عام

المقهى اللامكان المفضّل!

غريبٌ كم يبدو المكان كمصيدة.

أرتاد المقاهي كثيرًا، أجلس فيها أكثر من المنزل، أقرأ، أكتب، أتأمل، أشرب قهوة وآكل حلوى. أُطيل الجلوس فيها وأشرب القهوة بهدوء حتى تبرد أحيانًا، أُحب هذا الطقس دون مبررٍ واضحٍ لديّ، ولكن يبدو أن محمود درويش كان على اطلاعٍ أعمق للداخل جعله يُفسره بقوله: “أتباطأ في احتساء قهوتي لأحافظ على صحبة مفترضة مع ما حولي، فليس للغريب إلا اختراع أُلفة ما مع مكان ما”، فهل أنا باحثٌ عن صُحبة أو أُلفة؟

يحكي حسين البرغوثي عن رحلته إلى أمريكا لاستكمال الدراسات العليا، ومع عديد التجارب التي قصّها في بداية سيرته الذاتية “الضوء الأزرق” يقول: “وجدتني أتنقّل بين هذه المقاهي، وأبحث عن نفسي، ليس في الكتب، سئمت كل الكتب، بل في المقاهي”، فهل أنا باحثٌ عن نفسي فيها؟

ما يُعجب حسين البرغوثي في المقاهي أنها تجعله في عالم الهامش، بعيدًا عن المتن، في العتمة لا في الضوء، بجانب الجدار لا وسط القاعة. يبحث في المقاهي عن نفسه بين المشبوهين بالجنون، والصعاليك، حيث الخرائط أكثر دقةً ووضوحًا وإثارة، أو على الأقل لأنه واحدٌ من هؤلاء، لم يكن يتكلم مع أحد تسعةَ أشهر، لم يكن يعرف أحدًا، وكان يمشي حتى الصباح في الغابة المحيطة بالجامعة، “ولكن الله كان يحيطني بكل عالم الهامش هذا، بكل جاذبيّته”.

لكن صديقه “بري” الذي يُرافقه كشيخٍ صوفي طيلة الكتاب ينتقد سلوكه هذا ويسأله في نهاية الفصل الثاني: “هل ستقضي حياتك بين المقاهي؟”. يُعلّق حسين: “شعرتُ بوجعٍ عميق في معدتي من كلماته، لأنه قال حقيقةً لا أريد أن أراها: كنت أقضي جُلّ حياتي في المقاهي، في نهر تافه يدعى “الحياة اليومية”، والحياة اليومية كلها خيال أدبي فقير”، قرأت كلامه هذا وأنا أتساءل: هل اصطحابي الكتب للمقاهي هو هربٌ من تفاهة الحياة اليومية فيها؟

***

العيش في اللامكان.

سألني أحد الأصدقاء من المهاجرين الجدد للرياض -كما هو حالي-: كيف تتعايش مع الرياض؟ وأين تقضي معظم وقتك؟ فأجبته: في اللامكان! لا حاجة لأن أصف دهشة عينيه التي كادت تخرج من مكانها، حتى سارعت في شرح ما أقصد بإجابتي التي قد تكون مبهمة، أو أدبيّة في أفضل أحوالها، مشيرًا إلى أطروحة كتاب “اللاأمكنة: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة”. يدافع الأنثربولوجي الفرنسي مارك أوجيه عن فكرته التي تقول بأن الحداثة المفرطة (وهي اجتماع: تسارع الزمان وتقارب الأماكن وتفريد المرجعيات) جعلت الإنسان المعاصر يعيش في “اللامكان” أكثر مما يعيش في الأمكنة، فالمكان بمعناه الأنثربولوجي لا يكون إلا بما يَنتَسِجُ ويثبت فيه من معان ورموز، عبر المسارات والأحاديث والأفعال والعلاقات، وما ينبعث فيه من احتمالات. كل مكان لا هوية ثابتة له، لا تُنسج فيه العلاقات ولا تستمر، لا ملامح تاريخية له، هو واحد من هذه “اللاأمكنة” التي أنتجتها “الحداثة المفرطة” وجعلتها من سمات هذا العصر.

يقول مارك أوجيه: “إذا كانت اللاأمكنة هي فضاء الحداثة المفرطة، فإنه ليس بمقدور تلك الأخيرة أن تمتلك طموحات الحداثة نفسها. وما إن يبدأ الأفراد بالتقارب حتى يشرعون في تنظيم الشأن الاجتماعي وتهيئة الأمكنة”.

ولو أردنا تأثيلها في العربية سنجد كلمة “مکان” مشتقة من مادة “م.ك.ن”، ولا يخفى اشتراكها بالمصدر نفسه الذي جاءت منه كلمة “ممكن”، فالمكان هو “ممکناته”، أو “إمكانياته”. و”تمكين” المشتقة من الأصل نفسه تعني: رسَخ، استقر، ثبت في المكان كأن نقول: “تمكَّنَ من موضوعه” بمعنى رسخ في مكان ذهني هو حقله الذي تخصص فيه، و”التمكّن” يعني القوة، أيضًا. فالمكان يتطلب قدرًا من الممكنات المستقر عليها في تاريخه، وافتقاد المكان لهذه الإمكانيات يعني افتقاد المكانة، خسارة هويته، فالهوية مساحة مكانية ذهنية من الثبات والرسوخ والقوة من “التمكّن” و”الإمكانيات”.

ستجد الكثير من التأملات في الأمكنة عند المنفيين، وكثير من الدراسات تناولت سيرة إدوارد سعيد على سبيل المثال كنموذج مثالي للعيش “خارج المكان”. وفي الستينيات كتَب محمود درویش: “وطني ليس حقيبة/ وأنا لست مسافر/ إنني العاشق والأرض حبيبة”، واشتهر المقطع واحتُفيَ به وكأنه أصاب نقطة في الهوية الجمعية. يرى حسين البرغوثي -وهو أحدهم- بأن المكان-الحقيبة تدهور فيما بعد إلى مكان أكثر انقراضًا ليصير “لا مکان”، واللامكان هو المكان وقد “نأى في الروح عن تاريخه”، فالفرق بين اللامكان والمكان بسيط، ظاهريًّا: اللامكان هو “مکان”، أيضًا، ولكنه مكان مجرد من تاريخه، بلا “تاريخ”، ابتعد عن نفسه. قال ميشيل فوكو مرة: لا يمكننا فهم الأمكنة باستقلال عن ممارسة الناس. التاريخ هو ممارسة الناس في المكان و”نأي في الروح عن تاریخ” أي نأي “عنا” عن “ممارستنا فيه”. في مقطع آخر من الديوان نفسه يقول محمود درويش: “يا أرض لم أسألك: هل رحل المكان من المكان” هذا هو رحيل المكان من نفسه. إذ أنّ “تاريخه” ليس إلا “هو”. وهناك مسافة وعي بين المكان الذي يصير حقيبة وبين مکانٍ رحل من نفسه أي صار “لا مكانًا”. وقد درس أستاذ علم الاجتماع عبدالرحمن الشقير مكانة القهوة والممارسات المصاحبة لها في “الطقوس الثقافية في القهوة العربية” ليؤكد على تغيّر المكانة التي حفِلت بها القهوة والمقاهي مع تغير الزمان.

نعود إلى المقهى الذي يُحَدَد وصفُه بطبيعة نموذجه التجاري، فهو “لامكان” إذا لم يكوّن بيئةً اجتماعية لروّاده، ويتحوّل إلى “مكانٍ” عند اهتمامه بمجتمعه ومحيطه. “إن فضاء الحداثة المفرطة معجون بهذا التناقض: فلا يهتم بالأفراد (الزبائن، المستخدمين…) ولكن لا يمكن التعرّف إليهم وتحديدهم اجتماعيًّا ومكانيًّا (الكنية، المهنة…) إلا أثناء الدخول والخروج”. “فاللامكان هو عكس اليوتيوبيا: إنه موجود ولكنه لا يضم أي مجتمع عضوي”.

مع تزايد عدد المقاهي في السعودية والذي بلغ عددها حسب إحصائية وزارة التجارة قرابة 30 ألف مقهى، انتشر في الآونة الأخيرة ما يُسمّى: “المقاهي الاجتماعية” ويُقصد بها المقهى الذي يسعى إلى خلق مجتمع بين زواره، وغالبًا ما تكون على هيئة مصطنعة، في السابق كان المقهى يكوّن مجتمعه بطريقة عفوية بسيطة غير متكلفة، وتلقائية غير مخطط لها، أليس هذا هو أصلًا هدف المقهى منذ نشأته؟ لكنها الآن بعدما صارت تُدار بعقلية الرأسمالية ونظم الحداثة المفرطة باتت تحتاج إلى اصطناع الائتلاف.

يعجبني المقهى بما يُضفيه على رادَته من مساواة، “يجيئون إلى المقهى/ أفراداً وجماعات/ لا يسألهم باب المقهى/ من أين أتوا!” كما يقول عبدالعزيز المقالح، “في المقهى تتلاقى الأجناس بلا وعدٍ مضروبٍ/ وهنالك تخلو الذاتُ إلى الذات/ ويخلو السادر في ملكوت العشق/ يناجي طيفَ حبيبتهِ/ والسادر في ملكوت الحزن/ يواري أشباح مرارته/ في الثرثرة الجوفاءِ وفنجان القهوةْ”. وهي سمة اللامكان الذي “يحرر من دَخَل إليه من محدّداته المعتادة. إنه يقتصر على ما يفعله أو يعيشه كمسافر، أو زبون، أو سائق. ربما لا يزال محمّلًا بهموم الأمس، أو منشغلًا باهتمامات الغد، ولكن محيطه الآني يبعده عنها بشكل مؤقت. إنه موضوع استحواذ لطيف يستسلم إليه بنوع من المهارة أو الاقتناع، كحال أي ممسوس آخر يتلذذ لفترة بالمسرات السلبية لاستلاب الهوية، وللمتعة الأكثر فاعلية التي يقدمها التناوب في لعب الأدوار”، لكن الزائر للمقاهي الاجتماعية لا يجد المساواة المطلوبة، بل يتطلب منه الأمر أن يكثر الزيارة ويتكلف الود حتى ينال حظوة العضوية الافتراضية لمجتمع المقهى، مما ينفّر أحيانًا.

العلاقات المكانية هي علاقات ائتمانية اجتماعية، لكنها في اللامكان علاقات تعاقدية وحدانية. تعزز الأمكنة من اختلاف الشخصيات، لكن اللاأمكنة تخلق الهويات المشتركة لزوارها. مستخدم اللامكان مضطرٌ بشكل من الأشكال إلى إثبات براءته طوال الوقت، فالمراقبة القبلية أو البعدية للهوية الشخصية وللعقد المبرم تضع مكان الاستهلاك في خانة اللامكان.

يقول مارك أوجيه أن ظهورَ هذا النوع من الحداثة على أشكال الوعي الفردي يفرض اختبارَ تجارب جديدة من العزلة ترتبط بظهور اللاأمكنة وانتشارها. وهو ما تؤكده أوليفيا لانغ في كتابها “المدينة الوحيدة” الذي تفسّر فيه تردُّدُها إلى المقاهي الصاخبة والمزدحمة رغم وحدتها، بأن هذه المقاهي هي المكان الأنسب لإخفاء وحدتنا، فانشغال الناس ببعضهم وبهواتفهم وبأعمالهم يمنعهم من ملاحظة فراغ كراسي طاولتنا وتقلّب أعيننا بحثًا عن رفقة. ومن قبلها محمود درويش الذي يهنئ المنفرد بنفسه في المقهى بقوله: “كم أَنت حُرُّ أَيها المنسيُّ في المقهى!”. وهذا أيضًا ما تؤكده تصاميم المقاهي الحديثة التي باتت تعتمد على تفريد الجلسات ومواجهة الكراسي للزجاج أو لطاولة إعداد القهوة بدلَ أن تكون الجلسات أكثر اجتماعًا بين الزوار كما كانت عليه المقاهي في السابق.

أسافر مدة شهر فأعود إلى الرياض لأجد في الحي الذي أسكنه عدة مقاهٍ جديدة. تحديث المقاهي يكاد يسبق متابعتها بسنوات ضوئية، ومع حرصي على استكشاف الجديد منها كل يوم إلا أنني عاجز عن ذلك. وعند عودتي إلى مدينة الأهل والنشأة أشعر تجاه مقاهيها بما أسماه الكاتب الألماني برتولد بريخت: “التغريب”، وهو أن يكون ما نراه ليس غريبًا ولكنه “يتغرّب”، يفقد خرائطه المألوفة. وكأنه كشَف القناع الذي ارتمى على وجهه طويلًا بعدما نُسيَ الوجه الأصلي. والمفارقة أن “المألوف” الذي أبحث عنه في تلك المدينة صار لا مألوفًا، وكلما أوغلت في استدعاء الذكريات زادت عملية “تغريب الأمكنة”، فيبدو حينئذ السفر تكوينًا لذاكرة جديدة ولكن لا غاية لها.

باتت المقاهي أشبه بالمتاهة. لا تدخل مقهى إلا ويُحيلك إلى آخر، ولا تزور مقهى إلا وتجد بجواره آخر. في المتاهة الأسطورية التي اجتاحت الأعمال الأدبية فتجدها في الكوميديا الإلهية لدانتي كما تجدها عند المعاصرين من الكتّاب، كان لا بدّ من خيط مربوط بخارج المتاهة يتشبّث به الداخل فيها كي يستطيع العودة بالخيط. وهذا الخيط الإدراكي هو “المألوف” و”المتذكَّر” و”المعروف”، والمفارقة أنني كنت أبحث عن المألوف في اللامألوف، عن الذاكرة القديمة في الأماكن الجديدة، عن المعروف في المجهول، عن الأمكنة في “اللاأمكنة”. أعني بأن “التعرّف” على المتاهة نوعٌ من أنواع “الاستئلاف” وليس “الألفة”، كما يقول حسين البرغوثي في “الفراغ الذي رأى التفاصيل”.

ويستنكر تحوّل المقهى من مكان إلى لامكان الشاعر السعودي عبدالله الناصر في كتابه الماتع “قهوة نامه” والذي يستنطق فيه القهوة بمختلف جوانبها تاريخًا وتذوّقًا وتأدبًا، فيقول فيه: “كنت أول زبائنه في الصباح. تناولت إفطاري ولم أغادره، وجاء بعدي العشرات من المتعجلين. الكل تناول قدحًا فاترًا وغادر. وحدي بقيت أتأمل وحدة المقهى، وقررت ألا أغادر . تُزعجني فكرة المكان العاهر. المكان الذي تقضي فيه سؤلك على عجل ثم تتركه. هل المقهى محطة وقود؟ هل هو سيارة تقلّك، ثم تتركها طيلة النهار ومعظم الليل؟ هل المقهى امرأة عجوز تتسول السلام في العشيات من أطفالها الكهول؟ وهكذا قررت أنني، ولصباح واحد على الأقل، سأجلس مع المقهى لا فيه”.

***

ما جدوى كل ذلك؟

بينما يختار مارك أوجيه “اللاأمكنة” نموذجًا لذم آثار الحداثة المفرطة، أختار منها المقاهي كخيار مناسب للتعايش مع الحداثة المفرطة.

غربة المدن الكبيرة أشدُّ قسوةً من غربة المدن الصغيرة. أن ترى نفسكَ وحيدًا بين قلة أقل وطأة من الوحدة بين آلاف الجموع؛ يضطرك هذا للتخفي، ليس للعزلة والهرب بعيدًا، بل محاولة التمويه بالتماهي والانسياق مع المحيط. ومن ذلك ما كان يفعله محمود درويش، إذ لم يكن يذهب للمقاهي وحيدًا للاختباء بين مشاغل الآخرين، بل للاستمتاع بصحبة متخيلة ترافقه دائمًا؛ فيقول: “لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنه الجميع فارغًا، لكنه يغصُّ بالغائبين”.

القراءة في المقاهي ليست الخيار المفضل لدى أغلب القراء، فإزعاج الأصوات، والكراسي غير المريحة، والطاولة المرتفعة أو المنخفضة، كلها عوامل منفرة عن القراءة بنظرهم، ولطالما سُئلت باستنكار: كيف تستطيع القراءة في المقاهي؟

أحب القراءة في المقاهي، والكتابة فيها أيضًا. لا يسرقني الإزعاج من كتاب فاتن، وأضمن البديل من كتاب رديء. ولو أردتُ تأريخًا لتجربتي مع القراءة لجاءَ تاريخًا في المقاهي، وما إن ألمحُ كتابًا في مكتبتي كنت قد قرأتُه في مقهى إلا وتنهال الذكرى كاملةً دون استئذان.

ما يُزعجني في المقهى هو اضطراري لخفض التفاعلات مع الكتاب إلى حدها الأدنى، فبينما أودّ الضحك عاليًا على سخرية حسين البرغوثي السوداء في “الضوء الأزرق” أجدني مضطرًا للضحك على الصامت. ولأني لست من هواة البكاء على الأسطر، فلا أذكر كتابًا أبكاني إلا نادرًا، وكان مجرد مظاهرة سلمية للدموع في العين، إلا أنها بالتأكيد لا تجرؤ على التجمع في حضرة آخرين.

أما الكتابة في المقاهي فهي طقس متكرر عند الكتّاب، ولكل واحد منهم أهدافه منها، فكم من كتاب سُطّر في زوايا المقاهي، وليس هذا حال خفيف الكتب والأدبي منها كما يتبادر للبعض، بل حتى الفلسفي والفكري منها، ففي سيرة فهمي جدعان “طائر التم” يصف المفكر الفلسطيني-الأردني مكانه المفضل في مقاهي باريس والتي سطّر على طاولته أغلب دراساته الفكرية، ويقول: ‏”تبدو فكرة المقهى من أجل الكتابة والبحث أمراً غريباً، إذ جرت العادة على أن الاعتزال للكتابة يقترن بالاعتزال في مكتبة عامة، أو في المنزل على وجه الخصوص. والحقيقة أنها كانت عادة ورثتها من سنوات الدراسة في باريس… روّضت نفسي على أن أجعل بيني وبين الأصوات والحركات والشخوص في المقهى حاجزًا قويًّا وأن أوجه تركيزي تركيزًا شديدًا إلى الموضوع الذي كان يشغلني قراءةً أو كتابة”. أما الروائي المغربي محمد شكري فيقول في كتابه عن “جان جينيه في طنجة”: “ثمانية عشر عامًا وأنا أحمل معي كتبًا ودفاتر أينما ذهبت. لقد اكتسبت عادة القراءة والكتابة في المقاهي. إنَّ صمْتَ المسكن وخلوّه من الحركة يُبلّدان وعيي”، وكان الكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي يكتب رواياته ودراساته في مقاهي باريس ثم يعيد طباعتها على الآلة الطابعة، ويفسّر فعله بقوله: “أحب أن أكتب في المقهى كثيرًا. أحب أن أسمع ما يرويه الناس. على الكاتب أن يكون قبل أي شيء آخر، شخصًا يُجيد الاستماع، أن يرى جيّدًا. وجودي في المقهى يمنحني الهدوء والأفكار”.

***

مآرب أخرى.

لم تعد المقاهي بحلّتها الحديثة كما قالت الشاعرة السورية قمر الجاسم ملاذًا “للعاطلينَ عن الأملْ” أو الذين يمارسون “حقَّ أمنيةِ العملْ”. فمتطلباتها لم تعد تكفي صاحب المرتّب الكبير فكيف بالعاطل الفقير. وكذلك لم تعد ملاذًا للمثقفين كما كانت، لأن المقاهي الحديثة تعتمد على تكرار الطلب وارتفاع الفاتورة قدر الإمكان، بينما المثقف -أو القارئ عمومًا- ميسور الحال يبحث عن مقهى يكتفي فيه بطلب واحد لساعات طويلة، دون تسلّط الندّل وسؤالهم عن الطلب القادم أو نظرات الباعة التي ترمقهم حتى يولوا الأدبار. وإن كانت محاولات استعادة المقهى الثقافي خجولة في كل البلدان العربية، تختلف باختلاف مستوى الحريات فيها، إلا أنها لم تعد أيضًا كما نقدها الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم مأوىً لحلطمات المثقفين أو أذنًا لثرثراتهم بعيدًا عن النيل، وقد كان نقده موجّهًا لأشهر مقاهي المثقفين في مصر وهو “مقهی ریش” حين قال: “يعيش المثقف على مقهی ریش/ يعيش يعيش يعيش/ محفلط مزفلط كتير الكلام/ عديم الممارسة/ عدو الزحام/ بکام کلمة فاضية/ وكام اصطلاح/ يفبرك حلول المشاكل قوام./ يعيش المثقف./ يعيش يعيش يعيش”، واستعاض المثقف عن المقاهي بوسائل التواصل لبثّ أشجانه وأحزانه، بحثًا عن السلامة وبعيدًا عن الملامة، وأنّى له السلامة!

مزايا المقهى كانت سببًا في استدعاء المقهى فضاءً في الكتابة الإبداعية، سواء في متن القصيدة أم على رأسها، توظيفًا للمكان أو قراءة في المكان. وزاد هذا الحضور في أواخر شعر الثمانينيات والتسعينيات حين بدأ يضيق بالأيديولوجيا والأفكار العامة، ويلتفت إلى اليومي والشخصي؛ بعد تأثره بالقصيدة الغربية البارعة في هذا.

فقد عدّ الشاعر المغربي محمد الرباوي المقهى مستودعًا للأسرار، واعتبر محمود درويش الحب “كمقهى صغير على شارع الغرباء… يفتح أَبوابه للجميع”، واستثمره نزار في تأمل الحسناوات والتغزل بهن، وفي “مقهى صغير” جمَع الشاعر المصري أشرف يوسف “أرامل ماركس” في متتالية شعرية تستقرئ النساء وهواجسهن. وعدّ أمل دنقل المقهى أكاديمية للعشق ووطنًا للقيا، إذ شهدت طاولاته ولادة حبه لعبلة الرويني، وكذلك الشاعر جمال مرسي كان المقهى موعد لقياه بمحبوبته التي تأخرت عليه فبدأ يطلب النادل “هلاَّ أَتَيْتَ بِفنجانٍ من الصَّبَرِ/ فقد شربتُ كؤوسَ الانتظار وما/ هلّت حبيبةُ قلبي، مُهجتي، عُمُري”.

أما في الرواية فالاستدعاء أكبر والاستضافة في المقاهي أكثر، ويمكن الإشارة إلى نموذجين فريدين، فالأول ما نجده عند نجيب محفوظ من حضور متألق للمقهى في رواياته، فقد استطاع أن يخلق من المقهى شخصًا حيًا ينطق كشخوص رواياته، ولم يعد ذلك الجماد وتلك الكراسي المتراصة التي تشهد بعض المشاهد فحسب، وخاصة في روايته “زقاق المدق”. وعلى طاولة المقهى أجلسَ الروائي الأردني الحاصل على البوكر لهذا العام 2021 جلال برجس سبعة روائيين أردنيين ليتحدثوا عن بطل روايتهم المشتركة والفريدة من نوعها في العالم العربي ويقصّوا لنا من “حكايات المقهى العتيق” قصة مدينة مادبا الأردنية على مر العصور.

***

في مديح المقهى.

إذا كان محمود درويش هو عاشق القهوة والمتحدث الرسمي لها بين الشعراء العرب المعاصرين، فالمتحدث الرسمي للمقهى هو الشاعر الأردني أمجد ناصر الذي اختار عنوانًا لمجموعته الشعرية الأولى “مديح لمقهى آخر”، والذي يمتدح فيه عالم المقهى وتجليّاته، باعتباره قلعة الحلم والغضب والتمرد، فسحة الصداقة، راية الزحف المستقبلي على قلاع العالم القديم. وقد كتب معظم تلك القصائد على طاولات المقهى، فقد كان المقهى بالنسبة له ملاذًا يهرب إليه فرارًا من مراجع عدة: العائلة، المدرسة، المؤسسة. ويدخله متحررًا من ضغط الخارج، كما يقول في سيرته الذاتية “خبط الأجنحة”؛ “فرغم العيون المصوبة إليه من الخارج، ورغم أولئك الذين يفردون الصحيفة على مصراعيها أمام وجوههم، ويطلقون آذانهم المدربة لالتقاط همس الزوايا والأركان، رغم ذلك كله، كان المقهى درس قصيدتنا الأول، ودرْس نقدنا المصحوب باستشهادات مسهبة، وتشنجات تأخذ بمجامع الأعصاب، وكان استعراضًا لآخر كتاب يصل من مطابع نهمة، مفتوحة على مغامرات الكتابة العربية والغربية. في اختصار، كان المقهى هو المسرح الخلفي للثقافة الأولى وللكتابة التي تصاغ أمام الآخرين، وبإسهامهم”.

لم يكتفِ أمجد ناصر يالغزل الشخصي للمقهى، بل حاول اكتشاف معانٍ ودلالات للمقهى لم تختبرها نظرية من قبل، فيفّرق بين أنواع المكتوبات في المقهى والتأثيرات الطارئة عليها، فيقول: “يبدو لي أن القصيدة المكتوبة في المقهى تمتلك فضاء أوسع من تلك المكتوبة في البيت. ولاحظت، بمساعدة عبدالرحمن الأبنودي، أن مشروب المقهى مختلفٌ أيضًا عن المشروب المُعدّ في البيت. في هذا الصدد يقول الأبنودي في قصيدة قديمة له: “كباية شاي القهوة غير كباية شاي البيت خالص”. فالمقهى يمنح إحساسًا فيّاضًا بالعمومية والمشاركة غير ما هو الحال عليه بين أربعة جدران، تعزل الوجود الداخلي للبيت تمامًا عن مصائر العالم الخارجي. والحال كان المقهى مكانًا مثاليًا لأحلام اليقظة، رغم التماس المباشر مع حركة الآخرين، وإيقاعات أنفاسهم وأحاديثهم، بل إن هذه الأحلام تكتسب قوتها بوجودهم. القصيدة في المقهى تخضع هي الأخرى للمشاركة، ولكنها لا تفيد كثيرًا من شخصياته وخبراته، كما هو الحال مع القصة. فالقاصّ يترصد الشخصيات المتباينة، ويلحظ الفوارق في إيقاعها، يستوحي فكرة قصة جديدة من حكاية تُروى على الطاولة المجاورة، ويوظف زبونًا دائمًا بعلامته الفارقة في قصة مقبلة”.

وأذكر أنني في حواري مع الشاعر والروائي أيمن العتوم سألته عن كيفية التقاط شخصياته الفريدة والبراعة في وصف دقائق ملامحهم، فأجابني بأنه يلتقطهم من كراسي المقاهي وأزقة وسط البلد في عمّان.

وأخيرًا أردد مع قاسم حداد في “ذاكرة المقهى”:

“مقهاكَ في انتظارك

يلقاك بمقاعده الوالهة

قادمة من الغابة،

خشبٌ طازجٌ في انتظار تعبك الغليظ

يُمَسِّـدُ لك وركيك وكتفيك بالعصيِّ الطريّـةِ

ويشحذ كاحليك بالبوص الليّن،

يحضنك فتنسى،

مقهاكَ، وحيدٌ مثلك

وحيدٌ بدونك

منسيٌ في وحشة الرصيف

 

محتشدٌ بأحلام الانتظار والفقد

جراحُ قلبِه مندلعة في لامبالاةِ العابرين

يُحدِّقُ في خطواتهم

منتظراً يداً تحطـُ على ذراعه المتروكة

مقهاكَ

ينتظرك

مثل غابةٍ مكنوزةٍ بطيور الوحشة”

***

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى