عام

العَقْلُ الأوروبيُّ ومواجهة جاذبيَّة الإسلام!

حينما يتميز شيءٌ بمقومات الجاذبيَّة الذاتيَّة الحقيقيَّة، فإنه تلقائيًا يمتلك -من جهةٍ- خاصيَّة فريدة ومميزة في اكتساب إعجاب الناس وقبولهم وانبهارهم به، ومن جهةٍ أخرى يكون محلاً للحسد والغيرة التي تصنع له الأعداء والخصوم، الذين سيحاولون -مع إعجابهم به- أن ينالوا منه ويقللوا من قيمته وتأثيره بين الناس. هذه الجاذبية -بميزتها وضريبتها- هي ما يتحلى به دين الإسلام، الذي يكسب في كل لحظة أنصارًا من المعجبين فيه والمحبين له، الذين قبلوه طواعية وانقيادًا، وفي الوقت نفسه يواجهه أعداءٌ في كل مراحله، يخفون إعجابًا عظيم به وانبهارًا كبيرًا بقوته وقدرته وإمكاناته وخوفًا من جاذبيته، يدفعهم الحسد والغيرة لمواجهته والدخول في حربٍ معه، عسكريَّة وفكريَّة.

المستشرق والمؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي اليهودي: مكسيم رودنسون Maxime Rodinson، ألَّفَ كتابًا باللغة الفرنسيَّة بعنوان: (La Fascinacion Del Islam)، والذي تُرجم إلى العربية بعنوان: (جاذبية الإسلام)، وترجمه إلياس مرقص.

هذا الكتاب يقوم على نصين، أولهما يعتمد على ورقة تعالج موضوع “ميراث الحضارة الإسلاميَّة في إطار الثقافة الكونيَّة“. ويُشير في مقدمته إلى الكتابات التراكُمِيَّة لبعض المستشرقين الذين تحدثوا عن أثر الإسلام على الغرب وجاذبيته، مثل المستشرق الإنجليزي مونتغمري وات، الذي نشر “دراسة عن تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى“، أو بعض الباحثين الجادين الذين تحدثوا عن طبيعة العلاقة التاريخيَّة التي تربط بين أوروبا بالإسلام، كالباحث الأمريكي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد، في كتابه المهم (الاستشراق)، الذي –بحسب مكسيم رودنسون– “أثار في وسط المستشرقين المحترف شيئًا ما كأنَّه الصدمة…لقد عَزَّزَ كتاب إدوارد سعيد أيضًا قلق المستشرقين”.

يؤكد مكسيم رودنسون في طليعة كتابه أنَّه “شَكَّلَ المسلمون بالنسبة للغرب المسيحي، لفترة طويلة، خطرًا قبل أن يصبحوا معضلة”. وحين تَعَرَّضَ إلى ’إسبانيا الإسلاميَّة‘، أشار إلى وضع المسيحين هناك، فقال: “كانوا خاضعين لسيطرة المسلمين السياسيَّة التي كانت تفسح المجال حَرَّا لتأثير ثقافي عربي فَتَّاك بالنسبة لإيمان المسيحيين”. كوانت دوائر التأثير في أوروبا والحالة تلك تستوجب ردة فعلٍ تحمي هؤلاء من جاذبيَّة هذا الدِّين، فكان لا بُدَّ من مواجهته، وأفضل الأسلحة وأسهلها يتمثل في تزوير صورته وتشويهها أمام المسيحيين؛ حماية لهم من قوة جاذبيته، ولهذا فقد “سرت خُرَافات مُخَفِّضَة ومهينة بين الجماهير المسيحيَّة واليهوديَّة…[لقد] حاول المفكرون أن يدفعوا إلى أبعد قليلاً تحليل الإيديولوجيا الإسلاميَّة، بُغْيَة مُكافَحة تأثيرها الممكن وحسب”.

لكنَّ تلك الجهود التي بُذِلَت في القرون المتقدمة لتشويه وجه الإسلام الحقيقي ومن ثَمَّ جاذبية “ذهبت –بحسب مكسيم رودنسون– سدى لإقناع الرئاسة والجماهير المسيحيَّة…وهذا كله لم يكن ليهيئهم بشكلٍ جيدٍ لجهد فكري عميق من أجل معرفة وفهم الخصم”. لكن، “بقي العالم الإسلامي العدو رقم واحد…وشرعت أوروبا كلها تتعبأ للقتال”، وهكذا أصبح الجميع يصطف يدًا بيد، من السياسيين ورجال الدِّين،  والمحاربين الصليبيين، وكُتَّاب الرحالات والقصص والقصائد، من أجل مواجهة هذه الجاذبيَّة التي تُهدِّد أوروبا وجوديًّا، وصارت صورة المسلمين السائدة في الغرب هي صورة الكافر الذي يُلَطِّخ المقدسات المسيحيَّة في فلسطين بمجرد حضوره فيها! وسَرَت –بحسب مكسيم رودنسون– في العصور الوسطى في أوروبا أغنية رولاند الشهيرة، التي تصور المسلمين كوثنيين من مختلف الأجناس يتجمعون حول عبادة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. يقول مكسيم رودنسون: “صورة الإسلام ستتكون الآن…لكنَّها ستعتل الآن لقرونٍ طويلة بالخصومة الأيديولوجيَّة التي ستفرض وسوف تفرض عليها تشويهاتها المعتادة”.

ويؤكد مكسيم رودنسون أنَّ أوروبا القرون الوسطى أدركت جيدًا أنَّها في مواجهتها للإسلام فإنَّها تقف أمام ثلاثة جبهات: (1) “بنية سياسيَّة-أيديولوجيَّة مُعادية“، (2) و”حضارة مختلفة“، (3) و”منطقة اقتصاديَّة“. وكان أوروبيون يعرفون جيدًا “الانقسامات السياسيَّة بين المسلمين. لكن يعلمون أيضًا أن تضامنًا إجماليًا كامنٌ وراء هذه الانقسامات، وأنَّ الوحدة يمكن في كل لحظة أن تنعقد من جديد ضد العالم المسيحي، وأنَّ نفس هذا التضامن هو الإيديولوجيا: الإيمان المشترك”. فماذا كان الحل الأنجع لذلك؟ كان تفكير النخب الأوروبيَّة قادة سياسيين ودينيين في ذلك الزمن يكمن –كما يقول مكسيم رودنسون– في أنَّه “يمكن اللعب على خصومات الدول الإسلاميَّة، يمكن التحالف وقتيًا مع إحداها، يمكن استخدام هذه الدولة، بل وخدمتها أيضًا…كانوا لا ريب يعرفون أمورًا كثيرة عن الانقسامات الداخليَّة للدول الإسلاميَّة…فوليم الصوري يعرف جيدًا ويُبرز الصراع بين السنة والشيعة”. أمَّا “الجمهور [فقد] كان بحاجة إلى أن تكون الصورة المقترحة، مع تبيانها له صفة الإسلام الكريهة، بشرحها إياه بشكلٍ فظٍ…تضرم الحقد على العدو”.

ومع ذلك، ظلَّت فئة من الأوروبيين خارج الفئتين –العوام والقادة السياسيين والدينيين-، وكانت –بحسب مكسيم رودنسون– على اتصالٍ مباشرٍ مع تراث الإسلام العلمي التجريبي والحضاري، الذي انبهرت به، واشتغلت عليه، وصدمها حين اكتشفت أنَّ صورة هؤلاء المسلمين تختلف تمامًا عن الصورة المؤسسة السائدة في أوروبا، ولخوف بعضهم من سلطة الكنيسة والسلطة السائدة وتصوراتها السلبيَّة عن الإسلام، ولتبرير عملهم واشتغالهم بتراث علماء المسلمين، ذهبوا يشيعون أنَّ هؤلاء العلماء في الحضارة الإسلاميَّة ليسوا مسلمين في الحقيقة، وأنَّهم على خلاف مع دينهم، فقد كانوا يسخرون من القرآن الكريم، ليسلموا أمام الكنيسة والجمهور من تبعات الاشتغال بتراث هؤلاء العلماء المسلمين. أيضًا سيُثير إعجاب المقاتلين الصليبيين شجاعة المحارب المسلم وشهامته في المعارك، حيث يُقِرُّ مقاتلٌ صليبيٌّ بشهادته في محاربٍ مسلمٍ مع تحَسُّرِه من كونه على دين الإسلام لا المسيحيَّة: “سأقول الحقيقة، ولن يكون في وسع أحدٍ أن يجرؤ على استبعادها، لو فقط حافظوا على إيمان المسيح لما وجدنا أحدًا يُمكن أن يُعادلهم في القوة والشجاعة وعلم الحرب”. كذلك قام المخيال المسيحي، من أجل صد جاذبيَّة الإسلام والمسلمين، بافتراض أنَّ قادة المسلمين الشجعان والنبلاء كانوا في حقيقة من أصولٍ مسيحيَّة. ولهذا، سينشأ تيارٌ ثقافيٌّ في أوروبا المسيحيَّة في أطراف القرون الوسطى يفضل عدم استخدام الحملات الصليبيَّة ضد المسلمين، وإنَّما كسب هؤلاء الشرفاء وهدايتهم إلى المسيحيَّة، باعتبار أنَّ الدِّين الإسلامي بما قدمه يُعتبر في الحقيقة “إسهامًا إيجابيًا في خطة الوحي الإلهي”. وبدأ يظهر اتجاهٌ قويٌّ بين بعض المثقفين الدينيين يهاجم الكنيسة ويتهمها بالفساد، وأنَّ فسادها وانحرافها هو سبب ظهور وبقاء الإسلام وقوة جاذبيته، وفي مقابل هؤلاء من ذهب إلى أنَّ المسلمين ليسوا أقلَّ استحقاقًا للخلاص من كثيرٍ من المسيحيين.

وإذا ما تركنا المستشرق مكسيم رودنسون –الذي ركَّزَ بشكلٍ أكثر على القرون الوسطى- جانبًا، فإنَّ المفكر والباحث الغربي المعاصر الدكتور كيم مونهولاند، -أستاذ التاريخ بجامعة مينيسوتا والمتخصص في التاريخ الأوروبي والاستعمار الفرنسي الحديث- قد تحدَّث في بعض أبحاثه ودراساته التي تتناول التاريخ الأوروبي والاستعمار الفرنسي، عن جاذبية الإسلام والتحدي الروحي والعقلي الذي مثَّله للاستعمار الغربي الحديث عمومًا والفرنسي خصوصًا، وذلك حين تحدث خصوصًا عن العقل الاستعماري العَلماني الفرنسي وتحدي الإسلام له!

وفي ذلك السياق، تناول كيم مونهولاند أنموذجًا يشرح ذلك التحدي، وكان ذلك الأنموذج هو: إرنست بسيخاري (1914م)، المفكر والأديب والجندي الفرنسي، وابن عالم فقه اللغة اليوناني ايوانيس بسيخاريس، وحفيد المستشرق العقلاني إرنست رينان المعروف بمواقفه العنصريَّة تجاه العرب والإسلام، حيث تربى وعاش إرنست بسيخاري في جو من الفكر العقلاني والعَلماني والليبرالي.

وقد بيَّن مونهولاند أنَّ إرنست بسيخاري كان من بين المثقفين الفرنسيين الشباب الذين تمردوا ضد القيم العَلمانيَّة التي كان يتمسك بها جيل آبائهم، وكان ذلك بسبب لقائه بالإسلام في إفريقيا. حيث ستقنعه تجربته في الكونغو وصحراء موريتانيا بأنَّ مهمة الجمهورية العَلمانيَّة ’الحضارية‘ لن تكون كافية بدون إيمان الكنيسة، التي قد تكون قادرة على توفير بعد روحي بديل لموازنة جاذبية الإسلام في إفريقيا. لقد أظهرت سيرة حياته تطور شكوكه في العلمانية بعد لقائه بالإسلام في إفريقيا، والدهشة التي ظهرت عليه بسبب جاذبية الإسلام وروعته وقوة تأثيره في الأرواح، وبدلاً من قبول الإسلام دينًا، أظهر إرنست بسيخاري غيرة وحسدًا وخوفًا من الإسلام، وهذا ما دفعه إلى العودة للبديل التقليدي الذي يوجد في تاريخه الغربي، وبهذا اندفع إلى أحضان الكنيسة الكاثوليكية.

ويؤكد الدكتور كيم مونهولاند بأنَّ “اللحظة التي قضاها إرنست بسيخاري في صحراء موريتانيا ولقائه مع الإسلام عززت نقده لفرنسا [العَلمانيَّة] المعاصرة”، وقَدَّمَ بديلاً عنها عبارة عن خريطة استبدادية وعسكريَّة كاثوليكيَّة متحمسة لمهمة فرنسا ’الحضارية‘. وهكذا “استخدم إرنست بسيخاري الكاثوليكية كوسيلة ضرورية لمحاربة قوة الإسلام”. ويذكر الدكتور كيم مونهولاند بأنَّ لقاء إرنست بسيخاري مع الإسلام في إفريقيا أسهم بقوة في تحوله إلى المسيحيَّة والكنيسة الكاثوليكيَّة، ولكنه تحول أيضًا جاء تحت اسم مهمة فرنسا الحضارية وهويتها الحقيقيَّة، وأنَّه بهذه الطريقة، قد أنشأ خريطة ذهنية للإمبراطوريَّة الفرنسيَّة تختلف عن الرؤية الماديَّة العَلمانيَّة لمهمة الحضارة التي يرعاها الجمهوريون.

ففي أثناء استكشاف الكونغو، اختبر إرنست بسيخاري أول لقاء ثقافي له مع الإسلام. حيث كان يعمل ’كالمراقب والمحلل العلمي‘، فدهش واهتز من أعماقه وهو يلاحظ الأثر العميق للإسلام في نفوس الأفارقة ودوره الحضري في النهضة هناك. لقد وفرت له رحلته إلى إفريقيا –كما يقول الدكتور كيم مونهولاند– “تمرينًا فكريًا في فهم ثقافة أجنبية. وسيتبع ذلك انخراط أكثر عمقًا وشخصيًا وعاطفيًا مع الإسلام، حيث سيرى في الإسلام مصدرًا قويًا لمقاومة رسالة فرنسا الحضارية”. ويؤكد الدكتور كيم مونهولاند أنَّ إرنست بسيخاري “تأثر كثيرًا بالهدوء والسلام اللذين بدا أنَّ الإسلام يمنحهما لممارسيه”. ومن التجارب العميقة التي أثارت إعجابه ودهشته -ويُمكن أن يُقال أيضًا وغيرته وحسده- مقابلته في رحلته إلى إفريقيا لعَالِم مسلم، “لقد أعجب كثيرًا بالمعرفة الواسعة لهذا العَالِم، فلم يكن على دراية بدقائق القرآن فحسب، بل كان لديه أيضًا معرفة كاملة بالمسيحيَّة”. ويذكر الدكتور كيم مونهولاند أنَّ إرنست بسيخاري وَجَد في “الإسلام حضارة حقيقيَّة”، وأعجب بتأثير جماليته التي شكلت ثقافة مدن وسط إفريقيا.

ومع موقف الدهشة والإعجاب الذي لم يستطع إرنست بسيخاري أن يخفيه، إلا أنَّه خاف من الإسلام وقدرته العجيبة الروحيَّة والعقليَّة كدين متين ومتماسك قادر على أن يواجه إمبراطوريَّة عَلمانيَّة منخورة من الداخل روحيًّا، وكيف ينبغي أن يواجهه كجنديٍ فرنسيٍ موالٍ لأمته. يقول الدكتور كيم مونهولاند: “بدأ في التفكير في الموقف الذي يجب أن تتبناه فرنسا رداً على انتشار الإسلام بين الأفارقة”. وأكَّدَ إرنست بسيخاري أنَّ الإسلام سيشكل خطرًا حقيقيًّا في إفريقيا على مصالح الاستعمار التي يرعاها الجيش الفرنسي هناك.

لقد كانت مشاعر إرنست بسيخاري مختلطة تجاه الإسلام، مشاعر إعجاب وانبهار به، ومشاعر خوف وغيرة وحسد، وقد وصلت تجاربه مع الإسلام ذروتها في موريتانيا، حيث كتب عن الجاذبية القوية التي يتمتع بها الإسلام، وكيف أنَّه جَذَبَ إلى صفوفه أولئك الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام بعد أن فقدوا عقيدتهم، يقصد الفرنسيين العلمانيين والعقلانيين الذين هجروا المسيحيَّة فانتهى بهم الحال إلى أحضان الإسلام. بل إنَّ هذا الانجذاب نحو الإسلام لم يسلم منه إرنست بسيخاري نفسه، حيث يمكن العثور على الإحساس بتأثير الإسلام عليه –كما يؤكِّد ذلك الدكتور كيم مونهولاند– في رسالة كتبها وهو في موريتانيا إلى أخته هنرييتا. حيث قال لها في تلك الرسالة: “لا يمكنك أن تتخيَّلي ما معنى أن تعيش ثلاث سنوات في بلدٍ يصلي فيه الجميع”. وفي موضعٍ آخر صَرَخَ تدفعه الغيرة والحسد من الإيمان المتدفق الذي يراه بين صفوف المسلمين في موريتانيا، قائلاً: “أنا أيضًا لديَّ صلاتي”. وفي بعض كتاباته “أَظْهَرَ خَجَلَهُ من ’عِرْقِهِ‘ الذي أصبح غير قادرٍ على مثل هذه العبادة”.

ولهذا، يؤكِّد الدكتور كيم مونهولاند أنَّ “لقاء إرنست بسيخاري مع الإسلام ذَكَّرَه بفقر الجانب الروحاني في تراثه الثقافي، وأثَّرَ الإسلام بصورةٍ حاسمةٍ في الطريقة التي قَيَّمَ بها محدوديَّة عقيدة الجمهورية في عُقْرِ دارها، وسرعان ما سيتحدى تلك العقيدة الجمهورية في محيطها الإمبراطوري”. وبحسب الدكتور كيم مونهولاند فإنَّ إرنست بسيخاري “اكتشف في موريتانيا خطر عدم الدِّين على فرنسا وأنَّه بمثابة تهديد لها. وقد دَفَعَه رده على هذا الحماس الإسلامي إلى حافة اعتناق الكاثوليكيَّة المتحمسة، ولقاؤه مع الإسلام جعله يتحدى ثقافته والماديَّة التي هيمنت على روح الجمهورية لفرنسا، واستنتج أنَّه فقط بالعودة إلى تقاليد الماضي، لا سيما الدِّين، يمكن إنقاذ فرنسا، وستجد حينها القوة لمواجهة التحدي الذي يمثله الإسلام”.

وقد تحول إرنست بسيخاري إلى الإيمان الكاثوليكي قبيل موته بعامٍ واحدٍ، في سنة 1913م، ومن شدة الرغبة العارمة داخله تجاه التدين والإيمان الذي وجده بين صوف المسلمين؛ فَكَّرَ في أن يصبح رجل دين، لكنه عَدَلَ عن ذلك وقَرَّرَ أن يخدم إيمانه بصورةٍ أفضل في صفوف الجيش. وفي عام 1914م، قُتل في معركة روسينول، وهي إحدى أولى المعارك في الحرب العالمية الأولى، وكانت جزءًا من معركة الحدود على الجبهة الغربية بين الجيشين الألماني والفرنسي.

إنَّ حالة إرنست بسيخاري ليست فريدة ولا وحيدة في الغرب، بل تكاد تكون توجهًا كبيرًا داخل العقل الجمعي الغربي تجاه الإسلام كما استعرضه المستشرق مكسيم رودنسون وغيره، فبينما يقف المنصفون الغربيون العقلاء من الإسلام موقفًا معتدلاً يتمثل في: إما في قبوله والإيمان به أو العدل والإنصاف في الحديث عنه، فإنَّ هناك في مقابل هؤلاء تقف شريحة واسعة من الإسلام –مع إعجابهم به وانبهارهم بقيمه وتأثيره وجاذبيته- موقفًا عدائيًّا، يتمثل في التحريض عليه، ومهاجمته، وتشويه صورته في الغرب، يدفعهم ليس التحامل وعدم الإنصاف والعدل فقط، بل الغيرة والحسد. يقول عالم الاجتماع البريطاني فرانك فريدي: “أصبح الإسلام يمثل بالدرجة الأولى وبالصوت المبالغ تهديداً لأسلوب ونمط الحياة بالنسبة للغربيين. لقد حلَّ محل شبح الحرب الباردة، لكنني شخصياً أرى أن ذلك خطأ في نظرتنا للإسلام كرمز جديد للتهديدات الخارجية، فالهستريا الغربية تتطلب منا أن نحاول تفسيرها، وبيان أسبابها الحقيقية. لقد بدأت المخاوف منذ سنوات، عندما قرأنا في الصحف أن بعض الغربيين قد استبدلوا دينهم، وصاروا مسلمين، كما أذيعت حكايات عن قيام بعض قادة الفكر، وبعض النخب في الغرب باعتناق الإسلام. إن هناك رد فعلٍ شديدٍ يشبه الهلع من الإسلام، بسبب ما يتصف به هذا الدِّين من التماسك والاستقامة والثبات، وهذا ما يفتقر له الغربيون، كذلك توجد تناقض وازدواجية تجاه الإسلام، سببه ليس التحامل والتحيز فقط، وإنَّما الحسد والغيرة من أشياء لدى المسلمين، لم يعد لها وجود في الغرب، ذلك هو الإيمان الراسخ بمعتقدهم وأيدلوجيتهم. إن الخوف من الإسلام يرتبط بفقدان الثقة بالنفس لدى الغرب”.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى