العلم

إله الفجوات

  • أحمد عبد العزيز

”إله الفجوات“ هي عبارة يسمعها تقريباً كل مؤمن عندما يقدم أي حجة منطقية على ضرورة وجود الخالق، على سبيل المثال في النقاشات بين منظري التصميم الذكي ومنظري الداروينية، أو في النقاشات بين الفلاسفة اللاهوتيين والفلاسفة الملحدين، يستعملها الملحدون دوماً وكأنما يستخدمون أقوى أسلحتهم ضد الإيمان، أي برهان يعجز الملحد عن الرد عليه بشكل منطقي، يصرخ ”إله الفجوات“ وكأن هذه العبارة هي طريقته السحرية لإنهاء أي نقاش لا يستطيع أن يكمله بانتصار زائف.

لكن في الواقع هذه الحجة – وكما سيتم التوضيح في هذا المقال – هي واحدة من أسخف وأضعف الحجج التي يمكن أن يستخدمها الملحد ضد الإيمان لسببين رئيسيين.

  • هكذا يسير العلم

عندما تكون هناك نظريات متنافسة لتفسير مجموعة من الظواهر التي نرصدها في الطبيعة كيف يختار العلماء النظرية الأفضل من بين هذه النظريات؟؟ ببساطة يبحثون عن ”الفجوات“ أو بمعنى آخر ”عدد الظواهر التي لا تستطيع كل نظرية تفسيرها“ في هذه النظريات، والنظرية التي تحتوي على ”فجوات“ أقل أو بمعنى آخر ”التي تفسر عددًا أكبر من الظواهر“ تكون هي النظرية الأفضل وهي الوصف الأدق للطبيعة، لا يوجد أي شيء خاطئ عندما تجادل ضد نظرية ما على أساس ضعف قدراتها التفسيرية، كل العلوم الطبيعية تسير هكذا، تخيل هذا الحوار بين اثنين من كبار علماء الفيزياء في التاريخ أينشتاين وإسحاق نيوتن:

نيوتن: أعتقد أن نظريتي عن الجاذبية كقوى متبادلة بين الأجسام، هي التفسير الأفضل لظاهرة الجاذبية، نظريتي تستطيع تفسير كثير من الظواهر التي نرصدها في نظامنا الشمسي.

أينشتاين: صحيح أن نظريتك تفسر كثير من الظواهر في النظام الشمسي، لكنها تعجز عن تفسير حركة كوكب عطارد، وتعجز عن تفسير تأثير الجاذبية على الضوء، نظريتي أنا عن الجاذبية كانحناء لنسيج الزمان والمكان تستطيع تفسير هذه الظواهر، في حين نظريتك لا تستطيع، ومن هنا فنظريتي هي التفسير الأفضل لظاهرة الجاذبية، لأنها تفسر كل الظواهر التي تفسرها نظريتك، بالإضافة لظواهر تعجز نظريتك عن تفسيرها.

نيوتن: لا، أنت تستخدم ”انحناء زمكان الفجوات“ عجز نظريتي عن تفسير ظواهر معينة لا يعني أن نظريتك أفضل من نظريتي في المستقبل ستتمكن نظريتي من تفسير هذه الظواهر ولن نحتاج لنظريتك في شيء.

لو أن العلوم تسير وفق هذا الحوار الافتراضي، لن يحصل أي تقدم علمي.

باتباع نفس منطق المنهجية العلمية، عندنا نظرتان للوجود ”النظرة الإيمانية للوجود = يوجد خالق خلف الطبيعة“، ”النظرة الإلحادية للوجود = لا يوجد خالق خلف الطبيعة“، يجب أن ننظر الآن إلى ظواهر هذا الوجود ونرى أي النظرتين يفسر هذه الظواهر بشكل أفضل= يحتوي على ”فجوات” أقل، فتكون هذه النظرة بذلك هي النظرة الأكثر عقلانية في ضوء الأدلة المتاحة.

اللعبة التي يمارسها الملحد الذي يصرخ ”إله الفجوات“ في رده علي أي برهان منطقي على وجود الخالق هي نفس رد نيوتن الأخير في الحوار الافتراضي بالأعلى، كلما أشار المؤمن لفجوة في نظرته الإلحادية للوجود على سبيل المثال عجز النظرة الإلحادية عن تفسير التصميم أو ”حجة التصميم“:

– يوجد تصميم ونظام واضح في الكون والأنظمة الحيوية.

– هذا التصميم لا يمكن أن ينتج إلا عن ذكاء واعي.

– إذا يوجد خالق خلف الطبيعة.

يرد الملحد ”لا، في المستقبل سيتم تفسير هذا التصميم بشكل طبيعي بما يتوافق مع نظرتي الإلحادية للوجود ولن نحتاج الخالق“ كما ذكر بالأعلى هذا النوع من الردود يخالف المنهجية العلمية، هذا النوع من الردود هو مجرد طريقة مخادعه يستخدمها الملحد للهروب من فجوات نظرته للوجود.

المجادلة على أساس ”ضعف القدرة التفسيرية“ في ضوء الأدلة المتاحة شيء منطقي وطبيعي، الغريب والمضحك أن الملحد نفسه لا يتردد أبدأ في المجادلة بنفس الطريقة، الملاحدة لا يترددون أبدآ في إظهار ”فجوات” وجهة النظر الإيمانية للوجود، على سبيل المثال اعتبروا وجود الشر ”معضلة الشر“ فجوة في وجهة النظر الإيمانية وجادلوا على أساس هذه الفجوة أن الإيمان بخالق يهتم بنا أمر غير منطقي، على مر التاريخ استخدم ملاحدة مثل إرنست هيكل في كتابه تاريخ الخلق الطبيعي ”حجة التصميم السيء“ للمجادلة أن وجود مصمم أمر غير منطقي:

– مصمم كلي القدرات.

– يجب أن يخلق مخلوقات مثالية.

– المخلوقات فيها بعض العيوب ”أعضاء ضامرة مثلاً ليس لها وظيفة“ وليست مثالية.

– إذن الخالق ليس كلي القدرات او هو لم يخلق هذه الكائنات.

ألا يستطيع المؤمن أن يلعب نفس اللعبة عندما يستخدم ملحد أي حجة ضد الإيمان ”لا، في المستقبل سنكتشف مثلاً أن هذه الأعضاء الضامرة لها وظيفة بما يتوافق مع نظرتي الإيمانية للوجود ومن ثَمّ حجتك ساقطة ويوجد خالق كلي القدرات؟“ يستطيع المؤمن عكس هذه اللعبة ببساطة.

لكن البعض قد يسأل ماذا لو في المستقبل بالفعل تم اكتشاف تفسير للتصميم الموجود في الطبيعة بشكل مادي طبيعي مثلاً بدون الحاجة لخالق؟ هذا بالتأكيد سيضعف موقف المؤمن، ويقوي موقف الملحد، لكن بنفس المنطق ماذا لو في المستقبل تم اكتشاف أمثلة تؤكد علي أن هناك المزيد والمزيد من التصميم في الطبيعة الذي تعجز النظرة المادية للوجود عن تفسيره؟ هذا بالتأكيد سيقوي موقف المؤمن ويضعف موقف الملحد، كل شخص يستطيع أن يتخيل المستقبل كما يريده، أنت لا تعرف ما في المستقبل كي تفترض أنه سيأتي بما يتوافق مع هواك.

فالخلاصة: المجادلة على أساس ضعف القدرة التفسيرية في ضوء الأدلة المتاحة ليس به أي شيء خاطئ الملحدون أنفسهم يستخدمون نفس هذا الأسلوب للمجادلة ضد الإيمان، والمستقبل مجهول، الأدلة المستقبلية قد تقوي أو تضعف من موقفك دون أن تدحضه بالتأكيد بشكل تام، مع تغير الأدلة يجب أن نقارن دوماً أي النظرتين الإيمانية أو الإلحادية يفسرها بشكل أفضل؟ هذا هو الموقف الأكثر عقلانية.

  • فجوات أسوأ

 من يستخدمون حجة ”إله الفجوات“ تلك يظنون أن التقدم العلمي يقوي موقفهم (يسد فجوات نظرتهم) ويضعف موقف المؤمن وهذا طبعاً اعتماداً على نظرة تعميمية لما فعله بعض الناس عبر التاريخ، فيقولون لك ”الناس في الماضي كانت ترى الرعد والبرق فتقول الله يخلقهم مع تقدم العلم اكتشفنا أسباب هذه الظواهر الطبيعية وما عدنا بحاجه لإدخال الله في التفسير وهكذا كلما تقدم العلم سنجد تفسيرات طبيعية للظواهر التي تستخدمونها للمجادلة أن هناك خالق“.

صحيح يوجد ناس في الماضي كانت تفعل ذلك، لكن لا يصح التعميم لأنه لا يوجد ولا أي لاهوتي مسلم له شأن بين المسلمين كالإمام الغزالي أو الإمام ابن تيمية على سبيل المثال جادل هكذا:

– لا نعرف كيف تدور الكواكب.

– إذن الله موجود.

في الواقع القرآن مليء بالآيات التي تشجع المسلمين على البحث عن الأسباب الطبيعية وراء الظواهر ولم ينكر أحد من المسلمين أن الكون يسير وفق قوانين طبيعية لكن هذه القوانين خلقها الإله لما خلق الكون ويمكنه التحكم فيها كيفما شاء، لا يوجد أي حجة من الحجج اللاهوتية الرئيسية التي طورها المسلمون والمسيحيون (حجة السببية، حجة التصميم، …) في مقدماتها ”لا نعرف كذا إذن الله موجود“، حجة التصميم للأنظمة الحيوية المعقدة التي يستخدمها منظري التصميم الذكي الآن علي سبيل المثال ليست هكذا:

– يوجد تصميم معين في الأنظمة الحيوية المعقدة.

– لا نعرف سبب طبيعي لهذا التصميم إذن الله موجود.

بل:

– يوجد تصميم معين في الأنظمة الحيوية المقعدة.

– هذا النوع من التصميم (لا يمكن) أن يأتي من خلال آليات طبيعية بمفردها لابد من وجود ذكاء، ثم يقضون عشرات الصفحات في تبرير هذه المقدمة بأدلة.

– إذن الله موجود.

حجة السببية وغيرها من الحجج التي استخدمها المسلمون والمسيحيون في الماضي والتي ما زالت تستخدم حتى الآن على وجود الله ليست:

– لا نعرف ما الذي سبب الكون؟

– إذن الله موجود

بل:

– سبب وجود الكون لا يمكن أن يكون سببًا طبيعيًا ماديًا أو لا يمكن أن يكون الكون أزليا أو الكون مفتقر في وجوده لخالق ثم يقضون عشرات الصفحات في تبرير هذه المقدمات ببراهين منطقية وفلسفية مختلفة.

– إذن الله موجود.

هذا النوع من الحجج ليس فيه أي احتكام للجهل بل هي حجج منطقية نتيجتها تنبع منطقياً من المقدمات التي تم البرهنة عليها بأدلة منطقية أو فلسفية أو علمية ورد الملحد عليها بأنها مجرد حجج “إله فجوات“ مشابهه لرد نيوتن علي أينشتاين بالأعلى، مجرد طريقة مخادعة للهروب من فجوات نظرته الإلحادية.

والتقدم العلمي في الواقع لم يمس ولا أي حجة من الحجج اللاهوتية الرئيسية التي استخدمها اللاهوتيون عبر العصور بل على العكس جعل بعضها أكثر قوة.

على سبيل المثال مع تقدم علم الفيزياء (ظهور التلسكوبات والأقمار الصناعية ومصادمات الجسيمات ونظريات الكم والنسبية) ظهرت حجة الضبط الدقيق وبدلاً من كون التصميم مقصوراً على الأنظمة الحيوية وحسب أصبحنا نعرف أنه موجود في الكون كله كذلك، مع تقدم علم الأحياء (ظهور الميكروسكوبات الإلكترونية) أصبحنا نعرف الآن التعقيد والتصميم المذهل في الخلايا، في الماضي كل معرفتنا عن الخلية قبل اختراع هذه الأجهزة كان ٱنها مكونة من غشاء بلازمي ونواة فقط، ما كان عندنا علم بالمادة الوراثية وتعقيدها، الليسوسومات، جسم چولجي، الشبكة الإندوبلازمية، الميتوكوندريا، وغيرهم من عضيات الخلية، هذه الاكتشافات الحديثة بخصوص الخلية تجعل من الصعب تفسير منشأها على سبيل المثال بشكل طبيعي بدون خالق حتى أبسط أنواع الخلايا أصبحنا نعرف أن فيها درجات من التعقيد فالتقدم العلمي هكذا فتح فجوات أكبر في وجهة النظر الإلحادية وقوّى موقف المؤمن.


مراجع:

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى