عام

الله هو الضمان الوحيد لاستمرار المنهج العلمي!

  • مصطفى قديح
  • تحرير: إبراهيم البابطين

حتى لحظة كتابتي لهذه الكلمات لم أجد مخرجًا للإلحاد والمادية من مأزق الضبط الدقيق لقوانين وثوابت ظهور الكون والحياة على الأرض، وبتتبع آراء علماء وقادة الملاحدة وجدتهم يقفون أمام هذا الضبط الدقيق عاجزين ويرون أنه أقوى حجج المؤمنين، وفي مجالسهم الخاصة يعتبرونه مشكلة كبيرة ولا يجدون مخرجًا منه، ويعده الفيزيائي -الحائز على جائزة نوبل- ستيفن واينبرج ورطة كبيرة ﻻ يمكن الاستهانة بها، لماذا؟

 

الأمر باختصار أنك أمام ثلاثة احتمالات لتفسير وجود الضبط الدقيق:

1- الصدفة: وهي قول ضعيف جدا، فمشكلة الضبط الدقيق ظهرت في الفيزياء وأظهرت بأن قوانين الفيزياء والكون مضبوطة كأنك وازنت الكون بحجمه الهائل ليستقر على حد السكين ! وهو ما ﻻ يمكن أن ينشأ بشكل اعتباطي بحيث يؤدي إلى هذا الإبداع في عمل الكون، والذي ما زلنا نكتشف عجائبه يومًا بعد آخر، فأن تقول صدفة يعني بأنك تبتعد عن نطاق البحث العلمي والعقل السليم.

2- الأكوان المتعددة: وهي افتراض بعيد جدا، لأنه ﻻ يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدًا. يأخذك القول بالأكوان المتعددة بدلًا من إيجاد حل واحد سهل وبسيط للتفسير كما نسعى دائمًا في إيجاده لمشاكل الفيزياء، إلى تعدد الحلول بل إلى حلول ﻻ متناهية (حيث يفترض وجود عدد لانهائي من الأكوان العشوائية في قوانينها وضبطها فيكون منها كوننا المضبوط بدقة)، واللانهاية هي معضلة الفيزياء التي تسد طريق أي تقدم فيها. ونجاح أي نظرية فيزيائية يتسم بتجنب اللانهايات وإزالتها، أما أن تفترضها وتعتبرها حلًا فهي ورطة كبيرة تظهر مدى ابتعادك بشكل كبير عن المنهج العلمي الذي يجب أن تسلكه.

3- التصميم: ويعني وجود قوى حكيمة خارج الكون تدبره، وتحكم تلك القوانين وتضبط ثوابت الكون على النحو التي هي عليه بدقة متناهية. ورغم كون هذا الحل (غير علمي تجريبي)، أي أنه ﻻ يمكنك التحقق منه بالطرق الحسية المعهودة سواءً عن طريق المشاهدة أو التجربة أو الملاحظة، إلا أنه الحل الأقرب للعقل السليم والمنطق المستقيم، وتمثل المسار الذي يحافظ على استمرارنا في كشف المزيد من خبايا وأسرار الكون الذي نجهل منه الكثير.

تخيل معي أننا قد وجدنا ظاهرة طبيعية معينة فاقترح بعض الباحثين أنها نتاج:

أ- صدفة… وهنا نسأل في هذه الحالة: هل يمكن لهذا الباحث أن يدخل معمله ويدرس الفكرة وراء عمل تلك القوانين والسعي في اكتشاف المزيد منها؟ فإن فعل ذلك فقد هدم اقتراحه لأن الصدفة ﻻ تفرض هدفًا أو غاية لكي نسعى في اكتشافها أو نتحقق من وجودها، أما لو لم يفعل وترك البحث لزادنا ذلك جهلًا، لأنه سيسد الباب لأي اكتشاف جديد أو سعي للتحقق من هذا الهدف.

ب- أكوان متعددة… الأكوان المتعددة بصورتها المفترضة اليوم تحتمل وجود أي شيء نظريًا حتى الشيء وضده، كيف لا وقوامها ومنشأها الصدفة البحتة لكنهم يحاولون ترويجها بشكل أكثر أناقة. فما معنى وجود عدد ﻻ نهائي من الأكوان المحتملة؟! معناه وجود كون مضبوط مثل كوننا نعم، ومعناه أن الأمر موجود ومنعدم في آن!

ﻻ تتعجب… فاللا تناهي في الاحتمالات يفترض أي شيء وكل شيء ولا يمكنك أن تضع قيودًا على أحد. فلو قدم باحث آخر ورقة علمية وافترض كونًا بعينه له خواص تجعله موجود ومعدوم في نفس الوقت فمن يستطيع أن يخطئه؟ وما المعيار الذي سنحاكم بحثه عليه؟ لقد تخطت احتمالاتنا الآفاق، ولابد لنا حينها أن نتحمل العواقب، وهي بطبيعة الحال انهيار المنهج العلمي والأسس التي قامت عليه، حيث يكون لا معنى للبحث والاكتشاف، إذ كل شيء وأي شيء يمكن وجوده سواءً اكتشفته أم لم تكتشفه، فأنت اليوم يمكنك افتراض نظرية معينة، وسيأتي باحث آخر ليفترض عكسها بنفس منهجيتك، وهكذا دواليك نستمر في حلقة مفرغة ﻻ تغني ولا تسمن من قيمة، بل تختفي عندها القيمة وينعدم وجود المعنى.

ج- تصميم وغاية… هنا فقط يكون للبحث والسعي في اكتشاف حل اللغز معنى. إذ أنك كباحث ستوقن بوجود هدف من وجود تلك الظاهرة، وبالتالي يمكنك بطريقة أو أخرى فهم عملها والمغزى من وجودها، بل وسيكون لديك معيار تحاكم عليه كل بحث يسعى لتفسير تلك الظاهرة. فأي بحث يتسلسل في الحل بطريقة منطقية سليمة ومبني على مقدمات صحيحة ومكتشفات مثبتة ستثق فيه كاحتمال لحل المشكلة وستستبعد ما عدا ذلك. ومن هنا نعلم مدى المأزق الذي نصل إليه في نهاية المطاف لو اتبعنا المادية البحتة في النظر للأمور، وكيف أنها عند نقطة حرجة ستقوم بإسقاط العلم والمنهج التجريبي الذي قامت عليه، فبدون وجود إله حكيم مريد فلا معنى للعلم أو المنهج العلمي!

فالمنهج العلمي ذاته قائم على مجموعة من المسلمات التي ﻻ يمكن إثباتها بأدواته، فلا يمكنك أن تثبت بشكل علمي -تجريبي- ثبات القوانين في الكون واطرادها في الزمكان بشكل عام، ربما تنبئك القوانين بكيفية عمل الظاهرة لكنها ﻻ تضمن لك حدوثها.. فأي وسيلة علمية تلك التي تمكنك من إثبات ذلك؟! إنه اﻹيمان فحسب .. نعم يا صديقي فكل باحث مهما ادعى من مادية بحتة أو إنكار للغيب إﻻ أنه يؤمن -ﻻ شعوريا- بتلك اﻷمور ويسلم بها ويمارس مقتضياتها كل يوم في معمله.

الخلاصة: لا يمكن للعلم أن يستمر إلا إذا تبنى العالِم وجهة نظر ميتافيزيقية بشكل أساسي!

اقرأ ايضاً: العلموية ونُقّادها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق