عام

أثر حروف الجر في مفردة (الرغبة) في القرآن الكريم

  • أنوار الفرس

يعدّ القرآن الكريم من المنابع الغنية بالمعاني، فهو في قمة البلاغة في إيجازه وإطنابه وفي الذكر والحذف، وفي كل منها لا يمكن استبدال واحدة بأخرى، فكل لفظة جاءت في موضعها؛ فلا يؤدي معناها سواها، وقد لحظت ذلك عند تتبعي القاصر للفظة (الرغبة) في القرآن الكريم وكيفية ورودها سواءً من حيث الصيغة أو من حيث حرف الجر المتعلق بها.

فقد وردت مفردة (الرغبة) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع، فقد جاءت في سورة البقرة، وسورة مريم، وسورة الأنبياء، وسورة الشرح، وسورة النساء، وسورة القلم، وجاءت في آيتين من سورة التوبة، وفي جميعها كان لحرف الجر أثرٌ في تحديد المعنى المراد؛ إذ تنوعت حروف الجر بين (في وعن والباء وإلى)، كما تنوع ورودها ما بين ذكر حرف الجر وحذفه، وتبين لي تأثير هذا التنوع على المعنى.

ففي الآية [١٣١] من سورة البقرة ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وردت المفردة بصيغة الفعل المضارع ﴿يرغب﴾ المتعدي بحرف الجر ﴿عن﴾ الدال على العدول عن الشيء، وقد رجح ابن عاشور أن السياق سياق استفهام من باب الكناية بمعنى الإنكار والنفي.

فمن يرغب عن ملة إبراهيم أي يعدل عنها ما هو إلا سفيه، وهذا الإنكار يعني ضمنيًا أن العاقل هو الذي يرغب في ملة إبراهيم.

وفي الآية [٤٦] من سورة مريم ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، وردت المفردة بصيغة اسم الفاعل ﴿راغب﴾ المتعدي بحرف الجر ﴿عن﴾ وهو أيضًا دال على العدول، لكن العدول هنا عدولٌ إيجابي؛ فسيدنا إبراهيم عدل عن آلهة قومه، ومجيء المفردة بصيغة اسم الفاعل أجده أكسبها معنى الاسمية الدال على الثبات، ومعنى الفعلية الدال على الاستمرار، فهو ليس راغبًا فيها ولن يرغب فيها.

وفي الآية [٥٩] من سورة التوبة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، وردت المفردة بصيغة اسم الفاعل ﴿راغبون﴾ المتعدي بحرف الجر ﴿إلى﴾، وهو هنا أعطى المفردة معنى جديدًا وهو التوجه، فالرغبة إلى الله تعني أنه الوجهة والغاية؛ لما في حرف الجر ﴿إلى﴾ من معنى الغاية والتوجه والقصد، كما أنها في سياق التخصيص؛ إذ جاءت ﴿راغبون﴾ متأخرة عن الجار والمجرور ﴿إلى الله﴾ أي أن التوجه مخصوص بالله، واستخدام لفظ الجلالة ﴿الله﴾ في مقابل الرب في آية [٣٢] من سورة القلم قد يكون بسبب أنهم في هذا السياق لم يصدر منهم الإيمان بعد، فكان لفظ الجلالة من باب تثبيت التوحيد أولًا.

وفي الآية [١٢٠] من سورة التوبة ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نفسه﴾، وردت المفردة بصيغة الفعل المضارع المنفي ﴿ولا يرغبوا﴾ وهو متعدٍّ بحرف الجر ﴿الباء﴾ وحرف الجر ﴿عن﴾، فشمل معنيين، فحرف الجر ﴿عن﴾ دل على العدول، أما الباء ففيه دلالة الملابسة والإلصاق؛ فحرف الجر الباء أعطى المفردة معنى جديدًا يبين شدة الحرص على النفس، فنفى الله عنهم حق الالتصاق بالنفس، كما لا يحق لهم العدول عن سلامة الرسول.

وفي الآية [٩٠] من سورة الأنبياء ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، وردت المفردة بصيغة المصدر ﴿رغبًا﴾، وهذه الصيغة أكسبتها توسعًا في المعنى وعدة احتمالات إعرابية مذكورة في كتاب التفصيل في إعراب آيات التنزيل أبرزها: أنها مفعول لأجله بتقدير لأجل الرغبة، وحالية بتقدير راغبين، ومن باب المفعول المطلق بتقدير الفعل يرغبون رغباً، ونائبة عن الظرف بتقدير وقت الرغبة.

ولم تقيد المفردة بحرف جر، وقد يكون ذلك للدلالة على الإطلاق لتشمل كل أنواع الرغبة، كما أن الفعل ﴿يدعوننا﴾ قد يكون أغنى عن ذكر حرف الجر لوضوحه من السياق؛ فما دعاؤهم لله إلا رغبة فيما عنده.

وفي الآية[٣٢] من سورة القلم ﴿عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، وردت المفردة بصيغة اسم الفاعل ﴿راغبون﴾، وهي كالآية [٥٩] من سورة التوبة، لكن هنا وردت معها لفظة الرب بدلاً من لفظ الجلالة، وقد يكون ذلك لأنهم شعروا بذنبهم وخطئهم فيرتجون من ربهم أن يغفر لهم ويبدلهم خيرا من دارهم، فهو أدعى لاستحضار اللفظة الدالة على التربية.

وفي الآية [١٢٧] من سورة النساء ﴿وترغبون أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، وردت المفردة بصيغة الفعل المضارع ﴿ترغبون﴾، وقد ذكر ابن عاشور أنّ “حذف حرف الجر بعد ﴿ترغبون﴾ -هنا- موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى، أي ترغبون عن نكاح بعضهن، وفي نكاح بعض آخر، فإن فعل رغب يتعدى بحرف (عن) للشيء الذي لا يحب، وبحرف (في) للشيء المحبوب، فإذا حذف حرف الجر احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تنافٍ”، ومن ثَمَّ فهو يشمل معنى الرغبة في نكاح بعضهن ومعنى العدول عن نكاح البعض الآخر، فعدم التقييد بحرف الجر أكسب المفردة توسعًا في المعنى.

وفي الآية [٨] من سورة الشرح ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾، وردت اللفظة بصيغة فعل الأمر ﴿فارغب﴾ وهو متعدٍّ بحرف الجر (إلى)، فهو كما في الآيات السابقة دل على التوجه والقصد إلى الله، كما جاءت المفردة أيضًا في سياق التخصيص وأسلوب القصر؛ إذ وردت متأخرة عن متعلقها من الجار والمجرور.

ونلاحظ من هذا العرض ما يلي:

– مفردة الرغبة وردت متعدية بحرف الجر (إلى) حينما تعلقت بلفظ الجلالة أو الرب، وكانت في سياق التخصيص والقصر.

– حذف حرف الجر في بعض المواضع أكسب المفردة توسعًا في المعنى.

– الأصل في مفردة الرغبة تعديها بحرف الجر (في وعن)، وعندما تعدت بحرفي الجر (إلى والباء) اكتسبت معنى إضافيًّا تضمن التوجه والغاية والقصد مع إلى، والإلصاق والملابسة مع الباء.

والله أعلم


* أنوار الفرس: ماجستير لغة عربية من جامعة الكويت، دبلوم دراسات قرآنية من معهد تدبر للدراسات القرآنية

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى