فكر وثقافة

قضية فلسطين، منظورًا إليها من منظور المسؤولية الأخلاقية

  • بندر الأسمري
  • تحرير: عبد الرحمن الميمان

إذا تحدثنا عن مبدأ المسؤولية في البحث الفلسفي الغربي فإنَّ الذهن يؤمِّم وجهته نحو اثنين: الأول هو الألماني (هانس يوناس تـ 1993) والآخر هو الفرنسي اليهودي (إيمانويل ليفيناس تـ 1995). أما (مبدأ المسؤولية) فهو أحد المبادئ الأخلاقية التي لم يعرفها العقل الغربي إلا حين غرق في وحلٍ ثم حاول إبداعَ نظرياتٍ أخلاقيةً مصحِّحَة للواقع الأخلاقي المرير الذي غاصت فيه البشرية جرَّاء التقدُّم العلمي والتقني المجرد عن الأخلاق المتعالية. فمبدأ المسؤولية جاء حين استبانت الحاجة الملحَّة إلى ضرورة استحضار مبدأ أخلاقيٍّ يضع حدًّا لضياع الإنسان وتِيهِهِ.

إن كان العلم تقدميًّا بطبعه –فهو لا يعير الكون والطبيعة والإنسان أي اهتمام، فما هو إلا مجرد قوانين تكشف الظواهر المخبوءة في الكون– فإنَّ اللازم أنَّ العلم يمنحُ مالِكَه سيادةَ التحكم ويرْفِد صاحبَه سلطانَ البأس والقوة، وهكذا راحت المنفعة هي المعيار المقوِّم لهذا السلوك التجاهُلي. وإن كانت التقنية من المنتجات العلمية التي غاياتها تحرير الإنسان مِن جبر الطبيعة وقيودها فإنَّ المناهج التقنية “تُظهر لنا كونًا تقنيًّا خاصًّا يحتوي الإنسان احتواءً، ويستحوذ على إرادته، فالتقنيات أخذت تستقلُّ بنفسها وتسير وَفْقَ منطقها الخاص بغير بصيرة من الإنسان، فقوام المنطق الآلي التقني مبدأ لا عقلاني مقتضاه أنَّ كل شيء ممكنٌ، ومبدأ لا أخلاقي مقتضاه أنَّ كل ما كان ممكنًا وَجَبَ صُنْعُه”[1]. وهكذا استحالت صفة أخلاقية تحرير الإنسان إلى صفة لا أخلاقية استرقاق الإنسان واستعباده.

من هنا جاءت محاولة هانس يوناس للخروج من هذه العلائق غير الأخلاقية بالبحث عن علاقات ومواثيق بين الإنسان والطبيعة تقوم على قدرتنا على تحمُّل مسؤوليتنا أمام الطبيعة، فصاغ مبدأه الأخلاقيَّ الأساسيَّ “لتأتِ فعلك على الوجه الذي يجعل آثاره تصون الحياة الإنسانية الحقَّة على وجه الأرض”[2]. فهذا القانون جاء محاولة لإسقاط الذاتية المتسلِّطة المدَّعية امتلاك القِيَم المطلقة، وصهر أفراد المجتمع ودَمْجهم في إطار شامل يعترف بالحقوق المتساوية.

وجريًا وراء لهاث البحث عن الانعتاق من العلاقات التقنية المادية التي حوَّلت الإنسان إلى كومةٍ باردة مُلقاة في قاع صفصف، انبثقت فلسفة الفرنسي ليفيناس الأخلاقية، فهو يرى أنَّ الحداثة تقوم على خطوتين، خطوة أولى تنطلق من الأنا فتجد ذاتها فتفرز الفردانية الأنانية وخطوة أخرى تنطلق ضد الآخر الْمُغايِر فتختزله بردِّه إلى الأنا الذاتية فلا يبقى في الوجود إلا تلك الأنا الفردية القوية السيادية المتسلطة الغاشمة. هذا الصفات لم تأتِ جُزافًا، بل ما جاءت إلا لأنَّ الأنا أصبحت وحيدة متعالِيَة أمام آخر مُغايِر مُختزل فيها.

اعترض ليفيناس على هذه العلاقة اللاأخلاقية العنيفة الطاردة للآخر، فنادى إلى تطوير علاقة أخلاقية تسعى إلى التكامل بدل الإقصاء. لم يجد ليفيناس مبدأً أخلاقيًّا يؤسِّس علاقة مع الآخر إلا مبدأ المسؤولية على أن تحل هذه المسؤولية محل مبدأ الحرية المائع والغامض. أصبحت الأنا مع ليفيناس لا تعني الأنا الحرة التي تفعل ما تشاء بشرط ألا تلحق الأذى المادي بالآخر، بل تعني الامتناع عن ممارسة العنف تجاه الآخر مهما كانت صورة هذا العنف، سواء قلَّ في صورته الإقصائية أو كثُر في صور حالات القتل والإرهاب. بهذا المعنى تتحدد العلاقة مع الآخر، فهي علاقة تقوم على الإحساس بالمسؤولية تجاهه، إحساس يجعل تملُّك الآخر أو الهيمنة عليه أمرًا غير مشروع. المسؤولية عند ليفيناس ليست خيارًا بل جبرًا بحكم الطبيعة البشرية، فأنا مُجبَر على أن أكون مسؤولًا عن الآخر مهما تعدَّدت صور الآخر، أكان ابنًا أم أخًا أم صديقًا أم عدوًّا أم نظريةً فكريةً أم كيانًا سياسيًّا أم مدرسةً اجتماعيةً أم تحالُفًا بشريًّا. أنا مرتبط مع كل هؤلاء بعلاقة مسؤولية أتت من طبيعة وجودي بينهم، أنا لست وحيدًا فردًا منعزلًا بل إنسان وكائن اجتماعي قامت علاقاته مع الآخرين تحت مظلة المسؤولية. مبدأ المسؤولية هذا لا يعترف بردَّة الفعل أو بقانون كما تعاملني أعاملك، بل هي في اتجاه واحد، من الأنا إلى الآخر، ولا يخضع لمبدأ المبادلة أو المقايضة، هي مسؤولية غير مشروطة.

هذا ما كان من هانس يوناس وإيمانويل ليفيناس، والمدقِّق في فلسفتهما الأخلاقية المدغدِغَة للعواطف والْمُهيجة للنقد الحداثي يتبيَّن أن هناك حجرًا ناقصًا في كلا البنائين الجميلين، شأنُهما شأن كل الفلسفات الأخلاقية الإنسانية. فهانس يوناس يرتكز على قدرة الحياة الدنيوية –أو الحياة الإنسانية القصيرة– على إذاعة حِسِّ المسؤولية داخل قلوبنا، ولكن يغيب عنه أنَّ الحياة الدنيا قاصرة حقًّا عن إثارة مثل هذا الحس. فالحس الداخلي بالمسؤولية لا يقوم إلا في وجود حياة أخرى تَعقُب هذه الحياة وتتضمن الثواب والعقاب. وإلا فما اللازم الدنيوي الذي يجعلني أشعر بالمسؤولية تجاه الآخرين، قد يُقال لأننا نحتاج لمن يكون مسؤولًا عنَّا نحن كذلك، وحتى إن قيل هذا فهو يعني أنني حينما لا أكون محتاجًا لأحد ومستغنيًا عن الجميع فهذا الشعور بالمسؤولية يخبو بداخلي، والمسؤولية عند هانس يوناس أساس في الأخلاق لا عَرَض يعترض وحسب. أما في فلسفة إيمانويل ليفيناس فهناك معيار مهمٌّ غائب، بل معيار أساس متى ما غاب سقطت مسؤولية ليفيناس، هو معيار العدل، فأنا لست أمام آخر وحيد، أُحملق في وجهه ويحملق في وجهي[3]، بل أمام وجوه متعددة أنا مسؤول عنها، فكيف أوازن بين مسؤولياتي وأرتب أولياتي فأوفيهم حقَّهم من المسؤولية مع وفائي لمسؤوليتي عن نفسي.

الآن وقد اتضح مدى حاجتنا لمعيار خارجي نُكمل به وجه النقص في بناء أخلاق المسؤولية فلن نجده إلا في أخلاق الدِّين، الدِّين هو من يمدُّنا بمعيار الثواب والعقاب الأخروي فتلتئم فلسفة هانس يوناس ويمدُّنا كذلك بمعيار العدل الإلهي فتلتئم كذلك فلسفة ليفيناس.

لن أطيل كثيرًا، ولكن أضع حديثًا شريفًا يلخِّص كل ما سبق، ومنه نقصدُ إلى قضيتنا الأساسية. فعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). الإسلام دين المسؤولية، يتبين هذا من نصوص الوحي، {وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ}، ومن تاريخ الحضارة الإسلامية وظروف ارتقائها. بل إن الإسلام جعل من المسؤولية سلوكًا متوازنًا بين الفرد وربِّه وبين الفرد ونفسه وبين الفرد ومجتمعه، مع تقييد لحدود المسؤولية بما يتناسب ومكانة الفرد وقدرته.

الآن –وقد أكثرتُ الكلام– اجعلْ من المسؤوليات الثلاث عصًا تتكئ عليها وأنت ناظرٌ إلى قضية الأمة الإسلامية، قضية اغتصاب فلسطين.

قضية فلسطين هي قضية شعبٍ آمنٍ في سِرْبه ومعاشه، يُعلِّم أبناءه ويُكرم ضيفه، يقوم بواجباته ويرجو حقوقه، يُصلي في مسجده ويرعى زيتونه. وفي ليلة دهماء حُوصر وقُتّل وشُرد، اغتُصبت أرضه وهُدمت منازله وضُيع أبناؤه.

هذا هو أساس قضيةِ اغتصاب فلسطين الذي لا ينقض الشراهة الإمبريالية في تمكين المعتدي الإسرائيلي، ولا ينفي تعطش الفكر الغربي في السيادة والتملك، “يشتهي الأوروبيون أراضي جيرانهم الأقارب والأباعد دائمًا، وما إن يمتلكون القوة بفضل الأسلحة التي طوَّروها أو بفضل طرقهم الحديثة في القتال حتى يبادروا إلى العدوان وشنِّ الحرب على الآخرين. إنهم يمجدون الحرب وقتل الأعداء”[4]، القضية هي قضية اغتصاب واعتداء، وليست كما تصوَّر عند أصحاب الفكر البارد بأن فلسطين أرض ذات قداسة لليهود. الحقيقة أن هرتزل لم يطالب بالقدس، وإنما طالَب بأرض. “تشتمل الحالة اليهودية إذن على كافة خيارات الكولونيالية والدولة الكولونيالية الحديثة: التطهير السكاني الشامل للأرض الفلسطينية داخل الخط الأخضر 48 ، وتطهير موازٍ للضفة الغربية بعد عام 67، والمحو الكامل للبنية التحتية الفلسطينية والمؤسسات والتراث الثقافي وأكثر من 400 قرية فلسطينية، لتحلَّ محلَّها كلها كيانات صهيونية بصورة حصرية من خلال أسلوب (دمِّرْ واستبدلْ)، تشمل الإجراءات المتَّبعةُ القتلَ الجماعي والاغتيالَ الممَنْهَج للأفراد، وتشريعَ القوانين التمييزية ضد سكان إسرائيل العرب، بما في ذلك منع حق العودة، واستهداف قطاع غزة بحملات عسكرية شديدة التدمير، والإبادة البنيوية التدريجية ضد سكان إسرائيل العرب”[5]. أُشهِر قيام دولة إسرائيل المحتلة للأرض الفلسطينية ودُعيت الأسرة اليهودية من كل بقاع الدنيا، فجاؤوا مهرولين عابثين، فتُقيم لهم الدولة المستوطنات، ثم تحوطهم بالخنادق والمتاريس مع حملهم للسلاح خشيةً عليهم من أهل الحق، فهل هذه أسرةٌ مدنيَّة أم قوات احتلال عسكري؟

لننظر إلى قضية اغتصاب فلسطين في هذا الحد والرسم، ثم نتلمس مسؤولياتنا تجاهها:

أولا: مسؤولية دينية: انطلاقًا من اعتقادنا الجازم بإلهٍ عادلٍ قادر، أنزلَ شريعةً إسلامية كاملة تكْفل الحق لصاحب الحق وتردع الظالم الباغي، وفي هذا كفاية بإقامة الواجب علينا بإحقاق الحق ونصرة المظلوم وخاصة أنَّ هذا المظلوم أخٌ في الملَّة والعقيدة، والأرض ليست كأيِّ أرض، لأرض فلسطين وجود في نصوص الوحي الإسلامي مما منحها مكانة عند كل مسلم، فهي ليست وطنًا مثل سائر الأوطان الإسلامية التي حدِّدها المستعمِر قبل أن يحمل متاعه ويرحل عنَّا، فلسطين وطنٌ لكل مسلم لا يعْلُوها مكانةً إلا الحرمان الشريفان، وليس مِن حقِّ أي أحد –ولو كان حاكمها– أن يدعها لقمةً سائغة لأي مُعتَدٍ.

ثانيا: مسؤولية أخلاقية: (لتأتِ فِعْلك على الوجه الذي يجعل آثاره تصون الحياة الإنسانية الحقة على وجه الأرض وتحقق لك ثواب الآخرة). ملخص هذه القاعدة أن تتحمل مسؤولية أفعالك على أن تحافظ على حقوق الأجيال القادمة. ينبغي لنا أن نقوم بواجباتنا لنمنح من يأتي بعدنا حقوقهم كاملة، حقَّهم في البيئة وفي الثروة وفي المال وفي القوانين وفي المُلكية وفي الانتساب وفي التعليم وغيرها الكثير.

ليس في تغافُلِنا عن قضية الحق الفلسطيني مجردَ تغافل عن حقوق فلسطينيين أحياء، بل إننا نرتكب جريمة أخلاقية في حقوق الأجيال الفلسطينية القادمة، وليس الأجيال الفلسطينية وحسب، بل كل الأجيال البشرية. نكون بهذا التغافل قد سَلَبْنا الأحياء المقاومين من الفلسطينيين حقَّهم في أرضهم وحقَّهم في حماية عِرْضهم وحقَّهم في مالهم وأملاكهم وحقَّهم في إقامة دينهم وحقَّهم في حياتهم أمام مُعتَدٍ غاصِب لا حقَّ له. وفي حق الفلسطينيين القادمين نكون قد حكمنا عليهم بالتشرُّد والضياع والتنقُّل من دون ملكية. وفي حقوق الأجيال البشرية نكون قد سمحنا لكل معتدٍ أن يغتصب ما اشتهت نفسه، فجعلنا الحياة الإنسانية حياةَ سباعٍ يحكمها قانون الغابة بالبقاء للأقوى. اعلم أننا حينما نسمح بالاعتداء على أرض فلسطين يكون لزامًا علينا أن نسمح بأي اعتداء على أي أرض. فلا انتقائية عند العاقل المطَّردِ مع اختياراته ومسؤولياته. بل لا يحق لنا أن نمنع أي اعتداء علينا نحن أيضًا، فنحن عند الآخرين آخرين مغايرين. نحن الآن نعبر عن أنفسنا (بالأنا) مع قضية فلسطين ويكون الآخر هو المعتدي، ولكن المعتدي له (أناهُ) الخاصة به فينظر إلينا على أننا الآخرون المغايرون له، فإنْ وافقنا على الاعتداء في الحالة الأولى وجب علينا الموافقة في الحالة الثانية. فلهذا وجب علينا أن ندافع عن قضية اغتصاب فلسطين وأي قضية اغتصاب أخرى حُبًّا في الحياة ورغبة في منح حق العيش للأجيال القادمة، هذا هو الفعل الذي إن فعلناه نكون قد صُنَّا الحياة الإنسانية، وإن خالفناه نكون قد خُنَّا أنفسنا. ولا ننسى أن هذه المسؤولية ليست مسؤولية اختيارية بل هي قسرية جبرية وواجب طبيعي فرضتها علينا الطبيعة البشرية المخلوقة من قِبل خالق عادل قادر. كما أننا لو تجاهلنا قضية اغتصاب فلسطين نكون قد دمرنا الكرامة الإنسانية للإنسان، فكيف يعيش بكرامة من شُرد من أرضه ونُهبت خيراته واعتُدي على مكانته الإنسانية بين البشر. ولنضرب هنا مثالًا تاريخيًّا من تاريخنا القريب حتى نستشعر هول الدمار الذي سنُحدثه متى ما تركنا الدفاع عن قضية اغتصاب فلسطين.

في عام 1991 غزا العراقُ دولةَ الكويت، فشرَّدَ شعبَها واغتَصَبَ حُكمَها وقَتَلَ رجالَها؛ فوقفنا ضدَّ المعتدي ومع المظلوم حتى رُدع الأول وأُكرم الثاني. الآن لك أن تتخيل لو أن الآية قُلبت، وتجاهلنا أمر الاعتداء والدفاع وحدَّثنا إعلامنا بأنَّ العراق دولة قوية ولم تضرَّنا في شيء، والأمر كله لا شأن لنا به، لو فعلنا هذا لكان الأبناء مازالوا مشردين يتوسَّلون لقمة العيش والحياة تحت أقدام الطغاة واللامُبالِين، وليت الأمر يتوقف عند هذا، بل سيكون هناك ارتداد عنيف من المظلوم يُطالب بحقِّه من الظالم فيزيد القمع والقتل ونزف الدماء، ستزداد الجرائم وسلوكياته ويغلي الحنق في النفوس وتُكره الحياة فيُبحث عن مخرجٍ لكل هذه الآلام “لا بد إذن من آلية إضافية تفرغ هذا التوتر وتقضي على خطر الغليان الداخلي بتصريف الحقد، ذلك هو العنف والقتال، العنف يبقى الوسيلة الأخيرة في يد الإنسان للإفلات من مأزقه ومن خطر الاندثار الداخلي الذي يتضمنَّه هذا المأزق، والعنف هو السلاح الأخير لإعادة شيء من الاعتبار المفقود إلى الذات من خلال التصدي مباشرة، العنف هو لغة التخاطب الأخيرة الممكنة مع الواقع ومع الآخرين، حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي”[6]

نستشعر كل هذا متى ما علمنا أن مفهوم الدولة الحديثة لا تعترف إلا بالقمع والتقتيل، خلافًا لِمَا كانت عليه الدولة قبل مئات السنين، فنكون بهذا التجاهل للمعتدي أقمنا مجتمعًا لا يعترف إلا بالمصالح المادية يسوده النزاع والفرقة وتقوده البندقية والمدفع نحو الموت، فينمو الإنسان إنسانًا مقهورًا مغبونًا “فلا يجد الإنسان المقهور من مكانة له في علاقة التسلُّط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدُّونية كقَدَرٍ مفروض. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد، اتقاءً لشرِّه أو طمعًا في رضاه”[7].

ثالثا: مسؤولية اجتماعية: أنا فردٌ خُلق بين أفراد آخرين، لا أقوى العيش منعزلًا وحيدًا، مما يوجب عليَّ أن كون مسؤولًا أمام البقية. مسؤوليتي تردعني أن أسرق من غيري أو أغتصب أرضه أو أعتدي عليه أو أحرمه من شيء بدافع المنفعة الشخصية المحضة. وهذا ناتج عن مسؤوليتي أمام العدل الإلهي الذي أعطى كلَّ شيءٍ حقَّه. وفي استشعاري لهذه المسؤولية العادلة أكون قد منعت نفسي أن أكتسح الآخر وأختزله تحت جناح (الأنا) الفردية.

المغتصب لأرضِ فلسطين خرَّب الإنسان وقضى على المكان وأفنى الوجود واجتاح الديار ومَحَقَ العدل وأهلك الأرض، فلم يعُد في الوجود إلا إسرائيل. هذا نقيض القيمة الاجتماعية القائمة على علاقة المسؤولية لا علاقة الحرية. المسؤولية الاجتماعية في القضية الفلسطينية تقول: “ما أتانا البلاء إلا من إسرائيل، وفلسطين باقية إلى الأبد”. أما مع انتكاس الفطرة وارتكاس القيم بات من المشهور أن يُقال: “ما أتانا البلاء إلا من فلسطين، وإسرائيل باقية الأبد”. تأمل كيف انقلب الحال فشُرق المغربُ وغُرِّب المشرِق وأضحى المتغيِّر ثابتًا والثابتُ متحوِّلًا. وإلا فما علاقة فلسطين بالبلاء وهي القابعة في مكانها آمنة مطمئنة؟ ولماذا إسرائيل إلى الأبد وهي معتدية ظالمة متنقلة؟

إن كان المنطق التاريخي يقول إنَّ إسرائيل باقية وهي المعتدية القوية فلماذا حُوربت ألمانيا في أوروبا وطُردت فرنسا من الجزائر واندحرت بريطانيا ولاذت بجحرها بعد أن كانت أذرعها تطوِّق العالمَ كله؟ لا تفسير لقول “إسرائيل باقية” إلا انتكاس المفاهيم.

هنا قد يبرز سؤال: ما مسؤوليتنا أمام إسرائيل؟ فكما أننا مسؤولون أمام الفلسطينيين بحكم الوجود الإنساني فكذلك نحن أمام الإسرائيليين؟

للإجابة عن هذا الاعتراض أقول: إنَّنا مسؤولون عن الفلسطينيين بحكم العقيدة والملة الإسلامية أوَّلًا، ثم بغيرها من الأحكام، أما الإسرائيليون فلهم حقٌّ علينا فعلًا، وحقُّهم أن نقول لهم: “لا تعتدوا، لا تغتصبوا، لا حقَّ لكم هنا، لكم حقٌّ في الحياة لن يكون على حساب شعبٍ آخر. أنتم مسؤولون عنَّا ومسؤوليتكم ألا تفسدوا ولا تقتلوا ولا تحتلوا”.

ختامًا، كنتُ قد تغافلت عمدًا عن فكرة الأرض المقدسة وحق الدفاع الإسلامي للمسجد الأقصى، ولم يكن تغافُلا عن قلة أهمية، ولكن ظننتُ أن في تأمُّل قضية اغتصابِ فلسطين مِن منظورٍ آخر فيه فائدة لا تُلغي أهمية المنظور العقدي الإسلامي، على هذا وما سبقه، فمِن مبدأ أخلاقيٍّ تبيَّن وجوب الوقوف مع القضية الفلسطينية ضد الاعتداء الإسرائيلي لمن كان يملك الوازع الأخلاقي الإنساني القويم، ففلسطين هي الأصل وإسرائيل فكرة سخيفة تعتمد في بقائها على سياسة إمبريالية بعيدة وتحالفات سرية قريبة تتشكل في صور التنكيل والاعتداء والتهجير. “لا بد أن نجنِّد جماهيرنا وراء فكرة العدل وليس وراء كُرْه اليهود، نحن لا نحارب اليهود وإنما نحارب المستوطنين الصهاينة، لا لأنهم يهود وإنما بسبب الظلم الذي وقع علينا، وأن نعلمهم أنَّ إسرائيل ليست ظاهرة توراتية يهودية وإنما ظاهرة غربية استعمارية، وأنها دولة عنصرية غير طبيعية”[8]، نحن نقاوم فكرة إسرائيل لا كُرهًا في اليهود واليهودية، بل حُبًّا في قيمة العدل التي يجب أن تَسُود على كل البشرية. “فالمسألة الإسرائيلية –كما قضى الله في حركة التاريخ– ليست مسألة قومية استيطانية، إنها إفراز وتجسيد لمنهجية عالمية كاملة الأبعاد ومضادة لمنهجية الحق الإلهي. فالمعركة ضد إسرائيل هي معركة منهجية حضارية عالمية قبل أن تكون معركة حشد الطاقات العسكرية”[9]


[1] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، صفحة 65، مع قليل من التصرف.

[2] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، صفحة 124.

[3] الوجه، العضو البشري المعروف يحمل دلالة عميقة في فلسفة ليفيناس.

[4] مهاتير محمد، مذكرات طبيب في رئاسة الوزراء، الشبكة العربية، صفحة 467

[5] وائل حلاق، قصور الاستشراق، الشبكة العربية، صفحة 332

[6] مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة عشرة، صفحة 165

[7] مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة عشرة، صفحة 39

[8] عبدالوهاب المسيري، الهوية والحركة الإسلامية، صفحة 184

[9] العالمية الإسلامية الثانية، محمد أبو القاسم حاج حمد، دار الساقي، الطبعة الثالثة، صفحة 747

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق