عام

معضلة «التقدم» في العلم

العصر الثاني لعلوم الكمبيوتر: من جينات ألغول (لغة برمجة) إلى الشبكات العصبية

 

  • سوبراتا داسغوبتا*
  • ترجمة: أسيل جرار
  • تحرير: عبد الله الهندي

قلما يضمر معظم العلماء المتمرسين أيَّة شكوكٍ حول كون العلم يحرز تقدماً أو لا؛ فمن وجهة نظرهم، و على الرغم من العديد من الممرات الخاطئة التي ضل فيها العلم عبر العصور، والتقدم و التراجع المتعاقبين في النظريات و المعتقدات؛ فإن تاريخ العلم -على الأقل- منذ أوائل العصر الحديث (القرنين السادس عشر والسابع عشر)= قد أظهر حشداً مستمراً  للمعارف العلمية؛ حيث يمثل هذا النمو بالمعرفة تقدماً علمياً لمعظم العلماء. في الحقيقة، إن رفض أيٍ من احتمالية التقدم في العلم أو واقعيته= يعني  إنكار جوهر وجوده.

من ناحية أخرى، أظهرت دراسات دقيقة (أجراها مؤرخو العلوم وفلاسفتها) أنَّ تحديد التقدم في العلم يعد مسألة جسيمة ومضللة. وعلى أقل تقدير، فقد قام بعض العلماء (مثل: كارل بوبر، وتوماس كون، ولاري لود، وبول ثاغارد ممن لا يشكون بمسألة تقدم العلم) بمناقشة الكيفية التي يكون فيها العلم تقدميَّاً، أو ما هو الشيء المتعلق بالعلم والذي يجعل منه تقدميًّا بطبيعته. في المقابل، ثمة مشككون جادون في هذه المسألة؛ على وجه التحديد: أولئك الذين يمتلكون -بلا شك- طريقة تفكير تنتمي إلى ما بعد الحداثة؛ فهم يرفضون فكرة تقُّدم العلم رفضاً تاماً، و يدَّعون أنَّ العلم مجرد قصة أخرى اختلقها المجتمع؛ بالتالي، فهم يعتبرون  ضمنياً أنَّ العلم لا يحرز أي تقدم ملموس.

وتتمثل إحدى أهم مصادر هذه المشكلة بالتساؤل الذي يدور حول ماهية مفهوم التقدم بحد ذاته؛ حيث إنَّ تاريخ هذه الفكرة – حسب ما بينه المؤرخ روبرت نيسبيت- يعد طويلاً و معقداً. فحتى مع حصر اهتمامنا في مجال العلم؛ فإننا نجد -على الأقل- رأيين مختلفين. فهناك الرأي المتبنَّى من قبل غالبية العلماء المتمرسين الذين قد سبق ذكرهم، والمذكور بوضوح من قبل الفيزيائي الفيلسوف جون زيمان، والذي ينص على: أنَّ النمو في المعرفة يعد دليلاً واضحاً على التقدم في العلم، ويطلق على هذه النظرية اسم: «التمركز حول المعرفة». و نجد -في المقابل- ما اقترحه فيلسوف العلوم لاري لودن، حيث يقول: «إنَّ التقدم في علم من العلوم يحدث إذا ما أظهرت النظريات المتعاقبة في هذا العلم: الفعالية في حل المشكلات»، و يطلق على هذه النظرية نظرية «التمركز حول المشكلة».

وتكمن المعضلة في أنَّه: في الحين الذي تشير فيه نظرية «التمركز حول المعرفة» إلى إمكانية إحراز التقدم في إحدى المجالات العلمية؛ فإنَّ نظرية «التمركز حول المشكلة» قد تقترح النقيض تماماً. وفي توضيحٍ لهذه المعضلة، إليك هذه الحادثة من تاريخ علم الحاسوب:

في وقت ما من عام ١٩٧٤،  اقترح عالم الكمبيوتر جاك دينيس نمطاً جديداً في الحوسبة أطلق عليه اسم: «تدفق البيانات»؛ حيث نشأ هذا الأمر استجابة للرغبة في استغلال التوازي (الطبيعي) بين العمليات الحاسوبية المقيَّدة بمدى توفر البيانات المطلوبة لكل عملية. و يكمن هذا في تصور عملية الحساب كشبكة من العمليات؛ حيث يتم تفعيل كل عملية -فقط- حال حصولها على المدخلات اللَّازمة لها، والتي تكون في أصلها مخرجات لعمليات أخرى، مما يعني تدفق البيانات بين العمليات واستمرار عملية الحساب بأسلوب متوازٍ وبصورة طبيعية.

أثارت إمكانية الحوسبة عبر تدفق البيانات حماساً كبيراً في أوساط مجتمع علم الحاسوب؛ حيث اعتُبرت وسيلة لتحرير الحوسبة من قيود المعالجة التتابعية المتأصلة في أسلوب الحوسبة الشائع منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، عندما اخترع مجموعة من الرواد ما يسمى أسلوب «فون نيومان»؛ نسبة إلى عالم الرياضيات التطبيقية جون فون نيومان، الذي قام بتأليف أول تقرير حول هذا الأسلوب. حيث اعتبر أسلوب دينيس وسيلة ثورية في تجنب نقاط ضعف أسلوب فون نيومان التي تحد من قدرة حواسيب فون نيومان التقليدية على استغلال نظام المعالجة المتوازي. وسرعان ما حفَّز هذا الأسلوب العديد من الأبحاث في جميع مجالات الحوسبة (التصميمات الحاسوبية، وتقنيات البرمجة، ولغات البرمجة) في الجامعات، ومراكز البحث، والشركات في كل من أوروبا، والمملكة المتحدة، وشمال أمريكا، وآسيا. يمكن القول إنَّ المشروع الأكثر انتشارًا وطموحًا والمستوحى من تدفق البيانات هو: مشروع الكمبيوتر الياباني للجيل الخامس في الثمانينيات، والذي تضمن مشاركة تعاونية بين العديد من الشركات، والجامعات اليابانية الرائدة.

لا شك أنَّ تاريخ الحوسبة عبر تدفق البيانات -من وجهة نظر مركزية المعرفة-  قد أظهر تقدماً منذ منتصف السبعينات القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينات، مما يعني أنَّ كلاًّ من الأبحاث النظرية وصناعة الآلات العملية قد ولدا الكثير من المعارف الجديدة، وطورا فهماً أعمق لطبيعة حوسبة تدفق البيانات والحوسبة المتوازية بوجه أعم. ولكن من وجهة نظر التمركز حول المشكلة؛ فإنَّ هذا النوع من الحوسبة يعد غير تقدميٍّ (لم يحرز أي تقدم).

وتعتبر أسباب ذلك تقنية إلى حد ما، ولكنها في الجوهر تُعزى إلى الفشل في إدراك أكثر فكرة هدّامة في هذا الأسلوب المقترح، والتي تتمثل بإزالة الذاكرة المركزية المسؤولة عن تخزين البيانات في حواسيب فون نيومان، معتبرة إياها نقطة الضعف في هذه الحواسيب. و مع تطور الأبحاث المتعلقة بالتطبيق العملي للحوسبة عبر تدفق البيانات، تبين أخيراً أنَّ تحقيق هدف الحوسبة بدون ذاكرة مركزية هو أمر يصعب إدراكه؛ فوجود الذاكرة أمر ضروري حفاظ على كمية كبيرة من كائنات البيانات (بنى البيانات).

بالتالي، قُوِّضت كفاءة التصور الأصلي لأسلوب تدفق البيانات. في النهاية، اكتسب العلماء المعرفة اللَّازمة فيما يتعلق  بحدود تدفق البيانات، وبالتالي، أصبحوا أكثر حكمة في هذا المجال (وإن أصبحوا أكثر حزناً لفشل الأسلوب في الوقت نفسه). و لكن بقدر ما تمَّ حل مشكلة الحوسبة عبر تقليل الذاكرة بشكل فعَّال؛ اعتُبرت قضية التقدم في هذا المجال بالتحديد في علم الحاسوب غير مُمَتِّعة بالجدارة.

في الواقع، تُظهر هذه الحادثة أنَّ فكرة النمو في المعرفة كدليل على التقدم في العلم= تعتبر صحيحة نوعاً ما؛ حيث إنَّه حتى الفشل -كما في قضية حركة تدفق البيانات- يولد المعرفة (حول المسار الذي يجب تجنبه)؛ بالتالي، فإنَّه لا يمكن دحض نظرية «التمركز حول المعرفة» في إثبات تقدم العلم؛ فالمعرفة دائماً ما يتم إنتاجها. وعلى النقيض، تعتبر نظرية «التمركز حول المشكلة» -و التي تذهب إلى أنَّ إحراز التقدم في العلم يحدث إذا ما أثبتت النظريات والنماذج المتعاقبة فعاليتها في حل المشكلات- نظريةً قابلةً للدحض في أي مجال (كما تبيَّن من حادثة تدفق البيانات). وقد يذهب أي داعم لمبدأ «قابلية الدحض» الخاص بكارل بوبر إلى تبني نظرية «التمركز حول المشكلة» باعتبارها نظرية تجريبية واعدة أكثر من «نظرية التمركز حول المعرفة».

 

  • سوبراتا داسغوبتا: باحث، ومعلم، وكاتب. يشغل منصب رئيس العلماء البارزين في صندوق علوم الكمبيوتر بكلية الحوسبة والمعلوماتية في جامعة لويزيانا في لافاييت، وهو مؤلف كتاب العصر الثاني لعلوم الكمبيوتر (مطبعة جامعة أوكسفورد، ٢٠١٨).

المصدر: مدونة مطبعة جامعة اكسفورد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق