الفلسفة

الوجودية ومواقع التواصل الاجتماعي

  • ديفيد جونسون
  • ترجمة: ريم بنت سعد المري
  • تحرير: محمد عبيدة

هناك ما أقلق فلاسفة الوجودية، و عبر عن هذا القلق لأول مرة جان بول سارتر. وقد جسَّد هذا القلق وضخمه الانتشارُ الواسع لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي. ويتمحور هذا القلق حول شيء أسماه سارتر: “النظرة”، في مسرحيته:” لا مخرج”، ويشير قول الشخصية “غارسين”: “الجحيم هو الآخرون”، إلى هذه المعضلة.

ماذا يقصد فيلسوف الوجودية؟

لفهم ما عناه علينا أن نعلم القليل عن جان بول سارتر. سارتر فيلسوف فرنسي ظهر على الساحة من عام 1940 إلى عام 1960، واعتبر أكثر شخصية محورية في الفلسفة الوجودية. في الواقع، محاولة وضع جميع الفلاسفة الذين يعرفون عادة بالوجوديين – مثل: كيركيغور، نيتشه، هيدجر، سارتر، بوفوار، وكامو – في فئة واحدة سيؤدي الى توسعة الأمور قليلا. عموما، هناك ما يقلق الوجوديين أنفسهم، وهو طبيعة حالة الانسان، مثل: القلق من الموت، معنى أو عبثية الحياة، حجم وطبيعة الحياة. ويصعب تفسير أقوالهم حول هذه الأشياء. وعلى عكس الفلاسفة التحليلين الذين يهدفون تحديدًا إلى تقديم حجج منطقية وواضحة، فالوجوديون غالبا ما يطرحون نقاطهم في شروحات طويلة وبمصطلحات غير محددة، أو بسرد القصص، أو بكتابة المسرحيات.

تشييئ النظرة

لتوضيح “النظرة”، طلب سارتر من شخص ما أن تخيل نفسه ينظر بفضول عبر ثقب الباب لمعرفة ما يجري في الغرفة المجاورة. حيث ركز على من هم في الغرفة الأخرى، ولم يعر انتباهًا لنفسه وأفعاله، فالأشخاص في الغرفة الأخرى هم أهداف يصب عليهم تركيزه. ولكن في اللحظة التي سمع فيها أصوات أقدام قادمة من خلفه وأدرك بأن شخصًا ما يراقبه، تحول تركيزه، مما جعله فجأة يدرك أنه نفسه صار هدفا لتركيز وتصور شخص آخر، فأصبح مشغول البال بما يظنه “الآخرون” به؛ وعلى الأرجح أنهم سينظرون إليه كمتلصص أو مختلس النظر. وبهذا يجادل سارتر أن “نظرة” الآخرين تجعل الشخص شيئا، وهي تغير حتى الطريقة التي ينظر بها الشخص إلى نفسه. ربما المدخنون يعرفون “النظرة” أفضل من غيرهم. فهنالك المنظر الذي يراه الشخص أمام مبنى المكتب، عند مرور الناس بالمدخنين، فلا ينظر إلى ذلك الشخص على أنه يدخن، بل كمدخن. ليس كأب أو كأم أو كانسان؛ بل مجرد مدخن قذر ونتن. وهنا يدرك الشخص مباشرة أنه صار “شيئًا” بدلا من كونه إنسانا. بالطبع، قد ينكر الشخص الصورة التي يراه بها الآخرون، ولكن – كما يقول سارتر- لا يمكنه ذلك؛ فمن ناحية الواقع، فهم مدخنون؛ وهي حقيقة ناتجة عن كونهم مدخنين؛ لكن يمكنهم في الحقيقة تجاوز تلك الصورة، فهم ليسوا فقط مدخنين، وإنما أيضا هم آباء وأصدقاء، فهم بشر في النهاية. ولكن “نظرة” “الآخرين” هي التي تهددهم وتقوم بحصرهم داخل صندوق وتحويلهم إلى شيء وموضوع للتركيز.

“نظرة الآخرين” في مواقع التواصل الاجتماعي

بالطبع، بإمكان “النظرة” أن تحدث في أي مكان: في العمل، في المنزل، في العلاقات. لكن بشكل خاص في هذا العصر، لا يحتاج الشخص حتى الى التواجد جسديا بين الآخرين ليشعر بالنظرة. وهنا يأتي دور مواقع التواصل الاجتماعي؛ وبسبب ما يقال في هذه المواقع، فإن الفيسبوك وتويتر موجودان فقط لكي يرى المرء الآخرين، ويراه الآخرون. يحاول الناس جعل الآخرين ينظرون إليهم بالطريقة التي يريدونها، لتحديد كيف يعاملهم الاخرون كأهداف للتركيز. وهذا هو السبب وراء نشرهم لتعليقات ذكية، ومشاركتهم لبعض الميمات، وانتقادهم لآراء معينة. كما يريد الناس تشكيل الصورة التي يراهم بها الاخرون. بالنسبة لسارتر، هذا ما تعنيه جميع العلاقات تقريبًا: استمرارية محاولة تشييء بعضهم البعض. وهذا لا يعيق حرية أي شخص. فالناس ليسوا ملزمين أو مجبرين بما يعتقده الآخرين عنهم.

الجحيم هو الآخرون

في مسرحية سارتر لا مخرج، تدرك الشخصيات الثلاث أن عذابهم هو حبسهم مع بعضهم البعض للأبد. يؤمن سارتر بأن الأشخاص لديهم حرية جوهرية، فلديهم القدرة على فعل ما يرغبون وأن يكونوا أي شيء يريدون. لكن هذا النضال المستمر ليكون الشخص على طبيعته، ولا يخضع لتوقعات الاخرين، هي عملية بائسة مجردة من الإنسانية. ولهذا السبب، “كان الجحيم هو الآخرين”. وصور سارتر ذلك في مسرحيته لا مخرج، حيث يجد الأشخاص الثلاثة أنفسهم محبوسين في غرفة في الجحيم، ينتظرون وصول عقابهم. تكشف المسرحية ما فعله كل واحد منهم ليستحق الجحيم. أحدهم أساء معاملة زوجته، والآخر أغوى زوجة صديقه، أما الأخرى فقد قامت بقتل ابنتها. لكنهم يدركون ببطء أنه لا يوجد عقاب. وعقابهم هو البقاء في غرفة مغلقة مع بعضهم البعض للأبد. وهذا العذاب بسبب “نظرة” كل طرف للآخرين.  غارسين على سبيل المثال، الذي لم يقاتل بالحرب، يرى نفسه من دعاة السلام، لكن اينيز تراه مجرد جبان. ولكن لأنها أحد اثنين سوف يراهما إلى الأبد، يحتاج غارسين بشدة إلى تغيير هذه النظرة؛ فيتعهد إلى الأبد بإقناعها بخلاف ذلك. وبالطبع فإن المعنى الضمني هو أن الحال التي تمر بها هذا الأرواح الثلاثة المسكينة في الجحيم، هي أساسًا الحال نفسها التي يمر بها الجميع، في العالم الحقيقي: ذلك أن الناس محاطون بالآخرين، وهؤلاء الآخرون “ينظرون” إليهم، بينما يحاولون كسب رضاهم.

اقرأ ايضًا: ميزان النظر

أعجبني المقال

المصدر
thegreatcoursesdaily

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى