العلم

العامل القابل للفلترة… يوم عرفنا أن ثمّة فيروس

  • عبدالرحمن أحمد علي البلاصي
  • تحرير: غادة الزويد

في معامل النبات لا الطب كما يظن البعض، تمت أول عملية نقل (معملي) لمرض فيروسي، قبل أن يعرف العالم المجهر الالكتروني ودوّن صورة واضحة لعالم الأحياء الدقيقة كما هو الحال اليوم.

 كيف عرفنا أول فيروس؟

1 – النبات

” إكتشفت أن عصارة النباتات المريضة تكون معدية للنباتات الصحيحة في تسع حالات من عشرة من النباتات الملقحة، تصبح النباتات الصحيحة مريضة وبشدة.

 كانت هذه أول تجربة (معملية) لنقل مرض فيروسي بين النباتات، لكن ” أدولف ماير Adolf Mayer ” قائل العبارة وصاحب التجربة لم يكن يعرف ذلك…

ورق التبغ المصاب بمرض التبغ الفسيفسائي https://images.app.goo.gl/GAUNdz42zGXGB6VeA

ماير وهو عالم نبات ألماني، كان يجري تجاربًا في عام ١٨٧٩ على أوراق التبغ المصابة بمرض يؤدي إلى تغيّر لونها، وعندما وصل إلى هذه النتيجة، أسماه “مرض التبغ الفسيفسائيtobacco mosaic disease “

(يوصف تغير لون النسيج إلى بقع داكنة وباهتة بالفسيفسائي mosaic )(1)

في عام ١٨٨٤، ابتكر لويس باستير وتشارليس تشامبيرلاند، فِلتر البورسلين مع ثقوب بحجم 1 ميكرون تقريبا، تسمح الثقوب بهذا الحجم بترشيح السوائل والجزيئات ذات القطر أقل من 1 ميكرون، أي أنها تحجز أكثر أنواع البكتيريا (التي يعرفها العلم آنذاك) ما يجعل استخدامه لفصل البكتيريا عن السوائل ممكناً.(2)

في أثناء بحثه عن سبب مرض التبغ الفسيفسائي قرر عالم النبات الروسي ديمتري ايفانوفسكي Dimitri Ivanovsky فلترة عصارة الأوراق المصابة باستخدام فِلتر البورسلين ووجد أن عصارة الأوراق المصابة بالمرض تظل مُعدية حتى بعد ترشيحها من خلال الفلتر.

 كنّا للمرة الأولى أمام عاملٍ معدي لا يمكن فصله بالترشيح. فسر ايفانوفسكي تجربته بأنها بكتيريا صغيرة جدا تسمّى: “بوغًا بكتيريًا” والبوغ هو: صورة خاملة من الخلية البكتيرية تكون أصغر حجمًا، وأقل نشاطا وأشد تحملاً للتغيرات في البيئة المحيطة بها مقارنة بالصورة النشطة، أو سمًا كيميائيًا يقف وراء المرض.

وصف ايفانوفسكي خلايا النباتات المصابة بوجود جسيمات كريستالية داخلها -يعتقد الآن انها كانت الفيروس- وربطها بين الجسيمات والعامل المسبب للمرض وقدم أدلة على حاجة العامل للتكاثر داخل الكائنات الحية في مكان آخر وعلى غير علم بما وصل إليه إيفانوفسكي كان مارتيناس بيجرينك Martinus Beijerinck يجري تجاربًا هو الآخر على المرض ذاته عام ١٨٨٩، عندما كتب أن عصارة النبات تظل سامة حتى بعد ترشيحها عبرالبورسلين، افترض أن العامل هو سائل ووصفه بـ ( السائل الحي المعدي) الفرضية التي بدأت 25 عامًا من النقاش حول ماهية الفيروس.

لاحظ مارتيناس أن المرض لديه قدرة على التكاثر داخل النبات (عند تخفيف السائل كان بإمكانه استعادة تركيزه الأصلي ) أضاف مارتبناس أن الأجزاء من النبات في مراحل النمو هي التي تتأثر بالمرض مما يعني أن تكاثر المرض مرتبط بنمو النبات، وأن مسبّب المرض يتكاثر فقط في الخلايا التي تنقسم.

بين ماير وايفانوفسكي وبيجرينك ولدت فكرة العامل القابل للفلترة القادر على إحداث الأمراض والذي لا يرى بالمجهر الضوئي -الفكرة الأم للفيروس الذي نعرفه اليوم- إلا أن ايفانوفسكي يعد اليوم واضع علم الفيروسات. (1)

العلماء الثلاثة ماير، ايفانوفسكي و بيجرينك، ينسب لهم الفضل في معرفتنا بالفيروسات المصدر (1)

2– الحيوان:

“إن نتائج التجارب تثبت وبشكل موثوق أن البكتيريا التقليدية لا يمكن أن تكون سبباً لداء القدم والفم foot and mouth disease  ” هذا ما قاله لوفلر وفروش  Loeffler and Frosch عن تجارب تمت بين عامي 1897 – 1899 على داء القدم والفم الذي يصيب الأبقار، عندما لاحظا أن العامل المسبب لهذا المرض صغير بما يكفي للمرور من ثقب يُحبس أصغر بكتيريا نعرفها… كانا يتحدثان عن فيروس وكان هذا أول عامل قابل للفلترة يتم فصله من الحيوان.

هذه النتائج كانت بعد تجارب ايفانوفسكي على نبات التبغ وقبل بيجرينك.

3- الانسان:

” الحمى الصفراء yellow fever ” هو مرض يُعتقد أنه أنتقل في القرن السادس عشر أثناء تجارة العبيد وحملهم من أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.

 إبان الحرب بين إسبانيا وأمريكا أواخر القرن التاسع عشر كانت القوات الأمريكية تحتل جزيرة كوبا عندما انتشر المرض بين الجنود الأمريكان، قام الطبيب بالجيش الأمريكي آنذاك والتير ريد ومجموعته بالتقصي حول طريقة إنتقال المرض بين الجنود، أجرى ريد تجاربه على متطوعين من الجنود وبعض من أفراد طاقمه بتلقيحهم -بدم البعوض المصاب- ليثبت أن المرض ينتقل عن طريق البعوض وليس بصورة مباشرة بين البشر، مات بعض المتطوعين من الجند وأفراد الطاقم بسبب المرض بعد تلقيحهم بأيام، كانت هذه المرة الأولى التي يتم فيها نقل مرض فيروسي معمليًا بين البشر..(3)

٤- ايفانوفسكي وما بعده:

على إن اسم فيروس جاء متأخراً عنه إلا أن ايفانوفسكي يعد واضع علم الفيروسات؛ بالنظر لتقديمه التصور الأول حول العامل القابل للفلترة.

 ظل لفيروس التبغ أهمية علمية ففي بدايات القرن العشرين تمكن فينسون و بيتري Vinson and Petre في عام 1929 من  ترسيب الفيروس بإضافة بعض الأملاح للسائل المعدي، وفي العام 1935 تمكن ويندل ستانلي Wendell Stanley من بلورة الفيروس ناقلاً إياه الى الحقل الكيميائي، بعدها بعام واحد قام ودين وبايري Bawden and Pirie بتقديم وصف لتكوين الحمض الأميني الخاص بالفيروس قبل أن نتمكن من رؤيته بواسطة تصوير “البلورات بالأشعة السينية X-ray crystallography” وفي ألمانيا شاهدنا الفيروس لأول مرة باستخدام المجهر الإلكتروني عام 1939.

الجدير بالذكر أن ايفانوفسكي مات في اوكرانيا عام 1920 أثناء إجلاءه؛ بسبب الحرب العالمية الأولى، حيث كان يشغل منصبًا في جامعة وارسو في تدريس علم الوظائف وتشريح النبات.

مات ايفانوفسكي ولم يعرف العالم -ولا هو- قدر إنجازه الذي أسّسه فيما بعد لعلم الفيروسات.

بعد موته أنشأ الاتحاد السوفيتي معهد (ايفانوفسكي لعلم الفيروسات) في العاصمة موسكو تقديراً لما قدمه، وخصصت أكاديمية العلوم الطبية جائزةً باسمه تعطى سنويا للإنجاز الأهم في علم الفيروسات.


المصادر:

  1. Lustig, A. & Levine, A. J. MINIREVIEW One Hundred Years of Virology. 66, 4629–4631 (1992).
  2. Goyena, R. & Fallis, A. . 済無No Title No Title. Journal of Chemical Information and Modeling vol. 53 (2019).
  3. Mehra, A. & Experiments, T. Virtual Mentor. 11, 326–330 (2009).

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى