عام

وهن الحيرة وبيت العنكبوت

  • ماجدة باجابر

خرج صديقنا أسعد من بيته؛ كان قصرًا وارفَ الظلالِ قويَّ العمرانِ منيعَ الأركان،

خرج يتمشى في النواحي بأمان،

ولما أبعد، شطّ به المسير،

فبات في تيهٍ ووجل.

وفي التيه؛

حار صاحبنا ودار بحثًا عن الدّار، حتى كاد ينهار،

وبينا هو في تلك الحال لمح بيت عنكبوت قد تهدّلت خيوطه وَهنًا؛

فطار إعجابًا بشكله الهندسيّ العتيق؛ (يعني فِنتج).

حار فكره وشخص بصره متأمّلا؛ فركبت رأسَه فكرةٌ جهنّميّة!

نشبَ أظفاره بذلك الركن البائد فلفّ تلك الخيوط، وقد بدت لناظره بوصلةَ حبالٍ قويّة أثرية؛

لا مثيل لها في داره،

ومضى فَرِحًا ليجمّل بها تلك الدار!

كان ذلك هو القرار.

مه! ما أحمق هذا الاختيار!

مازال صاحبنا في طريق العودة لداره؛ فهي مأواه.

لكن المصيبة الجلل إن تأخر وحلّ الظلام؛ تُرى هل سيعود؟

ماذا لو تعرقل بتلك الحبال وتشابكت خيوطه والتفّت بخيوط الظلام ونأى النور ولم يرجع؟

هل سيعود؟ أستأويه تلك الحبال!

﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.

..

أتسمعنا يا أسعد

أسرع قبل أن يلفّك الظلام؛ يمّم وجهك شطر الطريق هلمّ وتعال!

ما أكثر أسعد اليوم وسعديّة!

لقد أصبح لهم متابعون وأزواجٌ وذرّية!

مضى صاحبنا في وهن حيرته ينفض الغبار عن بيت العنكبوت..

به تعلّق هواه، فغدا نشيدَه وهجّيراه؛

ومازال للتيه عواءٌ مُدمدمٌ في حناياه.

يروم بحثًا عن الخفايا، في لُجّةٍ ليس فيها من الضياءِ أيّ بقايا!

أما بلغه النبأ الذي يُفتيه؟!

إن لم يبلغه؛ سنُنبيه،

إنه نبأ اليقين، قصّته ومبداه ومنتهاه.

نبأ اليقين باكتمال الدين،

ومبداه سراط بيّن مستقيم،

يحدوه هديُ خاتم الأنبياء والمرسلين؛ وسيّد الأولين والآخرين.

قصّتة خطٌ شهدت الأرضُ رسمه، وبيّن لنا الوحي شرعتَه ووسمَه:

خطَّ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خطًّا فقال: (هذا سبيلُ اللهِ) ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينِه وعن شِمالِه ثمَّ قال: وهذه سُبُلٌ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه، ثمَ ّتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:153).

ومنتهاه، أنِ الحمدُ لله؛

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:43).

هنا الطريق يا أسعد

أمامك هذا السراط فاتبعه ودع بنيّاتِ الطريق.

قال صاحبنا: وأنا على ذات الطريق، ولنوره سأهتدي بخيوط بوصلتي الأثرية..

إنها تمنح روحي نورًا فسفوريّا!

لعب الوهمُ بصاحبنا فأعماه.

ويحك؛ إلى هنا وحسبك،

أيهديك لروح الإيمانِ من فاته نور الإيمان!

سعادة الروح وتزكية النفس وكمالاتها يا صاح ليست كما الدنيا،

فعلوم الدنيا، وشأنها وزينتها، الناس فيها شركاء، يتبادل مؤمنهم وكافرهم النفع لا ضير.

أما الوصول إلى الله فمن الله وبالله.

قال الله جلّ في علاه:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7).

من غير الله للنور سيهديك!

ومن الذي يطعمك ويسقيك ويشفيك؟!

ومن الذي تدعوه مضطرّا فينجيك؟

إن لم يكفِك المولى فمن يكفيك؟!

فأخلص اليقين بالربّ ذي القوّة المتين.

وألقِ عنك حبال الوهن

وإيّاك وفلسفات عُبّاد الوثن.

واهجر صومعة الضِّرار وكارما الأفاتار.

واستمسك بحبل من انجلت بمشكاة وحيه الظلمات؛

وبنوره أشرقت الأرض والسماوات.

عالم الغيب الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

مالك النّفع والضّر، واهب الحياة والخير.

﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير﴾ (غافر:3).

عد من حيث أتيت.

عد لمنزلك، حيث مسجدك،

عد إلى الطريق خلف أحمد الرسول (صلى الله عليه وسلّم).

….

سألتْ سعديّة:

وماذا عمّا سطر في كتب الأنبياء السابقين (عليهم السلام أجمعين)؟

= لقد نُسخت شرائعها بالقرآن الذي نزل مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، يا أم سعد.

بله أنها حرّفت، فاختلط فيها الحق بالباطل،

لذا حذّر النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه من النظر فيها طلبًا للعلم والهداية، كي لا يُنكر حقٌ فيها، ولا يُتّبع باطل، وقال: (لو كان موسى حيّا ما وَسِعه إلا اتباعي).

كما آية ميثاق النبيين عليهم صلوات ربي أجمعين.

وقال الله تعالى في حق المؤمنين:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:157).

لقد بُعث نبيّنا بالمحجّة؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

فكيف بمن يلتمس علمًا عند من تاه عن معرفة خالقه ومولاه، وظنّ الطبيعة قوّته ومنتهاه!

أبلغك خبر الشياطين التي اجتالت عباد الله من الحنفاء السالفين، فحرفتهم عن دينهم،

فبات وليّهم الشيطان من دون الله:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيز ُالْحَكِيمُ. وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (العنكبوت:41).

وفي قصة الطريق؛

(ضربَ اللهُ تعالى مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنْبَتَيِ الصراطِ سورانِ، فيهما أبوابٌ مُفَتَّحَةُ،

وعلَى الأبوابِ ستورٌ مُرْخَاةٌ،

وعلى بابِ الصراطِ داعِ يقولُ: يا أيُّها الناسُ! ادخلوا الصراطَ جميعًا ولَا تَتَعَوَّجوا،

وداعٍ يدعُو مِنْ فَوْقِ الصراطِ،

فإذا أرادَ الإِنسانُ أنْ يفتحَ شيئًا مِنْ تِلْكَ الأبْوابِ قال: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ، فإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ؛

فالصراطُ الإسلامُ، والسُّورانِ حدودُ اللهِ، والأبوابُ الْمُفَتَّحَةُ محارِمُ اللهِ تعالى،

وذلِكَ الدَّاعِي على رأسِ الصراطِ كتابُ اللهِ،

والداعي مِنْ فوقٍ واعظُ اللهِ في قلْبِ كُلِّ مسلِمٍ).

وبين هذا الطرف وذاك زيوفٌ وزيوف،

“وعند صليل الزيف يَصدُق الابتلاء”.

..

آخ يا أسعد؛ أشفق أن يلفّك الظلام فيهويك،

فارجع هديت!

أو كُف كُف؛ لا تلوّث بعبثك صفوَ منهلِ الموقنين.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى