الفلسفة

ألدوس هكسلي وروايته عالم جديد شجاع: الجانب المظلم من المتعة

  • نشر academy of ideas
  • ترجمة: زينب عبد المطلب
  • تحرير: ناريمان علاء الدين

 

“لا أحد مستعبد بلا أمل أكثر من الذين يتوهمون أنهم أحرار.” (غوته)

كتب غوته هذه الكلمات قبل ما يقارب 200 عام، لكنها ربما تكون أكثر ارتباطاً بعصرنا الحاضر من زمن غوته. وذلك لأن العديد من الناس يفترضون أننا نعيش في مجتمع حر ببساطة لأن الغرب لم يزحف إلى جحيم بائس كالذي صوّره جورج أورويل في روايته :ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون . يعتقد معظم الناس أن الاستبداد سيكون جليّاً في الطبيعة بشكل واضح حيث سيستطيع الجميع ملاحظته. لكن هل حقيقة الأمر كذلك بالفعل؟ أم أننا نعيش في مجتمع يشبه ما صوّره ألدوس هكسلي في روايته التي تنتمي إلى أدب المدينة الفاسدة :عالم جديد شجاع. هل من الممكن أن تكون التقنية والمخدرات والإباحية والمُلهيات الممتعة الأخرى قد أَوجدت مواطنين مُشتتين جداً ليلحظوا القيود التي تغلّهم؟

لم يكن هكسلي يتوقع أن يُشكّل العالم البائس الذي صوّره في روايته عالم جديد شجاع خطراً داهماً عندما نُشرت الرواية أول مرة في عام 1931. لكن بعد ثلاثين عام وبعد الحرب العالمية الثانية وسيطرة الحكم الشمولي والإنجازات العظيمة في العلم والتكنولوجيا، بدّل هكسلي رأيه وأثار التحذير الآتي في خطاب ألقاه عام 1961:

سيكون هناك طريقة دوائية في الجيل القادم أو نحوه لِجعل الناس يحبون كونهم عبيدًا ولِبناء دكتاتورية بلا دموعٍ تنهمر، إن صحّ التعبير، لبناء معسكر اعتقال لمجتمعات بأكملها دون التسبّب بالآلام، حيث سيسلب الناس حرياتهم مع استمتاعهم بذلك لأنهم سيكونون مُبعدين عن أية رغبة في التمرد وذلك من خلال الدعاية أو غسيل الدماغ أو غسيل الدماغ المعزّز بوسائل دوائية. ويبدو أن هذه هي الثورة الأخيرة. (ألدوس هكسلي، مجموعة تافيستوك، مدرسة كاليفورنيا الطبية، 1961 ).

تبعاً لتوقعات هكسلي، ستدرك الطبقات الحاكمة في المستقبل أن السيطرة على العامة لا تكون بالاستخدام الظاهر للعنف فقط ولكن أيضاً بأسلوب أكثر خفاءً بإغراق الجموع بإمدادات غير متناهية من المُلهيات الممتعة.

يوضّح هكسلي: “في رواية 1984،” “يتم إشباع الشهوة للسلطة من خلال إلحاق الأذى بالآخرين، وفي عالم جديد شجاع، يتم ذلك من خلال توفير المتعة بطريقة تكاد تكون أقل إهانة من إلحاق الأذى بالآخرين” (عودة إلى عالم جديد شجاع).

ربما يتسائل أحدنا كيف يمكن أن تُستخدم المتعة من أجل سلب الناس حرياتهم؟ علينا طرح موضوع الإشراط الاستثابي من أجل الإجابة على هذا التساؤل وهي وسيلة لتعديل سلوك الكائن الحي.

في القرن العشرين، قام عالم النفس في جامعة هارفرد بورهوس فريدريك سكينر بمجموعة شهيرة من التجارب التي اختَبر من خلالها طرق مختلفة لإيجاد سلوكيات جديدة عند الفئران. سَلّطت هذه التجارب الضوءَ على كيفية تكييف “السلطة” للبشر لجعلهم يحبون عبوديتهم. في إحدى مجموعات التجارب، حاول سكينر غرس سلوكيات جديدة عن طريق التعزيز الإيجابي حيث قام بتقديم الطعام للفأر متى ما قام بالسلوك المرغوب. في مجموعة أخرى من التجارب، حاول إضعاف أو إزالة سلوكيات معيّنة من خلال العقاب حيث قام بإثارة منبه مؤلم عند قيام الفأر بالسلوك الذي يرغب سكينر بإزالته.

اكتشف سكينر أن العقاب يضع حداً للسلوكيات غير المرغوب بها بشكل مؤقت فقط لكنه لا يوقف رغبة الحيوان بالقيام بهذه السلوكيات في المستقبل. يقول سكينر: “غالباً ما يُعاود السلوك المُعاقَب عليه الظهور حالما تم وقف التبعات العقابية (سكينر، عن السلوك). وفي المقابل، فإن السلوكيات التي تم إشراطها بالتعزيز الإيجابي كانت أكثر ديمومة وأدّت إلى تغيرات طويلة الأمد في أنماط الحيوان السلوكية.

كان هكسلي على اطلاع على تجارب سكينر وأدرك تبعاتهم الإجتماعية والسياسية. في عالم جديد شجاع وأعماله اللاحقة، توقع هكسلي ظهور “سيطرة حكم الأقلية” (هكسلي) الذي كان ليُجري تجارب مماثلة على البشر لتعزيز الإذعان والتقليل من احتمالات اندلاع الاضطرابات المدنية. كحال هكسلي، أدرك سكينر الآثار الاجتماعية لتجاربه ولكن على النقيض من هكسلي آمن بأن عمليات الإشراط الاستثابي يمكن أن تُستخدم من قبل المهندسين الاجتماعيين من أجل المصلحة العامة التي تؤدي إلى تطوير مدينة فاضلة بواسطة العِلم. المقطع التالي من كتاب سكينر “والدن تو” يُظهر أن تكييف الحشود يمكن أن يتيح المجال بالفعل لظهور نوعٍ خبيثٍ من الاستبداد تخضع فيه الحشود إلى العبودية بينما يشعرون بأنهم أحرار.

بما أننا اليوم على دراية بكيفية نجاح التعزيزالإيجابي وأسباب فشل التعزيز السلبي،  يمكننا أن نكون أكثر تأنيّاً وبالتالي نجاحاً في بناء ثقافتنا. يمكننا تحقيق نوعٍ من السلطة يشعر الخاضعون لها بأنهم أحرار على أية حال. فهم يقومون بما يريدون فعله وليس بما يتم إجبارهم على فعله. هذا هو مصدر القوة الهائلة للتعزيز الإيجابي؛ لا يوجد قيود ولا يوجد عصيان. بالتخطيط المُتأنّي، نحن لا نتحكّم فقط بالسلوك النهائي ولكن أيضاً بالميول نحو السلوك  ̶  الدوافع والرغبات والأمنيات. الأمر المُلفت للنظر في هذه الحالة هو أن قضية الحرية لا يتم التطرق لها أبداً. (سكينر، والدن تو)

في عالم جديد شجاع، “المكافأة” الأساسية التي استُخدمت لتكييف الاستعباد من خلال التعزيز الإيجابي تمثّلت بعقار قوي جداً اسمه سوما. يكتب هكسلي: “دعم المسيطرون على العالم التخدير المُنظّم لمواطنيهم من أجل مصلحة الدولة” (ألدوس هكسلي، عودة إلى عالم جديد شجاع). تم ابتلاع سوما بشكل يومي من قبل سكان عالم جديد شجاع لأنها كما يقول هكسلي توفّر لهم “إجازة من الواقع” (ألدوس هكسلي). تبعاً للجرعة المتناولة، تحفز سوما شعوراً بالنشوة والهلوسات الممتعة أو تعمل كمساعد قوي على النوم. كما تعمل على زيادة تأثير الإيحاء مما يؤدي إلى زيادة فعالية الدعاية التي يتم عرضها على المواطنين بشكل مستمر. يقول هكسلي:

في عالم جديد شجاع لم يكن تناول السوما خطيئة شخصية وإنما كانت مدعومة من قبل المؤسسة السياسية. شكّلت الحصص اليومية من سوما ضماناً ضد سوء التكيُّف الشخصي والاضطراب الاجتماعي وانتشار الأفكار التخريبية. أعلن كارل ماركس أن الدين أفيون الشعوب. كان الأمر على العكس تمامًا في عالم جديد شجاع حيث الأفيون، أو سوما، كانت ما يدين به الناس. (ألدوس هكسلي، عودة إلى عالم جديد شجاع)

لكن لم يعتمد المسيطرون على العالم في عالم جديد شجاع على سوما فقط. حيث تم الترويج للحرية الجنسية من قبل الحكومة كوسيلة أخرى لضمان أن كل شخص يتمتع بعبوديته. تم زرع شعار “كل شخص ينتمي إلى أي شخص آخر” في أذهان المواطنين من سن مبكرة، ومع إلغاء مؤسسات الأسرة والزواج الأحادي، تمكّن الجميع من الانغماس في غرائزهم الجنسية دون عوائق. يساعد الحصول المستمر على الإشباع الجنسي على ضمان تشتت انتباه المواطنين إلى واقع حالهم.

كما لعبت وسائل الترفيه التي دعمتها الدولة دوراً مهماً في خلق “معسكر اعتقال مسالم” في عالم جديد شجاع. ولقد استخدمت الدولة ما وصفه هكسلي بـ “المُلهيات الرائعة والمستمرة” كأدوات سياسية لإغراق عقول مواطنيها في “بحر من التفاهة.”

لا يمكن إنكار أوجه التشابه بين عالم جديد شجاع ومجتمعات العصر الحديث. في كتابه عودة إلى عالم جديد شجاع الذي نُشِر في عام 1958، تساءل هكسلي عن الكيفية التي يستطيع من خلالها المهندسون الاجتماعيون في المستقبل بإقناع أتباعهم بتناول العقاقير “التي من شأنها أن تجعلهم يفكرون ويشعرون ويتصرفون على النحو الذي يرونه مرغوباً” (ألدوس هكسلي، عودة إلى عالم جديد شجاع). وتوصّل إلى أن “مجرّد إتاحة هذه الحبوب سيكون كافياً على الأرجح” (ألدوس هكسلي، عودة إلى عالم جديد شجاع). اليوم، فإن واحداً من كل ستة أمريكيين يخضع إلى شكل ما من أشكال المؤثرات العقلية. فقد انتشرت أزمة المواد الأفيونية في مختلف أنحاء الغرب. وقد أدت القدرة على إرضاء الدوافع الجنسية عبر الإنترنت إلى تحوّل العديد من الناس إلى براثن الإدمان على المواد الإباحية؛ كما تُوفّر الهواتف الذكية وغيرها من التقنيات مصادر إلهاء غير هادفة وممتعة تسترعي انتباه معظم الأشخاص في أغلب الوقت. ومن غير الواضح مدى إخضاعنا عمداً إلى هذه المُلهيات ومدى كونها استجابات تلقائية للطلب الاستهلاكي. ولكن أيّاً كانت الإجابة فإن الحقيقة هي أن السكان المُشتّتين والمُذعنين يفتقرون ببساطة إلى الموارد العقلية اللازمة لمقاومة استعبادهم.

اقرأ ايضاً: الحلوى القاتلة

لن تسود الحرية إلى أن يَحلّ شعار “الحرية، أو الموت” (باتريك هنري) محل الشعار المعاصر “أعطني التلفزيون والهمبرجر، ولكن لا تزعجني بمسؤوليات الحرية” (ألدوس هكسلي، عودة إلى عالم جديد شجاع). ولكن ما دام الناس يبيعون حرياتهم في مقابل الملذات والراحة، فإن ذلك النوع من التكييف الاجتماعي الذي حذّر هكسلي منه سيصبح أكثر دقة وفعالية مع تقدم التكنولوجيا وزيادة البصيرة النافذة فيما يتصل بكيفية التنبؤ بالسلوك البشري والسيطرة عليه. وما زال علينا أن نرى ما إذا كان أغلبنا سوف يتمكّن من مقاومة هذا النوع من التلاعب، أو ما إذا كنا سنحاول المقاومة أساساً.

وإذا استمر الأمر على ما هو عليه، فقد تنقسم البشرية قريبا إلى مجموعتين. وسيكون هناك من يرحبون بعبوديتهم الممتعة ومن سيختار مقاومتها من أجل الاحتفاظ ليس فقط بحريتهم بل بإنسانيتهم. وكما لاحظ العبد السابق فريدريك دوجلاس في منتصف القرن التاسع عشر قبل وقت طويل من كتابة هكسلي عالم جديد شجاع، عندما يصبح العبد عبداً سعيداً يكون قد تخلى فعلياً عن كل ما يجعله إنساناً. يقول دوجلاس:

“لقد توصلت إلى أنه لجعل العبد قانعاً فلابد من منعه من التفكير… فلا يجب أن يكون قادراً على أن يعثر على أية تناقضات في العبودية؛ ولابد وأن يشعر بأن العبودية صواب؛ ولن يحصل هذا إلا عندما يتوقف عن كونه إنسان.” (فريدريك دوغلاس، قصة حياة فريدريك دوغلاس)

المصدر: academy of ideas

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى