الفلسفة

العقل: معضلة الفلسفة المادية الكبرى

  •  أحمد فاخر
  • تحرير: أسامة خالد العمرات

علمُ الأعصاب الحاليّ قائمٌ على افتراض فلسفيٍّ لا يوجد عليه أيُّ دليل مباشر، وهو أنّ المخّ يَخلُق العقل، وربما أيضاً كثير من الناس يعتقدون أنّ هذه حقيقةٌ علميّةٌ مؤكّدةٌ، لكن في الواقع، لا يوجد آليّة بيولوجية إلى الآن، يمكن من خلالها أن يُنْتِجَ المخّ (الخلايا العصبية والمواد الكيميائية) العقلَ (الإدراكات والمشاعر والذكريات والأفكار)، لا أحد إلى الآن يعرف كيف نرى وكيف نسمع وكيف نفكر وكيف نتذكر؟ الرؤية -على سبيل المثال- هي نوع من أنواع الإدراكات الحسيّة لشيء ما (لنقل إنّك ترى تفاحة حمراء) كيف تفسّر الفلسفة المادية التي تقول إنّ المخّ يخلق العقل والرؤية؟ تفسرها هكذا:

الضوء (موجات كهرومغناطيسيّة بأطوال موجيّة مختلفة) يسقط على التّفاحة الحمراء، ثم يدخل هذا الضوء على مكونات العين، فتحدث تغيّرات كيميائيّة في شبكيّة العين، فتؤدي هذه التغيرات لتولد نشاطات كهربائية يحملها العصب البصريّ إلى المخ، -القشرة البصرية تحديداً- فتُحْدِثُ بعض التغيُّرات الكهروكيميائية فيه؛ هذا هو وصف الفلسفة الماديّة للرؤية، لكن أين عملية الإدراك في هذا الوصف؟ أنت تدرك اللون الأحمر لتفاحة، لا تدرك نشاطات كهروكيميائية في عينيك ومخك، لا أحد إلى الآن وضع آلية يمكن أنْ تتحول من خلالها النشاطات الكهروكيميائية في الحواسِّ والمخ، إلى تجارب شخصيّة واعية كإدراكِكَ لِلَون التّفاحة الأحمر، نفس الشيء مع كل القدرات العقلية، كالتفكير، لا أحد وضع آلية يمكن أن تتحول من خلالها النشاطات الكهروكيميائية في القشرة المخية لأفكار، كالتّذكُّر، لا أحد وضع آلية يمكن أن تتحول من خلالها النشاطات الكهروكيميائية في الحصين (جزء من المخ) لذاكرة، يوضح ذلك عالم البيولوجيا الحاصل علي جائزة نوبل Francis Crick في كتابه: الفرضيّة المذهلة، الذي يصر فيه على أنّ الوعي عمليّة فيزيائية حيث يقول: “الشيء المذهل الآخر، هو أنه بالرغم من كل هذا العمل، نحن لا نملك فكرة واضحة عن الكيفيّة التي نرى بها أيّ شيء… نحن لا نملك أيّ تفسير علميّ واضح يفسّر عمليّة الرّؤية… نحن لا نعلم كيف يَخْلُق المخُّ الوعيَ البصري”[1].

فالحاصل أنّ مَلَكَات الشيء، الذي نسميه العقل، كالأفكار والإدراكات؛ هي أشياء ليست ماديّة في ذاتها، هذه الأشياء ليست مكوّنة من ذرات أو جسيمات، كيف يمكن لأشياء لاماديّة أن تنبثق من شيء ماديّ (المخ) كيف يتحول الماديّ لشيء لاماديّ؟ لا أحد يعلم.

هذه كما يسميها فيلسوف العلوم David Chalmers معضلة الوعي الصّعبة، يوجد علماء يجادلون أنّ هذه المعضلة قد لا تُحَلُّ أبداً [2] فكل المرصود في علم الأعصاب ترابطات عصبية للوعي NCC وليست مسبّبات، يعني حين تُدرك شيئاً؛ يظهر نشاط كهربائي في الفصّ الصدغي، لكن هذا ليس معناه أنّ النّشاط الكهربائي هو ما سبَّبَ إدراكَك، وظهرت العديد من الأبحاث التي تؤكّد أنّ العقل أكبر من نشاط المخ الكهروكيميائي المترابط مع العمليات العقلية.

 

الأدلّة على أنّ العقل ليس نتاج المخ:

الدليل الأول: علم العصر الحاليّ يمكنه إرجاع الموتى من الموت -الموت المقصود هنا هو الموت بالمفهوم البيولوجي وليس الموت بالمفهوم الديني، وهو ما يُعرف بالسّكتة القلبيّة؛ أي توقف القلب عن ضخ الدم في الجسم، فيعقب ذلك توقّف جذع المخ عن العمل، ويُعرف ذلك عن طريق رصد فَقْدِ انعكاسات جِذع المخ، وتوقّف القشرة المخيّة عن العمل، ويُعرف ذلك بقياس النشاط الكهربائي فيها بواسطة جهاز تخطيط المخّ الكهربائي، فعندما ينعدم النشاط الكهربائي في القشرة المخيّة؛ يُعطي هذا الجهاز خطّاً مسطّحاً flat EEG وهذا معناه موت المخ، حيث  يمكن إعادة تشغيل القلب مرة أخرى بتقنيات مثل الإنعاش القلبي الرئوي CPR، ويمكن استعادة الدّورة الدّمويّة في المخ، ومن ثَمَّ إعادة الموتى للحياة مرة أخرى، وسؤالهم ماذا حدث لكم أثناء هذه الفترة، وكلٌّ من القلب والمخ لا يعملان؟

نسبة كبيرة ممّن يعودون؛ يتحدّثون عن تجارب شخصيّة واعية حدثت لهم أثناء هذه الفترة، منها رؤية أنفسهم في نفق في نهايته ضوء، ومنها مقابلة الأشخاص الذين ماتوا قبلهم، ومنها رؤية وتذكّر كلّ الأحداث التي حصلت في حياتهم، يعني أنّهم يقومون بعمليّات عقليّة معقّدة، والنشاط الكهربائي في المخّ معدوم، كما يقول كلٌّ من عالِم النّفس والأعصاب Peter Fenwick والطبيب المتخصّص في الإنعاش القلبي الرئوي Sam Parnia في ورقة على دورية Resuscitation [3]:

     These experiences have been recalled, while cerebral function has, through many studies, been shown to be severely compromised and electrical activity in both the cerebral cortex and the deeper structures of the brain have been shown to be absent

هذه التجارب الشخصية الواعية تحصل، فيما يكون النشاط الكهربائي في القشرة المخيّة والأعضاء الدّماغية الدّاخلية تحتها منعدماً.

طالما أنّ الوعي يظلُّ موجوداً بدون نشاط المخ الكهروكيميائي؛ إذن فهو ليس ناتِجاً عن هذا النشاط، ليست دراسات Sam Parnia فقط ما أثبتت ذلك؛ بل يوجد دراسات كثيرة قام بها العديد من الأطباء وعلماء النّفس على النّاجين من السّكتة القلبية، مثل Pim Van Lommel و Michael Sabom و Bruce Greyson و Penny Sartori، وكلّهم توصّلوا إلى نفس النّتيجة؛ الوعي لا يموت بتوقّف المخّ عن العمل، لذلك، كما يقول سام بارنيا، ملخِّصَاً نتائج هذه الدّراسات في ورقة منشورة على موقع جامعة أكسفورد Oxford Academic [4]:

     The results of studies of consciousness during cardiac arrest have been proposed to support the philosophical view that the mind or consciousness is a separate entity that interacts with, but is not produced by, the brain

تم الافتراض أنّ نتائج دراسات الوعي أثناء السّكتة القلبيّة تدعم النّظرة الفلسفيّة التي تقول إنّ الوعي كيانٌ منفصل يتفاعل مع المخّ فقط، لكن ليس ناتجاً عنه.

وضّح أيضاً أنّ ما يحدث في هذه التجارب ليس “اقتراباً” من الموت، هذه تَسْمِيَة شعبية خاطئة غير دقيقة، لا تصف كل الحالات، ما يحدث لهؤلاء الناس هو أنّهم يموتون بالفعل بيولوجياً، ثم يعودون، فهي تجربة موتٍ فعليّة وليست اقتراباً من الموت، ووضّح أيضاً أنّ كل التفسيرات الفسيولوجية لهذه التجارب (أنها هلوسات وأوهام من المخّ نتيجة انقطاع الدّم عنه، وأنّها نتيجة إفراز نواقل عصبية مختلفة في المخّ، وأنها نتيجة ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدّم، والأدوية المُهلوِسَة، دراسات حديثة تدَّعِي بقاء نشاط المخ لفترة بعد توقّف القلب…) وكل التفسيرات النّفسيّة (أنها اضطرابات تفكِّك، تبدِّد شخصية…) غير صحيحة ومتضاربة، ولا تفسّر كل ما يحدث في الواقع في هذه التجارب، فهو يصف من يقول إنّ هذه أوهامٌ وهلوسات بالسّخافة، لا يعمل المخّ أساساً في هذه التجارب، كيف تقول إنه ينتج هلوسات؟ ويذكر أيضاً إنّ الأشخاص يتمكّنون في هذه التجارب من إدراك أحداث واقعية قريبة من (محادثات وأفعال فريق الإنعاش) أو بعيدة عن أجسادها (أحداث خارج غرفة الإنعاش) وهم موتى، ولا يمكن اعتبار أنّ إدراك الأحداث الحقيقية هلوسة، فهذا دليل على أنّ وعيهم ما زال موجوداً حتى والمخ لا يعمل، فيقول: [5]

     they may describe events that were going on while they were being resuscitated. They may describe events that were going on outside their room, family members’ conversations that were going on that were not even in the room they were in, but things that have been verified

يمكنهم أن يصفوا الأحداث التي جرت أثناء محاولة إنعاشهم، وأحياناً يصفون أحداثاً تحدث خارج غرفة الإنعاش، كمحادثات أفراد عائلتهم، ويتم التّحقق بالفعل من حدوث ما أخبروا به.

الدليل الثاني: وعي معقّد بدماغ بسيط. تبدأ القصة بطبيب أعصاب الأطفال John Lorber حيث لاحظ أثناء عمله أنّه يوجد العديد من الأطفال المصابين بمرض استسقاء المخ -مرض ينتج عنه استبدال معظم النسيج العصبي في المخ بسائل الجهاز العصبي Cerebrospinal fluid- ما زالوا واعين وقادرين على أداء عمليات عقلية معقدة، حل مسائل رياضية مثلاً، حتى مع فقد حوالي 95% من النسيج الدماغي، في وقته لم يصدقه أحد من العلماء، بعضهم اتّهموه بالتزوير والخداع، وبعضهم شكَّكَ في قدرة أدوات تصوير المخّ في ذلك الوقت على تحديد نسبة فقدان النسيج العصبيّ الحقيقيّة، ولم تقبل أيّ مجلّة علميّة أبحاثَهُ للنّشر، لكن مجلّة Science عن طريق الكاتِب Roger Lewin بعد موتِه بكثير نَشَرَتْ ما توصّلَ له في ورقة بعنوان “هل مخّك فعلاً ضروري؟”[6]، ظهرت بعد ذلك العديد من الحالات التي أكّدت ما كان يقوله، فعلى سبيل المثال، حالة منشورة في مجلة The Lancet الطبية عن مريض فرنسي يبلغ من العمر 43 سنة متزوج، وعنده طفلين ويعيش حياة عاديّة جداً، هذا بالرغم من فقده لحوالي 90% من النسيج الدماغي[7]، هذا طبعاً مخالف للفلسفة الماديّة، فالوعي ظاهرة انبثاقيّة ناتجة من تفاعل ملايين الخلايا العصبية مع بعضها البعض في نفس الوقت، هذا الفَقْدُ الكبير في الخلايا العصبيّة من المفترض أن يدمّر الوعي، بالإضافة لذلك، يوجد أبحاث جديدة تثبت أنّ العديد من الأشخاص الذين يعانون من تدمير كبير لنسيج المخّ؛ هم في الحقيقة واعُوْنَ، عقولهم ما زالت موجودة وتعمل حتى لو ظهروا أمامك كأنّهم في حالة لا وعي[8] لذلك يوجد علماء يجادلون أنّ هذه البيانات دليل على أنّ الوعي أو العقل ليس نتاجَ المخ[9].

الدليل الثالث: العقل له تأثير سببيّ على وظيفة ومادة المخ، هذه حقيقة تمّ إثباتها بأطنانٍ من الأبحاث التجريبيّة، كما يقول عالم الأعصاب Mario Beauregard في ورقة على دوريّة Progress In Neurobiology وهي من أرقى المجلّات العلميّة في العالم، فالأفكار والمشاعر (مَلَكَات العقل) يمكنها أن تغيّر وتؤثّر في مادة الدماغ، هذا تمّ إثباته بالعديد من الأبحاث في مجال التنظيم العاطفيّ الذّاتي Emotional self-regulation (العواطف يمكنها أن تغيّر مادة المخ) وفي مجال العلاج النفسي Psychotherapy (تغيير أفكارك وأسلوب حياتك وسلوكها؛ يمكنه أن يغيّر مادة مخّك) وفي تأثير البلاسيبو Placebo effect (اعتقادك القويُّ في شيء؛ يمكنه أن يؤثر في مخّك وجسدك)، فعلى سبيل المثال، الأشخاص المصابون بمرض التوهّم Psychosis بعد جلسات علاج نفسية “جلسات علاج عقلي سلوكي CBT” يعني بعد ما يغيّرون عقولهم (أفكارهم وأسلوب حياتهم)؛ يتمُّ رصد تغيّرات في النشاط الكهربائي في منطقة اللوزة الدماغية Amygdala والفص المخيّ الأماميّ Frontal lobe في أدمغتهم، فالارتباطات العصبية بين الخلايا العصبية في هذه المناطق تصبح أقوى، وهذا ينتج عنه تعافيهم من المرض، وهُنا قد أثّر العقل على مناطق المخّ، وجعل الارتباطات العصبية أقوى، فكيف إذاً يكون العقل نتاجاً من المخ؟ وكيف يمكن للعقل أن يؤثر ويتحكم في المخ؟ هل ظلّ جسمٌ يمكنه أن يؤثّر في الجسم نفسه؟ لا، لذلك كما يقول Mario Beauregard في الورقة عن هذه الدراسات[10]:

It posits that the mind (the psychological world, the

first-person perspective) and the brain (which is part of the

‘‘physical’’ world, the third-person perspective) represent two

epistemologically and ontologically distinct domains that interact with each other

إنّها تدعم فكرة أنّ العقل (العالم النفسيّ) والمخ (العالم الفيزيائيّ) مختلفين أبيستمولوجياً وأنطولوجياً (لا يمكن القول إنّ العقل هو نشاط المخ الكهروكيميائي) لكن يتفاعلان مع بعضهما البعض.


المصادر:

[1]https://psycnet.apa.org/record/1994-97085-000

[2]https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4574630/

[3]https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0300957201004695

[4]https://academic.oup.com/qjmed/article/110/2/67/2681812

[5]https://www.npr.org/transcripts/172495667

[6]https://science.sciencemag.org/content/210/4475/1232

[7]https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(07)61127-1/fulltext

[8]https://www.newscientist.com/article/mg24232360-800-shocking-evidence-shows-people-in-vegetative-states-may-be-conscious/

[9]https://med.virginia.edu/perceptual-studies/book/irreducible-mind-toward-a-psychology-for-the-21st-century/

[10]https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0301008207000123?via%3Dihub

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هل يمكن دراسة الادراك العقلي مع النمو المخي خلالالمراحل العمرية لفئات مختلفة ؟
    وهل اكتمال نمو المخ يعني اكتمال الادراك العقلي ؟
    وهل وجد شخص مجنون بمخ غير معتل فيزيائيا؟
    كيف ينمو المخ مع العقل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى