العلم

هل تطيق السردية التمييز بين العلم واللاعلم؟

  • وجدان الأصقه

الالتزام الأعمى بنظريٍة ما ليس فضيلة فكرية بل هو جريمة فكرية.

(إ. لاكاتوش)

تختلط أحياناً العلوم مع الخرافات والأساطير في الكثير من المجتمعات، مما دفع بالعلماء والفلاسفة إلى التمييز بين: العلم واللاعلم. ضمن طالعته في الأدبيات حول هذه المسألة، كتاب جيد لـ أحمد السيد كتاب معنون بـ التمييز بين العلم واللا علم “دراسة في مشكلات المنهج العلمي”، حيث مارس استعراضاً سردياً لجهود عدد من أبرز الفلاسفة والعلماء في ذلك المسلك المحفوف بالغموض والتعقيد. التقدم العلمي والمعرفي بين الشعوب، لم يستطع الوقوف أمام تمدد حكايات الخرافة والأساطير وتجذرها، متخذة في كثير من الأحيان من السردية مرساة لتمرير “اللاعلم”، حيث يستشهد ويدلل بها بوصفها اعتقاداً يجهد لأن يكون حقيقياً أو صحيحاً. هنالك حاجة لسبر أغوار الموضوع والبعد عن أي التزام أعمى بـ نظريات أو نماذج تسعى لأن تتلبس بلبوس العلم دون نقد وتمحيص كافيين منا؛ على أنه ليس كافياً وجود معايير علمية مائزة للعلم عن اللا علم، بل ثمة حاجة أيضاً لترسم هوية الانسان العالِم ذاته ووجود منهجية يتناول بها المعرفة ويساءلها بمنهجية ناجعة فكما يقول أفلاطون “كما تكون طبائع الشخص يكون أسلوبه”، أو لنقل عبر سردية تفلح في التمييز بين الذات والموضوع من جهة، وبين الصحيح والخاطئ من جهة ثانية، وبين المطلق والنسبي من جهة ثالثة. يشتغل هذا النص على سؤال رئيس مفاده: كيف تشكل السردية العلم وتميزه عن اللا علم؟ وهل يمكن استخدامها كأداة لتمييز العلم؟

لا يعد التمييز بين العلم واللا علم مجرد مشكلة فلسفية فحسب، وإنما هي مشكلة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية هامة أيضاً[i]، إذ القضية المتمثلة في منهجية التمييز بين العلم واللا علم تتطلب إخضاع جهود وآراء أهم فلاسفة القرن العشرين في اقتراح معايير التمييز لتحليل نقدي، بدءاً من الجذور التاريخية وانتهاء بسردية لهويات هؤلاء الفلاسفة نعود بها من: “الموضوع” إلى “الذات”؛ في محاولة لتبيان آثار عدم الإتساق بينها، مع الإشارة إلى الصعوبات الملازمة لرسم معيار شامل للتمييز خلال تاريخ العلم. اللا علم هنا يقصد به كل الحوادث والأنشطة الفكرية التي لا تتفق مع العلم في منهجه ومقصده.

 

السردية: تفصيلة صغيرة لمنهجية العلم

ايمري لاكاتوش، جاء ليتخطى الصعوبات في معيار بوبر وكون بإعتماد التنبؤات غير المتوقعة كمعيار للتمييز، فالقيمة العلمية للنظرية حسب رأيه تعتمد على مدى التأييد الموضوعي الذي تحرزه فروضها، مما يعني أن يكون للنظرية هوية في ذاتها لا أن تعكس هوية خارجية هوية مخترعها أو من يفهمها. “كل النظريات تولد وتموت مفندة[ii]“، كان يرمي لاكاتوش هنا إلى أن النظريات تمر خلال مراحل تطورها بمشكلات عصية على الحل أو التفسير، رغم محاولاتها إلا أنها تعجز في النهاية.

أكان عجزها لغياب سردية تضم هوية مكتشف النظرية مع هويتها المتشكلة من حكايا تطورها بالموت والحياة تفنيدًا؟. يذكرنا فيلدمان: “طريقة التفكير التي تدعو إليها المعرفة السردية تفسيرية، هي شكل من أشكال التفكير يعزو المعنى لخبرات أو أحداث خاصة بوضعها في نمط سردي[iii]. منهجية العلم تتوارث في نظرياته، وهذا ينقلنا في إشارة عميقة إلى السردية كمنهجية في العلم تجعل منها نموذج تفسيري، يحسم من خلاله ما ينبغي أن يصدق وماهو دون ذلك، وهي ما يرتديه اللا علم كإيحاء منهجي يتخطى به الحد المائز نحو العلم. حيث تطبيق هذا، على الموقف تجاه التنجيم نجد أن لاكاتوش يصل إلى نفس نتيجة بوبر وكون ولكن لأسباب مختلفة، مما يشير لسيطرة منهج علمي واحد (الاستقراء) على أفكارهم سواء بوعي أو بدون وعي منهم بذلك. إذاً، بناء سردية الهوية وكيفية إنعكاسها، ربما تمكن من الكشف عن مكامن الضعف في تناول المنهجية -الميثودولوجيا- كعلم لمعالجة قضية التمييز بين العلم واللا علم. السردية والتعلم بسرد القصص، يزودنا بالمعنى من خلال تكامل خبرات العلماء والفلاسفة مع الأحداث. حيث الطريقة المتبعة في تكوين علم المناهج منذ نشأته إبان العصور الحديثة تتم عادة بالتنسيق بين خبرة العالم المتخصص في علم من العلوم، وبراعة الفيلسوف أو المنطقي الذي يبحث في تطور العقل الإنساني والتعرف على ملكاته المتعددة[iv].

يميز لاكاتوش بين البرنامج البحثي العلمي عن غيره بكونه يقود لكشف وقائع جديدة غير معروفة، لا اختراع نظريات لتؤيد وقائع معروفة. السبيل إلى ذلك، بالقدرة على التغلب على الحواجز التي يبنيها الناس لحماية أنفسهم من العالم الخارجي والأفكار الجديدة، وهي ما تتوفر عليه السردية. إذ تُستخدم القصص لإنشاء هويات شخصية وجماعية، وتغيير الممارسات الاجتماعية، ومشاركة المعرفة والقيم. من وقت لآخر، تتسلل القصص بشكل طبيعي في أحاديث الإنسان اليومية دون أن يدرك معناها الخاص. قصصنا الخاصة تحدد ما نقبله، وكيف نرى الكلمة، وتوحي بآثار الحوافز على استجابتنا. تبعًا لذلك، العلم بحاجة للسردية؛ حيث الاتكاء على المنهجية لا النتائج، ربما لا أحد قد يبدو شغوف بنتائج باحث أو عالم ما، لكن قد يتلطّف منهجيته في الوصول لهذه النتائج، حيث سردية تترك الخيار له بتفحص المعرفة وتقليبها، أيما شاء من البداية أم النهاية، حيث الغائية بأثر رجعي، تترك مجالا لا يفرض فيه العالِم أسلوبه.

 

 أداتية السردية في التمييز

ثمة سبيل تمحص به المنهجية بأثر رجعي، حين تتاح السردية بوصفها أداة لتمييز العلم. بيد أنها ليست كفاية لتمييز اللا علم، فالتقدم المستمر في مختلف العلوم أضاف بعد جديد و أهمية خاصة للتمييز بين العلم واللا علم، يتضح ذلك من التنجيم الذي استشرى في المجتمع الحديث، ربما لتلبسه بلبوس العلم، بمساعدة بعض العلماء غاضي طرف النقد عنه، حيث يرى أحمد السيد أن الانتشار غير النقدي المتواصل للتنجيم يوصل لمجتمع متخلف ولا عقلاني. من جهة أخرى، تمييز اللا علم في التنجيم لم يكن (علميا) بل اتخذ منحى سلطوي وتوجيهي كما يرى فيرابند الذي انتقد بيان مكون من 186 عالم يفندون فيه مزاعم التنجيم. انتقد فيرابند هذا لغلبة النغمة التوجيهية الخطابية فيه والتهديدات السلطوية وافتقاده للحجج القوية، مع التأكيد أن فيرابند لا يتفق مع المنجمين بنقده هذا ولكن يبين عدم وجود معيار حاسم يستبعد التنجيم من العلم. من هذا، السردية قد تميز العلم عن اللا علم حين تتضافر مع التحليل النقدي المتواصل لمقصد العلم ومنهجه.

محاولات الفلاسفة في معالجة قضية التمييز بين العلم واللا علم لم تؤتي أكلها؛ ربما لأنهم استبعدوا علماء الميثودولوجيا إلى جانب الميتافيزيقيا. معيار التمييز ينبغي أن يكون مرنًا ومتمرحلا مع منهج العلم، وننتهي إلى أن التمييز يحمل مسلمات في ذاته وأنه سؤال ملغوم كما قالت عنه “د. إليزابيث”: إذ يسلم بأن التمييز موجود، والعلم في جميع الأزمان صحيح واللاعلم في جميع الأزمان غير صحيح[v]، وهذا ما ينفيه حقيقة تاريخ العلم في تطوره وتقدمه. لقد انسربت الخرافة في الـ مابين وتربعت على العوالم العميقة من العقل، ومهما حاول الفكر العلمي طردها تبدلت على عينه وأنشأت سلالات جديدة أقدر على البقاء وأمنع على الزوال والفناء[vi]. فنبقى بذلك، في حالة سائلة بين العلم واللا علم، ولعل مايعطي صلابة لحدهما المائز هي السردية! حين يفتح العلم نحوها نافذة منهجيته.


[i]  كتاب التمييز بين العلم واللا علم دراسة في مشكلات المنهج العلمي لأحمد السيد

[ii]  كتاب التمييز بين العلم واللا علم، مرجع سابق

[iii]  كتاب السرد والهوية، مرجع سابق، ص 483

[iv]  أحمد باشا، مقال المنهج العلمي المعاصر في ضوء القران الكريم

[v]  كتاب الحنين إلى الخرافة لعادل مصطفى

[vi]  كتاب الحنين إلى الخرافة، مرجع سابق

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى