عام

فولوديمير زيلينسكي: من الكوميديا إلى الحرب

  • ستيفن مولفي
  • ترجمة: مصطفى محمود

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي؛ الممثل الكوميدي الذي لم يكن لديه أي خبرة في السياسة عندما جرى انتخابه قبل أقل من ثلاث سنوات، تحول فجأة إلى زعيم حربي.

لقد حشد الأمة بخطاباته وصوره وتسجيلاته المرئية، وأعطى قوة للغضب الأوكراني وتحدي العدوان الروسي.

في حين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدا متوتراً على نحو متزايد -متهماً أوكرانيا بارتكاب “إبادة جماعية” في جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين، وتحدث عن الحاجة إلى “اجتثاث النازية” من البلاد- فإن الرئيس زيلينسكي -الذي ينحدر من عائلة يهودية تتحدث الروسية- قد حافظ على رباطة جأشه.

كشفت هذه التصريحات عن جانب لم يتوقعه العديد من النقاد، بما في ذلك شريحة كبيرة من المثقفين.

جاءت اللحظة الحاسمة في التحول من زعيم متخبط في استطلاعات الرأي -والذي ظهر أحيانًا أنه في موقف يتجاوز قدراته- إلى شخصية وطنية في الساعات الأولى من يوم الخميس، قبل ساعات قليلة من الغزو الروسي. وفي خطاب رزين نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، تحدث فيه جزئيًا باللغة الروسية، قال إنه حاول الاتصال بفلاديمير بوتين لتجنب الحرب وقوبل بالصمت.

لم يكن البلدان بحاجة إلى حرب؛ “لا حرب باردة، ولا حرب ساخنة، ولا حرب مختلطة”، كما قال، مرتديًا بدلة سوداء بينما كان يقف أمام خريطة لأوكرانيا. لكنه أضاف أنه إذا تعرض الأوكرانيون للهجوم فسوف يدافعون عن أنفسهم؛ “عندما تهاجمنا سترى وجوهنا، وليس ظهورنا”.

بعد ذلك بوقت قصير، بدأ الغزو؛ وفي بثه التالي -في منتصف النهار- كان يرتدي زيا عسكريا، مما يعكس صورة للصراع في البلاد كما لو كان صراع داود ضد جالوت. في ذلك المساء، ألقى خطابًا آخر، حذر فيه القادة الغربيين من أنهم إذا لم يقدموا المساعدة فغدًا “ستطرق الحرب أبوابكم”.

“إنني أسمع صوت ستارة حديدية جديدة سقطت وعزلت روسيا عن العالم المتحضر”.

يبدو أن زيلينسكي -بصفته القائد العام للقوات المسلحة- غرد بكل ما هو صحيح على تويتر الأوكراني.

تقول يوليا ماكغوفي -رئيسة تحرير موقع Novoye Vremya الإخباري- إنها كانت مستاءة عندما انتخب رئيسًا في أبريل 2019، لأنها لا تثق في قدرته على قيادة الحكومة.

لكنها تقول إن الأوكرانيين التفوا حول رئيسهم بسرعة في الأسبوع الماضي.

“الدعم الكامل والاحترام ظهرا الآن؛ وأعتقد أنه بعد أن بدأت روسيا حربها توحد جميع الأوكرانيين حول زيلينسكي. إنه يلعب دور القائد فعلا، وأود أن أقول إنه دور ملهم. إنه يقود حكومة تصد جيش بوتين، ولهذا كثيرون معجبون به بصدق ويحترمونه”.

كان وصول زيلينسكي إلى المشهد السياسي يعكس تأثير الفن على الحياة الواقعية؛ فقد كان أشهر أدواره هو دور ممثل كوميدي في المسلسل التلفزيوني “خادم الشعب” Servant of the People، الذي لعب فيه دور مدرس مدرسة قفز إلى الرئاسة بعد أن نشر أحد الطلاب مقطع فيديو له وهو يتحدث عن الفساد في السياسة.

اعتبر البعض ترشيحه في الانتخابات الرئاسية لعام 2019 مزحة، حتى أنه أأسيطلق على حزبه السياسي حزب خادم الشعب. لكنه حصل على 73٪ من الأصوات، ووعد بمحاربة الفساد وإحلال السلام في شرق البلاد.

تشير مستشارة الاتصالات يارينا كليوتشكوفسكا إلى أن الرئيس الأوكراني يتمتع بسلطات كبيرة، لكن الوفاء بهذه الوعود كان دائمًا صعبًا. وبالنسبة لشخص ما بدأ الرئاسة بمثل هذه النسبة العالية من التأييد، كان السبيل الوحيد هو الهبوط.

وتقول: “إن تقديم مثل هذه الوعود العريضة شيء، وتنفيذها شيء آخر”.

سنوات قبل السياسة

  • ولد في وسط مدينة كريفي ريه بشرق أوكرانيا عام 1978
  • تخرج في جامعة كييف الاقتصادية الوطنية بدرجة في القانون
  • شارك في تأسيس شركة إنتاج تلفزيوني ناجحة
  • قدم عروضا تلفيزيونة لشبكة يملكها الملياردير المثير للجدل إيهور كولومويسكي
  • دعم كولومويسكي لاحقًا ترشيحه للرئاسة
  • حتى منتصف عام 2010، كانت حياته المهنية في التلفزيون والأفلام هي محور تركيزه الرئيسي

كان زيلينسكي قد تمتع بدعم الأوليغارشي إيهور كولومويسكي خلال حملته الرئاسية، مما دفع الكثيرين للخوف من أنه قد يصبح قائدًا صوريا، يسيطر عليه رجل يخضع للتحقيق في الولايات المتحدة بتهمة الاحتيال وغسيل الأموال.

لقد أثبت في الواقع أنه أكثر استقلالية مما يعتقده المتشككون، ورفض على سبيل المثال السماح بإعادة خصخصة شركة PrivatBank، التي كانت مملوكة لكولومويسكي قبل تأميمها.

من ناحية أخرى، لا يزال الفساد متجذرًا في أوكرانيا، وهناك مخاوف من استخدام قانون جديد لمكافحة الأوليغارشية لتقييد أنشطة بعض ناشطيهم. وينظر بعض المسؤولين الغربيين إلى تهم الفساد الموجهة ضد منافس زيلينسكي الرئيسي -بيترو بوروشينكو- سلفه على كرسي الرئاسة، على أنها ذات دوافع سياسية.

باءت محاولات زيلينسكي للتفاوض مع روسيا من أجل إيجاد حل للصراع في الشرق -الذي خلف أكثر من 14000 قتيل- بالفشل. كان هناك تبادل للأسرى وتحركات نحو تنفيذ أجزاء من عملية السلام، المعروفة باسم اتفاقيات مينسك، ولكن لم يحدث أي تطور يذكر. وطوال عام 2020، انخفض معدل نجاحه بشكل مطرد.

بعد ذلك، استخدم زيلينسكي نبرة أكثر حزماً في الضغط من أجل عضوية الاتحاد الأوروبي والتحالف العسكري للناتو، وهي خطوة كان من شأنها أن تثير غضب الرئيس الروسي.

لكن يارينا كليوتشكوفسكا تقول إن خطاب زيلينسكي بشأن الصراع في الشرق والعلاقات مع روسيا ظل خجولًا للغاية بالنسبة للعديد من الأوكرانيين، حتى الأيام الأخيرة.

ومع ارتفاع صوت طبول الحرب، أعلن زيلينسكي يوم السلام، واستمر في التأكيد على آماله في وضع دبلوماسي حتى عندما كانت أوكرانيا تبلغ عن زيادة سريعة في انتهاكات وقف إطلاق النار على طول خط المواجهة.

تقول كليوتشكوفسكا: “لقد تجنب موضوع الحرب، وأي شيء عسكري. لقد كان موضوعًا يخرجه من منطقة الراحة، ولم يكن مستعدًا لطرقه في خطابه العام”.

كما اعترض على التحذيرات اليومية من الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى من هجوم روسي وشيك، قائلاً إن استراتيجية التواصل الأمريكية “مكلفة للغاية بالنسبة لأوكرانيا”.

تقول كليوتشكوفسكا إن التغيير الكبير في المسار جاء بخطاب ألقاه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن يوم السبت 19 فبراير، وهو ما حولها من متشككة إلى معجبة ومؤيدة. فقد بدأ بوصف زيارة إلى روضة أطفال في شرق البلاد تعرضت قبل أيام لصاروخ.

وقال: “عندما ظهرت حفرة قنبلة في ملعب المدرسة، فإن الأطفال كان لديهم سؤال:هل نسي العالم أخطاء القرن العشرين؟”

وقال للضيوف من النخب الدبلوماسية والدفاعية في الغرب: “اللامبالاة تجعلكم شركاء في هذه الجرائم”. وذكرهم برفض فلاديمير بوتين لنظام عالمي تقوده الولايات المتحدة في نفس المؤتمر قبل 15 عامًا بالضبط، وتأكيده على عودة ظهور الدب الروسي؛ “كيف كان رد فعل العالم؟ التهدئة!!”.

تقول كليوتشكوفسكا إنه لم يتحدث أي زعيم أوكراني بهذه الصراحة مع الغرب من قبل.

تقول يوليا ماكغوفي: “بالنسبة لي جاءت لحظة إعجابي بزيلينسكي خلال خطابه المؤثر في المؤتمر الأمني ​​في ميونيخ؛ في ذلك الوقت قرر العديد من معارضي زيلينسكي السياسيين في أوكرانيا أن الوقت الحالي ليس وقت الخلافات والصراعات”.

تزعم المخابرات الغربية أن اسم زيلينسكي هو الأول على قائمة الأشخاص الذين تهدف القوات الروسية إلى قتلهم، وتقول إن عائلته تأتي في المرتبة الثانية على القائمة، لكنهم جميعا بقوا في أوكرانيا.

وتأكد وجوده من خلال الصور والفيديو الذي كان يصوره خارج الإدارة الرئاسية وبيت الكيميرا المميز جدًا المقابل لها، والمزين بصور لحيوانات غريبة ومشاهد صيد.

تقول كليوتشكوفسكا: “بالطبع إنه ممثل. لا أعرف ما إذا كانت شخصيته الآن حقيقية أم لا. ولكن مهما كان ما يفعله، فهو لا يزال يؤدي دوره. لقد وجد كاتبو خطاباته ضالتهم، فهم أيضا أتوا من مجال الترفيه، لكن حتى كتابة برنامج على نتفيلكس Netflix يختلف عن كتابة الخطب الرئاسية”.

لا تزال أوكرانيا تواجه خلافات هائلة. كذلك فإن قوة الغزو الروسي ضخمة ومسلحة بشكل جيد. لكن خريج القانون البالغ من العمر 44 عامًا -والذي لا يزال يخطو خطواته الأولى في السياسة- وجد طريقة لرفع الروح المعنوية الأوكرانية.

أعجبني المقال

بواسطة
Photo: Ukrainian President Volodymyr Zelensky gestures while speaking to the media during a news conference in Kyiv, Ukraine, on Friday, November 26, 2021. (Ukrainian Presidential Press Office via AP
المصدر
bbc

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى