الدين

علم التربية الإسلامية واحتراق العلوم

محمد بن راشد الفراج

نقل بدر الدين الزركشي (ت794ه) في مقدمة كتابه المنثور في القواعد، مقولةً عن بعض الشيوخ في تقييم أهم العلوم الإسلامية، ونصّه هو: “العلوم ثلاثة: علم نضِج وما احترق، وهو علم الأصول والنحو، وعلم لا نضِج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضِج واحترق، وهو علم الفقه والحديث”[1]، وقد تناقلها بعد الزركشي لفيف من العلماء والكتّاب، وتباينت مواقفهم منها! وممن علّق عليها الحلبي (ت1190ه) بقوله: “المراد بنضج العلم تقرُّر قواعده، وتفريع فروعها، وتوضيح مسائله، والمراد باحتراقه بلوغه النهاية في ذلك”[2].

وإن العلوم الإسلامية وإن كانت تشترك في المصدر المؤسِّس، وهو الوحي إلا أن نشأتها قد تفاوتت، فبعضها نشأ مبكرا مثل علم الفقه والتفسير والنحو والحديث، وبعضها تأخر بضعة قرون كعلم القواعد الفقهية وعلم المقاصد، وبعضها نشأ متأخرا كعلم التربية.

ولا يعني ذلك أن علم التربية -وإن نشأ متأخرا-، لم يكن معروفا في العصور الأولى، بل كان متداولا، على مستوى التأليف المشترك أحيانا، والمستقل أحيانا أخرى، وهو على مستوى الممارسة كان حاضرا منذ فجر الإسلام، وإنما القصد هو في تأسّسه في شكل علم مستقل، يسكن خريطة العلوم الإسلامية.

وإن علم التربية الإسلامية اليوم، قد كثر الإنتاج المعرفي فيه، حتى اتخذ قوالب مختلفة؛ من ذلك التأليف المستقل، والرسائل العلمية في الجامعات، والبحوث العلمية في المجلات، وكذلك الندوات والمؤتمرات، ولكنه مع ذلك في حاجة إلى تحرير الإجابات عن بعض التساؤلات المعرفية، التي تحول بينه وبين النضج، فضلا عن الاحتراق!

ومن هذه التساؤلات المعرفية التي تواجه علم التربية الإسلامية؛ الحكم بعلمية هذا العلم من عدمه، وكذلك وجود تعريف للعلم يعبّر بدقّة عن وظيفته، وأيضا وجود قواعد كلية تضبط عمل المشتغل بالعلم، كما هو الحال في العلوم التي بلغت النضج، ومنها كذلك؛ الانفصال بين التنظير للعلم وتطبيق الممارسين له، إضافة إلى الضعف الواقع في اكتشاف مناهج التأليف، ومناهج البحث الخاصة أو المناسبة لهذا العلم.

ومما يؤكد واقعية بعض هذه التساؤلات المعرفية، ما ذكره مقداد يالجن في سياق حديثه عن أهمية تحديد قواعد لعلم التربية الإسلامية، فيقول: “تساعد على تقعيد علم التربية الإسلامية، وإثبات علميّته كالعلوم الأخرى، والبرهنة له، وإثبات المقدرة العلمية في كل موضوعات هذا العلم”[3].

ولعل الإجابة على هذه التساؤلات يتم التوصل إليها من خلال طريقين: طريق يمرُّ عبر الفحص الدقيق لتراثنا التربوي، وتثوير مشاركات الأوائل على وجازتها، ثم تأسيس الإجابات وبنائها، وهذا هو طريق غالب المشتغلين بهذا العلم، على اختلاف إنتاجهم.

وطريق آخر يمرُّ عبر الإفادة من البناءات المعرفية في العلوم المجاورة لعلم التربية الإسلامية؛ والتي تتّحد معه في المصدر، وتتقاسم معه الهدف، وتشترك معه في المنهج، وتتداخل معه في المفاهيم؛ لأن ذلك انطلاق من الإيمان بحقيقة تخادم العلوم فيما بينها، وتعاونها، وتكاملها.

وإن من العلوم الإسلامية التي تحمل الخصائص السابقة، علم التفسير؛ فقد وُصِفَ بأنه من العلوم التي لم تنضج ولم تحترق، ويؤكد ذلك الإنتاج المعاصر في علم التفسير؛ فالتساؤلات المعرفية السابقة هي مما يُطرح اليوم بين المشتغلين بهذا العلم، وإن الإفادة من حلول المشتغلين بعلم التفسير لهذه التساؤلات، يساعد في معالجة ذلك في علم التربية الإسلامية؛ وذلك لأنهما من مجال ثقافي واحد، تجمعهما الخصائص السابقة.

وللوقوف على حقيقة ما يواجه علم التفسير في الدراسات المعاصرة من ضغط التساؤلات المعرفية، يمكن الاطلاع على إنتاج مركز تفسير للدراسات القرآنية المقروء منه والمسموع[4].

وهذا الطريق يَقلُّ طَرْقُ الباحثين له؛ وتنبّههم لأهميته؛ وفي نظري أنه لا يقلُّ أهمية عن الطريق الأول، بل إنهما طريقان يتكاملان في وضع الإجابات الصحيحة للتساؤلات المعرفية الحاضرة في علم التربية الإسلامية.

وهذا الطريق سيكون نموذجا تطبيقيا للتداخل المعرفي بين العلوم، والذي يعرّفه محمد هُمام بأنه: “بحث في تداخل العلم ومناهجه، وفي العلاقة بين العلوم، أخذا وعطاء، وقد يمتد ليشمل تاريخ العلم، ونظرية المعرفة”[5].

وهي تجسيد للدراسات البينية، المجال البحثي الحديث، والذي يُعرّفها مؤتمر المعلوماتية وقضايا التنمية العربية عام 2009م، بأنها: “العلوم والدراسات التي تبحث في إدراك العلاقات بين فروع العلم والمعرفة على أساس مبدأ وحدة العلوم وتكاملها للوصول إلى مفاهيم مشتركة بين مختلف العلوم والتخصصات”[6].

كما أنها طريق الإبداع والتجديد في البحث، وهو ما يؤكده المسيري (ت1428ه) بقوله: “إن جوهر البحث والإبداع هو أن يكتشف الإنسان علاقة بين شيئين أو ظاهرتين، ويربط بينهما، أي يكتشف النمط أو النموذج الذي تنضوي تحته الظاهرتان، ثم يرى الواقع من جديد في ضوء هذه العلاقة الجديدة”[7].

ويشير الباحثان روبار باهر ومتاي دوجان في كتابهما (الابتكار في العلوم الاجتماعية) إلى أن ظاهرة التجديد والإبداع في العلوم الاجتماعية، تأتي أساسا من تلاقح العلوم، وليس من انعزال بعضها عن بعض، أو الإفراط في الانحسار داخل التخصص الضيق؛ فالنظريات والمفاهيم والقوانين وأدوات البحث ومناهجه في العلوم الاجتماعية؛ كانت نتيجة للتفاعل والتداخل والتلاقح بين تخصصات هذه العلوم[8].

وفيما يتعلق بالعلوم الإسلامية، وإفادتها من بعضها، يؤكد اليوسي (ت1102ه) أهمية ذلك بقوله: “وليُعلم أن العلوم داخلٌ بعضها في بعض، وليس أحد يكْمُلُ في شيءٍ على ما ينبغي، وهو جاهل بالبواقي، ولا سيما العلوم الشرعية وهي المقصودة”[9].

ولذا فإن هذه الطريق تتيح الفرصة للباحثين في علم التربية الإسلامية للاستفادة من مناهج ونظريات وبناءات العلوم الإسلامية الأخرى، وتتميز بالمرونة المنهجية والنظرية ودراسة الظواهر والقضايا من كافة الجوانب، وتتيح الإبداع في تحرير الإجابات على تساؤلات العلم المعرفية.

وأخيرا فإن الإفادة من العلوم الأخرى لخدمة علم التربية الإسلامية، ليست مقتصرة على العلوم الإسلامية فحسب، بل تشمل غيرها من العلوم الإنسانية، والتي تشترك معه في موضوع العلم، وهو الإنسان.


  • باحث دكتوراه في التربية الإسلامية

[1] المنثور في القواعد (1/72).

[2] حاشية ابن عابدين (1/162).

[3] علم التربية الإسلامية (ص270).

[4] في الروابط التالية، بعض لقاءات المركز التي تناقش بعض هذه التساؤلات المعرفية في علم التفسير:

https://youtu.be/bT_-8rhP_zI

https://youtu.be/XYkbZobp_PA

https://youtu.be/Ra4GTmPCSXw

[5] تداخل المعارف ونهاية التخصص في الفكر الإسلامي العربي: دراسة في العلاقات بين العلوم (ص15)

[6] تصور مقترح لتطوير البحث العلمي في التربية الإسلامية في ضوء مدخل البحوث البينية. (ص35).

[7] رحلتي الفكرية في الجذور والبذور والثمر (ص340).

[8] من كتاب تداخل المعارف ونهاية التخصص في الفكر الإسلامي العربي: دراسة في العلاقات بين العلوم (ص67).

[9] القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم (ص385).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى