسي للغرب، إنما يقدم للسَيِّد والعَبد فرصة للتأمل العميق في تداخلاتهما، فضلاً عن الأمل بحرية صعبة بل خطيرة”.

ورغم اختلاف الأطر التي قُرئت فيها جدلية المستَعْمِر والمستَعْمَر فإن ما انتهى إليه بابا في المحصٍّلة هو ما انتهى إليه سعيد، وهو ما انتهى إليه ميمي قبلهما، فالخلاص ليس في الإمكان، والفعل التحرري الوحيد أمام الأصلاني المنشق هو الرحلة إلى الداخل، عبر ما يصفه سعيد بإعادة النقش أو إعادة الكتابة من وجهة نظر المستَعْمَر، الأمر الذي تجسَّد عمليًا في أعمال مفكري وكُتَّاب ما بعد الاستعمار ممثلة في أعمال سعيد نفسه، وواثينغو، وتشينوا أتشيبي، والطيب صالح، وسيزر، وسيد العطاس، وآخرين.

أما التحرر الكامل فلا سبيل إليه فيما يبدو، وليس للأصلاني المنشق إلا أن يبقى حبيسًا في الدائرة الثقافية للمستَعْمِر، منها ينطلق، وإليها يفيء، وبها يصول ويجول ويقاوم.

وإن كان من كلمة تصف هذه النتيجة فهي (الحتمية). الحتمية التي انتهى إليها ميمي، وسعيد، وينتهي إليها الجدل الاستعماري الذي هو في جذوره جدلٌ غربي، والخروج من إسار هذه الحتمية الحائلة دون تحقيق مُنجَزٍ نظري إبداعي يملأ الفراغ التنظيري- الذي طالما انتُقِد مفكرو وكُتَّاب ما بعد الاستعمار بعجزهم عن ملئه- مشروطٌ بالتحرر من النموذج المعرفي الغربي، لا الاستسلام له، ولا مجرد المقاومة من داخله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق