عام

صلة الأرض بالسماء: وصفة علاجية

  • عمر الحمدي
  • تحرير: غادة الزويد

ليس ببعيد، بعد أن تطورت البشرية تطورات هائلة، وتقدمت في العلوم وأحرزت خطوات كبيرة، ثم ما لبثت أن طغت الحياة المادية عليها، فبات الوقت غير كافٍ، وأصبحت المتطلبات في ازدياد، وبسبب الانفتاح الكبير والعولمة التي غدت خيارًا لا مفر منه، أصبح الفرد العادي يعيش في واقعٍ غير اعتيادي، فقد باتت التغذية البصرية من أكبر ما يتغذى به الفرد في يومه، قد يأكل ثلاث وجبات في اليوم، لكن آلاف الصور الثابتة والمتحركة تُعرض عليه صباح مساء، بل حتى عبر أجهزة متعددة مدمجة ارتضاها بنفسه لترافقه في حله وترحاله.

لقد تطورت البرمجيات وأجهزة التصوير تطورات كبيرة، وصار بالإمكان تصوير الحزين ليبدو سعيداً، وتعديل الواقع ليبدو مزخرفاً مبهجاً، وصار الناس يختارون أفضل حالاتهم ليشاركوا بدورهم في صناعة الشاشة وما يعرض فيها، والشركات تبدع في تصنيع منتجات مغرية تجذب غير المحتاجين لها إليها، والفرد في ظل هذه الظروف والاغراءات لا يجد مفرًا إلا أن يستجيب -والاستجابة لها ثمن- فيعمل ويسعى ويكد.

ولأجل هذا كله، فقد باتت معدلات الإنجاز أكبر وخاصة في تلك البلاد المتقدمة ذات التطورات المبهرة، فأصبحت تصدر المنتجات الجديدة والتقنيات الحديثة للدول الفقيرة، فبات الفقراء يسعون لمواكبة الأغنياء، فأصبح السعي سمة الحياة الغالبة، وتم زحزحة الأنشطة الاجتماعية لإفساح المجال للسعي والعمل والإنجاز، إنه إنجازٌ من أجل انتاجٍ أكثر، وإنتاجٌ من أجل إنجازٍ أغزر، هي دائرة تدور ومطحنة تطحن الإنسان فلا يبقى فيه إلا رمقٌ من حياة، وبصيص من عقل.

واستمر الإنسان على هذه الحال حتى وصل لمأزقٍ خطير، فقد بات الاكتئاب داء العصر الكبير، وأصبح الانتحار سمة الإنسان الأخير، إلى أن جاء هذا اليوم المشهود، حيث أُعلن عن عقد مؤتمر عالمي، وحشدت الجهات ما لديها من قنوات، وتلهف العالم لمعرفة السر القادم من غابة بعيدة، كانت في معزل عن هجمات التطور العنيدة، وقد أتاهم هذا اليوم زائرٌ يحمل لهم الحل السحري لمشكلتهم العويصة، لكنهم أبو إلا أن يريهم بدل أن يخبرهم، ثم يرشدهم إلى طريقة الأداء ويدلهم، فوافق بعد إلحاح، واستجاب لهذا الاقتراح.

أخرج سجادته المستطيلة من حقيبته الصغيرة، وما أن فرشها على الأرض حتى حملقت فيها العيون وتفرست حولها الوجوه، وهم يحاولون اكتشاف السر الخطير، أين الأسلاك؟ كيف تتغذى بالطاقة؟ وهل هنالك خلايا شمسية مخفية أو أجهزة توصيل لاسلكية؟ لا شيء من هذا كله، لم تكن سوى سجادة عادية من تلك التي كان الإنسان يستخدمها منذ مئات السنين، لقد بحثوا عن مصدر الطاقة من كل شيء ونسوا أهم شيء لإنتاج الطاقة؛ الروح.

﴿ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾

كان الشيخ الذي امتلأ وجهه نوراً، يتلو تلك الآيات بعد أن فرغ من السبع المثاني، يقف في سكون والعالم من حوله يراقب في هدوء، يحاول الناس اكتشاف السر الذي سينقذ البشرية، كانت طائرات التصوير الصغيرة تبث الواقعة للملايين من الناس، وكان الصوت يصل من فم الشيخ لتتلقفه آذان المترجمين فتحيله إلى كل اللغات الحية، والناس في كل البقاع تراقب وتستمع، ثم تتساءل عن تلك الماهية التي تسمى الروح، ذلك الشيء الغامض الذي لم يعد موجودًا إلا في الكتب القديمة، فقد مرت فترة عصيبة من حياة البشرية حين بُذِلت الجهود العلمية وسُخّرت الاختراعات العصرية، من أجل كشف غموض ذلك المكون الإنساني الغامض. تلك الروح التي قيل عنها الكثير لكن لم يشاهدها أو يلمسها أحد، ثم بعد سنوات من البحث، والكثير من السجالات، تم نفي وجود الروح، وأعلن العالم حذف هذه الكلمة من كل المقررات والأبحاث، ولم يعد أحد يتجرأ أن يتلقى السخرية بذكر تلك الكلمة، ثم دار الزمان دورته ونسي الناس كل حرف من تلك الكلمة.

أنهى الشيخ حركاته، ثم أخبرهم باسم وصفته، قال إنها (الصلاة)، وأنها تؤدى خمس مرات يومياً، وأن هنالك بعض اللوازم الإيمانية قبل الشروع في هذه الوصفة العلاجية، ثم أخرج من جيبه كُتيّبًا صغيرًا، فيه التعليمات اللازمة لتنجح معهم الطريقة، فتنقذ العالم من هول ما وصل إليه من حياة سقيمة، لقد جربوا كل لقاح، وسلكوا كل طريق، أتوا بكل العلوم المادية واستخدموا كل الوسائل التقنية، لكنهم لم ينجحوا في إنقاذ الإنسان من بؤسه، أو تحريك الاكتئاب من عرشه، وقد كانت أعدادهم تقل، وشبح الموت من خلف الانتحار يُطِل، فلم يكن لهم من بد -حينها- أن يلجأوا لوصفة ذلك الشيخ الهرم، والتي كانت تستعمل منذ القدم.

بعد أن فرغ الشيخ من إخبارهم، وحين وضع الكتاب الصغيرة أمامهم، حينها، طلب منهم الطلب الأخير:

“ها قد أخبرتكم بما ألححتم عليّ فيه، فلا تُشغلوني بعد هذا بزياراتكم، ولا تكثروا عليّ إرسال وفودكم، وأرجوكم، أبعدوا اسمي من صحائف نشراتكم، لا أحتاج لأجهزتكم أن تصفني بأسعد أهل الأرض، فأنا أعرف هذا من قبل حديثكم، فلا ترسوا فوق بيتي طائراتكم التي تجس النبض وتكشف الإحساس، فللبيوت حرمات، وقد اعتزلت عالمكم فاعتزلوا عالمي، وهجرت دنياكم فلا تكشفوا ما في قلبي”.

كانت البشرية على موعد مع شروقٍ جديد، فبعد السير الحثيث نحو الانقراض، هاهو الأمل يلوح في الأفق القريب، وبشرى النور تطل من بين ثنايا ضحكات الأطفال البريئة، أما الشيخ، فقد أدّى مهمته، وأوصل رسالته، وما لبث أن حلقت روحه نحو عالم الأرواح ومواطن الأفراح.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى