عام

كيف تُؤثر مواقع التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية؟

تحرير: إيثار الجاسر

نظرةٌ عامةٌ على الواقع

بنظرة خاطفة على واقعنا نرى أنَّ لمواقع التَّواصل الاجتماعي تأثيرًا بالغًا على جوانب حياتنا لا يمكننا أنَّ نغض الطرف عنه، إذ نرى أنَّها استهلكت من الوقت والجهد، وأثَّرت في الفكر، وغيرها من الآثار.

لكنني أزعم أنَّ أخطر هذه الآثار هو أثرها النَّفسي، مما يستدعي التَّساؤل: كيف تؤثِّر مواقع التَّواصل الاجتماعي على صحتنا النَّفسيَّة؟

عندما نقول (مواقع التَّواصل الاجتماعي) قد يتبادر إلى الذِّهن أنَّ هذه المواقع تحقِّقُ تواصلًا حقيقيًا مع الغير وهذا ما لا أظنُّه  البتَّة.

فالواقع يبيِّن لنا حقيقة مفادها وأنَّه بقدر ما يزداد تواصلنا الاجتماعي في هذا العالم الافتراضي يزداد تباعًا شعورنا بالعزلة في العالم الواقعي؛ إذ لا تعطي هذه المواقع تواصلًا حقيقيًّا يُشبع حاجتنا البشريَّة الفطريَّة للتَّواصل مع الآخرين!، فشتَّان ما بين الجلوس مع صديق ما والتَّحدُّث إليه وجهًا لوجه وملاحظة لغة الجسد والتَّواصل البصري الذي يعدُّ أهمَّ أدوات التواصل وبين محادثته عبر الهاتف.

 

عرض الذَّات

من الأفكار الأساسيَّة التي تقوم عليها هذه المواقع هي فكرة “عرض الذَّات” ونعني بها أنَّ لكلِّ مستخدم حسابه الشَّخصي الذي يحتوي على معلوماته وصورته الشخصيَّة  وأفكاره وآرائه فضلًا عن مناقبه وإنجازاته، ولهذا المستخدم متابعون وجمهور يُعجبون بمحتواه مما يجعله راغبًا في المزيد من الانتباه ولفت النَّظر.

وكلُّ ما سبق يُغذِّي النَّرجسيَّة والشُّعور بالفرديَّة لا سيَّما مع كثرة التَّطبيقات وتعدُّد الحسابات.

المقارنة والشُّعور بالنَّقص.

قد يظنُّ البعض أنَّ ما يُعرض على هذه المواقع حقيقي وواقعي؛ مما يجعله يقارن حياته بحياة الأخرين وممتلكاته بممتلكاتهم وعائلته بعوائلهم ويدخل في دوامة نفسيَّة تؤدي به إلى فقدان الرِّضا عن نفسه والشُّعور بالنَّقص. وهذه المقارنة موجودة من قبل ظهور هذه المواقع من خلال مشاهير التلفاز والسينما ولكن هذه المقارنات الآن تحدث بشكل مستمر بلا وعي بين المرء ونفسه.

وجميعنا على علمٍ بأنَّ ما نراه في مواقع التَّواصل جزء لا يذكر من الواقع، إذ لا أحد يشارك النَّاس فشله وعثراته، ولا أحد ينشر ما مرَّ به من أحداث سيِّئة أو مشاعر سلبيَّة، ولا أحد يُظهر الجانب السيئ في شخصيته، لذا نتصور أحيانًا أنَّ الجميع يعيش حياة قريبة من المثاليَّة، حياة سعيدة، وخالية من المشكلات، مليئة بالإنجازات والأحداث الرائعة، وفي الواقع أنت لا ترى سوى الجانب المضيء من الصورة، لا الصورة بأكملها.

 

الإدمان

تقول د.يونج ملخصِّة نتائج بحثها عن إدمان الانترنت: “تشير النَّتائج الحاليَّة إلى أنَّ بعض مستخدمي الشَّبكة أصبحوا مدمنين على الإنترنت كالحالة التي يصبح فيها البعض مدمنين على المخدِّرات والكحول والقمار والذي يظهر في الإخفاق الدراسي وتدهور الأداء المهني بل حتَّى الانفصال الأسري.”

نعني بالإدمان؛ إدمان المحتوى الموجود على مواقع التَّواصل الاجتماعي على تنوُّعها واختلافها من مرئيات ومسموعات وغيرها، و ليس إدمان الجهاز نفسه الذي يحتوي على هذه المواقع والتَّطبيقات، وهذا الإدمان يجعل المستخدم يطَّلع على حسابه وآخر المستجدات فيه أولًا بأول طيلة الوقت. فهناك من يقوم بتصفُّح هذه المواقع فور استيقاظه من نومه، وخلال تناوله للطَّعام، وأثناء قيادته السَّيارة، وخلال المحاضرات أو الوقت المخصَّص للعمل، وفي أوقات راحته أيضًا، وكما يفعل في وقت المذاكرة أو القراءة أو الجلوس مع العائلة، ويقضي ساعات قبل النوم لتصفحها أيضًا، حتَّى كاد البعض منَّا يصل إلى مرحلة يجد فيها يده تتسلل لا إراديًا لالتقاط الهاتف و تصفُّح هذه المواقع والتَّطبيقات.

يقول إبراهيم السكران عن التَّصفُّح القسري في كتابه (الماجريات) : “من الملاحظ أنَّ بعض النَّاس أثناء الأوقات الجادة المخصَّصة للمهام، كاجتماع عمل أو حضور درس أو مذاكرة لاختبار أو بحث علمي أو ساعة ذِكْر وتلاوة و نحو ذلك، تتسلل يده مرارًا إلى هاتفه الذكي ويفتح شبكات التواصل مثلًا، ويبدأ إبهامه في تمرير الصَّفحات، فهل هذه مجرَّد عادة أم هي إدمان؟ المتخصِّصون في هذا الحقل يشيع بينهم التَّأكيد على أنَّ الفارق بين العادة والإدمان هو صفة “القهرية” فالعادة تظلُّ محكومة بالقدرة على السَّيطرة على الإرادة، بخلاف الإدمان الذي يتحوَّل إلى سلوك قهري.”

 

آلية الهروب النَّفسي

تشكِّل هذه المواقع آلية فعالة للهروب نفسيًّا من مهام الحياة اليوميَّة العلميَّة والعمليَّة والضَّغط النَّاتج عنها، فنراها المتنفَّس من هذه الضغوط والملجأ من التَّوتُّرات التَّابعة لها لتستنزف بنهاية الأمر طاقاتنا وأوقاتنا لا سيَّما في أوقات الاختبارات الدراسيَّة أو المهام المرتبطة بالعمل. كما يقول بعض الباحثين: “هذا النوع من التَّفكير المكروب قد يقود إلى استخدام قهري للإنترنت لتوفير آلية هروب نفسي لتحاشي المشكلات الحقيقيَّة أو المتخيلة.”

 

سؤال السبب

لما كلُّ هذا الانجذاب لهذه المواقع حتى كدنا نصل أو وصلنا لمرحلة الإدمان؟ تمتاز هذه المواقع والتَّطبيقات بجاذبية التَّصميم وسهولة الاستخدام وتنوُّع المتع السَّمعية والبصرية التي تقدمها ممَّا يجذب أكبر قدر من المستخدمين، كما أنَّها صُممت بطريقة تجعل المستخدم يستهلك أكبر قدر ممكن من الوقت في تصفحها ومن أمثلة ذلك: الإيتان بالمنشورات الفائتة التي لم يرها المستخدم، ولا نهائية المحتوى الموجود فيها، فكلما ضغطت على زرٍّ واحد تجد المزيد والمزيد من المنشورات.

كما تحقِّق -هذه المواقع- نوعًا من الإشباع الفوري للمستخدم والشُّعور بأهميَّة مايضع من منشورات وما يكتب من تغريدات وذلك من خلال مايتلقاه من إعجابات وإعادات تغريد وتعليقات وغيرها من ردود الأفعال التي تمثل المكافأة التي ينتظرها المستخدم ويتوقعها كلما نشر شيئًا جديدًا. بل إنَّ البعض يشعر بالإحباط اذا لم يلقَ التفاعل الذي يتوقعه، ويشعر بالنشوة كلما ارتفع عدد الإعجابات و التعليقات.

أصبحت الأرقام وأعني أرقام الإعجابات والتَّعليقات وماشابه؛ تتحكَّم في مشاعرنا فنستاء من فكرة فريدة لم تتلقَ إعجاب المتابعين ونفرح لصورة تافهة حظت بتفاعل عظيم. أصبحت هذه الأرقام تقيِّم أفكارنا بل وتقيمنا أحيانًا كوننا أشخاص.

 

تجرِبة أفضل

هذه المواقع فرضت نفسها في هذا العصر ومن الصَّعب جدًّا تركها بشكل كلِّي، لاسيَّما أنَّنا نحبُّها ونحبُّ هذا التَّواصل المزعوم الذي تحقِّقه لنا، وقد لا تخلو من فائدة.

فما هو الحلُّ؟ الحلُّ -بعد معرفتنا لجزء بسيط من آثارها النَّفسيَّة- يكمن في أن نجعل من تجربتنا لهذه المواقع والتَّطبيقات تجربة أفضل، بوعي وإرادة وتحكم. أولًا من المهم أن نعرف المشكلة المتعلِّقة بهذه المواقع ثم نقوم بحلِّها، فهل المشكلة تكمن في المقارنات اللاواعية، أم الشُّعور الزائف بالنَّقص، أو أيًّا يكن مما سبق ذكره والسَّعي لإيجاد حلٍّ لهذه المشكلة. و كما من الضروري مراقبة ما يدخل عقولنا من أفكار، وعاطفتنا من مشاعر وراء استخدامنا لهذه المواقع.

اسأل نفسك: بماذا أشعر بعد أن أنتهي من تصفُّح هذه المواقع؟ هل المحتوى الذي أتابعه يجعلني سعيدًا؟ هل الأرقام تتحكَّم في حالتي الشُّعوريَّة؟هل أفكاري هي أفكار من أُتابع؟ حاول أن تجد في داخلك إجابة صريحة عن هذه الأسئلة.

كما نشير إلى أهميَّة التَّحكُّم بالوقت الذي نقضيه في تصفُّح هذه المواقع، وذلك بالاستعانة بالتَّطبيقات التي تمكِّنك من معرفة الوقت الذي استغرقه تصفُّحك لكلِّ تطبيق، ومحاولة تقليص هذا الاستخدام قدر الامكان ووفق الحاجة، لأنَّك إذا لم تتحكم بهذه التَّطبيقات فإنَّها ستتحكم بك وتستحوذ على كلِّ وقتك وتعطِّل أعمالك وتشتِّت تركيزك. ومن الأمور التي تُعين على هذا التَّحكُّم تقليل عدد الحسابات الذين تقوم بمتابعتهم قدر الإمكان، وتعطيل التَّنبيهات لكلِّ تطبيق، وتخصيص أيام لا تستخدم فيها هذه المواقع وتصب تركيزك في الأمور الأخرى الأكثر أهميَّة. ولنتذكر دائمًا أن هذه المواقع سلاح ذو حدَّين ومن الضَّروري استخدامها بحذرٍ ووعي.

اقرأ ايضاً: فن الاعتزال: أهم مهارة لم يعلمك إياها أحد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. احد التعليقات التي استحضرها على النقطة الخامسة و هي سؤال السبب قول الله تعالى ( الهاكم التكاثر ) بل سمى سورة كاملة في القران بالتكاثر وهي سورة مكية من ثمانية آيات الهاكم و شغلكم و انساكم التكاثر في كل شيء في الاموال و في عدد المتابعين و في غيرها ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق