عام

النهاية الوشيكة

  • أجنس كالارد
  • ترجمة: يوسف داوود
  • تحرير: ريمة بعث

هذه ليست نهاية العالم، بل هو طاعون يحوم حول الناس قاتلًا بعضَهم ومصيبًا الكثيرَ منهم؛ بمعّدلٍ ترتعد له الفرائص.

هذه الجائحة لا تعدو كونها واحدة من ابتلاءات جمة ، هذه أحدثها وأشدُها بغتةً لبني البشر. ونحن -في شيء من العجلة- نكاد لا نُبقي على شيء من بيئتنا الطبيعية إلا وقد استبدلناه بغيره مما هو مَغرم لا مغنم، وهذا -لا شك- وحلٌ أوقعنا فيه أنفسنا. لكننا عندما نريد تخفيفَ حدةِ الفاجعة نسمي هذا الوحل ب”التغير المناخي”.

أما من الناحية السياسية، فقد شهدنا في العقد الماضي اضطراباتٍ شعبيةً في شتى أصقاع العالم، ونزَعنا إلى التشاؤم بشأن أملنا في ديمقراطية تسود العالم، نظراً لما فعله بعضُ القادة في عددٍ من الدول.

ومع الأخذ في الحسبان أسعارَ الصناعات التكنولوجية الآخذةِ في الهبوط، تنتشر الأسلحة -ومنها أسلحة الدمار الشامل- على نحو لا يلحظه أحد. ويحدث كل ذلك على عتبة مسرح يقبع خلفها اقتصادٌ ميت بسبب النمو المنخفض والأجور البائسة، وذلك واقعٌ -على الأقل- في أكثر بلدان العالم ثروة.

لم نصل لنهاية المطاف بعد، لكن مما لا مراء فيه أن هاجس النهاية لا يفارقنا. وفيما يبدو أن الأزمات الصحية والبيئية والسياسية والاقتصادية والعسكرية قد اجتمعت على شيء واحد هو تذكيرُنا أنه لا بد -كما هي سُنة كل شيء- أن يأتي يومٌ يُسدل فيه الستار على قصة بني آدم. وهي فكرة من شأنها أن تُثقلَ القلبَ وتُثيرَ في بالنا مسائلَ فلسفية.

يوضّح تلك المسألة الفيلسوف صامويل شيفلر مستعيناً بسيناريو العقم الذي حكاه فيلم “أبناء البشر Children of Men”. في هذا الفيلم تضمحلّ قدرةُ البشر على الإنجاب، ويكون من عواقب إدراكِ أنه لا مستقبل للبشرية أن تسود اللامبالاة وتتكاثرَ الكوارثُ من كل اتجاه.

ونحن الآن نشهد معاناةً بمعدلات لا قِبل لنا بها، تتنوع بين إرهاب وإباداتٍ عرقيةٍ، ثم نغضّ الطرف عن كل ذلك غير مكترثين.

عند التفكير على المدى القصير؛ لن يكونَ بمقدورنا تصديقُ أنّ مجردَ إدراكِنا أننا آخرُ أجيال البشرية سيدفعُنا نحو انهيار أخلاقي وسياسي. إلا أن تفكير شيفلر قاده لتصديق ما لا نصدقّه. ويفسّر شيفلر ذلك بأن كثيرًا من أعمالنا (مثل البحث عن علاج للسرطان أو تشييدِ مبانٍ جديدة أو تأليفِ قصيدة أو كتابةِ كتاب فلسفي أو النضالِ من أجل فكرة سياسية أو تعليم أولادِنا دروسًا أخلاقية على أمل أن تستمر هذه الأخلاق جيلًا بعد جيل) كلُّ ذلك منوطٌ بوجود أجيال مستقبلية، وبدونهم نصبح بالكاد مهتمين بأنفسنا، وننكفئُ على القسوة ويغدو الواحد منا مشبعاً باللامبالاة وبالمعاناة.

من ناحيتي، أتفهمّ ما يقصده شيفلر، وينقبض قلبي خوفًا عندما أفكر في إمكانية أن يكون جيلُ أولادي هو الجيل الأخير. لا يسعني أن أتخيل أن تنقرض البشرية حتى لو كان هذا الانقراض انقراضًا رحيمًا من خلال العقم.

يحلّ أجملُ مشهد في فيلم أبناء البشر قربَ النهاية، وفيه تدور معركةٌ دموية في شقة بإحدى المباني. لكن هذا القتال يتحوّل إلى سلامٍ حينما يسمعون بكاءَ طفل يُنتشل من بين الأشلاء. لم يتوقف المتخاصمون عن القتال ليحموا الطفل، ولا ليتجنّبوا ترويعَه، وإنما توقفوا – فقط- ليرقبوا ويتأمّلوا شكلَه البديع، حتى إنهم آثروا النظرَ إلى الطفل على تفادي رصاصة قادمة أو طعنةٍ من عدو. فالطفل ههنا هو قطرةٌ أخلاقيةٌ تنزّلت على عالم حالك مقفِر وخالٍ من الأخلاق. الطفلُ هو إشارةٌ إلى أن حياة البشرية تستحقّ القتالَ من أجلها.

تكمُن أهمية الأجيال المستقبلية في أنها شرطٌ لوجود الخير والشر في كل زمان ومكان. هذا ما يقدّمه الفيلم … وهو ما قرره شيفلر (وليته يكون مخطئًا).

لكن؛ ثمةَ شيئٌ نحن موقنون به، وهو أنه لن تكون هناك أجيالٌ مستقبلية على الدوام -وهذه حقيقة لا مراء فيها- . فحتى وإن لم يودي بنا الفيروس، وإن لم يقتل بعضنا بعضًا، وحتى لو تمكنا من جعل كل شيء مستدامًا قدرَ الإمكان؛ فسيظل الاحترارُ العالمي يتوعّدنا، ولا مفرَّ لنا من شرّه.

قد نحكي لأنفسنا من القصص ما يهدّئ بالَنا ويجلبُ علينا السكينةَ والاطمئنان؛ مثل قصة أننا سننتقل لكوكب آخر، لكننا مخلوقون في أجسادٍ تَبيّنََ لنا -من خلال نظرةٍ جيولوجية عبر الزمن- أنها لا تدوم. يحوم الموت حول فصائل المخلوقات تمامًا كما يحوم حول كل واحد منا.

 

كم تبقى لنا؟ 

قال عالم الاقتصاد تيلر كوين مؤخرًا في حديث للعامة أن ما تبقى لنا هو 700 عام على وجه التقريب.

ومن يعلم؟ ما يهم هو أن الإجابةَ يستحيل أن تكون : (سنبقى إلى الأبد). الأبد وقتٌ مديد لا قِبَل للبشرية به.

ُتحدّقُ بنا كارثةُ البحث عن معنى وغايةٍ لحياتنا، ومن الطبيعي لتلك الكارثة أن تستفحل كلما اقتربنا من النهاية. ومُقدَّر لأفكار شيفلر أن تنهار هي الأخرى. وكما أن فكرة أن تكديس الغير للطعام سيؤدي لنقص الطعام، فإن احتماليةَ أن يكون المستقبل البعيد كئيبًا منزوعَ التأثير والحيوية؛ تحرم ذلك المستقبل البعيد من قدرته على إعطاء معنى للمستقبل الأقل بعداً… وهكذا دواليك. كتأثير كرةِ ثلجٍ ترجع للوراء حتى نصل لحاضر خالٍ من الحيوية.

إن للجيل الأخير الدورُ الأهمّ في كل هذا النظام. لكن أنّى لحياتهم أن تكون ذات معنى؛ إذا كانت مجردُ فكرةِ النهاية تجعل الواحد منا منهارًا غارقاً في الذعر والاكتئاب.

الإجابة هي أن على الجيل الأخير أن يكون أقدرَ وأبسل مما نحن عليه الآن. وتكمُن مهمتُنا في نمهّد لهم الطريقَ ليكونوا كذلك. وعلينا أن نبدأ بأنفسنا ونجعلَ ما عجزنا عن التفكير به ممكنًا لهم ليكملوا هم من بعدنا.

في حاثة 9 سبتمبر، قام بعض ركاب طائرة الخطوط الجوية المتحدة 93 بعمل بطولي حين انتفضوا ضد الإرهابيين الذين أخذوهم رهائن، ما أدّى إلى تغيير مسار الطائرة فتحطّمت في أحد الحقول بدلًا من أن تصطدم بمبنى الكابيتول.

قد نتساءل لم قد يكون هذا عملًا مبهرًا إذا نظرنا له من زاوية معينة: إذا كنت ستموت على كل حال، فلمَ لا تفعل شيئًا ذا قيمة قبل الموت؟ ألن يكون ذلك خطئًا؟

يستلزم الأمرُ طاقةً ورغبة وإيمانًا لتتجه نحو محتجزيك، وتستجمعَ كلَّ ذلك في وجه حتميةِ الموت، إنه عمل بطولي لا ريب. الشجاعة هي أن تقف في وجه مِحَنك بكامل تركيزك، حتى وإن كنت على وشك الموت.

الشجاعة هي أن لا يقتصر معنى حياتك على النجاة، بل أن تكون حياتُك أخلاقيةً وليست مجردَ عملياتٍ بيولوجية؛ الشجاعةُ هي أن تحيا لا أن تعيش فقط.

والآن… من وجهة نظرٍ مرتبطة بالجيل الأخير: لقد سهّل ركابُ الطائرة 93 المهمةَ على أنفسهم. لربما قد قالوا لأنفسهم: “لا يزال هناك ما نهتم به؛ أي حياةُ الآخرين وأجيال المستقبل”.

“ما الذي يدفع طاقاتِ الناس ومشاريعَهم وارتباطاتِهم وتواصلَهم حتى التمام أكثرَ من أنهم يعبؤون بشأن الغير؟”. 

يبدو شيفلر محقًا عندما رأى أن كثيرًا من مشروعات البشرية ستفقد معناها في حال وقع بنا العقمُ. ويمكننا أن نلحظ ذلك في حيز أضيق حينما نرى أنه ليس هناك من هو على استعداد أن يعزف على الكمان أو يشرعَ في بناء كاتدرائية أو يبحثَ عن علاج للسرطان قبيل موته بساعات، لذلك علينا أن نسأل، ما الشيء الذي سيهتم به الجيل الأخير اهتمامًا شغوفاً وعميقًا؟

ليس لدي إجابةٌ على هذا السؤال، ولا أدري إن كان هناك ثمةُ إجابة أو لا، لكن أعلم أن تراجعي الغريزي عن السؤال هو تراجعٌ جبان، وأنني أحتاج للتغلب على الخوف الذي يخالجني كلما حاولت أن أواجه هذا السؤال.

إننا نعيش أوقاتًا عصيبةً مفزعة، يتوجّب علينا أن نفعل كلَّ شيء لنبقيَ على المشروع الإنساني قائماً قدرَ الإمكان. لكن علينا كذلك أن نقدّر حقيقةَ أننا لا يسعُنا تأجيلُ السؤال حول قيمةِ هذا المشروع لأجلٍ غير مسمى. تلك المهمتان مختلفتان تمام الاختلاف، لأن هناك فئاتٍ مختلفةً من الناس تهتمّ بكل مهمةٍ منهما.

لقد انشغلت الفلسفةُ والتخصصاتُ الإنسانية الأخرى بكيفية تحقيقِ تقدّمٍ يماثل تقدمَ العلوم، لكننا لن نُصلح من أنفسنا ما لم نسلّم بحقيقة أن التقدمَ العلمي غيرَ المحدود أمرٌ مستحيل.

إن عملَ دارس الإنسانيات لا شأن له بتحقيق التقدم، إنما عملُه هو اكتساب ونقل (أو بثّ) القيمةِ الداخلية للتجربة الإنسانية. وتزداد صعوبةُ هذا العمل وأهميتُه بقدر ازديادِ الوعي بأن كلَّ تلك التجربة مصيرُها الفناء.

إن عملَ دارس الإنسانيات هو أن يتأكد من أن اللامبالاة لن تتمكّن من الناس في حال وقع بنا العقم. علينا أن نكون مختصين في المحدودية وخبراءّ في الضياع وعلماءّ في المأساة.

في أوقات كهذه؛ حين تنفتح النافذة وتصعقُ البشريةُ برؤية النهاية قادمةً نحوهم، يتوجّب على دارسي الإنسانيات أن يكونوا ممن يرفضون الانسحاب. عليهم أن لا يستسلموا.

على السياسيين والعلماء أن يُؤخروا قدومَ الجيلِ الأخير قدْرَ المستطاع، في حين أن على دارسي الإنسانيات أن يمهّدوا لهم.

اقرأ ايضاً: هل نهاية العالم أقرب للخيال من نهاية الإنترنت؟

المصدر
thepointmag

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق