عام

ضد العولمة

  • زيغمونت باومان
  • ترجمة: زينب عبد المطلب
  • تحرير: ريمة بعث

التحدي الأخلاقي للعولمة

(زيغمونت باومان: أستاذ علم الاجتماع في جامعة ليدز،  وفي جامعة وارسو، مؤلف Liquid Modernity 2001  وGlobalization 1999  و Life in Fragments 1995،  نشرت جميعها من قبل بلاكويل في اكسفورد) .

تكتسب حركة «ضد العولمة» -أو المحتجون المناهضون للعولمة- زخماً مع كل اجتماع للنخب الدولية. هل يحملون قضية، كما قال الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون في الجولة الأولى من اجتماع سياتل لمنظمة التجارة العالمية؟ أم كما يقول روبرت ماكنامارا، هم «ضالون فكريًا»؟ يبحث هذا القسم ذلك السؤال الرئيس.

تعني «العولمة» أن جميعنا يعتمد على بعضه البعض. ليست المسافات ذات أهمية كبيرة اليوم. أيًّا كان ما يحدث في مكان ما قد يكون له تبعات عالمية. بفضل الموارد والأدوات التقنية والخبرات العملية التي اكتسبناها؛ تجتاز ممارساتنا أبعادًا مكانيةً وزمانيةً هائلةً. ومهما تكن أهدافنا محصورةً في نطاقها المحلي، فمن غير الحكمة تجاهلُ العوامل العالمية، بما أنها يمكن أن تقرر نجاح أو فشل ممارساتنا. ما نقوم به (أو نمتنع عنه) قد يؤثّر على ظروف حياة أو موت الناس في أماكن لن نزورها أبدًا وعلى الأجيال التي لن نعرفها أبدًا.

هذا هو القيد الذي نصنع بمقتضاه تاريخنا المشترك اليوم سواء علمنا ذلك أو لم نعلمه. على الرغم من أن قدرًا كبيرًا (ربما كل شيء أو تقريباً كل شيء) من ذلك التاريخ المتكشف يعتمد على الخيارات البشرية، فإن الحالة التي يتم في ظلها انتقاء الخيارات ليست مسألةً اختياريةً في حد ذاتها.

بعد تفكيك معظم القيود التي كانت تحدّد إمكانات أفعالنا إلى الدائرة التي يمكننا معاينتها ومراقبتها والسيطرة عليها، لم يعد بإمكاننا حماية أنفسنا، أو من هم في الطرف المتلقي لأفعالنا، من الشبكة العالمية للتبعية المتبادلة.

لا شيء يمكن القيام به لعكس اتجاه العولمة. يمكننا فقط أن نقف «مع» أو «ضد» العولمة الجديدة لتبعيتنا المتبادلة محدثين تأثيرًا يشبه تأييد أو رفض الكسوف الشمسي أو القمري المقبل. لكن الكثير يعتمد على قبولنا أو مقاومتنا للشكل غير المتوازن الذي اتّخذته العولمة حتى الآن.

 

الخطيئة العالمية

كان كارل جاسبرز قبل نصف قرن لا يزال يفصل بدقة «الشعورَ بالذنب الأخلاقي» (تأنيب الضمير الذي نشعر به عند التسبب في ضرر للناس الآخرين إما من خلال ما قمنا به أو ما فشلنا في القيام به) عن «الشعور بالذنب الغيبي» (تأنيب الضمير الذي نشعر به عندما يتعرض إنسان ما للأذى، حتى لو كان الضرر غير متصل أبداً بأفعالنا). لكن هذا التمييز فقَدَ معناه مع العولمة. تمثل كلمات جون دون: «لا تسل لمن تُقرع الأجراس؛ لأنها لأجلك تُقْرع»؛ على نحو غير مسبوق الترابطَ الأصيل لمصائرنا، على الرغم من أنه أبعد ما يكون عن أن يقابله ترابط مشاعرنا وسلوكياتنا.

متى ما عانى البشر من الإهانة أو البؤس أو الألم، لا يمكننا التأكد من براءتنا الأخلاقية. لا يمكننا الادعاء بأننا لم نكن نعرف، كما لا يمكننا أن نتأكد من أنه لم يكن هناك شيء يمكننا تغييره في سلوكنا يمكن أن يمنع أو يخفف على الأقل من مصير الضحايا. ربما كنا عاجزين كل بمفرده، ولكن يمكننا أن نفعل شيئاً ما بالوحدة، والوحدة تتكوّن من الآحاد.

فالعالمية لم يقابلها نطاق عالمي مماثل من الحكم الديمقراطي.

المشكلة -كما اشتكى فيلسوف كبير آخر من القرن العشرين، هانس يوناس- هي أنه على الرغم من أن المكان والزمان لم يعودا يقيّدان تبعاتِ أفعالنا؛ فإن خيالنا الأخلاقي لم يتطور كثيرًا إلى أبعد من النطاق الذي اكتسبه في زمن آدم و حواء. إن المسؤوليات التي نبدي استعدادًا للاضطلاع بها لم تتجاسر بقدر الأثر الذي يتركه سلوكنا اليومي على حياة أناس أكثر بعدًا من أي وقت مضى.

تستلزم «عملية العولمة» هذه الشبكة من الاعتماد على كل زاوية وركن في العالم، ولكن -على الأقل حتى الآن- تستلزم الاعتماد علي أشياء قليلةٍ أخرى. من الباكر جدًا أن نتكلّمَ عن مجتمع عالمي أو ثقافة عالمية، ناهيك عن النظام العالمي أو القانون العالمي.

 

نظام جديد

هل هناك نظام اجتماعي عالمي ينشأ في نهاية عملية العولمة؟ إذا كان هناك نظام كهذا، فإنه لا يشبه حتى الآن النظم الاجتماعية التي تعلمنا اعتبارها القاعدة. اعتدنا أن نفكر في النظم الاجتماعية ككليات تُنسِّق وتُكيِّف جميعَ جوانبِ الوجود الإنساني من خلال الآليات الاقتصادية والقوة السياسية والأنماط الثقافية. ومع ذلك، فإنّ ما كان يجري تنسيقه على نفس المستوى وفي نفس الكلية أصبح منفصلاً في الوقت الحاضر وتموضع على مستوياتٍ متباينة جذريًا.

إن عالمية رأس المال والموارد والتجارة -تلك القوى الحاسمة بالنسبة لمجموع الخيارات وفعالية العمل البشري- لم يقابلها نطاق مماثل من الموارد التي طوّرتها البشرية للسيطرة على القوى التي تتحكم في حياة البشر. الأهم من ذلك، أن تلك العالمية لم يقابلها نطاق عالمي مماثل من الحكم الديمقراطي.

في الواقع، يمكننا القول إن السلطة «تلاشت» من المؤسسات المتشكّلة تاريخيًا، والتي كانت تمارس السيطرة الديمقراطية على استخدامات السلطة وإساءة استخداماتها داخل الدول القومية الحديثة. العولمة بشكلها الحالي تعني عدم تمكين الدول القومية وغياب أيّ بديل فعلي (حتى الآن).

قامت الجهات الفاعلة الاقتصادية بحركة هيديونية مماثلة من قبل، وإن كان من الواضح أنها على نطاق أكثر تواضعًا مما هي عليه في عصر العولمة الذي نعيش فيه.

أشار ماكس فيبر، وهو أحد ألمع المحللين في منطق (أو لامنطق) التاريخ الحديث، إلى أن الفعل المولِّد للرأسمالية الحديثة هو فصل الأعمال عن الأسرة؛ و«الأسرة» هنا ترمز إلى شبكة كثيفة من الحقوق والالتزامات المتبادلة التي تتكبدها المجتمعات القروية والبلدات، أو الأبرشيات أو نقابات الحرفيين حيث كانت الأسر والأحياء محاطةً بإحكام. من خلال هذا الفصل (يمكن تسميته بشكل أفضل، مع الانحناء إلى رمزية مينينيوس أغريبا القديمة الشهيرة: «الانفصال») من خلال هذا الفصل؛ غامرت الأعمال داخل المنطقة الحدودية الفعلية، منطقة مفترضةً متنازعٌ عليها وخاليةً من جميع  المخاوف الأخلاقية القائمة والقيود القانونية وجاهزة للتبعية لقواعد السلوك الخاصة بالأعمال.

كما نعلم، فإن تلك الحصانة الأخلاقية غير المسبوقة للأنشطة الاقتصادية أدّت في عصرها إلى تقدّم مذهل في الإمكانات الصناعية و نمو الثروة. وكما نعلم أنه على الرغم من ذلك؛ فطوال القرن التاسع عشر تقريباً انتعشت نفس الحصانة المحلية في الكثير من البؤس البشري والفقر والاستقطاب المحير للعقل لمعايير وفرص الحياة البشرية.

وأخيراً، نعلم أيضاً أن الدول الحديثة الناشئة أعادت المطالبة بالأرض المتنازع عليها التي تدّعي الأعمال أنها ملكيتها الحصرية. إن الوكالات المعنية بوضع القواعد والمعايير في الدولة سادت في ذلك الفضاء وفي نهاية المطاف، على الرغم من أنه فقط بعد التغلب على المقاومة الشرسة، ضمّتها واستعمرتها، وبالتالي ملأت الفراغ الأخلاقي وخففت عواقبه غير المرغوب بها على حياة رعاياها أو مواطنيها.

 

الانفصال الثاني

يمكن وصف العولمة  بأنها «الانفصال الثاني». مرةً أخرى، أفلتت الأعمال من قيد الأسرة، على الرغم من أن هذه الأسرة التي تركتها وراءها هذه المرة هي «الأسرة المتخيلة» الحديثة، مقيدةٌ ومحميةٌ من قبل القوى الاقتصادية والعسكرية والثقافية للدولة القومية تتصدّرها السيادة السياسية.

ومرة أخرى، اكتسبت الأعمال «منطقةً خارجية»، وهي مساحة خاصة بها، والتي يمكن أن تتجول فيها، وتتخلص دون قيد من العقبات البسيطة التي أقامها السكان المحليون الضعفاء وتتجنَّب العوائق التي بناها الأقوياء، وتسعى لتحقيق أهدافها الخاصة وتجاهل وتجاوز جميع الغايات الأخرى باعتبارها غير ذات صلة اقتصاديًا وبالتالي غير مشروعة. ومرةً أخرى نلاحظ تأثيرات اجتماعية مماثلة لتلك التي قوبلت بغضب أخلاقي في وقت الانفصال الأول، لكن على نطاق عالمي أكبر بكثير (كالانفصال الثاني نفسه).

منذ ما يقارب قرنين من الزمان، في خضم الانفصال الأول، اتَّهَمَ كارل ماركس بخطأ «الطوباوية» أولئك المدافعين عن مجتمع أكثر إنصافًا ومساواةً وعدلًا، الذين يأملون تحقيق هدفهم من خلال وقف الرأسمالية المتقدمة في مساراتها والعودة إلى نقطة البداية، إلى ما قبل الحداثة وعالم الأسر الممتدة، والمشاغل الأسرية.

لم يكن هناك طريق للعودة، أصرّ ماركس؛ وفي هذه النقطة على الأقل أثبت التاريخ أنه على حق. أيًّا كان نوع العدالة والإنصاف، فإن فرصة ترسيخها اليوم يجب أن تبدأ من حيث أدت التحولات التي لا رجعة فيها بالفعل إلى الحالة البشرية الحالية.

إن التراجع عن عولمة التبعية البشرية، من النطاق العالمي للتكنولوجيا البشرية والأنشطة الاقتصادية لم يعد -على الأرجح- ورقةً رابحة. حلول مثل «وحدة الدفاع عن المصالح المشتركة» أو «العودة إلى الخيام القبلية (الوطنية، المجتمعية)» لن تجدي نفعًا. السؤال لا يكمُن في كيفية إعادة مجرى التاريخ إلى الوراء، ولكن في كيفية مواجهة شوائبه وتوجيه مجراه نحو توزيع أكثر إنصافًا للمنافع التي يحملها.

إن التراجع عن عولمة التبعية البشرية، من النطاق العالمي للتكنولوجيا البشرية والأنشطة الاقتصادية لم يعد -على الأرجح- ورقةً رابحة.

توجد نقطة أخرى يجب تذكّرها. مهما كان الشكل الذي قد يتخذه الحكم العالمي المفترض على القوى العالمية، فإنه لا يمكن أن يكون نسخةً طبق الأصل من المؤسسات الديمقراطية التي تم تطويرها في أول قرنين من التاريخ الحديث. سُوِّيت هذه المؤسسات الديمقراطية لتناسب مقياس الدولة القومي، ومن ثم «المجموع الاجتماعي» الأكبر والأشمل. لذا فهي غير مناسبة بشكل فريد ليتم إنفادها إلى الحجم العالمي.

من المؤكد أن الدولة القومية لم تكن امتدادًا للآليات المجتمعية أيضًا. بل على العكس من ذلك، كانت النتاج النهائي لأساليب جديدة جذريًا من التآزر الإنساني وأشكال جديدة من التضامن الاجتماعي. كما أنها لم تكن نتيجة تفاوض وتوافق آراء تمّ التوصل إليه من خلال المساومة الشاقّة بين المجتمعات المحلية. جاءت الدولة القومية التي قدّمت في النهاية الاستجابة المرغوبة لتحديات «الانفصال الأول» إلى حيز الوجود على الرغم من المدافعين عن التقاليد المجتمعية ومن خلال مزيد من تآكل السيادات المحلية المتقلصة بالفعل والهزيلة.

لا يمكن للاستجابات الفعالة للعولمة إلا أن تكون عالمية. يعتمد مصير مثل هذه الاستجابة العالمية على ظهور وترسيخ ساحةِ سياسية عالمية (متميّزة عن «الدولية» أو بشكل أصح بين دولية). إنها ساحة مفقودة اليوم بوضوح.

إن اللاعبين العالميين الحاليين غير راغبين بشكل منفرد في إعدادها. يبدو أن خصومهم المزعومين الذين تدربوا على فن الدبلوماسية بين الدول (القديم وغير الفعال على نحو متزايد) يفتقرون إلى القدرة اللازمة و الموارد التي لا غنى عنها. يوجد حاجة إلى قوى جديدة لإنشاء وتنشيط محفل عالمي حقيقي يلائم عصر العولمة – ولا يمكن لهذه القوى أن تؤكّد نفسها إلا من خلال تجاوز كلا النوعين من اللاعبين.

قليل من المفكرين -إن وجدوا في خضم الانفصال الأول- يمكنهم تصور الشكل الذي ستتخذه عملية إصلاح الضرر في نهاية المطاف.

يبدو أن هذا هو الضمان الوحيد، وكل ما تبقى هو مسألة ابتكارنا المشترك وممارستنا السياسية للتجربة والخطأ. وبعد كل شيء، يمكن لعدد قليل من المفكرين -إن وجدوا في خضم الانفصال الأول- تصورُ الشكل الذي ستتخذه عملية إصلاح الضرر في نهاية المطاف. لكن ما كانوا متأكدين منه هو أن بعض العمليات من هذا النوع كانت الحتمية القصوى في وقتهم. نحن جميعًا مدينون لهم على تلك البصيرة.

اقرأ ايضًا: أدعياء العالمية: الثقافة الغربية في عصر العولمة

أعجبني المقال

المصدر
wiley

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى