الدين

التداعيات الخَطِرة للنَّسويّة الإسلاميّة

  • ترجمة: فرح علي
  • تحرير: أسامة خالد العمرات

كتبت إحدى المسلمات الرائدات في الحركة النسوية ذات مرة: إنّ المسلمين بحاجةٍ إلى الشّعور بالراحة عند قول “لا” للقرآن. حسنًا، لقد حان الوقت لكي يشعر المسلمون بالراحة في قول “لا” للنسوية.

اِلتقيت بزوجتي حين كُنّا طلابًا جامعيين في جامعة هارفرد، في مطلع شبابنا آنذاك اعتبرنا أنفسنا من أنصار الحركة النسويّة، هذا لأننا قد سمعنا ورأينا عن كثبٍ الضّرر الواقع على النساء جرّاء العنف والاضطهاد المجتمعي. كان لدى كِلَيْنا رغبةٌ عارمةٌ في محاربة هذا الاضطهاد، ومنع الأذى الجسديّ والعاطفيّ عن النّساء الأخريات. لقد شعرنا برغبة جامحة في العمل من أجل تحقيق عالمٍ تعيش فيه النّساء باحترامٍ ولطفٍ وحبٍّ ودعمٍ، والتّمتُّع بمعيارٍ كاملٍ من الحقوق التي يستحقّها جميع الناس، وما زالت هذه الرّغبة المُلحّة حاضرةً فينا.

بدت لنا الحركة النّسوية آنذاك أفضلَ طريقٍ لتحقيق ذلك العالم، ولكن أدركنا مع مرور السنين، أنّ النّسوية لم تكن حلًا، بل في الحقيقة كانت جزءًا من مشكلة أكبر بكثير.

إنّ مشاكلَ الفلسفة النّسوية هائلة، فمنذ فجر بدايتها، بدأت كحركة مناهضة للدِّين ومعادية للأسرة، ولا يقتصر تقويض النّسوية للعقيدة الإسلامية على خلّة واحدة فقط، وإنّما تتناقض النّسوية معها بجميع ما تملكه من خواصٍّ، ولرؤية هذه الحقيقة، ما عليك سوى قراءة كتابات أبرز المنظّرين للنّسوية في التاريخ، بدءًا من “الموجَة الأولى” للنّسوية وصولًا إلى “الموجة الثّالثة”، وهذا الاستنتاج غير قابل للإنكار (كما سنبين في الإحصائيات أدناه).

يحتاج المُسلِمون إلى فهم القضايا المتعلّقة بالفلسفة النّسوية؛ لأنّ العديد من المسلِمين اليوم يتبنّون هذهِ الحركة، وذلك في الغالب للأسباب نفسها التي جعلتني أنا وزوجتي نتبنّاها في مطلع شبابنا، فهذا أمر بالغُ الخطورة، وكما اكتشفت أنا وزوجتي، تضم الحركة النسوية بداخلها الكثير مما يتعارض مع الإسلام ويعرّض عقيدَته للخطر. هناك صراعات سطحية بين الإسلام والنسوية، وعلى النقيض، هناك تناقضات أعمق أيضًا. إنّ من الضروريّ تفصيل هذه المشاكل بدقة، ولكن فيما يتعلق بالمسلمين، يمكننا أن نبدأ ببساطة بالحكم على الشجرة من ثمارها؛ أيْ علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا ينتهي الأمر بالعديد مِمَّن يتبنون الحركة النّسويّة إلى تركِ الإسلام؟

 

الإحصاءات:

  • النّساء اللواتي يصنِّفنَ أنفسهُنّ على أنّهن نسويّات من المرجح أن يَكُنَّ أقلَّ تَدَيُّنًا مقارنةً بعموم النساء.(١)
  • سبع من كل عَشر نساء -تقريبًا- في عموم السّكان؛ ينتَمينَ إلى ديانة مُحدّدة كالبوذيّة والمسيحيّة والإسلام، ولكن بين صفوف النّسويات، لم تبلغ هذه النّسبة سوى امرأةٍ واحدةٍ من كل عشر نساء كان لها انتماء من هذا القبيل.(٢)
  • ولكن، هل يُشير ذلك إلى مَيل النّساء لترك العقائد الدّينية بسبب الفكر النّسوي؟ هنالك إحصاءات أخرى تدعم هذا الادّعاء. على سبيل المثال؛ تضاعَف عدد النّساء غير المتديِّنات ثلاث مرات في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي ١٩٩٣ و٢٠١٣.(٣)
  • لقد ازدادَ عدد الأشخاص اللادينيين بشكلٍ عامّ خلال هذا النّطاق الزمني، ولكن ما تُخبرنا بهِ الإحصاءات بشكلٍ أكثر تحديدًا هو أنّ نموّ عدد النّساء اللادينيّات قد تجاوز ديموغرافيًا الزّيادة الإجمالية.
  • عام ١٩٩٣ كانت نسبة الملحدين واللاأدريين من النساء ١٦٪، ولكن في غضون عشرين عامًا، تضاعف هذا العدد ثلاث مرات تقريبًا ليصل إلى 43٪.(٤)
  • يعزو المحلّلون سبب هذا الارتفاع الكبير في نسبة اللادينيّين إلى انتشار الفكر النّسوي والعَلماني بشكلٍ مُكثف عبر وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي. بعيدًا عن الإحصاءات؛ لا بّد أنّ الكثير منّا قد شَهِد ظهور هذه التوجهات والميول داخل المجتمع الإسلامي وبشكلٍ مكررٍ لدرجةٍ أصبحت فيها مُبتذلة.(٥)
  • يُبيّن العديد من الرّجال والنّساء في وقتنا الحاليّ الأسباب التي جعلتهم يرتدّون عن الإسلام، وليس علينا التفكير مطوّلًا للتكهّن بها.(٦) لأنّهم يصرّحون بها بوضوح: الإسلام، القرآن، والنبي هم عوامل تمكينٍ للنّظام الأبويّ والظلم. وبمعنًى آخر؛ الإسلام لا ينسجم مع المبادئ النّسويّة، فكيف يمكن أن يكون النّسويُّ مُسلمًا؟

 

رد فعل عنيف:

كل مسلمٍ ومسلمةٍ من الذين يتبنّون مبادئَ الحركة النّسوية سوف يُنكِرون بالطّبع دور نسويّتهم في وضعهم على طريق الارتداد عن الإسلام؛ ولكي أكون واضحًا؛ أنا لا أدّعي أنّ كلّ مسلمٍ يتبنّى النّسويّة سوف يرتد عن الدِّين في النهاية! فلن يُصبح كل مَن وقع في مياه ممتلئة بأسماك القرش؛ فريسة للقروش.

لكنّ احتمالاتِ النّجاة ليست مواتية، فقد ينجو السّباحون الأمهر من تلك المياه، مصحوبين ببعض الكدمات الدّموية، لكنّهم ما زالوا يتنفّسون، ما خلا هؤلاء فكلُّ شخصٍ آخرَ قد أصبح طعامًا للقرش.

وبالمِثْل، قد التهمت الحركة النسوية قطاعات كاملة من المجتمع الإسلامي، فإنْ كنا نهتم بالإيمان بشكلٍ عام، وبإيمان الجيل القادم بشكلٍ خاص؛ فليس بإمكاننا التغاضي عن هذهِ الديناميكية بعد الآن. فمن أجل معالجة المشكلة؛ يجب على المرء أولًا أن يدرك أن المشكلة موجودة. فلا يريد المجتمع المسلم، وخاصة في الولايات المتحدة، الاعتراف بأنّ النّسويّة ضارة وتُشكل تهديدًا مباشرًا على الدّين، وهذا ما سبّب لي وللآخرين الإحباط الشديد، وهذا لأنّ قول الكثير عن ذلك يعدّ خطأً سياسيًا لدرجة أنّ النّشطاء المُضلّلين ينقُضون بغضبٍ على أي شخص لا يلتزم بشكلٍ مُرضٍ بما يمليهِ عليه الحزب السياسيّ.

ولكن، بقدر ما يكون الأمر مُزعجًا؛ يجب علينا أن نواجه المُسيئين، يجب أن يُكسر هذا الصمت، وتقع على عاتق الزعماء الدّينيين والأئمة والعلماء مسؤولية البدء في تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. إن المخاطر كبيرة للغاية ولن نشعر بضيق التّزايد النسوي إلّا في غضون عشر سنوات، أو رُبّما حتى خمس سنوات، سوف ننظر إلى الوراء ونتساءل عمّا حدث، ولكن سيكون الأوان قد فات حينها. يجب أن يُتّخذ الإجراء الآن.

هدفي في هذا المقال هو إثبات أنّ الحركة النّسوية هي طريق الارتداد عن الدّين. إذا فهم المسلمون هذا المسار؛ فسوف يتعرفون عليه عندما يرونه من حولهم (أو داخل أنفسهم) وسوف يتمّ إلهامُهم للتحدّث ضدّه (أو إعادة النّظر في مسارهم الخاص، تمامًا مثل ما فعلنا أنا وزوجتي منذ سنواتٍ خلت).

من دون المزيد من اللغط، هُنا سأوضح كيف يكون تبنّي النّسويّة بداية طريق التخلي عن الدين.

 

المرحلة الأولى:

يبدأ كُل شيء بمظالِمَ مشروعة، عن الطريقة التي يُعامل بها بعض الرجال المسلمين النساءَ المسلمات.

هنالك اضطهاد مجتمعيّ وعنف منزليّ على الصّعيدين الجسديّ والعاطفيّ في مجتمعاتنا، وهنالك مساجدُ ومؤسّسات إسلامية تتجاهل احتياجات ومطالب المرأة، وفي بعض ثقافاتنا حول العالم تتعرض الفتيات لتمييز قائم على معايير مزدوجة ظالمة مقارنة بالذكور، والمُثيرُ للحُنْقِ أنّ الجِهات المسؤولة عن هذا الاضطهاد تحاول بكل جَهل وأنانيّة تسويغَ مُمارساتها في الإساءة والاضطهاد من خلال الاستشهاد بالقرآن والأحاديث النبويّة.

الحل لهذه المشاكل ليس الحركة النسوية، بل تصحيح الجهل بالشّريعة الإسلامية، وهذه المعرفة تتأتّى من العلماء الحقيقيين ممّن ليسوا تحت التّأثير الخانِق للحداثة والليبرالية والنّسوية ذاتها. لكن لسوء الحظ، يصعُب العثور على هذهِ المعرفة الحقيقية، لذلك انخرط المسلمون -نساءً ورجالًا- في الحركة النّسوية كوسيلة للتعبير عن إحباطهم وصدماتهم. هكذا يدخل المسلمون في المسار النّسوي، حيث كانت النتائج كارثية ولا يمكن التخفيف من وقعها.

إذا كان اضطهاد المرأة داءً، فإنّ المبادئ والأخلاق الإسلامية هي العلاج الطبيعيّ “والعضويّ” النافع، بينما النّسويّة هي علاج كيميائيّ سامٌّ وقاسٍ، والذي قد يتخلّص من المرض ولكنه يوشك على قتل المريض من خلال تكوين المزيد من الأمراض مكانه.

تصيح النسويات دائمًا أنّ السّبب في كل مشاكل المرأة هو “النظام الذّكوري”؛ وفقًا للنسوية، فإنّ الرجال -كنوع- هم من يمثّلون المشكلة (وكذلك النّساء اللواتي “تَقبلن” النظام الأبوي) لأنّ الرجال بطبيعتهم تَبَعٌ لهذا الفكر؛ يرغبون في السيطرة على النساء والإساءة إليهنّ واستغلالهن. هذه هي اللغة غير الشرعيّة المستخدمة لمعالجة مشكلة مشروعة، ولكن سيطرت تلك اللغة ببطء.

 

المرحلة الثانية:

في المرحلة الأولى، كانت الإساءات الملموسة لبعض الرجال (والنساء) هي المشكلة، أمّا في المرحلة الثانية تصبح المشكلات أكثر تجرُّدًا وخياليةّ.

حيث تتضمن تساؤلات من قبيل: لماذا لا تضمّ ​​اللجنة في المؤتمر الإسلامي أي امرأةٍ؟ لماذا يحتوي ملصقُ حدثٍ معينٍ على صور للمتحدّثين الذكور، ورموزًا مجهولةً فقط للمتحدثات النساء؟ لماذا يتحدث إمام المسجد عن الحجاب وما تلبسه المرأة؟ لماذا يهتم الرجال المسلمون بما ترتديه النساء على الإطلاق؟ لماذا يوجد في المسجد فاصل بين الرجال والنساء؟ لماذا يُعدُّ الفصل بين الجنسين (المعروف أيضًا باسم “الفصل العنصري بين الجنسين”) مشكلةً حتى في عصرنا الحالي؟ لماذا لا يعترف الرجال المسلمون بامتيازاتهم كذكور؟ لماذا تُعتبر مسألة الاحتشام مهمة على أي حال؟ كيف يجرؤ الرجال حتى على الحديث عن قضايا المرأة؟ أو إبداء الرأي بشأن النسويّة؟ (على الرغم من حقيقة أنّ النّسوية تتّهِم الرّجال بقمع نصف السّكان بشكل مُمنهج؛ قد يعتقد المرء بأنّ من حق المتّهم أن تكون لديه فرصة لمواجهة مثل هذه التُّهم الخطيرة، لكن وفقًا للنّسويّة فإنّ ذلك سيكون من جنس قِوامة الرجال على النساء).

الإجابة التلقائية على كل هذه الأسئلة، هي نفسها -بالطبع- كما كانت في المرحلة الأولى: “النظام الذكوري!”

على عكس المرحلة الأولى، لا يتمّ تحديد مشاكل المرحلة الثانية من خلال فهم راسخ للإسلام وتقاليده المعيارية، بل يتم تحديدها وطرحها من خلال إطار الخطاب النّسوي والليبرالي الغربي. يتضح هذا من خلال حقيقة أنّ النّسويات المسلمات في المرحلة الثّانية سوف يَنْتَقِدْنَ الأشياء التي لها أساسٌ قويٌّ في الشريعة الإسلامية وتعاليمها، مثل الفصل بين الجنسين والاحتشام، وقواعد المَلْبَسِ وما إلى ذلك. لكنّ النّسويات في المرحلة الثّانية عادةً ما يجهلْنَ هذه التعاليم، وعندما يتمُّ إخبارهن بأنّ هذه المُمارسات متجذّرة بقوّة في التّعاليم الإسلامية؛ هُنا يبدأنَ بالعمل عليها.

 

المرحلة الثالثة:

في المرحلة الثالثة، تُصبح التعاليم الإسلامية ذاتُها تحت مرمى النّيران، ففي المرحلة الثانية؛ كانت المظالم تتعلّق بممارساتِ المسلمين المعاصرين، لكن في هذهِ المرحلة؛ يمتدُّ هذا الغضبُ ليَطالَ تاريخ المسلمين، وعلمائهم تحديدًا.

يتساءل هنا أصحاب الفكر النّسوي، إذا كان النظام الأبويّ المُماثِل لهذا النّظام الشّموليّ هو مصدر الظّلم والاضطهاد، فإنّ من المنطقيّ أن يكون هذا الاضطهاد موجودًا بالتّأثير والمدى نفسه، إنْ لم يكن أكبر، في الماضي؛ -أو بعبارة أخرى- يصبح السؤال: لماذا لم يتصرّف علماء الإسلام عبر التاريخ وفقًا لأنماط التفكير المعادية للمرأة التي نراها من العلماء اليوم؟ وعندما ننظر إلى كتابات كبار علماء الإسلام؛ نجد أنّها مليئة بالمواضيع التي تعتبرها النّسويّة مثالًا لبُغضِ النظام الأبويّ وكراهيّتهِ للنساء. لهذا السّبب ستجد الكثير من النّساء المسلمات في المرحلة الثّالثة اللواتي بدأْنَ بسعيٍ حماسيٍّ للمعرفة من خلال الدّراسات الإسلامية في الجامعة، ثم صادفنَ هذه النّصوص أُصِبنَ بالرُّعب، وخاب أملهُنَّ في الدّراسات الإسلامية، معتبرين أنّ الأمر برمَّتهِ ملوثٌ بغُثاء النّظام الأبوي. في هذه المرحلة، تكتفي النّسوية المُسلمة بفكرة أنّ القرآن والحديث النبويّ هما الوحيدان اللذان يجب الاعتماد عليهما، حيث لم تشملهُا التّحريفات القبيحة من قِبل الرجال [الفقهاء]، ولكن بعد ذلك سوف تطالهما النّيران النّسوية.

 

المرحلة الرابعة:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، {وَلِلرِّجالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ}، {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}، “شهادة الرجل بشهادة امرأتين“، “ناقصات عقل ودين“، “أكثر أهل النار“، “لو كنت آمر أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها“… وهلمّ جرًّا. كيف تستطيع النّسوية المسلمة التوفيق بين كل هذا؟ كيف يمكن للوحي الإلهي أن يحتوي على العديد من التعبيرات التي في ظاهرها ازدراء للمرأة من وجهة نظر النّسويات؟ كل هذا يصبح مَعِيْنًا لا ينضب من الأوهام، حيث تستجدي النّسوية التي تنتقل من المرحلة الثالثة إلى الرابعة حلولًا جديدة.

لتبدأ سلسلة: ربّما تمّ تفسير هذه النّصوص بشكلٍ خاطىء؛ لعلّنا لو قمنا بتأويلها لأمْكَنَنَا تفسير تلك الآية وذلك الحديث؛ حيث من المحتمل أن نقدر على التوفيق بين الوحي الإلهي الذي اُعتبر قمّة البلاغة والحكمة والعدالة من قبل أصحاب القرن السابع (والثامن والتاسع والعاشر…) إلى آخر الهلوسات غير المترابطة لأساتذة الدراسات العلمانية الجندرية في القرن العشرين والواحد والعشرين… ربما وفقط ربما! فكل شيء ممكن!

هذا السلوك السّاذج لا يمكن أن يستمر لمدة طويلة إلا في ظل الجهل بالكمِّ الهائل من الآيات القرآنية والأحاديث التي تتناقض مع النّسوية الحديثة؛ كلّما كانت النسوية المسلمة واعية بوجود هذه الآيات والأحاديث؛ كلمّا زادت احتمالية انتقالها للمرحلة الرابعة.

تُدرك النّسويات المُسلمات في المرحلة الرّابعة أنّ الطريق الوحيد لحسم هذه المسألة العويصة والتوفيق التام بين النّسوية الحديثة وعموم الإسلام؛ هو بانكار وحيانيّة القرآن وإمكانية تطبيق السنة النبوية.

ستجد في المرحلة الرابعة إصلاحِيِّين مسلمين يصرّحون بأشياء من قبيل: “يجب أن نقول لا للقرآن” بل فيهم من يذهب إلى أكثر من ذلك فيسيء إلى الأنبياء وينعتهم بالأوصاف القبيحة لسبب تستطيعون تخمينه جميعًا: نعم هو “النظام الأبوي الذكوري!”

في المرحلة الرّابعة، يصبح الطّعن في الدِّين بلا مبالاة أمرًا ممكنًا، كذلك الدعوة إلى أمور من قبيل إمامة النّساء لصلاة جماعة مختلَطة، وزواج المسلمات من غير المسلمين، وإباحة الشذوذ، وتقبّل التحوّل الجنسي، وتحليل الزنا وهلمّ جرًّا. السّبب في ذلك أنّهم لم ينبذوا بعضَ أو كُلَّ المُسَلّمَات العلميّة فحسب، بل هم ينكرون وجود سلطة كالشريعة والسُّنة تحدد سلوك المسلم. وكل من يزعم أنّ لديه سلطة للنطق باسم الإله وبما يأمر به؛ يتمّ إدانته فورًا بكونه ذكوريٌّ ظالم! (مفهوم “السلطة” بالنسبة لهم يعدُّ مفهومًا ذكوريًا على أي حال).

لا يوجد الكثير من النّسويات المُسلمات اللاتي يبقين في المرحلة الرابعة لأنّ تسويغَ كل هذه الأمور مع الاستمرار بادّعاء الإسلام أمرٌ شبه مستحيل.

إنّ مستوى التّنافر المَعرفيّ المَطلوب للحفاظ على هُويّة المرء يُصبح مُعطّلًا، وحقيقة أنّ المجتمع المسلم ككلّ يتعارض (عن حق) مع التجديف بعيدًا وتجاهل تعاليم الإسلام من قِبَل هؤلاء الأفراد يجعلهم يشعرون بالمرارة بشكل متزايد من كونهم مسلمين بالمطلق.

 

المرحلة الخامسة:

العذاب العقليّ في المرحلة الخامسة لا يمكن أن يُطاق، ولا يتطلّب الأمرُ الكثير في هذه المرحلة لدفع شخصٍ ما إلى حافّة الانهيار.

ينطلق هنا وابل من التساؤلات من قبيل:

إذا كان الله لا يُميز بين الجنسين، فلماذا يشير إلى نفسه على أنه “هو” في القرآن، وليس “هي”؟ لماذا كان الإنسان الأول رجلاً وليس امرأة؟ لماذا معظم الروايات التاريخية في القرآن عن الرجال وليس النساء؟ لماذا كان آخر نبيّ رجُلاً وليس امرأة؟ لماذا جاءنا الوحي من الله عن طريق رجل وليس امرأة؟

هذا الوابل من الأسئلة البسيطة ولكن غير المنطقية يأخذهم حيث حافّة جرف الارتداد عن الدِّين، ثم الفكرة نفسها التي دفعتهم إلى هذا الطريق في المقام الأول؛ تمنحهم دَفعة أخيرةً إلى الهاوية: لماذا سمح الله بتواجد النظام الأبوي بالمطلق؟ ألم يعطِ أي أهميّة تُذكر لإخضاع واغتصاب مليارات من النساء البريئات على مدى آلاف السنين؟

الجواب الوحيد الذي يمكن أن تقدّمه الحركة النّسويّة في هذه المرحلة؛ هو الإجابة الوحيدة التي يمكن أن تقدمها في كل المراحل: كان الأمر برمّتهِ كِذبةً من اختلاق الرّجال للسّيطرة على النساء.

 

النهاية:

يكمن خطر الفكر النّسوي في أنّه يعمل مثل لعبة الدومينو. بمجرد أن يبدأ الشّخص في تفسير كلّ شيء من خلال التذرُّع بالنظام الأبوي “البطريركية”؛ الباقي كُلُّه مجرد مسألة وقت، هذا لأن منطق تحليل كل ظُلم من خلال التذرُّع بالسّلطة الأبويّة؛ تفسيرٌ شامل للغايّة، ولكنّه غير دقيق ومضلّل ومدمّر. كانت النّسويّات في المرحلة الخامسة أكثر صدقًا واتساقًا من الناحية الفكرية من النّسويّات في المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة؛ لأنّهن استنبطْنَ في هذه المرحلة تداعياتِ النّسويّة حتى نهايتها المريرة.

 

الموجة الأولى للنّسويّة

قد يسأل القارئ: ما التعريف الحقيقي للنّسوية، والذي تكمن فيه المشكلة هنا؟

الحقيقة هي أنّ النّسويّة نفسَها في جوهرها وبشكلٍ عام، هي المشكلة.

لتقريب الصورة، معظمنا يُدرك أنّ العنصرية مشكلةٌ بمختلف أنواعها وتُسَمِّمُ إيمان الفرد، سواءً كانت ضد أشخاصٍ من عرق معيّن أو لون معيّن.

ومع ذلك، فإنّ العنصرية التي تتضمّنُها إيديولوجيا جماعة كو كلوكس كلان -منظّمة تؤمن بتفوّق العِرق الأبيض- تختلف عن عنصريّة النّازيّين الجُدد أو أقصى اليمين، لأنّ هنالك فروقًا دقيقةً. ولكن، هل تهمّ تلك الفروق حقًا؟ إنْ كان جوهر العنصريّة هو نفسه تتقاسمه جميع الفرق المتباينة؟

لكي أكون واضحًا، وجهة نظري ليست كونَ مشكلة النّسويّة أيديولوجيّةً عنصرية، مشكلة النّسويّة، وهي واحدة من مشاكل كثيرة، تكمن في أنّ تبني الحركة النّسوية بشكل ثابت ومنهجيّ يقود المسلِمين إلى أزمة إيمانيّة تؤدي إلى ترك الإسلام بالكامل، وهذه ليست مصادفةً أو شذوذًا إحصائيّاً، حيث تتضح لنا الكيفية عندما نستوعب عملية تقدّم المسلمين من المرحلة الأولى إلى المرحلة الخامسة، وإذا لم يزل بعضنا غير مقتنعٍ، يمكننا أن ننظر إلى جذور النّسويّة نفسها، كما عبّر عنها بعض أبرز شخصيّاتها عبر التاريخ.

كانت النّسويّة مناهضة للدِّين منذ نشأتها، وفي الواقع، كانت أبرز الشخصيات في كل موجة نسوية متطرفة في مناهضتها للدِّين.

منذ بدايتها في القرن التاسع عشر كحركة اجتماعية من أجل حق المرأة في التّصويت، استهدفت الحركة النّسوية في “موجتها الأولى” الدِّين التقليديّ، واعتبرته مصدرًا لإخضاع المرأة.

حيث اعتقد أوائل المفكرين النّسويين أن المؤسسات الدِّينية لم تساهم فقط في إهمال حقوق المرأة، بل كانت بالفعل المصدر الأساسي الذي ظهرت منه المعتقدات والممارسات المعادية للمرأة.

وأشارت سوزان برونيل أنتوني، إحدى الشّخصيات المحورية في حركة حق المرأة في التصويت، إلى أن “أسوأ عدو للنساء يقف على المنبر”.(7) غالبًا ما انتقدت أنطوني الدِّين التقليدي، واعتُبِرَتْ من قبل الذين عرفوها شخصيًا بأنها لادينيّة.(8)

من أقوالها:

“أنا لا أستطيع أن أتخيل إلهًا للكون، يُسعدهُ أن أجثو على ركبتي وأناديه بالعظيم!”(9)

وكتبت بإسهاب إحدى نسويات الموجة الأولى في القرن التاسع عشر، هيلين غاردنر، عن جرائم وانتهاكات الكتاب المقدس والمسيحية في معاملتهما للنساء:

“إن الدِّين والكتاب المقدس يأخذان من المرأة كل شيء، ولا يعطيانها شيئًا، يطلبان منها دعمها ومحبتها، ويقابلان ذلك بازدراء وظلم.. وكل ظلم وقع على النساء في بلد مسيحيّ قد “أذن به الكتاب المقدس” وعمل على إثباته وإدامته من هم يقفون على المنابر”.(10)

ولم يقتصر ازدراء كاردنر للدِّين على المسيحية، حيث قالت في كتابها “رجال، نساء وآلهة”:

“على الرغم من أنهم يدّعون بأنّ مصدر الدِّين خارقٌ للطبيعة وفوق العقل البشري، فإنّه يجب أن يخضع للاختبار من قبل المنطق البشري.

الشيء الوحيد الجيد في أيّ ديانة هو الأخلاق، ولا يوجد أيّ علاقة بين الأخلاق والإيمان. تتحدّد الأولى بالأعمال الصّالحة في هذه الحياة بينما، يتحدّد الآخر بمعايير غير معروفة في حياة لاحقة، الأولى هي ضرورة عصرها والآخر هو حلم يتطلع للخلود.

تعتمد الأخلاق على تطور كونيّ، والإيمان بوحي خاص؛ ولا يمكن لأيّ امرأة أن تقبل أيّ “وحي” تم تقديمه لهذا العالم بعد الآن”.

“إن موسى أو كونفوشيوس أو محمد أو بولس أو إبراهيم أو بريجهام يونغ يؤكدون أنّ عقيدتهم جاءت مباشرة من الله، وأنّه كان على اتصالٍ شخصيّ مع أحد هؤلاء الأشخاص المفضّلين أو جميعهم، إنّها حقيقة لا يمكن أن يكون لها أي سلطة علينا إلا إذا كانت تعاليمهم منسجمة مع أسمى أفكارنا؛ أنبل أهدافنا، وأنقى مفاهيمنا عن الحياة”.

“من منهم يمكنه اجتياز الاختبار؟ لا يوجد “وحي” واحد معروف للإنسان اليوم يمكنه أن يواجه القرن التاسع عشر، ويقول: “أنا موازٍ لأعظم تطور لديك؛ ما زلت أقود أسمى أفكارك؛ ولا تتصادم أيّ من تعاليمي مع إحساسك بالعدالة، الجواب لا أحد.”(11)

يمكننا أن نجد هذا العِداء تجاه الدِّين من خلال كتابات وخطب العديد من أبرز النّسويّات في الموجة الأولى، بما في ذلك إليزابيث كادي ستانتون، التي قدّمت بنِيَّة تخريبيّة كتابة الكتاب المقدس النّسائي. إذا كتبت النّسويات المسلمات اليوم “القرآن النّسائي”؛ فسوف يلحقن بالنّسويات منذ أكثر من 100 عام اللاتي كُنّ جزءًا من الموجة الأولى، والتي من المفترض أنّها كانت الأقل تطرفًا والأقل اعتراضًا بين الموجات النّسوية.

لكن العِداء للدِّين لا ينتهي عند هذا الحدّ؛ تأمّل ما يسمى بـ “الموجة الثانية” التي بشّرت بها الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار، والتي عبَّرت عن معارضتها للدِّين على النحو الآتي:

“يتمتّع الرّجل بالمميّزات العظيمة وذلك لأنّه يملك إلهًا يؤيّد الشفرة التي يكتبها؛ وبما أنّ الرّجل يمارس سلطة سياديّة على المرأة، فمن حُسن الحظّ أنّ هذه السّلطة قد مُنحت إليه من قِبَل الكائن الأعلى. عند اليهود والمحمديين والمسيحيين وغيرهم، إنّ الرّجل هو سيّد الحق الإلهي. لذلك فإنّ مخافة الله ستقمع أي دافع نحو التمرد عند الأنثى المضطهدة “. (12)

فيما يتعلّق بالدِّين، تقول النّسويّة البارزة من الموجة الثانية غلوريا ستاينم:

“إن فكرت مليًّا فستدرك أنّ إيمانك بشيء ما مقابل حياة بعد الموت؛ لَهُوَ احتيالٌ مذهلٌ، فحتّى الشّركات بكل ما تملك من نُظم المكافآت؛ لا تحاول أن تجعلها بعد الوفاة”. (13)

كذلك سُئلت ستاينم في مقابلة حديثة: “برأيك ما أكبر مشكلة تعاني منها النّسويّة اليوم؟ وأجابت:

“ما لا نتحدث عنه بما فيه الكفاية هو الدّين، إنّ الروحانية شيء، لكن الدِّين شيء أخر، إنّهُ مجرد سياسة في السّماء، أعتقد أنّه يتعيّن علينا حقًا التحدث عن ذلك، لأنّه يستمدّ قوته من الصّمت”.(14)

في الموجة الثالثة، يشتدُّ العِداء المُمَنهج تجاه الدِّين، لكنّ هذا العِداء يتّخذُ أشكالًا عدّة بما في ذلك التّفاني من أجل “الدِّين البديل” و “الروحانيّة غير المذهبية”. تقول سوزان شو، أستاذة المرأة والنوع والجنسانية:

“في ضوء المؤسسات الدّينية التّقليدية مثل الكنيسة والمسجد والمعبد؛ فإنّ النظام الذكوري البطريركي هو الدِّين السّائد في العالم”.

وكذلك تقول: “يُعاني العالم من مشكلة نوع جنسيّ ذات أبعاد دينية، فنحن بحاجة إلى إصلاح، وربما إلى ثورة لهدم سلطة الذكور وإعادة بناء ملاذ عالمي من الاندماج والإنصاف والعدالة والسلام والمحبة”.(15)

واعتقدت الفيلسوفة النّسوية المِثليّة الراديكاليّة ماري دالي أنّ الدِّين بطبيعته قَمعِيٌّ تجاه النّساء، وأوضحت ذلك بقولها:

“يمكن مقارنة مُطالبة المرأة بالمساواة في الكنيسة بمطالبة الرجل الأسود بالمساواة في كو كلوكس كلان.”(16)

وأشارت كذلك في مقالتها الاستفزازية “sin big”:

عندما اكتشفت هذا الأصل؛ أدركت بشكل بديهيّ أنّه بالنّسبة إلى إنسانٍ محاصر من قبل النظام الأبوي، والذي هو دِين الكوكب بأسره، معنى “أن تكون” هو “أن تذنب”.(18)

في هذا المقال، تُشجّع دالي النّساءَ على امتلاك “شجاعة الخطيئة”، حيث يُنظر إلى الخطيئة بالمعنى الدِّيني على أنّها أعلى شكل من أشكال الاحتجاج ضد النظام الأبوي، وأنّ تقويض النظام الأبوي يسير جنبًا إلى جنب مع تخريب الأعراف الدّينية. حيث أنّه وبالنسبة لهم لا يوجد فرق بين الاثنين، لأنّ الدّين أبويٌّ، والأبوية دِيْن، وتدمير أحدِهما هو تدمير للآخر.

 

القانون النّسوي مُشبع بآراءَ تخريبيّة مماثلة، تكفي لملء مجلدات متعددة.

وبالطبع نرى أنّ هذا التّخريب تعكسه النّسويات المسلمات (خاصة في المرحلة الخامسة)، حيث يتعلم المرء من المعلمين، وأحيانًا على الرغم من نفسه.

وبالنظر إلى الانتشار المُطلق للمشاعر المعادية للدِّين بشكلٍ لاذع في جميع مراحل الفكر النّسوي عبر التاريخ؛ كيف يمكننا أن نتخيل أن تَبنّي مثل هذه الأيديولوجية بأيّ شكل من الأشكال من شأنه أن يؤدّي إلى أيّ شيء خلاف تحلل عقيدة المسلم؟

وأخيرًا أناشد الأئمة وعلماء الدِّين والقادة أن يأخذوا على محمل الجد الحاجة إلى التطرق إلى مواضيع غير مريحة مثل النّسوية التي تم تجنُّبها منذ مدّة طويلة. ربما كان تجنب مثل هذه الموضوعات أمرًا جيّدًا في الأيام التي سبقت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، عندما كان بإمكان المسلم العاديّ أن يعيش دون غَمْرِهِ بالبروباغندا المعادية للإسلام. لكن اليوم، من المرجح أن يؤدّي التجنب إلى تغذية الاستياء المُتزايد وخيبة الأمل من الإسلام وتعاليمه.

هذا لأنّ المرء لا يستطيع إخفاء الآيات والأحاديث والتراث “المثير للجدل” عن الجماهير إلى أجلٍ غير مسمى، سوف يتعرف عليه الناس أولًا، لأنّ الملحدين والنشطاء الليبراليين في مهمة “فضح” الإسلام، عندما يكتشف المسلمون هذه المعلومات، سيشعرون بالارتباك الشّديد، والخيانة العميقة، وسيتركون الإسلام بأعداد كبيرة، هذه العملية جارية بالفعل، ما عليك سوى الاطلاع على وسائل الإعلام الاجتماعية النّسائية المسلمة البارزة، والمواقع الإلكترونية المُخصّصة لقضايا المرأة المسلمة لترى العِدَاء المُتزايد والغضب ضدّ الإسلام الأرثوذكسي.

بدلاً من منح النّسوية تفويضًا مطلقًا لإحداث الفوضى في الأمة، يجب علينا مضاعفة جهودنا لنقد النّسوية وتفكيكها على أساس فكري وأكاديمي، إنّ تقديم مثل هذه الانتقادات هو خارج نطاق هذه المقالة الموجزة، ولكنّها قادمة إن شاء الله. في النهاية، سيُتيح تفكيكُ النّسويّة للمسلمين مساحةً فكريّة وعاطفيّة لفهم العلاقات بين الجنسين بشكلها الصّحيح في الإسلام، ومعرفة مدى تفوّقها من حيث العدالة والرّحمة على كل ما تقدّمه الحركة النسوية.

أُكرِّر، كوني أنا وزوجتي كنا نتبنّى الفكر النّسوي في مرحلة ما، لكن الحمد لله سرعان ما أدركنا إلى أين يقود المسار النّسوي. ومع ذلك، فإنّ التّخلي عن نسويّتنا كان بمثابة عزاء صغير بالنّظر إلى حقيقة أنّ بعض النساء يعانِينَ من ظلم شديد في الحياة، علاوة على ذلك، كيف يمكن التوفيق بين حقيقة أنّ الشريعة الإسلامية تتضمن أحكامًا مختلفة تعتمد على نوع الجنس وبين الإحساس العام بالعدالة والمساواة؟ كانت هذه الأسئلة تشغلنا فيما مضى، لكنّ بداية طريق الحصول على الإجابات جاءت عندما أدركنا أنّنا بحاجة إلى إعادة ضبط أفكارنا عن العدالة والمساواة.

ولا توجد وسيلة خير من تأمل كلمات مصدر الرحمة والعدالة جل وعلا في كتابه:

{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴿١٩٣﴾ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿١٩٤﴾ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴿١٩٥﴾ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿١٩٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٩٧﴾}

وأيضًا:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾.}

لا يُضيّع الله عمل أحد، ذكرًا كان أم أنثى، والله لا يحكم علينا إلا بما اختبرنا به لا أكثر ولا أقل، فلن يتمّ الحُكم على النّساء وفقًا لما أُعطي للرجال، ولن يتم الحكم على الرجال وفقًا لما أعطي للنساء. هذا هو معيار العدل بين الجنسين الذي أعطانا الله إياه في القرآن، ليس الأمر أن يخضع الرجال والنساء لنفس القانون المُحدد بالضّبط، ولا أنّ الرّجال والنساء مُكلفون بنفس المسؤوليات تمامًا، وليس الأمر كذلك، أنّ الرجال والنّساء يتمتعون بالسّمات نفسها بالضبط، مثل ما خلق الله أنواعًا مختلفة من الكائنات -الملائكة والجن والحيوانات والجبال والغيوم وهلمّ جرًّا- وأعطى كل فئة خَلَقَهَا مكانتها ودورها في الخلق، وبالمثل، خلق الله الرّجال والنساء بشكلٍ مختلف، لكنّهم لا يزالون “من بعضهم بعضاً”، كما يجب على الرجال والنساء المسلمين دعم بعضهم البعض في هذه الأوقات العصيبة والمُربكة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن معالجة جميع أنواع الإساءات وسوء المُعاملة الذي تتعرّض له النّساء، والذي يتفاعلُ معه مَن هُم في المرحلة الأولى، بشكلٍ كامل من خلال القواعد والمبادِئ التوجيهيّة الإسلامية على النّحو المنصوص عليه في القرآن والسنة.

في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي(20)

وكذلك قوله: “لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ(21)

لكنّ الإساءات التي تتعرض لها العديد من النساء لا تقتصر على العنف الجسدي، حيث يمكن أن يكون الإهمال والإساءات العاطفية أكثر تدميرًا من الضّربات الجسديّة، فكثير من النّساء المسلمات لا يشعرن بالاعتزاز، ناهيك عن الاحترام من قبل أزواجهن. حيث يشعر البعض منهن كما لو أنّهن لسن بأكثر من خادمات في منازلهن.

في القرآن الكريم، وفي سورة المجادلة، قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}(22)

الله وهو سيّد كل مخلوق تتجلى رحمته ويتجسّد اهتمامه في سماع شكاوى امرأة مضطهدة من قبل زوجها؛ إذن فكيف يُمكن للزّوج المسلم أن يكون قاسياً وجافَّ القلب لدرجة تجاهل الاحتياجات العاطفيّة لزوجته؟

إنّ نظرةً تفصيليّة على حياة الرّسول وأصحابه تبيّن أنّهم لم يلجؤوا في أيّ موضع إلى التقليل من شأن المرأة أو إهانتها أو إزدرائها، سواءً كانت المرأة من زوجاتهم أم أخواتهم أم بناتهم، تروي روايات كثيرة كيف أنّ هؤلاء الرّجال المُباركون حرصوا على أن يكونوا حسّاسين وعاطفيين تجاهَهُنَّ، وأن يوفُّوا حقوقهُنَّ تجاهَهُنّ بالإحسان.(23)

يتوجّب علينا كمسلمين مضاعفة ثقتنا بقوة الإسلام، وليس “النّسوية الإسلامية” لمعالجة الظلم. فالمثال النّبوي هو أنموذجنا ومعيارنا للعدالة بين الجنسين، وليس التأملات (المعادية للدِّين غالبًا) لسوزان أنتوني، وسيمون دي بوفوار، وبِيتي فريدان، وجلوريا ستاينم، أو بيل هوكس.


الهوامش

[1] Aune, Kristin. “Much Less Religious, A Little More Spiritual.” Feminist Review, vol. 97, no. 1, Mar. 2011, pp. 32–55., link.springer.com/article/10.1057%2Ffr.2010.33. Accessed 16 Aug. 2017.

[2] Aune, Kristin. “Why Feminists Are Less Religious.” The Guardian, Guardian News and Media, 29 Mar. 2011, www.theguardian.com/commentisfree/belief/2011/mar/29/why-feminists-less-religious-survey. Accessed 16 Aug. 2017.

[3] Marcotte, Amanda. “America Is Losing Religion: Why More and More Women Are Embracing Non-Belief.” Alternet, 14 May 2015, www.alternet.org/belief/america-losing-religion-why-more-and-more-women-are-embracing-non-belief. Accessed 16 Aug. 2017.

[4] “2015 State of Atheism in America.” Barna Group, 24 Mar. 2015, www.barna.com/research/2015-state-of-atheism-in-america/. Accessed 16 Aug. 2017.

[5] Aune, Kristin. “Why Feminists Are Less Religious.”

[6] Bolt, Andrew. “On Leaving Islam.” Herald Sun, 18 June 2017, www.heraldsun.com.au/blogs/andrew-bolt/on-leaving-islam/news-story/c53fcdca1b98905f1f8909a9ce6323c6. Accessed 16 Aug. 2017.

[7] MicMillen, Sally as cited in: Seneca Falls and the Origins of the Women’s Rights Movements https://www.csmonitor.com/Books/2008/0205/p17s01-bogn.html

[8] New York World, February 2, 1896, quoted in Harper (1898–1908), Vol. 2. pp. 858–60

[9] Ibid.

[10] Gardener, Helen Hamilton. Men, Women, and Gods. S.l., Forgotten Books, 2017, infidels.org/library/historical/helen_gardener/men_women_and_gods.html. Accessed 16 Aug. 2017.#0

[11] Ibid.

[12] Beauvoir, Simone de, and H. M. Parshley. The Second Sex. South Yarra, Vic., Louis Braille Productions, 1989.

[13] “Gloria Steinem.” Freedom From Religion Foundation, ffrf.org/news/day/dayitems/item/14362-gloria-steinem. Accessed 12 Sept. 2017.

[14] Calloway-Hanauer, Jamie. “Is Religion the ‘Biggest Problem’ Facing Feminism Today?” Sojourners, 6 May 2015, sojo.net/articles/religion-biggest-problem-facing-feminism-today. Accessed 12 Sept. 2017.

[15] Shaw, Susan M. “Is Patriarchy the Religion of the Planet?” The Huffington Post, TheHuffingtonPost.com, 1 Oct. 2015, www.huffingtonpost.com/susan-m-shaw/is-patriarchy-the-religio_b_8228710.html. Accessed 12 Sept. 2017.

[16] “Mary Daly.” Wikipedia, Wikimedia Foundation, 8 Sept. 2017, en.wikipedia.org/wiki/Mary_Daly#cite_note-26. Accessed 12 Sept. 2017.

[17] Daly, Mary. “Sin Big.” The New Yorker, The New Yorker, 19 June 2017, www.newyorker.com/magazine/1996/02/26/sin-big. Accessed 12 Sept. 2017.

[18] Quran 3:193-197. Sahih International Translation.

[19] Quran 4:58. Sahih International Translation.

[20] Tirmidhi. Vol. 1, Book 46, Hadith 3895.

[21] Abu Dawud. Book 1, Hadith 279.

[22] Quran 58:1. Sahih International Translation.

[23] تأمل الرواية المطولة التي يصف فيها عمر (رضي الله عنه) سلوك النبي صلى الله عليه وسلم تجاه زوجاته، حيث كُنَّ يتحدثنَ ويتشاورن معه علانية، ولم يحذرهنّ النبيّ من ذلك، بل عاملهُنّ بالاهتمام والإحسان. يمكن العثور على هذه الرواية في صحيح البخاري، المجلد. 3، كتاب 43، الحديث 648.

أعجبني المقال

المصدر
muslimskeptic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى