الفلسفة

بؤس الفلسفة

  • جوزيف شيبر
  • ترجمة: أحمد الصقير
  • تحرير: ناديه موسى

بدأت في مطلع الفصل الدراسي بتدريس طلاب السنة الأولى مقرر البروباجندا. وهي -ويا للأسف- كما لو قد جاءت في وقتها وخضمّ معمعتها!

الناظر في القاعة يرى طلابًا من شتى التخصصات ابتداءً بطلاب العلوم الإنسانية، والاقتصاد والعلوم الطبيعية وحتى طلاب الهندسة. ولأنّي وجدتُ قاعة الدرسِ متفاوتةً هذا التفاوت، وعلمتُ في قرارة نفسي أنّ كثيرًا من الطلبة لم يعرفوا منهجية التفكير الفلسفي قبل الجامعة، فقد ارتأيتُ أن أغتنم الفرصة لتعريف الطلاب بمنهجية وطريقة التفلسف.

وبفضلِ تجارب سابقة في تعليمي وتدريسي للمنهج، استطعتُ أن أميّز نظرات الطلاب وملامح الفجاءة من عدمها كلّما سبرنا جزءًا من المنهج المقرر؛ فرأيت الرفض في أعين بعضهم، وانبهار فئامٍ منهم حينما طرحت رأيي فيما يخصّ مدى تواضع الثمرة التي نجنيها من الفلسفة في غالب الأمر.

يبدو أنّ اعتياد الطلاب على رؤية المعلم يعظّم قيمةَ مادته التي يشرحها، ويذكرُ علوَّ منزلتها وعظيم قدرها جعلهم يرتقبون قولي بانعدامِ الحقائق، ولكني -وبكلّ سعادة- قمتُ بما هو نقيضُ هذا الأمر؛ حيث ذكرتُ لهم عددًا من الحقائق، على سبيل المثال: ظاهرة الاحتباس الحراري التي يسببها البشر هي حقيقةٌ لا وهم، وأنّ اللقاحات لا تسبب مرض التوحّد، وأنَّ البشر هم نتيجة التطور بالانتخاب الطبيعي،[1] وإن كنتُ أجدُ صعوبةً في تعرية الافتراضات التي يرتكز عليها ما أؤمن به. كما أحاول تتبع كيف يمكن للافتراضات المختلفة -بما في ذلك ما يعتبر دليلاً جيدًا- أن تقود شخصًا ما إلى معتقداتٍ مختلفة.

حين أنشر الفلسفة في القاعة الدراسية بهذه الطريقة، فإنّي ما أفعل هذا إلا لأمنيةٍ خفيّة بأن يُدركَ الطلاب عُلوّ كعب التواضع الفكري ومقاماته، أريدهم أن يعرفوا مدى صرامة التواضع الفكريّ ودقّته؛ حيث ينطوي على مراجعة وتعرية المكامن الخفيّة وراء كثير من معتقداتنا. كما أنه في الوقت الذي يسمح لنا فيه بِصَوْنِ إيماننا بحقيقة تلك الفرضيات، يجعلنا نتفهّم بأنّ أولئك الذين يقبلون بافتراضات مختلفة غير متوافقة مع ما نؤمن به سيؤول بهم الأمر إلى نتائج ومسلّمات مغايرة.

حاولت جَهدي في هذا المقرر أن أبيّن موقفي الشخصيّ، وأنْ آذنَ للطلبة بعرض مواقفهم ومناقشتها حتى وإن كانت مناقضة لِما أرى. ولا أجعلُ موقفي ومدى التزامهم به هو المعيار الرئيس عند تقييمهم؛ بل تماسكُ آرائهم والتزامُ لوازمها وضبطُ النتائج بالمقدمات من عدمه هي المعايير المعتبرة، حتى وإن كانت مخالفة لِما أعتقد أو لم تكن مما أسلّم به.

هذا الإبهام وعدم الوضوح فيما هو مطلوب جعل المقرر صعب المأخذ؛ فأنا لا أقول لهم ما ينبغي أن يؤمنوا به ويتخذوه مُسلَّمًا، وإنّما أحثّهم على انتقاد مسلّماتهم هم، والدفاع عنها ما دام أنّهم قد كوّنوا تصورات كلّيّة عنها.

كما أذكر هنا أنّ قوة المؤثرات الداخلية وهوى النفوس في موافقة المعتاد من المواقف والمسلّمات هي إحدى أسباب غموض المنهج وإبهامه، لا سيّما عند الوقوف على موقفين قائمين على مقدمات منطقية جيدة، أحدهما موافق لما اعتاده المرء وآخر يخالفه، وامتنع الجمع بينهما؛ فالتراجع عن مثل هذا عسرٌ يستعصي على كثير من الناس وإن كان مرجوحًا.

وما إبهام هذا وصعوبته إلا لأنَّ الطلبة يجيئون بفكرة مسبقة قائمة على مقدمة هي أن أذكى الطلاب وأكثرهم منطقيّة هو أدناهم للصواب والإجادة، وهذا يجعلهم في موقفٍ عصيب؛ إذ يتقبّلون تعارض اثنين من أذكياء الناس وتقابلهم بفكرتين متناقضتين على إجادتهم للأداة المنطقية.

وما كان وَلَعي واهتمامي بالفلسفة إلا لأنّها تعتني بِبَيانِ أوجه قصور الفكر البشري؛ فتاريخ الفلسفة زاخرٌ بأعيانٍ من العباقرة جاؤوا بنُظمٍ ومناهجَ فلسفيّة معقّدة متكاملةٌ من حيثُ هي في ذاتها، ولكن متناقضة مع نُظم أخرى قدّمها عباقرةٌ أمثالهم.

وإنّي لأرى المزج وبيان الرابطة بين الفلسفة وهذا القصور من الأهمية بمكان؛ فلقد أخذتِ الفلسفة تراثًا طويلاً مُلِئَ تعظيمًا وتبجيلاً لها، فهذا بوثيوس الأرستقراطي من القرن الخامس وبدايات القرن السادس الميلادي يبلغ تلك المكانة الرفيعة في محكمة ثيودوريك العظيم زعيم القوط إذ ذاك، ثم تُدسُّ عليه الدسائس ويُتَّهمُ بالخيانة،  فكان أن سُجن ثم قُتِل عام 526م.

كتَب بوثيوس أشهر أعماله وثمرة سنينه (عزاء الفلسفة) في محبسه مواسيًا نفسه مخففًا عنها بخطابِ سيدةٍ عدّها تجسيدَ الفلسفة. لقد توصّل إلى أن ثمار الفلسفة التي أمضى سنيّ حياته عليها قد ساهمت في تهوين هذا المآل؛ فلا يدَ قادرةٌ على إخراجه من حجرة عقله التي لمْ تكتفِ فيه الفلسفة بوضعِ الكتب مرةً واحدة، وإنما منحتها قيمتها من تعاليم ومعارف.

هذا ما قد نسمّيه مبدأ عزاء الفلسفة أو مبدأ المواساة ببساطة، وهو يقوم على فكرة أن العقل الفلسفي قادرٌ على التوصّل إلى معانٍ دون حاجةٍ إلى أشياء خارج الذهن، بل يزعم بوثيوس أنَّ كلَّ شيءٍ له قيمة حقّة لا يتوصل إليه إلا بالعقل وحده. ولكني لا أريد أن أتخذ هذا النموذج المتطرف من مذاهب مواساة الفلسفة حديثًا لي، ولكن لنأخذ المعتدل منها، فنقول: متى ما كان شيءٌ ما ذا قيمة فإننا يمكن أن نصِل إليه بإعمال العقل وحده.

ولعلّي أقترح أنّ الفلسفة تعلّمنا الضد من مبدأ العزاء؛ فالفلسفة تُبيّن أنَّ العقل غير كافٍ، ولا يقدر على خلق أي شيءٍ ذي قيمةٍ دون الاعتماد على غيره. بمعنى آخر أقولُ أنّي أزعُم أنَّ الرائي لماهية المصادر العقلية وحدها يصِل إلى أنَّ مبدأ العزاء ليس أمرًا يمكن اعتباره مُتَنَفّسًا.

لكي نقدّر هذه القيمةَ –ربّما- نحتاج إلى اعتبار مبدأ الاستنباط والاستنتاج. وطبيعة الاستنباط الصحيح هي التي تؤدي إلى نتائج محققة متينة بناءً على صحة ومصداقية مقدماته؛ فعلى سبيل المثال: إذا علمتَ أنَّ القمر مكوّنٌ من الجبنة الخضراء، والجبنة الخضراء أكثف من الجبنة الطرية؛ فالقمر أكثف من الجبنة الطرية. وتتأتّى قوة هذا المنهج في أنه يحكم بقطعيةٍ صحةَ النتيجة ما دامت المقدماتُ صحيحة. وإن كان في قولنا “ما دامت المقدمات صحيحة” تكمن المعضلة؛ حيث أنَّ معلم المنطق لا يمضي وقتًا في التأكد من مصداقية وصحة المقدمات، ولا يعتبرها أمرًا ذا بال، فالعبرة في هذا البرهان ببناء الحجة من مقدمات ونتائج، فيُقيّم البرهان بمعرفة هيكله.

أتحدث هنا مقتصرًا على مادة الفلسفة هذه، ففي مواد الفلسفة الأخرى قد نُعنى ببحث الإرادة الحرّة عند البشر أو حاجة المعرفة إلى التصديق[2] أو أمور أخرى ذا صِلة؛ ففي تلك المناهج قد نحتاج -مع التأكد من صحة بناء الحجج- إلى التأكد من صحة المقدمات، ومناقشتها ومباحثتها.

الفهم الفلسفي يتعاظم وتعلو قيمته كلما اعتمد على مقدماتٍ أصحّ وأسلم. والوصول إلى فهمٍ فلسفي متماسك يحتاج إلى بذل العناية في المقدمات التي تقوم عليها البراهين. هل الإرادة الحرّة تعني إمكان فعل النقيض؟ هل المعرفة هي أعلى أُسس الحقائق؟ هل التصرفات الصحيحة ناتجة عن معاملة الناس باعتبارها غاية في ذاتها أم وسائل؟

وهنا تظهر مشكلة مبدأ العزاء الفلسفي وسبب اقتراحي لمبدأ الضد؛ إذ أرى أنًّ الاعتماد المجرّد على الموارد العقلية المحضة ليس كافيًا لتقييم صحة المقدمات لهذا المبدأ من بطلانها.

دعوني أوضح أمرين محوريين لادعائي هذا:

الأول: في قوله أنَّ بإمكان العقول جميعها الوصول لأمر ذي قيمة بالاعتماد على مصادرها المحضة؛ فأنا لا أزعم أن لا أحد يستطيع أن يقيّم مقدمات هذا المبدأ باعتماده على عقله فقط، ولكن أقول أن تقييم هذه المقدمات لا يستطيعه إلا فئةٌ قليلةٌ من الناس، فالمشكلة في لفظ العموم. قصدي إذ اقترحت الضدَّ وعدم إمكان البرهنة على صحة المقدمات الفلسفية من بطلانها اعتمادًا على العقل أنَّ أكثرَ الناس وعامّتهم غيرُ قادرين على التوصّل لمثل هذا دون إشاراتٍ خارجية سواءً قصدوا التحقق منها أم لا.

الثاني: من المهم أن نتصوّر معنى “الاعتماد على العقل فقط”، فمعناه عندي -بشكلٍ تقريبيّ- هو “الاعتماد على ما يبدو لنا (بتصوّرٍ فرديّ) حقيقة”. وأظنّ هذا التجريد كافيًا؛ فالاعتماد على مصدر العقل فقط يعني ألا تعتمد على نتائج التجربة، ولا تنظر في أبحاث ونظريات الآخرين، ولا حججهم ونظرياتهم، ولا تقيم أفكارك معتمدًا على المنهجيات النقدية التي يتوصل إليها غيرك. فإذا نظرتُ في هذا أجِدُ من نفسي تمنّعًا في تصديق إمكانية واستطاعة عموم الناس أن يقيّموا مقدمات هذا المبدأ وينظروا فيها نظرًا صحيحًا. (نعم، أعُدُّ نفسي من عموم الناس الذين لا يستطيعون!)

ولعلّي قد أخذت مبدأ العزاء بمعيار غير معقول؛ فنقاشي قائمٌ على كفاية العقل المحض في تقييم الحقائق الدقيقة، وقد يكون هذا مبالغًا فيه، ولكني أظنّ أنّ هناك بعض الأسباب لاعتبار مبدأ العزاء الفلسفي بشكلٍ عام مؤدّيًا بعضَ المُراد. ولكي تتّضح الصورة، خذ مثالاً يسيرًا حيث يمكن أن يؤدي هذا المبدأُ الغرض: “حتى وإن تُركتَ وحيدًا مع أجهزتك، يمكن لعقلك أن يُبقيك مستمتعًا.” فبمجرد معرفتك أنّ قولي “وحيدًا مع أجهزتك” لا يضم هاتفك الذكي يجعلك -على الأغلب- تتساءلُ عن مدى فاعلية مبدأ العزاء الفلسفي حتى في الحالة التي تنطوي فقط على إبقاء نفسك مستمتعًا. أما إذا اعتبرنا حالات أكثر دراماتيكية مثل الحبس الانفرادي، فإنّ التشكيك بجدوى هذا المبدأ له ما يبرره.

فالخلاصة أنك حينما تنظر في حدود مصادرك العقلية، تجد أنّ العقل المجرّد دون مساعدة خارجية، أو لِنَقُلْ معظم العقول، قاصرةٌ عن التوصل لأمر ذي بال. ومن هذا المنطلق نأتي للفكرة السقراطية التي جاءت في دفاعه؛ إذ قال: “إلا أنه مع جهله يدعي المعرفة، أما أنا فلا أعرف ولا أدّعي المعرفة. فعلمت يقينًا أني أحَكَمَ منه -أقلّه في هذا- حيث أني لا أعتقد معرفة ما لا أعرف.”[3] لا تعزّينا الفلسفة بما نعرف، بل تقودنا إلى التواضع بإدراكِ قلّة ما نعرف.


[1] – هذه وجهة نظر الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن توجه المنصة أو الإشراف.

[2] يعني بهذا تعريف المعرفة بـ: الاعتقاد الصادق المبرر (Justified true belief )

[3] انظر: دفاع سقراط، تعريب الأب ايزيدور أبو حنا، ص18-19، 1940م.

أعجبني المقال

المصدر
3quarksdaily

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى