عام

الحكمة من وجود الشر عند ابن القيم

  • طلال زيني
  • ترجمة: وفاء ناصر
  • مراجعة علمية: د. عبد الرحمن قائد
  • تحرير: محمود سيّد

في أوقات اليأس؛ قد نبدأ في التساؤل: لماذا يقدّر الله انتشار الأمراض والفيروسات مثل فيروس كورونا وغيره؟ بينما من ناحية أخرى يجدر بنا أن نفكر كيف كانت استجابة الصحابة لمرض الطاعون حيث كانوا يأملون أن يرزقهم الله الهدى والرشاد لمواجهته، فهذا أيضًا قد يساعدنا أن نستوعب الحكمة الإلهية من خلق الشر أساسًا.

 

نبذة مختصرة

لطالما شكَّل وجود الشر في هذا العالم معضلة لللاهوتيين سواء كانوا مسلمين أم لا، ستناقش هذه المقالة (نظرية العدل الإلهي) ” الثيوديسيا” التي طرحها ابن قيم الجوزية، وهي مبنية على القرآن والسنة وما نُقِل عن السلف، وتُعتبر واحدةً من أكثر النظريات تفصيلًا وشمولًا في التراث الإسلامي.

 

من هو ابن القيم؟

هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزرعي الدمشقي، والمعروف بابن قيّم الجوزية. وُلد خارج دمشق، سوريا سنة (691هـ/1292م)[1]. كان من أبرز أئمة المذهب الحنبلي المتأخرين إلى جانب شخصيات معروفة مثل ابن الجوزي وابن تيمية. اسم ابن القيم مرتبط حتمًا باسم معلمه المشهور تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم (ابن تيمية) (1263-1328م). على الرغم من أن ابن القيم كان لديه معلمون آخرون -مثل صفي الدين الهندي وعماد الدين أبي العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي- إلا أنه لازمَ ابن تيمية بعد أن قابله في سن الحادية والعشرين حتى توفي.

بعد أن توفي شيخ الإسلام ابن تيمية قام ابن القيم بتأليف الكثير من الكتب في موضوعات متعددة، امتدت كتاباته لأكثر من عشرين سنة[2]، كان هدفه الأول هو شرح وإثبات أولوية الرجوع إلى القرآن والسنة وأن إرادة الله تتوافق مع حكمته، وإثبات توافق العقل والنقل.

سعى ابن القيم إلى الردّ على تلك الطوائف التي أنكرت حكمة الله، وكان ملتزمًا أيضًا بدحض ما اعتبره تطرّفًا في المذهب الصوفي، فهم يعتقدون “بوحدة الوجود” و”سقوط التكليف”، بالإضافة إلى مفهوم “الكشف” في المذهب الصوفي، والذي قد يؤدي -في اعتقادهم- إلى معارف تضاهي أو تنافس النبوة والوحي[3].

 

العدالة الإلهية عند ابن القيم

لقد تطور رأي ابن القيم في هذه المسألة[4] إلى حدٍ كبير في كتابيه الشهيرين: “شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل” و”مفتاح دارالسعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة”[5]، وتمت ترجمة الأجزاء ذات الصلة من هذين العملين في: ابن القيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر[6].

يبدأ ابن القيم بسرد ست وعشرين حكمةً وراء خلق الله للإنسان وإنزاله إلى الأرض، وهو أيضًا لا يرى بأن زلة آدم وحواء كانت مُصيبة[7]، بل يُجادل بوجود أسباب وحِكَم بالغة مرتبطة بإنزال البشرية إلى الأرض، وهو يؤكد أيضًا بأن البشرية كُوفِئَت في المقابل بشيء أعظم من الجنة في نظره، وهو: عهد الله والهداية، والعلم الديني[8].

يرفض ابن القيم أي ربط أو إسناد للشر إلى الله سبحانه وتعالى سواء فيما يتعلق بأسمائه وصفاته أو حتى أفعاله، وهو يُفرِّق بين أفعال الله ومفعولاته، أو ما يسمى الإرادة الكونية: “إن أفعال الله سبحانه لا تنقسم إلى [محبوبة له أو غير ذلك] لأن جميع أفعاله محبوبة له وترضيه؛ لذلك يجب على المرء أن يفرّق بين أفعاله سبحانه ومفعولاته، فأفعاله كلها مرضية له وعادلة ومفيدة وحكيمة، ليس بها شر من أي وجه. أما مفعولاته سبحانه فهي قابلة للانقسام [خير أو لا]”[9]. وهكذا يؤكِّد ابن القيم قداسة الله وعلمه الشامل وقدرته الشاملة واستحقاقه للحمد وإحسانه وعدله.

ويؤكد أن أحد أعظم حِكَم خلق الله للخير والشر في هذا العالم هو إظهار آثار أسمائه وصفاته وأفعاله بطريقة تتوافق مع حكمته: “إذا كانت آثار أسمائه وصفاته لا يمكن أن تظهر إلا من خلال [خلق] [كائنات] متعارضة؛ فإن حكمته تقتضي أنه من المحتم خلقها، ولو لم تُخلق، لما علمنا آثار صفاته”[10].

جدير بالذكر أن ابن القيم ذكر في كتابه “طريق الهجرتين وباب السعادتين” ما يلي: “ولمحبّته لأسمائه وصفاته أمَرَ عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت. ولمَّا كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب خلقه إليه من اتصف بالصفات التي يحبها”[11].

بعد ذلك، ينتقل ابن القيم ليؤكّد أن ما هو موجود في حد ذاته إما خير محض، أو خير في الغالب، أو يؤدي بشكل غير مباشر إلى خير أكبر: “لم يخلق الله سبحانه وتعالى بعض الأشياء، والتي ربما أسفرت عن أغراض حكيمة لو خلقها، إما لأنه لا يحبّها كونًا، أو لأن وجودها كان سيحول دون وجود مصلحة أكبر، أو سيؤدي إلى فواتها بالكلية. في هذه الحالات، اقتضت حكمته سبحانه في عدم خلق تلك الأشياء… وبالتالي؛ فإن خلقه سبحانه وتعالى وقيوميته تقوم على تحقيق ما هو خير محض أو في الغالب، وتفويت الخير الأدنى لمنع ما هو ضار بحت أو في الغالب”[12].

يقول ابن القيم مثل قول ابن تيمية بأن الله يخلق أشياء لا يحبها شرعًا، ولكنه يفعل ذلك لأجل غاية حكيمة يحبّها كونًا[13].

يرى ابن تيمية وابن القيم أن إرادة الله تابعة وخاضعة لما يحبه ويرضاه، وبالتالي يمكن للمرء أن يفكر في إرادة الله باتباع ما يحبه، حيث تتوافق إرادته مع حكمته[14].

ويواصل ابن القيم قوله بأن الشر يمكن اعتباره:[15]

1. نقصًا (الجهل والظلم).

2. أيّ شيء مقطوع الصلة بالله.

3. ارتكاب ما حرّمه الله.

4. أو التخلّي عما أمر به.

ثم يبدأ ابن القيم بربطها بمسألة وجود الشر قائلاً: “على الرغم من أن وجود خير مّا قد يكون أفضل من عدم وجوده، فإن وجوده في جميع الأحوال قد يؤدي إلى فوات شيء محبوب عند الله. وبالمثل؛ على الرغم من أن عدم وجود الشر قد يكون أفضل من وجوده في جانب معين، فقد يكون وجوده وسيلة تؤدي بشكل غير مباشر إلى شيء يحبه ويرضاه”[16].

وفي نطاق آرائه عن العدالة الإلهية، يدخل ابن القيم أيضًا في حكمة الله من إيجاد الشيطان، الذي هو “أصل وجذر كل الشرّ”[17]. في الفصل السابع على سبيل المثال، كتبَ[18]: “أدّى خلق إبليس وجنده [بشكل غير مباشر] إلى إقامة الجهاد في سبيل الله وتحقيق آثاره؛ فلو كان  المؤمنون والصالحون هم الأغلبية الساحقة، فإن إمكانية إقامة الجهاد في سبيل الله -والتي تعتبر من أجلّ أنواع العبادات- لن تكون موجودة” وهكذا قام ابن القيم بتقديم مبرِّر للشرور المجانية[19].

ويؤكد ابن القيم أيضًا في كتابه مدارج السالكين قائلاً: “فمن تعبَّدَ الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصِّدِّيقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة… وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأُوَل”[20].

يقول أيضًا في طريق الهجرتين: “فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، وإنما تكون المحبة صادقةً إذا بذل فيها المحبُّ ما يملكه من مال ورئاسة وقوة في مرضاة محبوبه والتقرب إليه، فإن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة”[21].

ويضيف ابن القيم أن أتباع النبي محمدًا ﷺ “الذين قاموا بما جاء به: ‌علمًا ‌وعملًا، ‌وهدايةً وإرشادًا، وصبرًا وجهادًا، وهؤلاء هم الصِّدِّيقون، وهم أفضل أتباع الأنبياء، ورأسهم وإمامهم الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه”[22]. ويكرر العلامة ابن القيم ذكر الحديث التالي في مفتاح دار السعادة لبيان هذا الأمر: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”[23].

 

المعاناة جِسْر لخيرٍ أعظم

يرى ابن القيم أن وجود المعاناة والشر قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى إصلاح المجتمع أو إعداده لخير تالٍ، وهكذا؛ فإن وجود الشر قد يؤدي بطريقةٍ ما إلى أنواع من الخير كرد فعل على تلك الشرور، وهذه الأنواع المحبَّبة إلى الله لم تكن لتتحقق لولا وجود الشر.

ويؤكد أيضًا أن الدرجات العُليا من الجنة لا يمكن الوصول إليها إلا باجتياز جسر من المشاقّ والمِحَن[24]، وأخيرًا؛ فإن غضب الله تعالى على إبليس وأعوانه الشياطين والكفار، لا يُقارَن بمدى رضاه عن أنبيائه وأوليائه الصالحين[25].

يُناقش ابن القيم أيضًا ثلاثين حكمةً وسببًا لوقوع المؤمنين في الخطايا والذنوب، ومنها:

  1. توبة نصوح تُرضي الله.
  2. الاعتراف بالحاجة إلى الله، وحمايته، وعونه.
  3. الدعاء.
  4. التواضع.
  5. الابتعاد عن الغطرسة والكبر.
  6. التقليل من شأن أعماله الصالحة، وعدم تزكية نفسه؛ ليسعى إلى تحصيل الحسنات، والتقرب من الله للتكفير عن ذنوبه التي أوقعته في الابتعاد عنه والغفلة.
  7. أن يكون لطيفًا ودوداً مع الآخرين عندما يرتكبون الأخطاء، لارتكابه أيضاً للذنوب وإدراكه لأثرها.
  8. التركيز على تحسين نفسه، مما يجعله يتجنّب لوم أو انتقاد الآخرين.
  9. الاعتراف بأن النجاة من النار لن تحدث إلا إذا غفر الله له ورحمه.
  10. اعتبار المتاعب والمشاقّ تكفيرًا عن ذنوبه وأخطائه.
  11. تقدير نِعَم الله عليه بشكل أكبر؛ لمعرفته بأنه ناقص وعاجز ومحتاج إلى ربه[26].

إن وجود الإرادة الحرة والمصاعب قد يمكّن المؤمنين من أن يعبدوا الله باختيارهم الحُرّ، وأن يحبوه حقًا، وأن ينفذوا وصاياه بعدد من الأخلاق المتنوعة في سبيل رضاه. ثم يُعادُ المؤمنون إلى الجنة في حالة أكثر كمالًا، ويكافَؤون وفقًا لذلك، بعد أن قاموا بالأعمال الصالحة اللازمة وعبروا جسر المحن والابتلاءات. وبتجربتهم لصعوبات هذا العالم أولًا، فإنهم حتمًا سيقدّرون النعيم الأبدي للجنة إلى درجة أكبر بكثير من لو كانت هذه الدنيا هي نفسها جنة[27].

وفي الأخير؛ يؤكد ابن القيم أننا يجب أن نُدرك أن كل ما أمَر به الله “وخَلَقه” يحمل في طيّاته حِكَمًا بعيدة المدى. أما الأسرار التفصيلية لهذه الغايات الحكيمة فهي ليست سهلة المنال، ولا يمكن الإحاطة بها من قِبَل البشرية جمعاء، إنما يقدم الله سبحانه وتعالى هذه البصيرة النافذة لمن يشاء من خلقه[28].

 

اعتبار ابن القيم أن هذا أفضل عالَم ممكن من نواح معينة

حقَّق إيريك أورمسبي في قول الغزالي أن هذا أفضل عالم ممكن. حيث قال الغزالي: “وليس في الإمكان أصلاً أحسن منه ولا أتمّ ولا أكمل، ولو كان وادّخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله= لكان بخلاً يُناقض الجود وظلماً يُناقض العدل، ولو لم يكن قادرًا لكان عجزًا يُناقض الإلهية”[29].

ثم ناقشَ أورمسبي اختلاف المواقف التي تبنّاها علماء الإسلام اللاحقين[30]، ففي الجانب المؤيد وضع أورمسبي قائمةً ذكر فيها: ابن عربي[31] (638هـ/1240م)، تقي الدين السبكي (756هـ/1355م)، جلال الدين السيوطي (911هـ/1505م)، مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ/1791 م)، وألَّف السيوطي كتابه “تشيد الأركان في ليس في الإمكان أبدع مما كان” دعماً منه لقول الغزالي[32]. وأما العلماء البارزون في الجانب المعارض: أبو بكر بن العربي (543هـ/1148م)، ابن الجوزي (597هـ/1200م)، وبرهان الدين البقاعي (885هـ/1480م)، ولقد ذكر أورمسبي اسم ابن القيم في قائمة المجادلين، ولكن لم يتمّ توضيح موقفه من قول الغزالي[33]، ومع أنه لم يعلّق على قوله بشكل صريح ومباشر إلا أنه يمكننا استنتاج موقفه من بضع فقرات:

أولًا: لا يختلف ابن القيم أبدًا مع كون الغزالي عَلَمًا له وزنه، لكنه لا يشير إليه إلا في حال الاتفاق معه، وقد يكون هذا هو السبب المحتمل في أن ابن القيم لم يعلِّق بشكل مباشر على قول الغزالي، على عكس ابن تيمية مثلًا.

ثانيًا: استخدم ابن القيم كلمة “بديعة” خمس عشرة مرةً [كما بينته في كتابي “ابن قيم الجوزية والحكمة الإلهية في خلق الشر”]، وذلك عندما يُشير إلى حكمة الله فيقول: “حكمته البديعة” ولم يستخدم أبدًا كلمة “بديعة” لوصف هذا العالم[34][35].

ثالثًا: يرى ابن القيم أن حكمة الله -وهي صفة له لأنه الحكيم- وأفعاله= بديعة، في حين أن ما يُحدِثه -أي هذا العالم وما فيه- يمكن تقسيمه إلى بديع وغيره[36]: “خلق الله سبحانه ثلاثة مساكن: مخصص فقط للنعيم والسرور والبهجة والفرح، والآخر مخصص فقط للألم والمعاناة والمصائب والشرور، وآخرها مختلط فيه الخير والشر، النعيم والبؤس، واللذة والألم”[37].

رابعًا: يذكر ابن القيم أثناء رده على ادّعاء المعتزلة أن الله مُلزَم بالتصرّف بطريقة تعود بالنفع والأكثر منفعة (مبدأ الصلاح والأصلح)[38] أنه يمكن دائمًا افتراض درجات أعلى للمنافع والمصالح، على سبيل المثال؛ فيما يتعلق بالجنة فإن الله “اقتضت حكمته أن يخلق الجنة ويبنيها بمستويات أعلى تدريجيًّا، بعضها فوق بعض، وأن يملأها بآدم وذريته [المؤمنين] وفقًا لأعمالهم”[39]. لذلك كان بإمكان الله سبحانه أن يخلق فردوسًا أفضل حيث يحتلّ جميع المؤمنين مرتبةً أعلى، تمكّنهم من الاستمتاع بنفس النعيم، ولكن حتى في هذه الحالة؛ يمكن أن يمتدّ مستوى النعيم داخل تلك المرتبة نفسها إلى مستوى أعلى. لذلك؛ فإن وصف هذا العالم أو حتى الجنة على أنهما “الأفضل” هو فقط من بعض الجوانب، ولا يمكن اعتبار أيّ منهما كذلك بشكل عام. وهكذا يؤكد ابن القيم أن الله تعالى قد بنى في الواقع كلُّا من هذا العالم والجنة وفقًا لحكمته الإلهية.

وخلاصة القول: إن وصف الوجود -أي ما فعله الله أو شاءه- بأنه رائع =هو أمر مُبهم نوعًا مّا، لأن هناك الكثير من المعاناة والشر والكفر في هذا العالم. يتجنب ابن القيم كل ذلك بالقول إن حكمة الله بديعة، ويبدو أن أفضل طريقة للتوفيق بين قول الغزالي وموقف ابن القيم هو القول: بأن “ما هو خير في هذا العالم مخلوطًا بالشر هو في صورة أبدع مما لو كان الخير موجودًا وحده، ولله من الحِكَم البالغة الكثير في اختلاط الخير والشر هُنا”.

 

تفسير ابن القيم فناء النار

يُناقش ابن القيم بإسهاب ما إذا كان عذاب النار سينتهي بالنسبة للكفار أم لا، وهو يؤكد -وكذلك ابن تيمية- أن العديد من السلف كانوا يؤمنون بهذا الرأي، وهو أيضاً يمثل رأي ابن القيم في “شفاء العليل”. وبحلول الوقت الذي كتب فيه “الصواعق المرسلة” كان يقدّم الخلاص الشامل.

 وخلاصة حُجّة ابن القيم أن:

1. رحمة الله وسعت كل شيء.

2. بما أن البشرية بأسرها تمتلك فطرةً طيبةً في الأصل، فبعد أن يُعاقَب الكفار في نار الجحيم -بغضّ النظر عن المدة- ستبقى فطرتهم الطيبة، وبالتالي سيتم إنقاذهم في النهاية.

تخلَّى ابن القيم في نهاية المطاف عن موقف الخلاص الشامل، ويرجع ذلك على الأرجح إلى رسالة السبكي “الاعتبار ببقاء الجنة والنار”[40]. ففي كتابه “زاد المعاد في هدي خير العباد” والذي يُعتبر آخر أعمال ابن القيم صرَّح بقوله: ” ولمّا كان المشرك ‌خبيث ‌العنصر ‌خبيث ‌الذات، لم تطهِّر النار خُبثه… فلذلك حرَّم الله تعالى على المشرك الجنة”[41][42]. لكن هذا لا يدلّ على تخلّي ابن القيم عن موقفه بفناء عذاب الكفار[43]، فقد ينتهي عذاب الكافر في نار جهنم برحمة من الله، لقوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ]هود: 107]. وحُجَج أخرى تدعم هذا الرأي، والله أعلم.[44]

 

في الختام

يُشير ابن القيم برأيه في العدالة الإلهية إلى العديد من الجوانب التي يمكن من خلالها التوفيق بين وجود الشر (حتى الشرور المجانية) مع مقاصد الله الحكيمة في خلق هذا العالم.

على الرغم من حاجتنا إلى مزيد من العمل، إلا أن ابن القيم يقدم نظريةً مفيدةً للمسلمين اليوم لأنها تستند بشكل صارم على الوحي ومتوافقة مع العقل، بالإضافة إلى أنها -بتقدير هذا الكاتب- الأكثر شمولاً بين تلك التي اقترحها علماء الدين المسلمون حتى الآن.


الحواشي:

[1] للحصول على تفاصيل عن السيرة الذاتية، انظر طلال زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية عن المعرفة (كامبريدج: جمعية النصوص الإسلامية، 2016)، ص9 -16.

[2] يُحصي بكر أبو زيد أعمال ابن القيم أنها ثمانية وتسعون، منها ثلاثون باقية. انظر بكر أبو زيد، ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره (الرياض: دار العاصمة، 1995)، ص 200-309.

[3] يدحض ابن القيم هذه التطرفات الثلاثة بعمق في أعظم تآليفه، مدارج السالكين، وكذلك طريق الهجرتين.

[4] لا دليل على تطور رأي ابن القيم في هذا الأصل فيما وصلنا من كتبه، وكلامه فيه في عامة تصانيفه مطرد على النحو الذي ذكره الباحث عن كتابيه شفاء العليل ومفتاح دار السعادة، وإن كان ابن القيم لم يتعرض للكلام على هذا الباب في جميع كتبه. (د. عبد الرحمن قائد)

[5] يعتبر مفتاح دار السعادة عملًا متوسطًا، أما شفاء العليل فهو عمل متأخر، وفقًا لتقسيم أعمال ابن القيم إلى متقدمة ومتوسطة ومتأخرة على يد هولتزمان. انظر ليفنات هولتزمان، “ابن قيم الجوزية”، في جوزيف إي لوري وديفين ستيوارت (محرران)، مقالات في السيرة الأدبية العربية الثانية: 1350-1850 (فيسبادن: Harrassowitz Verlag ، 2009)، ص 202-203.

[6] طلال زيني (مترجم)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، (كامبردج: جمعية النصوص الإسلامية، 2017)، ص 3-18.

[7] هذا ليس بدقيق، بل هو يراها مصيبة، ولذا يقرر أن آدم عليه السلام احتج بالقدر على المصيبة لا على المعصية. وكونها مصيبة لا يناقض أنه حصل من ورائها حكم بالغة أرادها الله تعالى.(د. عبد الرحمن قائد)

[8] يقول ابن القيم: “ولمَّا أهبط الله آدمَ من الجنة، وعرَّضه وذريتَه لأنواع المحن والبلاء؛ أعطاهم أفضلَ مما منعهم، وهو عهدُه الذي عَهِدَ إليه وإلى بنيه، وأخبر أنه من تمسَّك به منهم صار إلى رضوانه ودار كرامته. قال تعالى عقب إخراجه منها: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}”. ابن القيم الجوزية، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (مكة: دار عالم الفوائد، 2015)، ص 87-88.

[9] المرجع نفسه، ص 103.

[10] المرجع نفسه.

[11] ابن قيم الجوزية، طريق الهجرتين وباب السعادتين (مكة: دار عالم الفوائد، 2008)، ص 274-275.

[12] المرجع نفسه، ص 98.

[13] جون هوفر، كتاب ابن تيمية (Theodicy of Perpetual Optimism، Leiden: Brill، 2007، p73.) انظر أيضا زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، الفصل العاشر.

[14] انظر زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، ص 24 – 27.

[15] المرجع نفسه، ص 98.

[16] المرجع نفسه، ص 23.

[17] المرجع نفسه، ص 114.

[18] المرجع نفسه، ص 132.

[19] المرجع نفسه، ص 193.

[20] ابن القيم، مدارج السالكين، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1996)، ج 1 ص241.

[21] ابن القيم، طريق الهجرتين، ص 254.

[22] زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في المعرفة، ص 73.

[23] صححه الألباني (مشكاة المصابيح، ص 248).

[24] زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، ص 261.

[25] المرجع نفسه، ص 137.

[26] انظر زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، الفصل الخامس عشر، ص 239-257 لجميع الحِكَم الثلاثين التي ذكرها ابن القيم.

[27] انظر زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، ص 3 و18.

[28] المرجع نفسه، ص 263.

[29] إيريك أورمسبي، الثيوديسيا في الفكر الإسلامي: الخلاف حول “أفضل العوالم الممكنة” للغزالي (برينستون: مطبعة جامعة برينستون، 1984)، ص 39. للغة العربية، انظر إحياء علوم الدين (بيروت: دار صادر، 2010)، ج 4، ص 319-320. هذا القول المأثور موجود في الكتاب 35، الذي يحمل عنوان “التوحيد والتوكل”.

[30] المرجع نفسه، ص 92 – 134.

[31] سادت أفكار ابن عربي حول وحدة الوجود، انظر بنيامين أبراهاموف، فصوص الحكم لابن العربي: ترجمة مشروحة، (لندن ونيويورك: روتليدج، 2015)، ص 133- وعلى الرغم من أن استنتاج ابن عربي هو نفسه، إلا أنه يقوم على منطق مختلف تمامًا عن استنتاج الغزالي.

[32] جلال الدين السيوطي، تشييد الأركان في ليس في الإمكان أبدع مما كان، وانظر: الإحياء، ج5 ص 369 – 394

[33] أورمسبي، مرجع سابق، ص 109.

[34] على سبيل المثال، يؤكد “الطبيعة الكاملة لحكمته المبهرة وقدرته المطلقة” وأن خلق “الأضداد هو من أجل إظهار حكمته المبهرة، وقوته المهيمنة، وإرادته الكاملة، وسيادته الكاملة”. انظر زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، ص 97 و101 على التوالي.

[35] المرجع نفسه، ص 145.

[36] النص الآتي لا يدل على أن في خلق الله ما ليس ببديع، حتى لو كان موضعًا خالصًا للعذاب والألم كجهنم، أو مختلطًا كالدنيا، فإنه خلق بديع في ذلك الحال للحكمة التي خلقه من أجلها.(د. عبد الرحمن قائد)

[37] انظر ابن القيم، مفتاح دار السعادة، (مكة: دارعالم الفوائد، 2015)، ص 991-999.

[38] على افتراض صحة هذا الاستقراء فإنه لا يلزم من عدم وصفه للوجود بأنه بديع أنه لا يراه كذلك. كيف وقد وصف صنع الله وصنعته بأنها بديعة في مواضع كثيرة. (د. عبد الرحمن قائد)

[39] زيني (ترجمة)، ابن قيم الجوزية في الحكمة الإلهية ومشكلة الشر، ص 15.

[40] عن حُجج تقي الدين السبكي، انظر كتابه “الاعتبار ببقاء الجنة والنار”. انظر أيضًا جون هوفر، “ضد العالمية الإسلامية” في بيرجيت كراويتز وجورج تامر (محرران)، اللاهوت الإسلامي والفلسفة والفقه: مناقشة ابن تيمية وابن قيم الجوزية (برلين: دي جرويتير، 2013)، ص 397- 399.

[41] كتب زاد المعاد كان بعد كل من شفاء العليل والصواعق المرسلة، وربما كان آخر أعماله. انظر هولتزمان، ابن القيم الجوزية، ص 217.

[42] لا يلزم من تحريم الجنة على الكفار عدم انتهاء عذابهم في النار. ومسألة فناء النار من المسائل المشكلة التي لا يسوغ معالجتها بهذه الصورة المبتسرة.(د. عبد الرحمن قائد)

[43] ابن القيم، زاد المعاد، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994)، ج 1 ص 68.

[44] لابن القيم -رحمه الله- مواقف مختلفة من مسألة فناء النار، فهو في شفاء العليل وحادي الأرواح و زاد المعاد= قال بفنائها وبسط الأدلة على ذلك، وفي الصواعق= توقف في المسألة، وفي الوابل الصيب و طريق الهجرتين= قال بدوامها. وأما نسبة القول لابن تيمية في المسألة فراجع: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام. -الإشراف.

أعجبني المقال

المصدر
yaqeeninstitute

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى