عام

وهم الكمال: التقنية والصحة النفسية

  • ويندي روز جولد
  • ترجمة: حفصة محمد
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: نورهان محمود

أتاح لنا عصر التقنية وصولًا إلى فائض من المعلومات وتسهيلًا لمختلف جوانب الحياة وزاد من إمكانية تواصلنا مع الآخرين حول العالم، إلا أنه على الرغم من ذلك يحمل بضعة جوانب سلبية.

فمثلًا؛ وجدت إحدى الدراسات أن قضاء الكثير من الوقت على الإنترنت إلى درجة الإدمان له أثرٌ قوي على الصحة العقلية؛ بل وحتى الاستخدام غير الإدماني للإنترنت له تأثيرٌ سلبي علينا.

تقول د. ليزا سترومان المعالجة النفسية ومؤسسة أكاديمية “المواطنون الرقميون”Digital Citizens Academy”: “عالمنا المثقل بالتقنية يؤدي حتمًا إلى تزايد التوتر لدى الأفراد من مختلف الأعمار.

 ففي السنوات العشر الماضية شهدت في عيادتي الخاصة قفزة كبرى لعدد الأفراد الذين يعانون من اضطرابات التوتر والقلق كنتيجة مباشرة لاستعمال التقنية. التوتر عمومًا يؤثر سلبًا على صحتنا العامة وسلامتنا عن طريق عرقلة نمط وإيقاع أجسادنا الطبيعي؛ كالهضم والنوم والمناعة.

ضغوطات التقنية الخفية

إن كثيرًا من سلبيات التقنية نوقشت على قطاع واسع، ولكن من المهم كذلك توضيح مزيد من الضغوطات الخفية التي تسببها؛ إذ بإمكاننا الحد من القلق الناتج عنها بشكل أفضل عن طريق فهم ومعرفة الأمور التي تحفز التوتر على نحو غير متوقع.

الابتعاد عن هواتفنا الذكية

من المذهل أننا فعليًا لدينا حواسيبُ في جيوبنا، ولكننا أصبحنا مرتبطين بأجهزتنا إلى الحد الذي جعل وضعها جانبًا أمرًا صعبًا؛ فمن الصعب مقاومة الرغبة الملحة في قراءة رسالة نصية جديدة بعد سماع صوت الإشعار، حتى إذا كنا بصدد فعل شيء مهم؛ كقيادة السيارة أوعبور الطريق أو قضاء وقتٍ مع من نحب، إن أيدينا تمتد نحو هواتفنا كرد فعل طبيعي إذا مرت ولو دقيقة شعرنا فيها بالملل أوالوحدة.

تقول سترومان: “لقد تكوّنت لدينا نوع من العلاقات “الاعتمادية” مع هواتفنا لكي نبقى متصلين بها على الدوام؛ لأننا الآن قادرين على الوصول إلى الإنترنت وإجراء المعاملات المصرفية  واستماع الموسيقى وغيرها من الأمور الكثيرة. لقد أصبحت الهواتف هي كل حياتنا، وبهذا فإن هناك خوفًا من البقاء دونها؛ هذا الخوف بالتالي يؤدي إلى التوتر لأن لدينا شعورًا بحاجة دائمة لأن نبقى على اتصال”.

حتى أن هناك مصطلحًا للخوف من البعد عن الهاتف: نوموفوبيا [رهاب فقدان الهاتف المحمول].

تقول دكتور سترومان أن في وسعنا الحد من مشاعر القلق التي تدفعنا إلى استخدام الهاتف الذكي عن طريق وضع حدود غير قابلة للتفاوض لأنفسنا؛ وتتضمن تلك الحدود الصحية عدم استخدامه خلال تناول الطعام، وفي المناسبات الاجتماعية، وقبيل موعد النوم، أوفي دورة المياه؛ قد يعني ذلك أيضًا فرض حدود زمنية ثابتة للأوقات التي تمضيها على هاتفك أو على تطبيق معين.

وقد يتطلب منك الأمر وقتًا قبل أن تعتاد على قلة استخدام الهاتف، ولكن إيجاد التوازن الملائم سيعطيك ذلك إحساسًا بالسيطرة في نهاية المطاف.

قلق المراسلات

إن من طبيعة البشر قراءة أدق التفاصيل، والمراسلات النصية على وجه الخصوص تبرز هذا الجانب منا جيدًا.

فعلى سبيل المثال، رد قصير على رسالتك الطويلة قد يُفسَّر على أنه ردة فعل باردة ولا مبالية، ورؤية رسالة تم استلامها دون أن تُقابل برد فوري قد يُشعرك أن الآخر يتجاهلك عمدًا، ثم تبدأ بالتساؤل (هل قمت بشيء خاطئ؟ هل مازالوا يقدرونك ويحبونك؟ هل جرحتهم أو آذيتهم؟). حتى العلامات التي تظهر أثناء كتابة الطرف الآخر لرسالة ما قد تحفز قدرًا من التوتر.

الحقيقة هي أن ما في وسعك اكتسابه من تواصلٍ مباشرٍ أكثرُ بكثيرٍ مما يمنحك إياه التواصلُ النصي، وذلك الهوس والاهتمام المفرط بتلك التفاصيل الدقيقة ضرره أكثر من نفعه.

لاحظ المرات التي تشعر فيها بالقلق أثناء المراسلات النصية، ثم اسأل نفسك إذا ما كان هناك سبب معقول وراء شعورك هذا، ثم اسأل نفسك ثانية ما الذي بوسعك القيام به لتخفيف هذا القلق.

في حالات عدة تكون الإجابة هي إبعاد نفسك عن الهاتف وشغل وقتك بأمور تجلب لك البهجة كهواية ما أو الخروج للمشي أو قضاء بعض الوقت مع من تحبهم؛ أو التركيز في العمل وارتياد النادي الرياضي؛ أضف إلى ذلك مقابلة الشخص الذي تراسله على أرض الواقع أوالاتصال به… كل هذه الأمور قد تخمد كثيرًا من القلق.

هاجس ألعاب الفيديو

الألعاب على الإنترنت قد تكون مسلية وحماسية؛ لكن الكثير منها مصمم بشكل يجعل إدمانها من السهولة بمكان. لربما ننسجم ونشعر بالانتماء لأفراد فريقنا ولا نترك اللعبة حينما يجدر بنا ذلك، أو ربما نمضي الكثير من وقت فراغنا باللعب في الوقت الذي نهمل فيه فعاليات أخرى مهمة كممارسة التمارين، والأكل الصحي، أوممارسة حقيقية للحياة الواقعية.

تقول د. سترومان “بالنسبة لبعض الناس، تحولت ألعاب الفيديو وتكريس الوقت اللازم لاجتيازها إلى حياة ثانية؛ قد تقضي آلاف الساعات للقتال والتنافس والتمرن لتخرج أفضل ما عندك أثناء اللعبة، الأمرُ الذي يتسبب بقلق للاعبين فيشعرون أن كل دقيقة يقضونها بعيدًا عن اللعبة هي دقيقة من الضياع واللاشيء”.

هذا الأمر ليس مفاجئًا على الأرجح؛ إن سر تفادي مشاعر القلق الناجمة عن ألعاب الفيديو يكمن في الحد من الوقت الذي يتم تمضيته في اللعب. مجددًا، الأمر يدور حول وضع حدودٍ صحية والاعتراف بالتجاوزات غير الصحية وإيقافها. ممارسة نشاط صحي يزاحم ألعاب الفيديو سيقلل من الوقت الذي تمضيه أمام الشاشة ويضيف إليك اهتمامًا خارج الألعاب الإلكترونية وصارفًا عنها.

النقد الذاتي المستمر أمام تجارب الآخرين

في الوقت الذي تصلنا فيه وسائل التواصل الاجتماعي ببعضنا، من المهم معرفة مدى ضرر التعرض المستمر لها على صحتنا العقلية. على سبيل المثال، تصفح الانستاجرام أوالفيس بوك ومشاهدة وجوه الآخرين السعيدة وصور رحلاتهم الجميلة و وجبات عشائهم المبهرة قد يشعرنا بالسخط أحيانًا على وضعنا الحالي وحياتنا.

تقول د. سترومان: “وسائل التواصل الاجتماعي تشكل عامل ضغطٍ كبير هذه الأيام لأسباب عدة؛ لكن الضغط الأساسي هو الطموح الدائم لأن نكون “محط الاهتمام على انستاجرام” والمقارنات اللامتناهية التي نتعرض لها ليل نهار”.

وتتابع “إن التوتر الناجم عن إحساسك بالحاجة إلى مشاركة كل ما تشاهده وتأكله وكل ما تفعل هو أمرٌ حقيقيٌ جدًا ويتزايد كل يوم؛ ليس فقط ضغط يضطرك للمشاركة دومًا لتبقى مواكبًا للمتغيرات، بل أيضاً ضغط يدفعك لمقارنة جسدك وحياتك وخبراتك مع نظيرها عن أقرانك والغرباء، وهو ما يكوّن لديك توقعات غير واقعية عن الحياة”.

بعد كل ماقيل، من المهم تذكر أن الجزء المبهر الذي نراه من حياة الآخرين ليس سوى ٥٪ من حياتهم؛ وهي تشمل أكثر الصور إطراءًا، وأفضل اللحظات، والجوائز، والعطل، واحتفالات الذكرى السنوية. حتى القليل من النظر في سجل صورك قد يتسبب بشيء من الغيرة.

من المثير للاهتمام أننا بدأنا نلاحظ انعكاس الأمور هنا؛ فالناس العاديون والمشاهير المؤثرون قد بدأوا يحنون ويشاركون صورًا بمحسنات أقل؛ بدأنا نرى محتواً أكثر واقعية.

قد يكون ذلك مفيد، ولكنه لا يعني أن عليك الشعور بضغطِ أن تكون “حقيقيًا” أنت الآخر، ولا يعني حتى أن ما تراه حقيقي بالكامل.

الأمر ليس سهلًا، ولكن أفضل مايمكنك فعله -كما تقول د. سترومان- هو أن تنسحب من وسائل التواصل الاجتماعي على نحو مدروس.

تقول “عش حاضرك، عش حياتك، وتوقف عن الإحساس بأن كل حركة تقوم بها بحاجة إلى توثيق أوالحديث عنها. تذكر أيضاً أن الصور لا تقول كل شيء عن حياة الشخص، وأن هذه المنشورات المنتقاة بعناية هي فقط الجزء الأسعد والأفضل والأكثر جاذبية من بين الصور التي تحاول إيهامك بالكمال”

أعجبني المقال

المصدر
verywellmind

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى