عام

الاكتشاف الأوروبي للأمريكتين في التراث الإسلامي

  • سامي الحربي
  • تحرير: بيان الربيعان

یعتبر أحمد قاسم الحجري الأندلسي من المُورِيسِكیين -وهم بقایا المسلمین بعد سقوط الأندلس في إسبانیا- وهو أحد الناجین من محاكم التفتیش التي یطلق علیها الحجري: (المحارق النصرانیة) ویشیر الحجري إلى فضل تربیة والدیه بعد الله عز وجل في بقاء إیمانه.

وكانت رحلته بأمر من السلطان: زیدان الناصر، تاسع سلاطین المغرب، من السعدیین الذي حكم بین ١٦٢٨-١٦١٣م، والتي شملت فرنسا وهولندا سنة ١٦١٣-١٦١١م.[1]

وكان الحجري مترجمًا متقنًا لأكثر من لغة، منها : الإسبانیة، والبرتغالیة، وعالم بالمسیحیة واختلافاتها، وهذا یتضح من مجادلاته في الرحلة، وأجوبته وأسئلته. فقَبل هروبه من إسبانیا إلى المغرب، یذكر كیف أنه تم استدعائه من قبل الكهنة المسیحین، بعد أن أَمرَ قسیس غرناطة الكبیر في سنة (١٥٨٨م) بهدم صومعة قدیمة كانت في الجامع الكبیر، وعند هدمِها وجدوا في حائطها

صندوقًا من رصاصٍ يحتوي على قماش، وعظام، وعدّة كتب، وكان أحدها مكتوبًا بالعربیة منسوبًا لخادم كان للقدیس (كیسیلیوس أوف) وهو أحد المبشرین من القرن الأول المسیحي، فترجم الحجري لهم المكتوب.[2]

كان من أهداف المِلكیة الإسبانیة ومسيحيتها: تقلیص أعداد المسلمین في إسبانیا من خلال محاكم التفتیش -المحارق النصرانیة في تسمیة الحجري- وتم تقریبًا تحقیق الهدف فأصبح المسلمون أقلیة، وانعكس ذلك في نفسیة «الحجري الأندلسي».

وخصوصًا في مسألة تعداد المسلمین مقابل النصارى في العالم، التي يذكرها كثیرًا في رحلته، ثم یصل عند نقطة اكتشاف أمريكا، فیقول في رحلته: «الإسلام عمّرَ أكثر بلاد الدنیا المعروفة، ولكن ظهرت دنیا جدیدة بالمغرب البعید، وھي: الهنود المغربیة، والتي لم يدخلها الإسلام، ویعتبر سكانها مجوسًا یعبدون الشمس لكفرهم، وقام سلطان الأندلس (یقصد إسبانیا) بتنصيرهم عبر أصنامه».[3]

وما یثبت أنَ (الهنود المغربیة) في ملاحظة الحجري هي (أمريكا): حدیثه عن بحّار برتغالي، وإشارات الموصلي لأمیركا بالهند المغربیة في رحلته.

یذكر الحجري أنه قرأ كتابًا أعجمیًا لمؤلف نصراني یدعي (بدرطشابر) یتحدث عن بحّار برتغالي (تقریبًا یقصد كریستوفر كولومبوس) ركِب البحر من الأندلس، ومشى إلى بلاد الهنود المغربیة، ثم مَشى في بلادها إلى أن قطعها برًا، ثم ركب المحیط.

ویذكر أن من تاریخ الإسبان في الهنود المغربیة، قتلهم لسلطان الهنود المغربیة الذي یسمیه (متشمه) والذي قُتل بمدینة (میشق).[4] وأظن أنه یقصد بـ (میشق) المكسیك، ویقصد بـمتشمه (مونتیزوما) ملك الآزتِكا، الذي قتله (هرنان كورتیس).

كان مسار رحلة الیأس الموصلي: من بغداد سنة (١٦٦٨م) إلى دمشق، ثم إلى السلطنة العثمانیة، وقبرص، وإلى البندقیة، ثم روما التي التقَى فيها البابا (اكلیمونس التاسع) ثم إلى عموم أوروبا، وتوقف في إسبانیا.

وفي سنة (١٦٧٥م) غادر إلى الأمیركیتین، وتجول في: فِنزْوِیلَا، والبِیرُو، وغُواتِيمَالَا، وكُولُومبِیَا، والتْشِیلي، وبُولِیفیَا، والمَكسِیك. حمَل الموصلي رسائل من البابا (اكلیمونس التاسع) وسلّمها إلى ملوك إسبانيا، وكانت إحدى السیدات تسمى: (میركزا ده لوزوبلس) التي ربت الملك الإسباني كما یذكر الموصلي، جعلتْ له مكانةً في البلاط الإسباني وقدّمت له عرضًا بأن یطلب ما یرید، فأشار علیه رفاقه من الإسبان أن یطلب رحلة إلى بلاد (هند الغرب) وهي رحلة تقام كل ثلاث سنین مرة واحدة إلى بلاد الهند المغربیة التي یقول عنها: «وتسمى البِیرو والتي تبعُد ألف وخمسمائة فرسخ داخل بلاد ینكي دنیا (المكسیك)».

ویقول: «هي أكبر الثلاثة الأقالیم الأخرى المعروفة بآسیا، وأمریكا، وأوروبا، وقد جعلوا له اسمًا جدیدًا، وسموه: بإقلیم أمیریكا مسلوبًا».[5]

وكان الموصلي مستاءً من عدم تسمیة أمریكا باسم مشتق من كولومبس إذ یقول: «وكان في رفقة المكتشفین رجل اسمه (میریكو) من إیطالیا، فشخَّص تلك الأرض وهنودها على ورقةٍ وعرضها على ملك إسبانیة، فحینئذ سُمیت تلك: (میریكا) بالحقیقة كان الواجب أن تُدعى باسم: كولون (كولومبس) لأنه كان المبتدئ والمجتهد في هذا الأمر».[6]

استطاع (السلطان إسماعيل) – سلطان المغرب – استرجاع (مدینة العرائش) ووقعت واحدةٌ من الحامیات الإسبانیة تحت سیطرته، وعرض على الإسبان تسليمها مقابل إطلاق سراح خمسمائة أسیر من المسلمین، وتسلیم خمسة آلاف من الكتب العربیة، ووقع اختیاره على الوزیر الغساني للبعثة الإسبانیة.[7]

وكانت رحلة الوزیر محمد بن عبدالوهاب الغساني ما بین سنة (١٦٩٠م) وسنة (١٦٩١م) وهي رحلة بعد خمسین سنة من رحلة أحمد قاسم الحجري الأندلسي.

ویشیر الغساني في رحلته إلى اكتشاف أمریكا عند حدیثه عن عهد الملكة (إیزابیلا الأولى) ملكة قشتالة:

«وفي عهدها اكتشف بعض رؤساء البحر من جنس الإسبان بلادًا من الهند، والتي بيدهم الیوم، ورأى أهلها فوضى، وهم بمثابة الدواب، ولا عدّة لهم، إنما كانت عدتهم العیدان، وعندما رأى ما فيهم من الغرة و البلادة، رجع إلى إسبانیا مخبرًا الملكة زابیل (إیزابیلا الأولى) بذلك، فجهزت له ثلاثة مراكب وأصحَبت معه خویلةً ومدافع، فقصد ذلك الموضع، فنزله وحاربه أهل تلك البلاد، فغلبهم وملَكهم وقبض على ملِكهم، ولا یزال الإسبان في الهند یملكون بلدانًا كثیرة، وأقاليم متسعة یجلبون منها ما يغنيهم.وبحصول هذه البلاد الهندية ومنفعتها وكثرة الأموال التي تجلب منها، صار هذا الجیش الأسبنیولي أكثر النصارى مالًا وأقواهم مدخولًا».[8]

ویشیر الوزیر الغساني إلى أن الثروات القادمة من الأمریكیتین جعلت الإسبان شعبًا مترفًا، لا یطلب التجارة كالشعوب الأوروبیة الأخرى من الإنجلیز والهولندیین والفرنسیین.[9]

اقرأ ايضًا: لقد وصل المسلمون إلى أمريكا قبل البروتستانت بأكثر من قرن، وبأعداد كبيرة. فكيف نُسيَ تاريخهم؟


المراجع:

[1] – رحلة أفوقاي الأندلسي، مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب، ٤٨نشر دار السویدي.

[2] – مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب ص٢٧-٢٨.

[3] – مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب ص ٩٧.

[4] – مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب ١٠١-١٠٠.

[5] – الذهب والعاصفة: رحلة إلیاس الموصلي ص٤٧ نشر دار السويدي.

[6] – الذهب والعاصفة ص ٥٢.

[7] – رحلة الوزیر في افتكاك الأسیر -الغساني الاندلسي- ص٢٦-٢٥ نشر دار السویدي.

[8] – رحلة الوزیر في افتكاك الأسیر ص٧١.

[9] – رحلة الوزیر في افتكاك الأسیر ص ٧٢.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى