عام

(إنَّ من البيانِ لسِحرًا)

ثغرُ البيان، بين القلمِ واللسان، وحاجةُ المسلمِ له

  • عبد الله آل معاوية القحطانيّ

إهلال؛ في فضل البيان وأثره في النّفوس

قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم (إنَّ من البيانِ لسِحرًا)

الحمد لله علَّم القرآن، خَلَقَ الإنسان، علَّمه البيان، وبعد:

فإنَّ الإنسان لمَّا كان من دون المخلوقات مفكِّرًا، كان من دون جميعها مُفصِحًا، ولمَّا كان من جِبلَّة النفوس أنَّها أقبَلُ على الحَسَن، وأنفَرُ عن القبيح، كانت لاستواء الكلام أطْلَب، ولتهذيب الكِتاب أحوَج، ولذا كانت الإبانةُ والبيانُ طِلْبةَ الكُبراء، وحِلْيَةَ الأُمراء، ومؤونةَ المتكلِّمين، وعدَّة المتحدِّثين، ولولا اللِّسان المُبين، والبيان الرفيع، لاغتمضَ المكنون، واحتَجَب المعنى، ولم يكن المرادُ يصلُ إلى المُريد، ولا السَّهمُ يجتازُ دَريئةَ المقصود[1]، ولَكَان القولُ لضعف وقعه في النفوس متروكًا، والكتابُ لقلَّة جذبِه منبوذًا، وإذا لم يكن من تهذيبِ بيان القلم، وتجويدِ بيان اللِّسان، إلاّ خِلابةُ المنطق، وثَنْيُ الأعناق، وإمالةُ النفوس به، واستلابُ الألباب معه، لكان أمرًا محقوقًا بالطلب، وغايةً مطلوبةً بالسَعي. ولو لم يكن من اللسان سوى الإسماع، ومن الكتاب إلاَّ إمكان النظر فيه، ومن الذِّهن سوى فهمِه لهذين، لكفى بهما سبيلَين إلى الألباب المَنيعة، والنفوسِ المُوصَدة الغليظة.

ولو أنَّ شيئًا لا يُوصَل إليه لانشِعاب مَسْلَكِه[2]، وانفتاقِ طريقته، لكان البيانُ لمَشعُوبِه راتقًا، ولمفتوقِه راقعًا، ولذا لم يزل التكسُّب به عادةَ المُفتقِرين، وحيلةَ المُعدَمين، مع وفرة المنفِّرات فيهم من الصورة المقبوحةِ، والثوبِ المُخْلَق[3]، وإذالة الكرامةِ لدى السلطان، وإراقةِ ماءِ الحياء عند ذوي الرِّياسة، وقد كان الخلفاءُ والملوكُ لا يردُّون جموعهم ولا يدفعونهم إلّا قليلًا، على أنَّ صرفهم أخفُّ في الكُلفةِ من إعطائهم، ودفعَهم أهونُ على النَّفس من النظر إليهم، وكانوا مع ذلك لضعف أحوالِهم يرضون بالقليل ممّا يسعون له، وبالأدنَى ممّا تذهب المروءة لأجلِه، فنالوا بالبيانِ محروسَ النفائس، واغتَفَروا بعلوِّ السِّياقة محروزَ الكنوز، واقتحموا على الأمراءِ على شدَّة مَناعة حصونِهم، وكَزازةِ أيديهم، وضَنانَةِ نُفوسهم[4]؛ لفخامةِ كلامهِم وسِحر بيانهم، وحُسن ارتيادِهم لبُغيتِهم. والعرب إنّما قدّمَت على وفودها أهلَ هذا الفنّ، وجعلَت على رؤوسِها جماعةَ هذه الصَنْعَة، لِمَا تعلمه من أثرِ خطابهم وعاقبةِ كتابهم، وأنَّ داهم الشرِّ عليها ممّا لا عُدّة عندها لردِّه، ولا قدرةَ لها على منعِه، ربّما دفعَهُ باهرُ القولِ من أحدهم.

 

أدوات البيان

وأدواتُ البيان: قولٌ باللسان، ونقشٌ بالقلم، وإشارةٌ بالجوارح، واللسانُ والقلمُ أعلَى من الإشارة شأنًا، وأليق بالبيان محلًّا، بل البيان عليهما مُنعقِد، وبهما مَنُوط، وليس يكون بغيرهما ظاهرًا، لأنَّ بلاغةَ المعنى وعذوبةَ اللفظِ، إنّما تكونان فيما كُتب كتابًا، أو أُلقِيَ خطابًا، وإذا تمثّل المرءُ مكنونَه بالإيماء، وأبدى ما بنفسه بالتلويح، وتكلَّف لذلك الجُهد، وجوَّد معه التصرُّف، لم يتبلَّغ منالَه من الإفصاح، ولم يرجع من الاسترسال فيه بِطائل، ولكان فضلُ بيانِ لسانه وتبيانِ كتابِه ساعتئذٍ أظهَر، وحاجته إليه أبيَن. وهو في الإشارة بجوارحه مُحتاجٌ إلى الحركة الكثيرة، وتقليب صورة الوجه لإبلاغ المقصود، مع ما في ذلك من تُهمةِ الجنون، ونَفَار الأفهام عنه، ولا يَحتاج في كشفِ خوافي الصّدر، وإيضاحِ غوامض النّفس، إلاّ للفظٍ حسن، ونَظمٍ مستقيم، وهذا من عمل القلم واللسان وحدهما.

 

في حاجة المسلم للبيان

اعلم –سدَّدك الله- أنَّه ليس يخلو وقتٌ من باطلٍ يناهضُ حقًا، ومن كذبٍ يُساجِلُ صدقًا، ومن يومٍ تَنجُم فيها حاجةٌ لمقالة صدق، وحديثِ نَصَفَة، وحاجةٌ لإعظامِ محمود، وبهرجةِ مكذوب[5]، وأنّه ليس يذهب من الزمان كثيرٌ ولا قليلٌ إلاّ وفيه باطلٌ يُنشَرُ بكذب، وحقٌ يُخفَر جانبُه ببُهتان، مع تحَيُّفِ الزمان، وكثرة الأوابِد، وقلَّة الذائِد، وجفاء الناصر، ولو رأيت سعيَ الباطل على التزيينِ للتضليل، وجهده في الزَخرفةِ للإغواء، ورأيتَ ما قدر عليه من مسخٍ للفضيلة بمن دخل في عسكرِه، وألقى قِيادَه إليه عالمًا أو جاهلاً بحقيقتِه، لفطنت بعِلَلِ فلاح العدوِّ، وأسبابِ نُجْحِه، ومُوجِبات ظَفَرِه بجودة تزيينه لباطله، وتحسين إشاعته له، حتّى صارَ مغمورُه ظاهرًا، وظاهرُه واضحًا، ومجموعُه منتشرًا، ولانتشاره وقعٌ، ولوقعِه أثر، لأنَّه لو لم يكن على شيءٍ من تلك الأسباب والمُوجبات لكان مُنتبَذًا، ألا ترى أنَّ الشيطان لا يدعو إلى الفحشاء إلا بتزيينِها، ولا يدفع إلى الرذائل إلاّ بالإيهام لها وتحسينها، ولا يخذِّل عن الفضيلةِ إلاّ بتقبيحِها، والحرص على تثقيلِها ؟ كذلك فإنَّ الأمر إذا تغشّاه حُسنٌ كانت النفوسُ له أميَل، وإذا تلبّسه قبحٌ كانت عنه أنفَر، وعن قبوله أبعَد، وقد تجد القول صوابًا وهو مدفوع، وتراه حقًا وهو متروك، وربّما كان ممَّا لا شكَّ عليه، ولاريب فيه، وما يتركه السامع والقارئُ إلاّ لسوءِ خطاب المتكلِّم به، وفسادِ بيان الكاتب عنه، هذا مع أنَّ الحقَّ الذي لا مِرْيَة فيه ولا شكَّ معه هو الإسلام، والفسادَ الذي لا ريب في وجوبِ الإعراض عنه والاحتياط منه هو الكُفر، فلمّا كان أهلُ الكفرِ أنشَطَ لإشاعةِ باطلهم من أهل الإيمان في الذِّيادِ عن دينِهم، بَرَزَت القبائحُ في مُسُوكِ صلاحٍ وفضل[6]، والفضائلُ في صُوَرِ فسادٍ وسوء، وآثَرَ النّاسُ الأسافلَ لحُسنِها، على الأعالي لسوءِ الاعتناء بصورتِها، فاجتمَعَ شرُّ انقلاب الزمان، وشؤمُ ضعفِ البيان، وأضحَت خَيمةُ الدِّين يُؤتَى الإسلام من قِبَلِها، وتُنقضُ عُراه من جهتها، على مرأىً من أهلها، ومسمعٍ من قومها

 

الاختيار بين اللسان والقلم

فأنتَ في الخطابة خيرٌ منك في الكتابة، وفي الكتابة خيرٌ منك في الخطابة، بحسب أُهبة نفسِك لكلِّ صنف، وإقبالِ طبيعتك على كلِّ نوع، فربّما دانَ أحدهما لك وأنت راغبٌ عنه، واعتاصَ عليك الآخَرُ وأنت له مُريد، فأوْلَاهما بالأخذ ما مِلْت إليه، ورَغِبت فيه وإن كان وعرًا، فإنّ الوعر بالمِران ممهُود، والصعب بالدُرْبَة مُيسَّر، وربّما كنت مَجدودًا فاجتمَع لك اللِّسانان، لسانُ فمِك ولسانُ قلمِك، فكنتَ خطيبًا مِصْقَعًا وكاتبًا مُفْلِقًا[7]، على أنَّه لو دانَ لك من أحدِهما واحدٌ فالكفاية فيه، والثُغرة تُسَدُّ معه، فلا تحمل نفسك إذا رأيتَ بعض نُجْحِك في بابٍ على اختياضِ آخر، فإن للنفس حدًّا، كما أنَّ للقدرة سقفًا، والمجاوزة إلى الجديد ولمَّا يختمر القديم، عملٌ من العجلة، وفعلٌ من التَجزيف[8]،  فإنَّك إنّما تجري على ما فُتِحَ لك، وقدرت عليه، وأحسنت الإنتاج منه، ولا يُكلِّفُ الله نفسًا إلا وُسعَها . رُويَ عن نافع أنّه قال: (قال: كنت أجهِّزُ إلى الشام ومصر، فكان اللهُ -عزَّ وجلَّ- يرزُق خيرًا كثيرًا، فجهّزتُ إلى العراق فلم يرجع رأسُ مالي، فدخلتُ على أمِّ المؤمنين عائشة، فقالت: يابنيّ، الزَم تجارتك، فإنّي سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يقول: إذا فُتِحَ لأحدِكُم رزقٌ من بابٍ فليَلْزَمْه.)[9].

 

في التكلُّف وحدوده

اِعلم أنَّ التكلّف فيه حُسنٌ كما فيه قُبح، وفيه زائناتٌ كما منه شائِنات، وما دخَلَ بعضُه شيئًا إلا زايَلَ حُسنَه، وما طُرِّز به أمرٌ إلاّ كان تقبيحًا له، وتنفيرًا عنه، وإنّما حاجتك له عارضة، ونزولك به كالضَيفِ إذا أخذ قِرَاه، وأقام صُلْبَه، ولم يزِد مُقامُه على ثلاث، فأمِنَ مغبَّة الجوع، وانتَفَى عن الإثقال، وألحَقَ بصاحب الدار فضلَ الإطعام بكرمِ الضيافة، وعُلوَّ الصِّيتِ بحُسنِ بقاء الأُحدُوثَة، فانقلب حامدًا، وخرج محمودًا،ومضى إلى سبيله ولم يمكُث، وقد ذمَّ البُلغاءُ وأربابُ البيان السَالفون التكلُّفَ والمتكلِّفين، وإنّما أرادوا بالذَّيْمِ أن يكون التكلفُ على شطر الدَوام، ولم يريدوا ذمَّه إذا كان غِبًّا[10]، وليس أحدٌ إلاّ وحاجته للتكلٌّف في مُبتداه ضرورة، لأنَّ أصل الكلام والبيان إنّما يكون عن قريحةٍ، فإذا لم يكن له قريحةٌ لم يكن على مَقدرةٍ من شيء، والقرائحُ إذا كانت خاملةً كفى في تنشيطها المِران، وإذا كانت كليلةً معدومةً استوجَبَ إخراجُها شدّة الشَحْذ، والشحذُ من التكلُّف، وأصلَح التكلُّف وأدنَاه من النفع ما اتُّخِذَ وسيلةً، وألصقه وأقربه إلى الذمّ ما اتُّخذ غايةً، قال الجاحظ: (والإنسان بالتعلُّم والتكلُّف وبطولِ الاختلافِ إلى العلماء ومدارسة كُتب الحكماء؛ يَجُودُ لفظُه ويحَسُن أدبُه).

 

ما يجبُ فيه

فإّنه لا يَعرِف المرءُ ما يجب حتّى يعرف ما يريد، فإذا عرف مُرادَه من خِطابه، ومَرمَاهُ من كتابه عرَفَ ما يجب لهما من التحضير، وما يلزم فيهما من التوقِّي، ليكون حاصلُ تحضيرِه في الأسماعِ موضعَ قبولٍ، وناتجُ الاحتياطِ في النفوس بعيدًا عن أسبابِ النُفرَة، ومن مالَ في خطابه وكتابه مع هواه، حادَ عن أكثرِ إصابتِه لدعواه، لأنه يكون قد أوجَزَ حين وجَبَ التطويل، وأطالَ حين لَزِمَ الإيجاز، واستعمَل رديَّ القول ووحشيّ اللفظِ فحجَب المعنَى، ولستَ إذا وقَعت في هذا تخرُج منه إلاّ بجمْعِ ذهنِك على ما تُريده وتقصده، ليسلم الخطابُ والكتابُ من الآفات، ثمّ فاجعل ألفاظَك على قدر معانيك، وفخِّم المعنى على قدرِ قيمته، فإنْ كنت متكلِّمًا باللِّين فانتَبِذ الكَلِمَ الغَليظ، وإن كنت متحدثًا بالحضِّ فلا يكن لفظُك غضًّا، ثمَّ لا يكُن خطابُك في الحرب كخطابِك في السِّلم، وكتابُك في الجدِّ في طبقة كتابِك ساعةَ الهَزل، واعلم أنَّ لأوّلِ الكلامِ آخِرًا لا يتمّ إلاّ به، وسياقًا لا يُفهَم إلاّ أن يكون معه، فإذا انتصف دون آخِرِه، لم يُغْنِ عنه أوّلُه، وأنَّ عقول النّاس متفاوتةٌ وفُهومَهم مختلفةٌ، وساقطَ اللفظ وصعبَه عندهم سواء، وأنَّ فيهم من يَغْتمِض عليه مقصودُك مع توسُّطك في القول، وتحرِّيك الإيضاح فيه، ومُحاذرتِك لتعقيده، فحسبُك أن تجتهد في اجتنابِ الغامض إلى الواضح بغلبةِ الظنِّ, فإذا وُزِنَ القولُ بأشكاله، والألفاظُ بمقاديرها؛ رُجِيَ للخِطاب والكتابِ سلامةُ الخروج، وذكاءُ الاستئذان، وعاقبةُ الفَهم، وغنيمةُ الأثر.

 

هذا جملةُ القول مختصرًا في ضرورة البيان، وحاجة المسلم له، عَسى الله أن يهدي إليه أقوامًا، ويعينهم عليه، فيفتح بهم أبواب كلِّ خير، ويغلق بأسبابهم مداخلَ كلِّ شرّ، والله أعلمُ بالصواب، والحمد لله ربِّ العالمين.


[1] يجوز دريئة المقصود: الدريئة قرص يستتر به المقاتل لحمايته من السهام.

[2] انشعاب مسلكه: انقطاع طريقه.

[3] الثوب المُخْلَق: الثوب المخرّق.

[4] كزازة أيديهم: إمساكها عن الإنفاق بخلًا. ضنانة نفوسهم: شحّتها وبُخلها.

[5] تنجُم فيه الحاجة: أي: تظهر فيه الحاجة. حديث نصفة: حديث منصف. بهرجة مكذوب: أي كشف كذبه.

[6] في مُسوك صلاح وفضل: أي في هيئة صلاح.

[7] خطيبًا مِصْقعًا: بليغًا فصيحًا كاتبًا مُفْلَقًا:  مبدعًا.

[8] فعلٌ من التجزيف: أي من المجازفة.

[9] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، (1243)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.

[10] من حين لآخر دون مواظبة، بغرض الاكتساب.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى