فكر وثقافة

من أجل فهمٍ أدقّ للـ “الأنجلوسكسونية”

  • هوارد ويليامز
  • ترجمة محمد فاضل بلمومن
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

استخدم العُنصريون هذا الشعار لتعزيز أساطيرهم التاريخية، لكن على المؤرخين وعلماء الآثار ألاّ يهجروا هذا المصطلح.

منذ سبتمبر2019، سلّط الباحثون المتخصِّصون في حقبة العصور الوسطى تركيزهم على مصطلح “الأنجلوسكسونية”. بدأ الخلاف فيما يتعلق بالدعاوى العنصرية والتحيُّز الجنسي داخل الجمعية الدولية الأنجلوساكسونية، وهي منظمة أكاديمية مخصصة لدراسة التاريخ والآثار والأدب واللغة والدين والمجتمع وحتى العُملات في العصور الوسطى المبكرة (450-1100م). جادل بعض العلماء بأنّ تغيير اسم الجمعية سيكون خطوة ضد العنصرية والتحيُّز الجنسي، وتحديدًاً في كيفية بحث الأكاديميين وتفسيرهم لماضي العصور الوسطى المبكرة. وعلى وجه السرعة، انتقل النقد من مهاجمة مصطلح “الأنجلو ساكسوني” في اسم الجمعية (وهي تسمى الآن بـ “الجمعية الدولية لدراسة إنجلترا في العصور الوسطى المبكرة”)، إلى القول بأنّه يجب علينا التوقف عن استخدام مصطلح “إنجلترا الأنجلو سكسونية” على الأراضي البريطانية المنخفضة من منتصف إلى أواخر الألفية الأولى و”العالم الأنجلو سكسوني” على علاقات المنطقة عبر أوروبا في العصور الوسطى المبكرة وما بعدها.

سرعان ما تحوَّلت الحَملة إلى إجبار أي شخص لا يوافق على هذه التغييرات باعتبارها “عنصرية”، وتنحية أي شخص يدلي ببيان يرفض أو يُصحّح أو يُعارض فيه قواعد تأطير النقاش، و وصفه كمدافع عن الاستخدامات العنصرية لمصطلح “الأنجلو سكسونية”. كما نُشرت الإعلانات عبر الإنترنت أنّه يجب على العلماء التعبير عن التزامهم بالتغيير عن طريق إزالة مصطلح “الأنجلوسكسونية” من كتاباتهم ودوراتهم، وكذلك “شطب” هؤلاء العلماء الذين قد يرغبون في الاستمرار في استخدام المصطلح.

بصفتي عالم آثار ومتخصص في تاريخ بريطانيا في العصور الوسطى والدول الاسكندنافية، فإنّ وجهة نظري هي أنّ المصطلح لا يزال يحتل مكانًا في كلِّ البحوث المتعلقة بالثقافة المادية والبيئة العمرانية والمناظر الطبيعية في أوائل العصور الوسطى، وكذلك تتشاركه العامة ويتعلمونه. أولئك الذين يدّعون أن “إنجلترا في العصور الوسطى المبكرة” و”اللغة الإنجليزية المبكرة” أكثر وضوحًا وأقل تشوشًا، لا يعرفون الكثير عن الاستخدامات المعاصرة وإساءات ماضي العصور الوسطى المبكرة.

لتوضيح الأمر، ليس هناك من شكّ في أن مصطلح “الأنجلوسكسونية” قد جذب الحركات السياسية العنصرية والمناداة بتفوق البيض، خاصة في أمريكا الشمالية. ومع ذلك، أعتقد أن استمرار المصطلح وتماسكه في الخطاب العلمي والخطاب العام والتعليم هو أفضل طريقة للحماية من التملُّك التحكّمي وإساءة استعماله من قبل العنصريين والبيض.

يستمد الجدل الأخير طاقته -جزئيًا- من الماضي المتقلب لمصطلحي “الأنجلوسكسونيين” و “بريطانيا الأنجلوسكسونية”. مثل “الفايكنج” و “الكلت”، جذبت هذه الكلمات منذ فترة طويلة الأفراد والجماعات ذات الأيديولوجيات العنصرية، وخاصة تلك التي تركِّز على أساطير الأصل القومي. في ظل هذه التحريفات للماضي، كانت بريطانيا مأهولة بالسكان المهاجرين من الجرمانيين في القرن الخامس الميلادي الذين حلوا محل السكان الأصليين. كانوا مزارعين ومحاربين مُحبين للحرية، وثنيين أولاً ثم مسيحيين، يُدافعون عن الحريات القديمة ويُقاتلون الفايكنج المتعطشين للدماء، ويخضعون أخيرًا لـ “نيرمان نير”. ناشد القوميون والعنصريون إنجلترا الرومانسية العنيدة لمحاولة تبرير القوميات الإنجليزية والبريطانية والبعثات الاستعمارية والإمبريالية في الخارج. ففي الولايات المتحدة، تعدُّ “الأنجلوسكسونية” المصطلح المفضل لدى المؤمنين بفرادة البيض. وبالنسبة للقوميين البريطانيين والأمريكيين والإمبرياليين والعنصريين البيض، فإنّ “الأنجلوسكسونية” تعني “العصر الذهبي” أي: هي النواة التي تجعل إنجلترا (وبالتالي بريطانيا) متفوقة.

في السنوات الأخيرة، أضحت العصور الوسطى المبكرة رمزًا للقوة السياسية لدى كل من الشعبوية اليمينية الصاعدة، والعرقية والقومية البيضاء. ونتيجة لذلك، وجد باحثو العصور الوسطى المبكرة أنفسهم يشاهدون الأدب والفن وعلم الآثار تدرسها جماعات سياسية معادية للأجانب وتتخذ من الشوفينية مبدءًا لها[1]. في الوقت نفسه، أدّت اختبارات الحمض النووي الشعبي والتجاري والبرامج التلفزيونية الناجحة إلى إدامة الصور النمطية الزائفة عن تفوق الأنجلوساكسون والفايكنج.

وردًاً على ذلك، تبنَّى بعض العلماء دعوة خطرة وهي أن جميع استخدامات المصطلحات العرقية، بما في ذلك “الأنجلوسكسونية” تعزز الأساطير العنصرية حول الماضي وتستبعد الجمهور والممارسين من خلفيات غير أوروبية وغير بيضاء. ولذلك، في نوفمبر 2019، وتحت ضغط من مجموعة من العلماء المهتمين، صوّتت الجمعية الدولية للأنجلوساكسونيين على تغيير اسمها إلى”الجمعية الدولية لدراسة إنجلترا في العصور الوسطى المبكرة”. لقد رأوا التغيير كرد فعل لتخفيف أو مواجهة هيمنة عقيدة التفوق الأبيض، والتحيُّز الجنسي ونُخبوية الدراسات الأنجلوسكسونية. وقد التزمت بعض الدورات الجامعية وعناوين الكتب والمجلات العلمية والمؤتمرات وأزالت المصطلح من قاموسها.

على الرغم من التحذيرات، سعى علماء الأدب واللغة إلى تغيير هذا المصطلح دون النظر إلى تاريخه الأثري ومدى تجذُّره في الممارسة العامة. مثل جميع التخصصات العلمية والإنسانية، فإنّ علم الآثار مثقل بماضٍ إمبريالي واستعماري؛ وعلاوة على ذلك، فإنّه في صراع طويل الأمد مع روايات “وهمية” مستمرة مبنية على أسس عنصرية، من الأجانب القدماء إلى الأساطير ذات الأصل القومي. ومع ذلك، فإنّ علم الآثار متاح في جميع أنحاء العالم ولجميع الأجيال، وهو مرتبط بمفاهيم المغامرة والاكتشاف والبحث. بالنسبة للعديد من الأشخاص، تُعدّ المواقع والآثار والثقافة المشاهدة للـ “أنجلوسكسونية” بوابة جاهزة، خاصةً في المملكة المتحدة، إلى القصص الغنية والمعقدة التي تعود إلى العصور الوسطى القديمة.

لذلك، أثناء بحثي لإعادة تقييم ونقد كلٍّ من تاريخ علم الآثار في العصور الوسطى المبكرة وإعادة تفسير أركيولوجيا الحفريات في الفترة التي تحكي عنها الروايات العرقية السطحية، خرجتُ بنتيجة مفادها الاحتفاظ بالاستخدامات التي يحوطها الحرج والحذر لمصطلح “الأنجلوسكسونية” كوسيلة لمواجهة الدعاوى العرقية والقومية.

عندما يتحدث الباحثون والتربَويُون اليوم عن “الأنجلوسكسون” و “بريطانيا الأنجلوسكسونية”، فإنّهم لا يناقشون مجموعة “عرقية”. لا يتكلم المصطلح عن شيء واحد، بل يتكلم عن سبعة قرون من التغيير، وممالك ومجتمعات مختلفة تمامًا، من كينت إلى كمبريا، ومن إيست أنجليا إلى حدود ويلز. بعد انهيار السلطة والإدارة الرومانية في بريطانيا في أوائل القرن الخامس الميلادي، جاءت مجموعات مختلفة من البرابرة من جميع أنحاء بحر الشمال من مناطق بعيدة مثل النرويج الحديثة وشمال هولندا للعيش في الأراضي المنخفضة في بريطانيا، وهي ما سميت لاحقًا بـ “الأنجلز والساكسون والجوت” في كتابات القديس بيدا في أوائل القرن الثامن.

كانت الهجرة على الأرجح عمليةً مُتعدّدةَ الأجيال، وكانت تهدف إلى التداخل العرقي وليس إحلال عرق محل آخر. كان الوضع السياسي والاجتماعي و الاقتصادي متقلبًا وغير مستقر، وظل السكان خليطًا من الرومانيين والبريطانيين. امتزج أحفاد الكانتياسي، وإيسيني، وترينوفانتس والشعوب الأخرى لبريطانيا الرومانية مع الوافدين الناطقين بالألمانية بدرجات مختلفة وفي ظروف مختلفة. ظهرت “الممالك الأنجلوسكسونية” الناشئة في أواخر القرن السادس وتحولت إلى المسيحية في مناطق مختلفة خلال القرن السابع وشاركت العديد من الروابط المعقدة مع الممالك البريطانية النامية أيضًا في الشمال والغرب. كان هناك سبعة ممالك في القرن السابع هي: كينت وساسكس وإسكس و ويسيكس وإيست أنجليا وميرسيا ونورثمبريا، والأربعة الأخيرة هي فقط ما بقي حتى في أوائل القرن التاسع.

ومع ذلك، في القرن التاسع، دمرت غزوات الفايكنج جميع هذه الممالك باستثناء واحدة هي ويسيكس، واستمرت مملكة غرب ساكسونيا مشكّلةً الأساس لإنجلترا الموحدة خلال القرن العاشر. محكومة من طرف الملوك الدنماركيين في معظم القرن الحادي عشر، انتهى عصر “بريطانيا الأنجلوسكسونية” بشكل مفاجئ بغزو نورمان عام 1066. أنجلوساكسون هو اختصار مفيد للتركيب الاجتماعي والاقتصادي والديني واللغوي والثقافي المعقد من بداية الانهيار الروماني حتى الغزو النورماندي. ومثل جميع أسماء العصور، فهي أداة تفسيرية، أداة مفيدة في تحديد فترة العصور الوسطى المبكرة لتفصله عما قبله وما بعده، ولكن حتمًا مع العديد من القيود في وصف المناظر الطبيعية والمجتمعات غير المتجانسة.

كان أول استخدام معروف لمصطلح الأنجلوسكسون بإيطاليا في القرن الثامن، حيث وجدناه في كتاب “تاريخ اللمبارديين” لـ بولس الشماس؛ واستمر استخدامه بشكل متقطع في المصادر المعاصرة من عهد ألفريد الكبير (الذي توفي عام 899) إلى القديس إدوارد المُعترِف (الذي توفي عام 1066)، حيث استعمل لوصف تلك الملوك والممالك.

لم تتم إعادة وصف الأنجلوسكسونية من جديد حتى أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. بدأ المؤرخون وعلماء الأدب واللغة في استخدام المصطلح للإشارة إلى الشعوب القديمة الناطقة بالإنجليزية وممالكهم وعلاقاتهم في جزيرة بريطانيا. كما استخدموه لتمييز “اللغة الإنجليزية” عن الشعوب الناطقة باللغة السلتيّة في جزيرة بريطانيا، وعن مستوطني “الفايكنج” المتحدثين باللغة الإسكندنافية، والمملكة النورمانية التي نجحت فيها. وهكذا تم إحياء “الأنجلوسكسون” كجزء من أسطورة قومية لأصل إنجلترا في أوائل العصر الفيكتوري، وكان علم الآثار جزءًا رئيسيًا من هذا البرنامج السياسي.

بدأ علماء الآثار الأوائل يطلقون على الاكتشافات بأنّها “أنجلوسكسونية” عادة في أواخر الأربعينيات من القرن التاسع عشر. قام الأرستقراطي السير ريتشارد كورنواليس نيفيل بحفر مقابر في ليتل ويلبراهام ولينتون هيث، والتي وصفها بأنّها “أنجلوسكسونية”. اعتبر نيفيل هذه المقابر في كامبرد جشاير دليلاً على وصول المستوطنين الجرمانيين الأوائل بعد انهيار بريطانيا الرومانية. وتشكّل عمل ومصطلحات نيفيل من خلال التفكير العرقي المعاصر لها والمفاهيم الرومانسية للأصول الإنجليزية. كانت هذه التسمية مؤثرة ومستمرة؛ وعندما حاول علماء الآثار في أوائل ومنتصف القرن العشرين، من خلال توزيعات الأواني، اكتشاف مسارات الغزوات الجرمانية= اعتمدوا على عمل نيفيل ومعاصريه.

ولكن منذ الستينيات والسبعينيات فصاعدًا، تناول مجال علم الآثار الأنجلوسكسوني العديد من الأسئلة الجديدة المستوحاة من زيادة هائلة في البيانات. وقد تبنّت أساليب وتقنيات جديدة ومتقدمة للتنقيب والمسح وتحليل ثقافة المواد. تبقى الأسئلة التقليدية موضع نقاش ساخن، بما في ذلك حجم وطبيعة الهجرة الجرمانية، وتوقيت وطبيعة تكوين المملكة، ووتيرة وأهمية التحوُّل المسيحي، والمرونة والاستجابة لغارات الفايكنج. ومع ذلك، انضمت إليهم مجموعة من التحقيقات والألغاز الإضافية حول الهياكل والهويات الاجتماعية الأنجلوسكسونية، والأيديولوجيات والهياكل السياسية، والأنشطة والصلات الاقتصادية، واستخدام المناظر الطبيعية وإدارتها. علاوة على ذلك، يحافظ علم الآثار الأنجلوسكسوني اليوم على تعاون طويل الأمد مع علماء الآثار الذين يعملون على مواضيع مقارنة في أجزاء أخرى من أوروبا وخارجها؛ وتسهم في الحوارات متعددة التخصصات وتشارك فيها.

ونتيجة لذلك، يستخدم علماء الآثار مصطلح “الأنجلوسكسون” كتعبير عن بيئة مكانية وحقبة زمنية محاولة لاحتواء التعقيد والتنوع في مستوطنات القرون الوسطى المبكرة والمقابر والثقافة العمرانية. كما أنّنا لازلنا نستخدم التقسيمات الفرعية حيث الأنجلوسكسونية المبكرة (من القرن الخامس إلى أوائل القرن السابع الميلادي)، والوسطى (أواخر القرن السابع إلى أوائل القرن التاسع الميلادي) والمتأخرة / الأنجلو إسكندنافية (أواخر القرن التاسع إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي)، وهي مصطلحات غير محايدة واختزالية. نستخدم أيضًا مصطلحات “ما بعد الرومانية” و “أواخر العصور القديمة” و”أوائل العصور الوسطى”؛ كل هذه المصطلحات ليست كاملة بمفردها مثل “الأنجلوسكسونية”، لكنها باجتماعها مفيدة في نقل المعلومات حول التاريخ والمنطقة (وأحيانًا) أنماط الأدلة المادية التي يتم دراستها.

عندما يشير علماء الآثار إلى “المقابر الأنجلوسكسونية المبكرة” و”المستوطنات الأنجلوسكسونية الوسطى” و”دبابيس ذات رأس مربع أنجلوسكسونية” و”العملات الأنجلوسكسونية المتأخرة” وما إلى ذلك، يخبرنا المصطلح عن الأشياء والمواقع، لحظة إنشائها أو العثور عليها. ليس للمصطلح دلالة عنصرية على الإطلاق. التصنيفات العرقية الحديثة الزائفة هي ببساطة غير قابلة للتفسير وغير قابلة للتطبيق في أوائل العصور الوسطى. يستخدم علماء الآثار أحيانًا كلمة “ساكسون” للإشارة إلى جنوب إنجلترا، وفي حالات أخرى يستخدم علماء الآثار كلمة “أنجليان” للإشارة إلى شرق وشمال شرق إنجلترا. لا يستخدم العلماء هذا المصطلح ببساطة، ولكنه يُستخدم على نطاق واسع في الحديث العام والتعليم، ومن عروض المتاحف إلى قواعد البيانات المفتوحة والمتاحة للاكتشافات الأثرية.

مثل معظم التخصصات، ورث علم الآثار أجزاءً من الماضي العنصري والاستعماري. ومن المفارقات أنّ الهوس البريطاني بالحضارات الخارجية هو الذي ساعد على دفع الجيل الأول من علماء الآثار الأنجلوسكسونيين في أوائل العصر الفيكتوري، بما في ذلك تشارلز روتش سميث وجون يونج أكرمان، إلى النظر في الأصول الإنجليزية. يتم تدريس التاريخ والآثار الأنجلوسكسونية اليوم على نطاق واسع في مدارس المملكة المتحدة، ويتم نشرها عبر التلفزيون ووسائل الإعلام الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي والكتب الشعبية، بالإضافة إلى جذب ملايين الزوار سنويًا إلى المتاحف والمواقع التراثية.

هناك العديد من الممثلين المتحمِّسين والدائمين الذين يسعون جاهدين لإعادة جوانب الحياة الأنجلوسكسونية، مثل جمعية Regia Anglorum في إنجلترا. بالنسبة لمجموعة من هواة التحزب والمجموعات الدينية (الوثنيين والمسيحيين)، فإنّ “الأنجلوسكسون” مهمة وذات مغزى. على سبيل المثال، تمّ الجمع بين اكتشاف وعرض ستافوردشاير هورد في عام 2018 مع الذكرى السنوية الـ1001 لوفاة سيدة المرسيين وذلك لغرس الفخر بنهضة إنجلترا والتركيز على الماضي الأنجلوسكسوني. كما أوضح مقال نشرته مجلة BBC History Magazine مؤخرًا بقلم مايكل وودز ومقابلة BBC Radio 6 مع بوني جرير، لم يتم استبعاد مجتمعات المهاجرين الجدد في المملكة المتحدة باستخدام مصطلح الأنجلوسكسون؛ باختصار، هناك العديد من الطرق التي ينظر بها الناس اليوم ويُقدّرون تاريخ الأنجلوسكسون دون عنصرية أو أي منظور عرقي ضيق.

في الواقع ، يمكن وصف الثلاثين عامًا الماضية بأنّها شيء من العصر الذهبي لعلم الآثار الأنجلوسكسوني، مع مجموعة من الاكتشافات الجديدة المثيرة ومشاريع البحث المبتكرة التي تتناول مجموعة واسعة من الموضوعات البحثية. على وجه التحديد، في مجال علم الآثار الخاص بالمدافن، أصلحنا فهمنا لاستمرارية طويلة الأمد والتحولات من الفترة الرومانية حتى العصور الوسطى اللاحقة. بدلاً من مساواة السلع الخطيرة مع المجموعات العرقية الماضية، على سبيل المثال، يكشف المتخصصون في علم آثار المدافن في وقت مبكر الأنجلو ساكسوني عن رؤى جديدة في حياة ووفيات الناس في العصور الوسطى المبكرة. يدرس الباحثون هذه المواد لفهم الجنس والقرابة والذاكرة الاجتماعية بشكل أفضل. إحدى أبرز الدراسات لهذه الحالة هي المشاريع البحثية طويلة الأجل في Sutton Hoo في سوفولك بقيادة عالم الآثار مارتن كارفر، ومؤخرًا التنقيب عن مقبرة Tranmer House المجاورة. لقد قامت هذه التحقيقات الميدانية مجتمعة بإصلاح فهمنا للروابط البعيدة والأيديولوجيات الجنائزية للمملكة الشرقية الإنجليزية الناشئة في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الميلادي.

أظهر نشر 52 مقالة في دليل أكسفورد لعلم الآثار الأنجلوسكسوني (2011) اتساع وعمق مواضيع ومناهج البحث الحالية، من تعقيد تنظيم الاستيطان والتسلسل الهرمي إلى تقنيات الحرف وكيف تغيرت، إلى ما تكشفه أدلة الدفن حول تغيير تصورات الهوية، من الطفولة إلى الشيخوخة. وفي الوقت نفسه ، في كتابهم لعام 2013 عن القبور الأنجلوسكسونية، قدّم أليكس بايليس والمؤلفون المشاركون لها تسلسلًا زمنيًا جديدًا للقرنين السادس والسابع، مما يوضّح التعددية والطرق المبتكرة لعلم الآثار الأنجلو ساكسوني. تضع ملحمة بريطانيا التكوينية (2019) على نطاق الجزيرة في كارفر الممالك الأنجلو ساكسونية في نطاق أوسع، وتتطلع إلى ويلز والجنوب الغربي، ولكن أيضًا إلى شمال بريطانيا و Picts على وجه الخصوص. وكتاب كيث راي وإيان بابتي أوفا ديك (2016) هو مثال على تحليل مفصل لموقع معين، ويظهر لنا أن أطول وأكبر نصب تذكاري في العصور الوسطى في بريطانيا كان تعبيرًاً عن الأيديولوجية السياسية والهيمنة، تمّ تصميمه بعناية للسيطرة على المشهد ولتخويف منافسيه. وفي الوقت نفسه، فإنّ كتاب “السيف في أوائل العصور الوسطى في شمال أوروبا” (2019) من تأليف Sue Brunning، القيّم على المتحف البريطاني، يُشير كيف أنّ هذه القطع الأثرية المحمولة الأنجلو سكسونية والفايكنج تُنسبُ إلى شخصيات خاصة من خلال ارتدائها، وحيازتها، وتبادلها، وعرضها، و أيضًا في الدفن مع الموتى. هذه كلُّها أعمال في علم آثار “الأنجلو ساكسون”، غنية بالأفكار والمعطيات، ومدعومة بأطر تفسيرية صارمة.

بالإضافة إلى ذلك، تَستخدم الاكتشافات الجديدة المذهلة مصطلح “الأنجلوسكسونية” في سياق البحث المتطور ذي الأهمية الدولية. يعد تقرير متحف لندن لعلم الآثار عن دفن بريتليويل برينسلي في ساوثيند أون سي مثالًا على البحث الأثري عالي الجودة في القطاع التجاري (حول التنقيب عن قبر غرفة شرق ساكسونيا في أواخر القرن السادس) تم نشره جنبًا إلى جنب مع كتاب شعبي في عام 2019. شهد ذلك العام أيضًا نشرThe Staffordshire Hoard: An Anglo-Saxon Treasure (2019) ، الذي قدم رؤى جديدة في تجهيزات الأسلحة وشظايا الذهب والفضة والأحجار الكريمة الأخرى في هذا الاكتشاف، بالإضافة إلى كتاب عن مشروع العمل الميداني الذي يحظى بثناء كبير، حيث يبحث في مقبرة أنجلوسكسونية مبكرة في بارو كلامب في ساليسبري بلين في ويلتشير. كجزء من عملية العندليب، حقق هذا الحفر اكتشافات جديدة مثيرة، ولكنه كان مبتكرًا أيضًا في دمج إعادة تأهيل الجرحى من قدامى الجيش البريطاني من خلال مشاركتهم في التحقيقات الميدانية.

من خلال المشاركة في الحفريات والنشر الرقمي، أصبح علم الآثار العام للفترة الأنجلوسكسونية أكثر صحة من أي وقت مضى. يكشف التعاون بين جامعة دورهام وديج فينتشرز في التنقيب عن الدير الأنجلوسكسوني في ليندسفارن. يدعونا موقع الويب الخاص بهم جميعًا إلى “الانضمام إلى البحث عن قلب الأنجلوسكسونية نورثمبريا” وبالمثل، ظهر التحقيق البارز الذي أجرته كاترين جارمان في موقع رهبان ميرسيان ومعسكر الفايكنج الشتوي في ريبتون في ديربيشاير بشكل بارز في المجلة الأكاديمية Antiquity، وكذلك في عناوين الصحف والقناة الوثائقية للقناة 4 البريطانية Britain’s Viking Graveyard (2019). تعتمد مشاريع مثل مشروع جارمان على التباين بين “الأنجلوسكسون” و “الفايكنج” لنقل الفروق الواضحة للجمهور في الأدلة الأثرية. وبالمقابل، حددت الأبحاث طويلة المدى التي تنطوي على اتصال وثيق بين مستخدمي أجهزة الكشف عن المعادن وعلماء الآثار في Rendlesham بسوفولك مركزًا ملكيًا شرقيًا إنجيليًا. كانت المشاركة العامة جزءًا لا يتجزأ من بدء وتطوير هذا المشروع البحثي المبتكر، ويدعم الصندوق الوطني لتراث اليانصيب الآن مشروعًا للآثار المجتمعية لمدة أربع سنوات يسمى: Rendlesham Revealed: Anglo-Saxon Life in South-East Suffolk

يمكن للجمهور الوصول إلى أدلة وتفسيرات تفصيلية حول علم الآثار الأنجلوسكسوني كما لم يسبق من قبل، عبر خدمة بيانات الآثار في جامعة يورك. تتوفر بعض الموارد الأكاديمية التي لا تُقدّر بثمن على الإنترنت والمفتوحة الوصول لهذه الفترة وتنشر مصطلح “الأنجلو ساكسوني” بشكل فعال ومسؤول. ومن الأمثلة على ذلك تمثال النحت الحجري الأنجلوساكسوني في دورهام، والذي يوفر قاعدة بيانات فوتوغرافية غنية بالحجارة المنحوتة في العصور الوسطى من جميع أنحاء إنجلترا، جنبًا إلى جنب مع التفسير العلمي التفصيلي.

علم الآثار الأنجلو ساكسوني شائع ويواجه الجمهور،  أكاديميون مثل دانكان ساير Duncan Sayer يكتبون عبر الإنترنت عن الحمض النووي القديم وأكيولوجيا الدفن، كما تدوِّن كاتلين جرين Caitlin Green وتُغرِّد حول المدى البعيد من العالم الأنجلوسكسوني. في جميع أنحاء إنجلترا، يمكن للمرء مقابلة “الأنجلوسكسون” في المتاحف، على سبيل المثال في الغرفة 41 في المتحف البريطاني، وفي مراكز الزوار، مثل Sutton Hoo أو West Stow أو Jarrow Hall ، المعروف سابقًا باسمBede’s World    تحتوي العديد من متاحف المدن والبلدات والمقاطعات على مجموعات مهمة وتعرض اكتشافات الأنجلو ساكسون بطريقة جذابة، بما في ذلك متحف قلعة نورويتش.

لطالما كان وصف “الأنجلوسكسون” صعبًا، ويستخدمه المتطرِّفون السياسيون في الروايات القديمة والبسيطة والأثرية الزائفة. علاوة على ذلك، من الواضح أنّه يعني أشياء مختلفة جدًا لجماهير مختلفة. العلماء محقون في مساءلة دلالاته وموروثاته. بالتأكيد، الأنجلوسكسونية ليست سوى واحدة من مجموعة من مصطلحات القرون الوسطى المبكرة التي نستخدمها مع الجمعيات العرقية أو القومية التي يحتمل أن تكون خطرة ومضللة، بما في ذلك “سلتيك” و “الجرمانية” و “فايكنج” وغيرها. ومع ذلك، فقد تم فصل مصطلح “الأنجلوسكسونية” منذ فترة طويلة عن مظهره العنصري في القرن التاسع عشر. وبالنسبة لعلماء الآثار اليوم، فقد تمّ نسبتها بشكل فعال إلى مجموعة واسعة من الثقافات المادية والمواقع والمعالم وخصائص المناظر الطبيعية بين القرنين الخامس والحادي عشر الميلادي، واستخدمت للمساعدة في صياغة روايات مميزة حول ماضي العصور الوسطى المبكرة. نحن في عصر ذهبي لعلم الآثار الأنجلوسكسوني، يجب أن نحافظ على قصته بطريقة دقيقة ومسؤولة، بدلاً من التخلي عن هذه الفترة الرائعة والعديد من المواقع المثيرة والمهمة والكثير من المعالم والمناظر الطبيعية.

من خلال وصف جميع الاستخدامات والمستخدمين لمصطلح “الأنجلوسكسون” بالـ”عنصرية”، فإنّ اللوبي الأكاديمي الذي ينادي بالتخلِّي عن المصطلح يخاطر بإبعاد العلماء وعلماء الآثار وقطاع التراث ومجتمعات أصحاب المصلحة والمجموعات الدينية والمتحمسين، وكذلك المستقبل المحتمل للباحثين في المجال الشعبي. وبالتالي، بدلاً من ترك إنجلترا الأنجلوسكسونية لتصبح ملعبًا للمتطرِّفين والشعبويين والدعاية الذاتية والخيالية، لدينا واجب علمي لإعادة تنشيط جهودنا لمتابعة ونشر البحوث الصارمة وأنماط المشاركة العامة التي لا تترك مجالاً للروايات الكاذبة وتضع معايير انضباط مفتوحة للجميع. فبدلاً من “شطب الأنجلوسكسونية” ونبدأ مرة أخرى من الصفر بدون مصطلح، كما اقترح بعض العلماء، يمكن لعلم الآثار الأنجلوسكسوني الاستمرار في إعادة تقييم وإعادة تشكيل نقاط قوته في تقديم كل من البحث الأصلي المفصل والتوعية العامة.

هذا هو السّبب في أنني وقَّعت على بيان مشترك من قبل أكثر من 70 خبيرًا، وساهمتُ بمقالات في مجلات أخرى، وأُصرّ على أنّه يجب علينا الإبقاء والنضال من أجل “الأنجلوسكسونية” و “الفترة الأنجلوسكسونية”، وتحدي المفاهيم الخاطئة وسوء الاستخدام الأكاديمي والشعبي للمصطلح. في هذا الصدد، فإن أولئك الذين يقترحون أن نستبدل “الأنجلوسكسون” بكلمة “اللغة الإنجليزية المبكرة” و”اللغة الإنجليزية القديمة” يجعلون التركيز اللغوي والقومي أكثر انفتاحًا على إساءة استخدام “الأنجلوسكسونية”. على وجه الخصوص، فإنّ “اللغة الإنجليزية” تخلط بين اللغة والإثنيات المتصورة في الماضي والحاضر؛ واعتمادها على المواد والآثار هو أمر غير مدروس في أحسن الأحوال. على هذا النحو، ما زلت مؤيدًا للاستخدام الناقد والحذر والراسخ والمفهوم على نطاق واسع لـ “الأنجلوسكسونية” كبوابة مفتوحة للجميع لاستكشاف العوالم المادية المعقدة والمتنوعة في منتصف إلى أواخر الألف الميلادي الأول. ولإعادة صياغة شعار مجلس علم الآثار البريطاني، أنا أدعو إلى العمل من أجل “علم الآثار الأنجلوسكسوني للجميع”.


[1] – الشوفينية هي الاعتقاد المغالي والتعصب لشيء والعنجهية في التعامل مع خلافه، وخاصّة عندما يقترن الاعتقاد أو التحزب بالحط من شأن جماعات نظيرة والتحامل عليها، وتفيد معنى التعصب الأعمى. وفي مدلولها الأصلي تشير إلى معنى الوطنية المفرطة، الغيورة والعدائية، والإعجاب الحصري لدى الشخص بوطنه والحمية العمياء للمجد العسكري، والاعتقاد المتحمس بأن وطنه أفضل الأوطان وأمته فوق كل الأمم، وينسب اللفظ إلى جندي فرنسي أسطوري اسمه نيكولا شوفان، كان شديد الغيرة على فرنسا ومتفانٍ في القتال في جيش الجمهورية (جيش نابليون) في حروبه دونما التفات أو شك بحصافته، أو مساءلة لجدارة قضيته، و من هنا قُصد بها الإشارة إلى التفاني الأعمى للجندي المتحمس والمتزمت بعنجهية برأيه بقضية. (المراجع).

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق