فكر وثقافة

أكذوبة المدينة

من دلتا مصر القديمة إلى صخور وقمم إدنبرة: تقاوم المدينة حلم البشر بالانفصال عن الطبيعة

  • سام جرينسيل*
  • ترجمة: د. علي بن حمزة غراب
  • تحرير: بلال الخصاونة

تقع مدينة الإسكندرية القديمة على شريط ضيق من ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الغرب من دلتا النيل. من الجنوب توجد بحيرة مريوط والتي كانت تحيط بالمدينة في يوم من الأيام بشكل محكم، ولكنها انحسرت خلال القرن الماضي حيث تم استصلاح الأراضي للزراعة ولإنشاء مطار الإسكندرية الدولي. في عام 1921 وخلال فترة الانتداب البريطاني، وُضع مخطط رئيسي جديد للمدينة. أعده ويليام إتش ماكلين (William H McLean)  وهو اسكتلندي عمل في التخطيط الحضري خلال استعمار الشرق الأوسط: كان أيضا مهندس تخطيط المدن في الخرطوم، وأعد أيضًا مخططًا رئيسيًا للقدس. في رؤيته للإسكندرية، رسم ماكلين مخطط توسعها باتجاه الشرق والغرب، مقتنعًا بأن أي أرض مستصلحة من بحيرة مريوط ستكون مخصصة للزراعة بدلاً من السكن. وفي حقيقة الأمر المدينة الآن تبدو ممتدة على طول الساحل بدلاً من اتساعها داخلياً نتيجة لهذه الخطة.

الشيء الآخر المدهش والملفت في شكل الإسكندرية هما خليجاها. عندما أسس الإسكندر الأكبر الإسكندرية في القرن الرابع قبل الميلاد، كان موقع المدينة عبارة عن خليجٍ كبيرٍ في وسطه جزيرة تسمى فاروس. في القرن الثالث قبل الميلاد، بُني طريق للجزيرة.  بمرور الوقت، تحولت فاروس من جزيرة إلى رأس شبه جزيرة نظراً لتأثير البحر الابيض المتوسط على التربة الأصلية. وعلى جانبي شبه الجزيرة يوجد خليجا الإسكندرية. قبل بناء السدود على نهر النيل في القرنين التاسع عشر والعشرين، جرّ فيضانه السنوي الطين من النهر إلى الدلتا؛ وأدى ترسب الطين في ضفاف الأنهار وفي الدلتا النهر نفسها إلى تشكل واحدة ٍمن أكثر التُربِ خصوبة في العالم. هذه العملية ساهمت في اتساع دلتا النهر وتحوله إلى بحرٍ عاماً بعد عام، بالإضافة إلى التربة التي حملتها أمواج البحر الأبيض المتوسط ​​غربًا لتضيفها إلى الأرض التي تربط الإسكندرية وفاروس كانت أيضاً جزءًا من هذه الدورة.  كانت الأرض المائية لدلتا النهر تحمل قيمة زراعية بسبب هذه التربة الغنية التي يحملها النهر شمالًا، وبالتالي فإن سبب المطالبة بتخصيص الأرض المحيطة ببحيرة مريوط للزراعة بدلاً من النمو الحضري هو جزء لا يتجزأ من مجموعة معقدة من حركات الأرض والمياه.

إن الإسكندرية التي نراها اليوم على الخريطة أو من خلال صور الأقمار الصناعية تحمل السمات الواضحة للأفعال البشرية واللابشرية، حيث نشأت هذه السمات نتيجة للعمليات الممتدة لعدة قرون بين البحر والأرض والنهر والناس. لكن في الحقيقة نحن لا نتخيل نشأة المساحات الحضرية بهذه الطريقة.

التمدن “التحضر” هي أكذوبة نقولها لأنفسنا؛ جوهرها أنه يمكننا فصل حياة الإنسان عن البيئة، باستخدام الخرسانة والزجاج والصلب والتخطيط والبنية التحتية لتشكيل مساحة تفصلنا عن الطبيعة، متصورين أننا بذلك نحظر ونستبعد الأمراض والحيوانات البرية والأراضي الزراعية والريف والتلوث خارج حدودها. يتم الحفاظ على هذه الفكرة من خلال إخفاء البنية التحتية وتقسيم المساحات ودفن الأنهار وتصور الاحتمالات الحضرية الجديدة، ويطال ذلك حتى القصص التي نرويها عن المدن. تنكشف هذه الكذبة عندما نرى البيئة تؤكد نفسها كلما امتد المحيط الخارجي للمدينة الى داخلها، مسقطةً هذه المقاييس من أعيننا.

تعد المدن مواقع يمكن التعرف عليها ماديًا وغالبًا ما تكون منفصلة بوضوح عن المساحات المحيطة بها. قد تكون محاطة بجدران تحدد حدودها أو أحزمة خضراء يحظر فيها البناء أو تخضع لرقابة شديدة. حتى عندما تحيط أحياء الضواحي الكبيرة بالمدينة، فغالبًا ما يكون لها أنظمة إدارة منفصلة. ومع ذلك تعتمد جميع المدن على مناطق أكثر اتساعاً تقع خارج حدودها المعلنة. حيث أنه يجب إحضار كل ما يلي أو بعضه على الأقل من خارج المدن وذلك لدعم التمدن ” التحضر”: الغذاء والماء ومواد البناء (الخشب والحجر وما إلى ذلك) والعمال والتجار وبضائعهم ومواد الإنتاج الخام (الصوف والقطن إلخ) والطاقة (على شكل مادة سيتم استهلاكها، مثل النفط أو الفحم ، أو على كابلات متصلة بمركز إنتاج مثل محطة توليد الكهرباء أو مزرعة الرياح).

مثل هذا الجدل حول المدن – على الأقل في الثقافات الناطقة بالإنجليزية – يعيد ابراز المجابهات بين روبرت موسى وجين جاكوبس في منتصف القرن العشرين. يُصوَّر موسى على أنه مُخَطِّطٌ نموذجي يسعى للسيطرة على المشهد الحضري لنيويورك من خلال البيئة المبنية، ضارباً بآراء معارضيه عرض الحائط. من ناحية أخرى يُنظر إلى جاكوبس على أنه بطل حياة الشوارع، مجادلاً بأن الناس العاديين – الذين يُمنحون حرية الاختلاط في حياتهم اليومية – هم في أفضل وضع لبناء النظام في المدينة. تعتبر هذه المواجهة المستمرة بين نماذج التمدن – من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى – مركزية في التفكير الحضري المعاصر، لكنها تستبعد غير البشر. ينظر كل من جاكوبس وموسى إلى المدينة بشكل أساسي ككيان صنعه البشر يتميز برؤية إنسانية. هذا هو الافتراض الأساسي الذي أود إعادة النظر فيه.

هذا لا يعني أن جميع المفكرين الحضريين في القرن العشرين كانوا يستبعدون غير البشر. ميز الفيلسوف هنري لوفيفر بين المساحات الحضرية والتحضر كعملية.  تنبأ أنه في وقت ما سيشكل الأخير جميع أنماط الحياة على نطاق كوكبي. يرى المؤرخ المعماري سيجفريد جيديون وعالم التحضر لويس مومفورد أيضاً أن التقنيات الحضرية التي تستحوذ على المكان والزمان. تتبع الباحث الأدبي ريموند ويليامز الفصل الثقافي بين المدينة والريف. لكن كل هذا العمل لم ينجح في تحويل الفكرة الشعبية للمناطق الحضرية باعتبارها مساحات بشرية، مفصولة بمحيطها عن الخارج غير البشري. في الواقع ومن خلال الادعاء بأن العمليات أو التقنيات الحضرية قد تتوسع للسيطرة على بقية العالم ، يعزز بعض هؤلاء المفكرين التباين التاريخي المتخيل بين المدينة والطبيعة.

حتى عند التفكير في التجارب غير البشرية للتمدد الحضري، قد يكون من الصعب تجاوز فكرة أن المدينة في جوهرها بشرية. في عام 2016م ركز ديفيد أتينبورو في الحلقة السادسة من مسلسله التلفزيوني Planet Earth II المعروض على قناة BBC  لمتابعة الحيوانات في جودبور وروما ونيويورك ومومباي. تم تشجيع المشاهدين على التفكير في كيفية قيام البشر بتشكيل هذه المساحات لتكون أكثر ملاءمة للعديد من الأنواع والكائنات التي تعيش معًا. ولكن حتى في هذه الحالة تظل الإنسانية هي مهندس المدينة. توصف نيويورك بأنها “أكثر الأماكن المصطنعة -غير الطبيعية – على وجه الأرض”. إذن ما يظهر في الواقع هو نسخة جديدة من الأكذوبة، باعتبار أن الإنسانية هي القوة المهيمنة في انشاء موطن معقد متعدد الأجناس.

قد تتساءل لماذا أصفها بأنها أكذوبة؟ بالتأكيد المعماريون والمخططون والمهندسون والسلطات البلدية يصنعون مدننا. إذا كنت أدعي أنهم لا يفعلون ذلك، فربما تقولون: هل أحاول مساعدة البشر على التخلص من اللوم عن التأثير البيئي للتحضّر؟ سأبدأ تناول السؤال الأول بتحليل الكذب بعمق أكبر قبل العودة إلى السؤال الثاني في الخاتمة.

هناك ثلاثة جوانب رئيسة للطرق الزائفة التي تُصوِّر المدن والتي أحاول تحديدها هنا:

  • أولاً: أن البشر وحدهم هم من ينشؤون المدن.
  • ثانيًا: أن الباعث على عمليات التحضر للمدينة هو العالم الطبيعي الواقع خارج حدودها.
  • وثالثاً: أن المدينة هي نموذجٌ كليٌّ مجرّد وكل الحالات الجزئية هي تمثيل له.

الجانب الأول هو لبُ الأكذوبة وأبسط اجزائها، لكنه يعتمد على الجانبيين الآخرين لتماسكه.

لمساعدتنا على التفكير في الجانب الأول، دعونا نلقي نظرة على مثال محدد: مدينة إدنبرة وهي عاصمة إسكتلندا في المملكة المتحدة. لا يمكن لأي زائر يتجول في المناطق السياحية الرئيسية أن يفوت الدور الذي تلعبه الطبوغرافيا في شكل المدينة. حيث تعتبر القصبة البركانية هي قلب المدينة القديمة، يفصلها مضيق قديم عن المدينة الجديدة تشغله الآن محطة السكك الحديدية Waverley. عُرف هذا المضيق باسم بحيرة نور ولخ وكان مليئًا بالمياه، حيث كانت جزء من دفاعات البلدة خلال القرون الوسطى. وكجزء من التوسع الشمالي للمدينة الذي أدى إلى إنشاء المدينة الجديدة، تم ردم البحيرة ودفنها وذلك لإنشاء حدائق شارع الأمراء.  بالإضافة إلى القصبة البركانية تبرز بوضوح التلال الستة مشكلة المناظر الطبيعية الأوسع للمدينة وهي:

Arthur’s Seat, Blackford Hill, the Braid Hills, Calton Hill, Corstorphine Hill and Craiglockhart Hill

إذا صعدت إلى أحد هذه التلال المرتفعة يمكنك أن ترى ما وراء المدينة مرتفعات البنتلاندز باتجاه الجنوب الغربي، وخليج فورث وبعض التلال الأخرى باتجاه الشمال.

تقع إدنبرة في منطقة منخفضة تطوقها تلالها السبعة، مطورةً علاقتها الجغرافية بالمناطق المحيطة بها. إذ لو كان هذه المنطقة بدون تلال فلن تتمتع بالمواصفات الدفاعية المثلى لبناء قلعة بها وتطوير المدينة المرتبطة بها. تأتي كلمة إدنبرة ذاتها من جذر سلتي يعني “حصن على منحدر”.

لكن الجغرافيا ليست سمة ثابتة للعالم من حولنا، إنها في حد ذاتها نتاج عمليات متعددة. تشكلت التلال والوديان التي بنيت عليها إدنبرة على مدى قرون بفعل حركة بركانية وجليدية. إذا اعترفنا بأن القصبة البركانية والتلال الأخرى قد لعبت دورًا في تشكيل مخطط إدنبرة، فقد اعترفنا أن براكين ما قبل التاريخ والأنهار الجليدية أيضا تأتي ضمن القوى التي شكلت المدينة، حتى لو كانت قد اختفت قبل فترة طويلة من استقرار البشر في هذه التلال.

قد يدعونا هذا الإحساس بالزمن الجيولوجي ودوره في إنشاء مدينة معينة إلى وقفة للتفكير في إدنبرة، لكن ربما نعود إلى الجانب الثاني والثالث من الأكذوبة. يمكننا تعريف التحضر بأنه: “عملية بشرية غير مرتبطة بمجال منفصل عن الطبيعة” ويمكننا أن نجادل بأن الطبيعة الخاصة لحقيقة المدينة ليست بنفس أهمية المدينة بمعناها العام المجرد. هذه الأجزاء من الأكذوبة هي التي حافظت عليها وزودتها بالدفاعات ضد النقد الذي يسهل إثباته بأن بعض جوانب شكل المدينة – مثل التضاريس – تتعلق بعمليات غير بشرية.

يشمل التحضر – وهو مجموعة العمليات المعقدة التي يتم من خلالها بناء الحياة في المدينة ودعمها – منطقة أوسع بكثير من المدينة. وكما ذكرنا سابقاً فإن المدن تحتاج إلى المياه والطاقة والمواد والغذاء بما يتجاوز بكثير ما يمكن أن تكتفي به ذاتياً، مما يؤدي إلى استخراج ما تحتاجه المدن من مناطقها النائية بمحاذاة بنيتها التحتية. هذا النوع الدقيق المتفحص من النظر يبين كيف أن المدينة تتغذى من عالم منفصل حولها. لكن هذه العمليات هي شيء يحدث للعالم الطبيعي والريفي بقدر ما يحدث للمدن – فكلما كان المرء قريباً بنظره، كان من الصعب عليه تمييز ذلك. والسؤال هنا أين تنتهي حدود المدينة وأين تبدأ أراضيها؟ وهل العمليات داخل المدينة تعيد تشكيل البيئة، أم أن المدينة نفسها نتاج تغييرات بيئية؟

أشار المؤرخون البيئيون مثل ويليام كرونون ودبياني بهاتاشاريا إلى عدم وضوح هذه الاتجاهات. في كتابه Nature’s Metropolis: Chicago and the Great West (1991) أظهر ويليام كرونون أنه يتعين علينا قراءة التاريخ الزراعي للغرب الأمريكي كما هو مضمن في تاريخ المدينة، حيث يتغذى سكان الحضر المتزايدون على البروتين المأخوذ من الماشية التي ترعى في السهول. هذه ليست مجرد مسألة مدينة تعتمد على محيطها الريفي، فتطور النظم الزراعية في الغرب كان هدفها إطعام هؤلاء السكان، معتمدة على تدفقات الأموال المتولدة في العاصمة. مؤخراً كشفت المؤرخة ديبجاني بهاتشاريا في كتابها الإمبراطورية وعلم البيئة في دلتا البنغال (2018) التاريخ المائي لكلكتا. حيث تعقبت التاريخ المنسي للمضاربة على الأراضي واستصلاحها والتي شكلت أساسًا للمدينة. أظهر هؤلاء المؤرخون أن المدينة والمناطق النائية يصنعان بعضهما البعض، بدلاً من أن يكون أحدهما طفيليًا على الآخر.

من جهة أخرى، روج أخصائيو التحضر نيل برينر وكريستيان شميد مفهوم التحضر الكوكبي. مستندين في ذلك على الحجج السابقة لعالم الاجتماع هنري لوفيفر بأن عملية التحضر ستصل قريبًا إلى كل جزء من العالم. يرى كل من برينر وشميد ان الوقت قد حان وأن كل جزء من الكوكب مرتبط الآن بطريقة ما بهذه العملية. حتى في الأماكن النائية، يسعى البشر إلى استخراج المعادن والأغذية والمواد لتغذية أنماط حياتهم الحضرية، سواء كانت معادن ثمينة للهواتف المحمولة أو فوسفورًا للزراعة عالية الكثافة أو سمك التونة على مائدة العشاء. وفي الوقت نفسه، يمكن العثور على البلاستيك من الذي صنعه الإنسان في كل مكان، حتى في أعمق خنادق المحيط. لا يرمي هذ الرأي إلى أن كل مكان هو مدينة ولكن لم يعد هناك أي مكان بمنأى عن التحضر وعملية إنشاء المدن ودعمها.

يثير الجمع بين هذين الاتجاهين من الأفكار سؤالًا:

هل للمدن حدودٌ خارجيةٌ حقاً؟ أم أنه كان لديها هذه الحدود في وقت من الأوقات ثم فقدتها؟

هذه مسألة حية لعلماء المدن، لكنني أرى هنا أن أي اتجاه من هذا القبيل لم يكن واضحًا على الإطلاق. فطالما ارتبطت جميع المدن بعلاقات معقدة مع أماكن أخرى، بعضها كان مرتبطًا بها بقوة والبعض الآخر بشكل أقل. هذه أكثر من مجرد مسألة اعتماد المدن على المناطق النائية. حيث ارتبطت المدن – لفترة طويلة جداً – بشبكات ثقافية واقتصادية وسياسية ببعضها البعض وكذلك بالأراضي الزراعية المحيطة بها.

كل هذا يشير إلى أن عملية التحضر جزء لا يتجزأ من أنظمة الحياة الأخرى على هذا الكوكب، ولا يمكن فصلها وتحييدها بسهولة. كما أن ارتباط المدينة بأماكن أخرى لا يعني أن العمليات الحضرية تتوقف عند حدودها. ربما يكون من الأفضل أن نفكر في الأمر كما وصفه الجغرافي دورين ماسي على أنه تركيز كثيف للمسارات والحركات المتقاطعة. فالمدينة ليست خلية بقدر ما هي عُقدةٌ من الخيوط.

ماذا عن المدينة المجردة؟ يدَّعي هذا الجزء الأخير من الأكذوبة أن هناك شيئًا مميزًا في حياة المدينة أدى إلى ولادة الحضارة الإنسانية، وبالتالي يجب اعتبار المدينة موقعًا بشريًا بامتياز. في هذه الحالة يكون ادعاء الانفصال عن الطبيعة أقل ماديةً وأكثر فلسفيةً: إن البشر فصلوا أنفسهم عن الحيوانات من خلال صنع منزلهم الخاص بهم. من وجهة النظر هذه، تشترك جميع المدن في خصائص معينة تمنح الحياة الحضرية ثرائها. وعلاوة على ذلك يختلف هذا اختلافًا جوهريًا عن جميع طرق المعيشة الأخرى، مثل الريف أو الضواحي أو البدو.

كما رأينا بالفعل فإن المدن تعتبر أماكن معقدة تلتقي فيها مسارات متعددة.  وبغض النظر عما إذا كانت حضرية أم لا فان ذلك ينطبق على جميع الأماكن وبنفس الدرجة. ولكن من منظور الإنسان، يبدو أن المدن تعتبر مرتكزاً خاصاً للأنشطة المكثفة. إنها الأماكن التي يمكننا من خلالها التعامل مع مئات الآلاف أو حتى الملايين من زملائنا، بينما في الضواحي أو المناطق الريفية أو البرية من المحتمل أن نواجه عددًا أقل من الناس بشكل تدريجي. قد يكون مفهومك عن العدد الكبير من الناس يعتمد على المكان الذي تعيش فيه، حيث يعيش ما يقرب من ٧٪ من سكان العالم في مدن يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة، لكن حوالي 26.5٪ يعيشون في المدن أقل من ٥٠٠ ألف نسمة. ما يقرب من نصف البشر لا يعيشون في المناطق الحضرية على الإطلاق. عندما تتخيل مدينةً، قد تتخيل ناطحات السحاب أوالمستوطنات العشوائية في مومباي، أو عظمة روما القديمة، أو شبكة شوارع مانهاتن، أو دبي كجوهرة لامعة في الصحراء. أو قد يكون أول ما يتبادر إلى ذهنك هو مدينة نشأت فيها أو بالقرب منها، حيث يعتبر المكان الأول الذي واجهت فيه تجمعاً كبيراً للناس معًا.

بالتأكيد إن كل هذه الأماكن مرتبطة ببعضها البعض من خلال التحضر. لكنها أيضاً تتباين فيما بينها بشكلٍ كبير جداً، إذ تختلف تضاريسها ومناخها واقتصادها وحياتها البرية. وهذه ليست مجرد تفاصيل عن حياة المدينة: تتمتع المدينة الطلابية بجو مختلف تمامًا عن ميناء أو مركز تجاري، ستشعر في إدنبرة المسطحة وكأنها مكان مختلف مثلها مثل الإسكندرية التي شغلت الأرض الواقعة جنوبها. إننا ومن خلال استعانتنا بقوى أخرى لصنع المدن نكون قد زعزعنا استقرار فكرةَ تصنيفِ المدنِ كفئاتٍ مجردة.

تعد مدننا جزءًا من العمليات الطبيعية مثلها مثل مزارعنا ومصائد الأسماك

فكر مرة أخرى في مدينتك، المدينة التي تبادرت إلى ذهنك أولاً عندما سمعت هذه الكلمة. ليس شرطاً أن تكون إحدى المدن التي قمت بزيارتها – لأن بعض الأشخاص يعتبرون المدن الحديثة أيضًا رموزاً ثقافيةً حتى لو لم يروها مطلقًا – تخيل شوارعها ومبانيها وأشخاصها. ما تتصوره هو مكان معينٌ أو على الأقل فكرة عن ذلك المكان. وكلما عرفته بشكل أفضل كان أكثر تحديدًا وأقل تجريدًا. معظم هذه التفاصيل التي تصورتها لا علاقة لها بالمدن بشكل مجرد، ما يمنح إدنبرة أو الإسكندرية نكهة خاصة هو شخصيتهما الفريدة المميزة، وليست الأشياء التي يتشاركونها. لذا بينما قد تتشارك المدن في عملية التحضر، فإن الأشياء التي تبقى عالقةً في ذاكرتنا عندما نفكر في أي مدينة معينة هي خصوصياتها، وبالتحديد تلك الأمور التي لا يمكن تجريدها. ليست العمليات المادية الحقيقة التي صنعت المدينة هي التي تجعلها فريدة ومميزة فقط، ولكن أيضًا حياتها الثقافية وصورتها الخاصة بها. لذلك عندما نفكر في المدينة على أنها حزمة من الخيوط، يجب أن نكون على دراية بمميزات هذه الخيوط وترتيبها الفريد في هذا المكان المحدد.

كيف يساعدنا كشف هذه الأكذوبة؟ أليست هذه مسألة تهم فقط المخططين والمعماريين والمهندسين وصناع المدينة؟ ألا يجب أن نترك بناء المدينة لخبراء مثل ويليام ماكلين؟

للإجابة على هذه الأسئلة يجب أن نعود إلى الإسكندرية.

تعد الإسكندرية من بين جميع مدن العالم الأكثر عرضة لارتفاع مستوى سطح البحر وذلك بعد تراجع ساحل دلتا النهر في زمننا الحالي. بحلول عام 2070م يُتوقع أن يكون أكثر من 4 ملايين شخص معرضين لخطر الفيضانات. يتقلص الشريط الرقيق من الأرض بين البحر والبحيرة حيث يستعيد البحر الدلتا. هذا ليس فقط جزءًا من التاريخ العالمي لتغير المناخ مدفوعًا بالوقود الأحفوري، ولكنه أيضًا تاريخ إقليمي للتغيرات في نهر النيل التي قللت من قوة الفيضان وكمية الطين التي تحملها إلى دلتا النهر كل عام. تم قطع قدرة النهر على بناء الأرض من خلال المحاولات المتكررة لإعادة هندسة تدفقه إلى شيء يمكن التنبؤ به بشكل أكبر، وبدون الثروات الكاملة للفيضان، تبقى دلتا النهر في تغير مستمر. تتشابك مدن مصر في هذا التاريخ البيئي النامي كجزء من المناظر الطبيعية البرية والمائية للدلتا. إن تخيل وجود حدودٍ بين التحضر والبيئة يمكن أن يعمينا عن العلاقة المتبادلة بينهما. حيث أنه لا يمكن أن تصمد الأسوار المتخيلة لمدننا.

إن الانفتاح على القوى المتعددة التي تصنع المدن لا يعني التخلي عن أي شعور بالمسؤولية تجاه العالم من حولنا. في الواقع، فإن الأكذوبة التي مفادها أننا منفصلون عن هذه القوى يمكن أن تحافظ على الموقف المستخلص تجاه البيئة. إذا كانت مدننا جزءًا من العمليات الطبيعية مثل مزارعنا ومصايد الأسماك، فعلينا أن نتعلم كيفية عمل هذه العلاقات بشكل واعٍ وجديد. إن كشف الأكذوبة وتجريدها سيُظهر لنا الضرر الناجم عن الأفعال البشرية بشكل أوضح مما كنا نعتقد.

إذا أردنا أن نعيش في العالم، يجب أن نرى مدننا بشكل واقعي كتجمعات بيئية معقدة. من خلال تعلم كيفية رؤية الطرق التي ساهمت بها كل من الأرض والمياه والمناخ وأشكال الحياة الأخرى والمواد في صناعة المدن وتكوينها جنبًا إلى جنب مع البشر، يمكننا أن نبدأ في فهم كيفية العيش بشكل أفضل مع الكائنات من حولنا. ساعين بأحلامنا للمستقبل التي تنقذنا فيه التكنولوجيا من الانهيار البيئي إلى الحفاظ على الحدود الراسخة بين الناس والبيئة، المدينة والريف، التحضر والحياة البرية. لكن هذه الثنائيات لا تعكس الطرق المتعددة والمتشابكة التي تتكون من خلالها المدن والمَواطِن والأشخاص. لقد حان الوقت للمضي قدماً في تعلم طرق جديدة تساعد في إدراك مفهوم المدينة.


  • سام جرينسيل: مؤرخ في مجال علم البيئة الحضرية

صورة المقال: خريطة لميناء الإسكندرية ، مصر ، من كتاب البحرية (كتاب الملاحة) لبيري ريس ، نُشرت لأول مرة عام 1521

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى