عام

فِرارُ الأُنس!

  • عثمان العمودي

ليس أقسى على الإنسان مِن أن يتنكَّر له من كان يألفه، ولا أشدَّ عليه مِن أن يُوحِشه من كان يُؤنِسه، ولكن فوق هذا أن ينقلب في عينه ما ليس من شأنه الانقلاب والتبدُّل! فتتغيَّر عليه الأرض والمعالم، وتُنكِره الديار والمعارف، ولا يرى من الورَق إلا اليابس، ولا من الألوان إلا الباهت.. وما تلك الحال بخافيةٍ على مَن فقد حبيباً أو فارقَ إلفا.

وهذا المعنى لم تغفِله مُشجِيات العرَب ومراثيها، فقد جادت قرائحُهم ببثِّه بثَّ الشجيِّ وتنغيمِه نغَمَ المحزون. كما هالَ بنتَ الطَّثريَّة موتُ أخيها يزيد فقالت:

أرى الأثل من بطن العقيقِ مجاوري
قديماً، وقد غالت يزيدَ غوائلُه

فأنكرَت بقاءَ الأثل بجوارها على ما كان عليه قبل موت أخيها، (إذ كان الحكمُ عندها أن تتغيَّر الأمورُ عن مقارِّها لموت أخيها، فتتحوَّل الأحوال، وتتبدَّل الأبدال، وتتخشَّع الجبال، وتُقتلَع الأشجار)[1]!

ولما فجعَ ابنَ ضرارٍ نبأُ موت أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال:

أبعد قتيلٍ بالمدينة أظلمَت
له الأرضُ تهتزُّ العضاه بأسؤقِ!؟

يقول: “كيف للأشجار أن تهتزَّ وللأوراقِ أن تزهوَ وقد أظلمَت المدينةُ لموت أمير المؤمنين، فما ينبغي لها مثل هذا”!

وما أمضَّ سؤال الفارعةِ بنت طريف وقد مات أخوها الوليد فقالت:

أيا شجرَ الخابورِ مالك مورِقاً؟
كأنَّك لم تحزن على ابنِ طريفِ!

ثم تسابق الشعراءُ في وصف هذه الوَحشةِ الموجِعة، كما قال الأبيرد: (تغوَّلت بي الأرض)، وقال آخرُ: (بكى أُحدٌ إذ فارقَ اليومَ أهلَه)، ثم عبَّر عنه البحتري بقوله: (حالَت يدُ الأشياءِ عن حالاتِها)، وكان قد سبقه أبو تمَّام إلى وصف هذه الوحشة فقال:

تبدَّلت الأشياءُ حتى لَخِلتُها
ستثني غروبَ الشمسِ من حيثُ تطلعُ

وحُقَّ لهم ذلك، (فإنَّ هذا يقوم مقام النَّفوس عند عظيم المصاب وجليل الرزء، أنَّ الأشياء قد حالَت عن صُورِها، وتغيَّرت عن حالاتِها)[2]!

وقد قضيتُ ردحاً من نهاري وأنا أتتبع هذا المعنى وأتفكَّر فيه، ولم يكن الباعثُ لي على ذلك إلا أنَّني قرأتُ حديث توبة كعب بن مالك رضي الله عنه، حتى بلغتُ قولَه: (فاجتنبَنا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتَّى تنكَّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف)[3]!

وكنتُ ألمس بين الوَحشتين فرقا، فالوَحشة التي وجدها كعبٌ رضي الله عنه لون، والوَحشة التي ترنَّم بها أصحاب المراثي لونٌ آخر. ولم يزل ذلك يحوكُ في نفسي حتى وقفتُ على قول صاحب المنازل: (المحبةُ تعلقُ القلبِ بين الهمَّة والأُنس). وطرِبتُ لبيان أبي عبدالله ابن القيم عن هذا بكلامٍ نافع، كان منه أن قال: (وإنَّما أشار إلى أنَّها بين الهمَّة والأُنس؛ لأنَّ المحبَّة لما كانت نهايةَ شدَّة الطلب، وكان المحبُّ شديد الرَّغبة والطلب: كانت الهمةُ من مقوِّمات حبِّه، وجملةِ صفاته. ولمَّا كان الطلبُ بالهمَّة قد يعرى عن الأنس، وكان المحبُّ لا يكون إلا مستأنساً بجمال محبوبِه وطمعِه بالوصول إليه… وجب أن يكون المحبُّ موصوفاً بالأنس، فصارَت المحبةُ قائمةً بين الهمَّة والأنس)[4].

إذن فالاقتران بين الأُنس والهمَّة ظاهر. وبهذا تتوسَّم أنَّ الوحشة التي وجدها كعب رضي الله عنه كان يتخلُّلها همَّةُ زوال ما هو فيه، بخلاف من فقد حبيباً فليس يزيل وحشته في الدنيا إلا النسيان إن كان!

وهذه الوَحشة التي هجَمت على قلب كعب رضي الله عنه إنَّما تُصيب قلبَ المؤمن إذا قارف المعصية، فيفِرُّ الأُنس من قلبِه، وتستوحشُ من الدنيا نفسُه، وتختلج من الحزن سرائرُه، ولا يزال على حالته تلك يَبضَع الخوفُ والقلقُ من فؤاده بَضعةً بَضعةً حتى ييسِّرَ له الله سبيلَ التَّوبة، فينقلب خوفُه أمنا، وتعودُ وَحشته أُنسا.

ولك أن تتأمَّل كيف تبلغ الحالُ بنفس المؤمن إذا عصى ربَّه وشهِد ذنبَه، فتتبدَّل في عينه الأحوال، وتتغوَّل به الأرض، ويعلِّق ابن القيم على حديث كعب فيقول: (هذا التنكُّر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض والشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حالَه من النَّاس، ويجده أيضاً المذنِب العاصي بحسب جُرمِه حتى في خُلق زوجته وولده وخادمه ودابته، ويجده في نفسِه أيضاً فتتنكَّر له نفسُه حتى ما كأنَّه هو، ولا كأنَّ أهلَه وأصحابَه ومَن يشفِقُ عليه بالذين يعرفهم، وهذا سِرٌّ من الله لا يخفى إلا على ميِّت القلب، وعلى حسب حياة القلبِ يكونُ إدراك هذا التنكُّر والوحشة، وما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ)[5]!

وهذا السرُّ الذي باح به ابنُ القيِّم كان يشغَل من فكرِه محلًّا، فقد أكثر التعبيرَ عنه في تصانيفه رجاءَ أن يفقهه الناظر، وحرص على أن يبلغ به مِن البيان درجةً لا يخفى على السالكين بعدها منه شيء، وقرَّره مرةً تقريراً حسَناً فقال: (وسرُّ المسألةِ أنَّ الطاعةَ توجِب القرب من الربِّ سبحانه، فكلَّما اشتدَّ القُرب قويَ الأُنس. والمعصيةُ توجِب البُعد من الربِّ سبحانه، وكلَّما زاد البُعد قويَت الوَحشة)[6]. وقد أشار إلى هذا التقابل البدَهي أبو حامد الغزالي فقال: (وبقدر ما يأنس العبد بالدنيا يستوحش من الآخرة)[7]. وأصل هذا المعنى مبثوث في نصوص الوحيين.

ومن المعلوم أن الوَحشة بعصيان المحبوب إنَّما تكونُ على قدر المحبَّة، وكلَّما زادت المحبةُ زاد الأُنس وخشيَت النفسُ من الوحشة كما تقدَّم في كلام صاحب المنازل. فمَن عصى محبوبَه بعد ذلك سارعَت نفسُه إلى الانقباض؛ لأنَّه خالف غريزتَه المعهودة، وناقضَ نحيزَته السابقة، فيُنكِر ما لم يكن ينكره من نفسِه، وتسوَدُّ الدنيا في بصرِه، ولا يتخيَّل له في خطَراتِه إلا زوالُ وحشته التي جثمت على صدرِه، وعودةُ الأنس الذي فرَّ من قلبِه!

ولذلك لما تاب الله على كعبٍ كان أول ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك)! فكأنَّ قبولَ توبته إيذانٌ بحياةٍ جديدة تسير على نمط الطاعة والعبوديَّة المعهود، بعدما نأَت به عن ذلك وتغيَّرَت.

وإنَّما هذه الوحشةُ قرعةٌ من قرعات العتاب الربانيِّ للعاصين، يجدونها في نفوسِهم فلا تستقرُّ بهم حتى يسلكوا طريقَ التوبة، (وإنَّما يقعُ الأُنس بتحقيق الطَّاعة، لأنَّ المخالفة توجِب الوَحشة، والموافقةُ مبسَطةُ المستأنسين، فيا لذَّة عيش المستأنسين! ويا خسارة المستوحشين!)[8].


[1] شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي (732).

[2] الموازنة بين أبي تمَّام والبحتري، للآمدي (3/489).

[3] أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (2769).

[4] مدارج السالكين (3/404).

[5] زاد المعاد (3/728).

[6] الداء والدواء (76).

[7] إحياء علوم الدين (4/203).

[8] صيد الخاطر، لابن الجوزي (273).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى