عام

الشّاي الصيني والرأسمالية

  • أندرو ليو
  • ترجمة: أسامة الناصر
  • تحرير: سهام سايح

اعتُبرت تجارة الشّاي في الصين من المفارقات العجيبة: صناعة غزت العالم بكلِّ قوة دون أيِّ تدخل لآلات المصانع والتكنولوجيا التي عرفها العالم في ذلك الوقت.

لم تعرف أوروبا أوراق الشّاي حتى استوردها التّجار الهولنديون عام 1609، ولكن بحلول أواخر القرن الثامن عشر، كانت شركة الهند الشرقية الإنجليزية، مدعومة باحتكار الحكومة، قد سيطرت على ما أصبح يُعرف باسم “تجارة كانتون”. فالشّاي رمَّز إلى المكانة العالمية للحضارة الصينية في العصر الذهبي للقرن الثامن عشر، فلقد جعلت منه الطبقة الأرستقراطية والبرجوازية الأوروبية سلعة آسيوية فريدة، وأحدث ما عرفه الفن من غرابة، كالخزف والحرير الشرقي المعروف باسم “chinoiserie” أو الزخرفة الصينية. يرمز الشّاي إلى العظمة المادية للإمبراطورية السّماوية الموقرة، والتي أعجبت بها القوى الأوروبية الشابة وسعت إلى الحذو حذوها.

على مدار القرن الثامن عشر، تضاعف متوسط ​​استهلاك الأسرة الإنجليزية من الشّاي الممزوج بالسكر والحليب خمسة أضعاف، وارتفعت الأرباح بشكل كبير. كان الطلب على الشّاي قويًّا جدًا لدرجة أنّه شجّع بريطانيا على إنشاء سوق عالمي بإدارتها، وكانت ضرائبها تمثل عُشر عائدات التاج البريطاني، وضمنت توسعها في جنوب آسيا وأعلن المدقق العام لعائدات شركة الهند الشرقية في عام 1830: “الهند تعتمد كليًا على أرباح التجارة الصينية”.

والجدير بالذكر بأنّ البريطانيين لم يكن بإمكانهم تلبية إلاّ القليل من طلبات التجار الصينين. لذلك، بحلول أواخر القرن الثامن عشر، بدأ المسؤولون الاستعماريون البريطانيون في تهريب الأفيون الهندي إلى مدينة كانتون الساحلية (المعروفة الآن باسم قوانغتشو). وعندما حاول إمبراطور دوغوانغ 1820- 1850، فرض حظر طويل الأمد على المواد المخدرة، أعلن المسؤولون والتجار البريطانيون الحرب عليه بذريعة الدفاع عن حرية التجارة وانتهت تلك الحرب غير المتكافئة التّي سمّيت بحرب الأفيون الأولى (1839-42) بانتصار بريطانيا ودشّنت تلك الحرب ما يُعرف اليوم في الصين باسم “قرن الإذلال”. ببساطة، ساعد الشّاي في ازدهار الإمبراطورية البريطانية مقابل تراجع وتأخر الصين وسلالة تشين لزمن طويل وربما لم تغسل عار الاستعمار والهزيمة العسكرية إلاّ مع وصول الحزب الشيوعي للسلطة عام 1949 كما تخبرنا معتقداتهم القومية.

كانت الصين سبّاقة في زراعة نبات الشّاي منذ أكثر من 1000 عام وهو منتج طبيعي عجيب أتّقن الحرفيون صناعته بشق الأنفس. بأي حال، دخلت بريطانيا في المنافسة على هذه النبتة بسفن حديدية ومدفعية قوية ودعمِ من أول ثورة صناعية في العالم. وفي هذه المرحلة توقع كلا من علماء الإمبراطورية الأوروبية وآسيا الحديثة صعود الغرب بقوة وتراجع الصين في هذه التجارة.

في الواقع فإنّ تجارة الشّاي بعد حرب الأفيون لديها بعض الأخبار الهامة عن تاريخ الرأسمالية. عند النظر إلى ما وراء عالم شمال الأطلسي، بالتحديد إلى مناطق الشّاي في الصين في القرن التاسع عشر، فالرأسمالية الحديثة استمرت في التطور وأصبحت ذات طابع عالمي. حتّى إنّ تراكم رأس المال في مناطق الصين النائية لم يعتمد على الابتكار التكنولوجي ولا على العلاقات الطبقية الخاصة، ولكنّه استند فقط على الفهم الاجتماعي الجديد للمنافسة مع العالم. بعد كل هذا، فإنّ نظام الموانئ الصينية الذي تمّ إنشاؤه بعد حرب الأفيون الأولى لم ينبئ بزوال صناعة الشاي بل بتوسعها.

وفي الفترة المتبقية من القرن التاسع عشر ارتفعت صادرات الشّاي بشكل أكبر،مع انضمام المشترين من أوروبا والولايات المتحدة إلى البريطانيين. وبحلول أوائل القرن العشرين، استقطبت تجارة الشّاي الكثير من عائلات الفلاحين والنّساء والأطفال والعمال والحمّالين للعمل في الأرياف والموانئ أكثر من أي صناعة ريفية قديمة. وردًا على ذلك، ظهرت صناعات منافسة في الهند البريطانية وسيلان واليابان وتايوان وجزر الهند الشرقية الهولندية،ولكن عندما يغمض التاريخ عينه عن الصين إلى أي بقعة أخرى، كانت تجارة الشّاي الصيني تزدهر بشكل مذهل من أي وقت مضى.

تُمثل تجارة الشّاي الصيني في الواقع نقطة دخول الصين إلى الرأسمالية العالمية. وتمّ مُقايضتها بشكل مباشر وغير مباشر بأفيون باتنا والفضة البيروفية والسكر الكاريبي والمنسوجات الإنجليزية والأرز البورمي. شكّل هذا النّشاط أول تقسيم عالمي حقيقي للعمل،مستندًا على تخصص الأقاليم في المحاصيل التي تدرُّ المال على المستعمرين أو كما قال ويب دي بويز في كتابه البناء الأسود (1935): “بحر مُظلم وواسع من العمال في الصين والهند وبحر الجنوب وكل إفريقيا وفي جزر الهند الغربية وأمريكا الوسطى والولايات المتحدة الجميع ينتجون المواد الخام وكل ما يحتاجه العالم من القطن والصوف والقهوة والشّاي …”؛ أعاد هذا التقسيم العالمي للعمل أيضًا تشكيل الرِّيف الصيني بطرق ديناميكية وجديدة.

كان الخبراء الغربيون طوال القرن العشرين ينظرون إلى الصين على أنّها مجتمع “ما قبل الرأسمالية”، لأنّ الرأسمالية كانت بالنسبة لهم التصنيع والابتكار والمحركات التي تعمل بالفحم ومصانع الصلب والتقدم الهندسي الكيميائي والميكانيكي.فكلُّ هذه الاختراعات التكنولوجية التي استحوّذ عليها الغرب وحُرمت منها الصين ميّزتها عن بقية العالم وجعلت الصين ومعظم آسيا في عصر ما قبل الرأسمالية.

فنظرةٌ من بعيد، تؤكد تجارة الشّاي الصينية في القرن التاسع عشر هذا الرأي، حيث استمر التجار والفلاحون في استخدام الأدوات والتقنيات التقليدية وكان الرُّهبان البوذيون خلال عهد أسرة تانغ (618-907) أول من باع الشّاي بانتظام، وكانت الأساليب القديمة تحتاج إلى عُمال كثر، مثل تعبئة الأوراق فيما يشبه علبة البسكويت أو طحنها إلى بودرة ناعمة (الطرق التي لاتزال قائمة حتى اليوم مثل شاي يونان بوير أو شاي الماتشا الياباني). تمّ توثيق الصنف المشهور ذو الأوراق السائبة المحمّصة لأول مرة في عام 1539، قبل عقود فقط من تصديره لأول مرة إلى الغرب. جاءت أصناف الشّاي الأخضر من هويتشو في مقاطعة آنهوي الجنوبية الشرقية، حيث أرّخت السجلات اختراعها إلى عصر لونغكينغ (1567-1572)، وانتقلت الطريقة جنوبًا إلى جبال وويي في شمال غرب فوجيان، حيث ابتكر الرُّهبان مجموعة جديدة من الأوراق الداكنة شبه المؤكسدة معروفة عالميًا باسم “الشّاي الأسود”.

وفقًا لأصحاب الدراسات الاجتماعية في القرن العشرين، كانت المرحلة الأولى من إنتاج الأوراق السائبة تتكفل بها أسرُ الفلاحين وخاصة النساء، حيث تقوم بزراعة الأوراق وقطفها ثم تحميصها برفق لمنع الأكسدة الزائدة. قامت هذه العائلات بتسخين الأوراق في نفس مقالي المطبخ التي استخدموها لطهي وجباتهم ثم حملوها في أكياس كبيرة إلى السوق،وهناك أدرك التجار المقايضون، قيمتها المالية وأنّهم يستطيعون بكل بساطة انتظار الفلاحين، لأنّ الأوراق كانت تتعفن ببطء داخل الأكياس. تكفّل التجار بعملية التنقية في ورشهم المؤقتة، وعادة ما تكون في الغرف الاحتياطية داخل منازلهم أو المباني الصغيرة المستأجرة. لقد استأجروا مجموعة من العمال الموسميين المحليين والمهاجرين من المقاطعات المجاورة لأداء مهام الغربلة والدرفلة والتحميص والتعبئة. لم تكن أدواتهم معقدة بل اقتصرت على سلال الخيزران والمواقد التي تعمل بالخشب.

لسنا بحاجة إلى تحديد التقنيات المتطورة لاكتشاف مدى انتشار “الروح الرأسمالية”

وعلى الرغم من أنّ تطوير الأدوات والتكنولوجيا كان سمة مميزة للصناعة الحديثة، فلا ينبغي لنا أن نركز عليها فقط ونتجاهل النشاط البشري والحياة الاجتماعية القائمة حينها، فمؤرخ الثورة الصناعية الأوروبية المخضرم دافيد لاندز كان أول من اهتم بالابتكار التكنولوجي وادّعى أنّ الدافع لزيادة الإنتاجية “لم يكن معروفًا” في الإمبراطورية الصينية بل كان الانشغال حسب رأيه هو فضيلة عند الصينين. وفي كتابه ثورة في الزمن (1983)، أشار إلى غياب الساعات الميكانيكية وأجهزة ضبط الوقت في الصين التي عرفتها أوروبا، حيث يمكنها قياس الإنتاجية وتنظيمها بدقة.

ومع ذلك، يُظهر لنا التاريخ الصيني أنّنا لسنا بحاجة إلى تحديد تقنيات متطورة محدّدة لاكتشاف مدى انتشار ما أطلق عليه ماكس فيبر “الروح الرأسمالية” أوالإيمان، كما قال فيبر (نقلاً عن بنيامين فرانكلين) أنّ “الوقت ثمين”. كان هذا هو الحال بالفعل في الصين – ما بعد حرب الأفيون-، وهو مجتمع زراعي تجاري تم دفعه بسرعة نحو الإنتاج والتّنافس مع السوق العالمية الصناعية على نطاق جديد. يمكننا أن نأخذ، مثالًا واضحًا عن الأساليب المميزة لضبط الوقت التي كانت مستخدمة بالفعل في مناطق الشّاي الصينية والتي على الرغم من كونها بعيدة كل البعد عن التطور، إلا أنّها تطورت بلا شك على مدار القرن التاسع عشر.

عمل صامويل بول كمفتش لشركة الهند الشرقية في ميناء كانتون الجنوبي في السنوات العشر الأولى من القرن السابع عشر. ومع أنّه لم يشهد أبدًا إنتاج الشّاي بشكل مباشر، إلا أنّه تعلّم من المخبرين أنّ المشرفين في ريف آنهوي يُنظمون إنتاج الشاي باستخدام جهاز غريب لضبط الوقت وعلى ما يبدو: أعواد البخور التي تحترق ببطء بمعدل منتظم وكانت هذه الأعواد ذات أبعاد مختلفة ولكنها صُممت بشكل عام لتدوم 40 دقيقة. تعود هذه الممارسة من حرق البخور أو نهايات الحبال إلى القرن الخامس في كلّ من الصين واليابان واعتمدت نفس المبدأ المستخدم في الساعات الرملية والمائية الموجودة في أماكن أخرى من العالم القديم. تشير الأدلة المتقطعة إلى أنّ البخور كان يستخدم لتنظيم الوقت في مناجم الفحم وريِّ المزارع في الصين الحديثة أيضًا.

في كتابه “حسابات زراعة الشّاي وتصنيعه في الصين” (1848)، كتب بول أنّ تُجار الشّاي الصينيين استخدموا أعواد البخور المحترقة لتتبع وقت المراحل المختلفة لتحميص الشّاي؛ “تم تنظيم وقت التحميص عن طريق أداة تسمى Che Hiang” (أو zhi xiang، والتي تعني “عود البخور”). لماذا كان من الضروري تتبع الوقت في عملية صنع الشّاي؟ في هذا، تشترك الصناعة الصينية في الكثير من القواسم المشتركة مع مزارع السكر الصناعية الوليدة في منطقة البحر الكاريبي،والتي نضجت في نفس الفترة تقريبًا. وفقًا لعالم الأنثروبولوجيا الأمريكية سيدني مينتز، الذي دوّن في كتابه الجمال والسلطة (1985) بأنّ هناك عاملان يفسران الإحساس الصناعي بالانضباط الزمني الذي ميّز هذه المزارع الكبيرة. أولاً، كان هناك ضغط طبيعي لمعالجة قصب السكر قبل أن يفسد، غالبًا في يوم واحد وثانيًا، شعر المزارعون بالضغط الاجتماعي لمنافسة السوق لتقليل تكاليف الإنتاج. يمكن ملاحظة ديناميكيات مماثلة على الجانب الآخر من العالم، في وديان وسط الصين.

نظرًا لأنّ أوراق الشّاي هي منتج طبيعي وقابل للتلف فإنّ جودتها تعتمد على التحميص والغربلة والدرفلة في الوقت المناسب. في الوقت الذي يحدثنا به بول، كان التجار يراقبون هذا العمل بكل صرامة للمحافظة على الشكل الطبيعي للمنتج النهائي. كانت الوحدات الزمنية بمثابة إرشادات، ولكن يمكن للعمال تعديل المدة حسب الحاجة. كتب بول: “على الرغم من أنّ التحميص يتم تنظيمه وفقًا لمقياس الوقت المخصص لـ che hiang، إلا أنّ هذه الأداة تستخدم كدليل أكثر من كونها قاعدة”. تمّ تزويد العمال بالعينات ومنحهم حرية التحميص لفترات أطول أو أقصر، حتى تكتسب الأوراق اللون والمظهر المناسبين، كما هو الحال في وصفة الطبخ.

نعلم أيضًا أنّه، بعد عقود من حساب بول، بدأ استخدام ضابط الوقت بالبخور لضبط العمل في المقاطعات الجنوبية من Anhui. جيانغ ياوهوا، تاجر من مقاطعة شي، هويتشو، كان يدير منشأة لتنقية الشّاي في مدينة تونكسي التجارية، حيث كان يشحن آلاف الجنيهات من الأوراق إلى شنغهاي كل ربيع. في كتيبه الخاص بإنتاج الشّاي، ذكر أنّ عمال التحميص سيقلِّبُون الأوراق أولاً في الهواء البارد حتى يتم استخدام “80٪ من البخور” ثم تسخينها لمدة “نصف عود من البخور”. وفي النهاية كان على العامل أن يترك القدر مباشرة فوق النّار لمدة حرق عودين وثلاثة أرباع من البخور.

لم تعد تنقية الشاي عملًا رتيبًا، بل إن الوقت الآن أصبح ينظم العمل بكل كفاءة.

اتبعت العملية الموضحة في كتيب Jiang حساب بول السابق من حيث اهتمامها بالحفاظ على معايير عالية الجودة للمنتج. ولكن الآن تم تصميمه أيضًا لإنشاء مسار كامل لـ 18 عود أي ما يعادل 12 ساعة عمل يوميًا. وضع جيانغ ياوهوا جدولًا زمنيًا يزيد من الإنتاج وفقاً لما لديه من عمال. وبعد عقود، قام دارس اجتماعي يُدعى Fan Hejun بزيارة مناطق شاي Huizhou وعلّق على عمل 18 عود بخور” في نهاية يوم شاق من التحميص، سيشعر العامل بنفاد قواه العضلية بشكل كامل”. ولاحظ فان هيجون أيضًا أنّ أعواد البخور تنظم أجور العمال:

فأجور كل سلة تعادل 15 سنتًا ويمكن للعمال المهرة تحميص أربع سلال في الوردية الواحدة وغير المهرة سلتين فقط في حدود 18 عود بخور.

وهكذا، على الرغم من أنّ تجار هويتشو استمروا في حرق أعواد البخور للحصول على أفضل منتج إلا أن التجار استخدموا الحرق لتنظيم العمل بهدف تعظيم الإنتاج أيضًا.

كتب Fan Hejun”طُلب من عمال التحميص الاتكاء على نار الموقد” حيث “يتعرض العامل حينها لحرارة الشمس وحرارة الموقد في نفس الوقت”. وقد وُصف مصنع تونكسي للشّاي في الثلاثينيات بأنّه “سلة بخار” (زيغن لونغ) ، وقال: “نظرًا لأن العمل شاق للغاية ، فإنّ العمال يصابون في كثير من الأحيان بضربة شمس ، إلى الدرجة التي تقتلهم”.

لماذا ضَغط التجار بكل هذه القسوة على العمال؟ الجواب باختصار،هو المنافسة، حيث ارتفعت صادرات الشّاي إلى أعلى مستوى خلال نهاية القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها عند 295 مليون جنيه إسترليني في عام 1886. ومع ذلك، بدأت الأسعار في الانخفاض في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر بسبب زيادة العرض من قبل منتجي الشّاي الصينيين. خلال تلك العقود الأولى بعد افتتاح الموانئ، نقل والد جيانغ ياوهوا، جيانغ وينزوان، تجارة الشّاي من كانتون إلى شنغهاي. وكتب إلى عشيقته: “إنّ العمل يعاني من أزمة وكل ما قمنا به يذهب أدراج الرّياح”. ومع نهاية القرن كانت مزارع الشّاي في شرق الهند وسيلان قد دمرت التجارة الصينية.

في البداية، لم يعرف التجار ما الذي حصل. كما كتب أحد مسؤولي تشينغ في عام 1887: “يبدو أولئك التجار تائهين وكأنّهم يمشون في الضباب ” وبحلول عام1903، يمكن لتقرير شنغهاي أن يعلن أنّه ” إنّ إنتاج سيلان الضخم من الشّاي يُصعِب على التجار الصينيين بيع بضائعهم”. وفي مواجهة تلك المنافسة، بحث جيانغ ياوهوا وتجار الشّاي الآخرون عن أي تدابير يمكن أن تخفض التكاليف.

فمناطق الشاي الأسود في جبال Wuyiلها نظام عمل مماثل. كما هو الحال في هوي تشو،حيث لم تتغير طريقة العمل هناك لقرون. ولم يستفد مسؤولي عمال جيانغشي، المعروفين باسم باوتو حتى من تقنية أعواد البخور. وبدلاً من ذلك، لجأوا إلى سلسلة من العادات و الخرافات لضبط العمال، وكثير منهم كانوا مزارعين بدوام جزئي من مقاطعة شانغراو التي تعاني الكساد. لاحظ الدارس الاجتماعيLin Fuquanفي الثلاثينيات من القرن الماضي هذه التقاليد وشجبها باعتبارها تصوفًا خرافيًا.

“العامل البطيء سوف يفرز الأوراق تحت مصباح زيت من الغسق حتى الفجر”

على سبيل المثال، أشار لين إلى أنّ مشرفي العمل في جبال وويي يعلنون كل يوم استراحةً جماعية للتدخين بدون موعد محدد لها وأثناء تلك الاستراحة يتم تسليم السلال إليهم لوزنها وتسجيلها على الفور. كان هذا الميزان بدائي ولكنه يعمل بشكل مشابه لأعواد بخور هويتشو. فكان المشرفون يحددون كمية الإنتاج لكل عامل وبالتالي يعاقبون أولئك الذين لديهم أقل عدد من الأوراق. كتب لين فوكوان: “يتم تحديد أجور العمل على أساس مبدأ الكفاءة، وفقًا لقواعد دقيقة ومكافآت وعقوبات واضحة.” ونذكر مرة أخرى،بأنّه لم تكن هناك ساعات ميكانيكية لفرض نظام الإنتاجية الجديد هذا على العمال.

بعد عملية النتف، تُترك الأوراق لتتأكسد في فترة ما بعد الظهيرة، مما يمنحها مظهرًا داكنًا مميزًا. وفي منتصف الليل،يتم إيقاظ العمال وإرسالهم إلى المعامل الداخلية، حيث يقضون الليل في تحميص وغربلة الأوراق تحت المراقبة الصارمة من المشرفين الذين كافئوا وعاقبوا بناءً على السرعة. يمكن للعامل السريع أن ينهي سبع سلال في وردية واحدة، والعامل البطيء أربعة فقط. عمليًا،مرحلة فرز الأوراق تحت مصباح الزيت من الغسق حتى الفجر هي الأبطأ،ثم في اليوم التالي، تبدأ ورديات نتف الأوراق في الهواء الطلق. لقد كان نظامًا صارمًا وصارمًا جدًا وخلدته أغنية مشهورة بين العمال:

بعد هطول الأمطار،

تتحول أفكاري إلى المزارع، يا للشفقة،

وتتوالى الأيام بين الشجيرات،

ثلاث ليال دون نوم.

وفقًا للاقتصاد الكلاسيكي والماركسي الجديد، كان من الممكن أن تنطلق الرأسمالية الحديثة فقط مع الاغتراب الكامل وتسليع الأرض والعمالة والمواد الخام، أي خصخصة الملكية العامة وتفكيك العقد الاجتماعي القديم القائم على الزراعة والعبودية والقنانة. عندها فقط سيجد الفلاحون والمحررون خاضعين تمامًا لضغوط السوق أو بشكل أكثر تفاؤلاً، عندها فقط يمكن للشركات تخصيص الموارد بكفاءة أكبر. وقد اعتبرت هذه الخطوات ضرورية لتعزيز الشعور الصناعي الحديث بالزمن والذي يتمُّ التعبير عنه بشكل كامل في الساعات الميكانيكية لضبط الإنتاج والعمل.

لكن في تجارة الشّاي الصينية، قام الفلاحون بزراعة شجيرات الشّاي على أراضيهم، وكانت الورش تعمل داخل منازلهم الخاصة. كان العمال إما أفراد أسرة غير مدفوعي الأجر أو عمالاً مهاجرين يعملون على أساس موسمي. تتعارض حقائق إنتاج الشّاي في الصين مع التجربة التاريخية الأوروبية والأمريكية لكل من الاقتصاد الكلاسيكي الجديد والماركسي. وهذا ما حرّض البروليتاريين والراغبين في تحقيق أقصى قدر من الربح ضد الشخصيات التقليدية (والاستعمارية) التي استغلت القنانة والمزارعين بطريقتها. ومع ذلك، استجاب التجار والمشرفون في مناطق الشّاي الرِّيفية لانخفاض الأسعار الدولية من خلال قياس وتنظيم وقت العمل بإتباع أسلوب صناعي من حيث الروح والجوهر.

تخبرنا مشاهد تجارة الشّاي هذه عن الحياة اليومية للفلاح الصيني في القرن التاسع عشر التي كانت مفعمة بالحيوية من خلال منطق السوق. عمد كتّاب الإمبراطورية الصينية الأوائل إلى وصف الريف على أنّه مجموعة من المزارع الصغيرة المستقلة. لكن الواقع الاقتصادي كان أكثر تعقيدًا. اعتمدت ورشة شاي جيانغ ياوهوا الريفية على القروض المسبقة من الممولين المقيمين في شنغهاي والموانئ الأخرى. وبالنسبة للأسر التي تزرع الشاي شكّل بالنسبة لها 60% من دخلها في المتوسط ​​، وحتى هذا الدخل بالكاد يكفي لإطعامهم. وعمدت الأسر في أشهر الشتاء في هويتشو غالبًا على اقتراض الحبوب، مقابل تقديم محاصيل الشّاي الخاصة بهم في فصل الربيع. في الواقع تمّ بيع الأوراق بالفعل إلى الباعة المتجولين قبل قطفها. وهكذا، على الرغم من تحذيرات مسؤولي تشينغ مثل بيان باودي (1824-1893)، الحاكم العام لفوجيان، للتخلّي عن المحاصيل النقدية والعودة إلى حياة الزراعة ذات الاكتفاء الذاتي،بكل بساطة لم تستطع هذه العائلات تلبية احتياجاتها الخاصة.وللبقاء أحياء، كانوا بحاجة إلى المنافسة الشديدة مع الآخرين في كل أرجاء آسيا.

فالتركيب الاجتماعي والإحصائي مع الديناميكيات الاقتصادية الحديثة بشكل مشابه ميّزت إنتاج العديد من السلع الأخرى التي تطورت أشواطًا كبيرة مع الشّاي الذي كان في عز تألقه. كان السكر والقطن يزرعه الأفارقة المستعبدون، وكانت المنسوجات تُغزل وتُنسَج بالإجبار في بريطانيا من قبل الشابات،والأفيون يتم توريده من مزارعي باتنا المرهَقين بالضرائب.

تم ّجني كل هذه الأرباح باستعمال الضرب والجلد والمراقبة الصارمة للعمال المستعبدين

أما بالنسبة لصناعة الشّاي من قِبل المستعمرين في آسام في الهند، التي تعتبر المنافس الرئيسي للصين، فقد اعتمد المزارعون البريطانيون على نظام “السيد والعبد”. بيد أن، المشرفين فرضوا على “الحمالين” قانونًا، الذين تم تجنيدهم من جميع أنحاء الهند الشرقية ومعظمهم من النساء،بهدف تنظيف الأرض والقيام بالقطف وشواء الأوراق. لاحظ المزارع الإنجليزي ديفيد كروول، في كتابه Tea (1897):

“ينجزون عملاً أكثر بكثير مما فعلوه قبل 20 أو 30 عامًا بزيادة من 25 إلى 30 بالمئة عن السابق”.

وتعود هذا الأرباح التي حققها المزارعون والمشرفون من الزيادة في الإنتاج إلى الأساليب التنظيمية الذكية، وإلى الضرب والجلد والمراقبة الصارمة للعمال العبيد. ونتيجة لهذه الجهود والتحولات غير العادية في جميع أنحاء آسيا، أصبح الشّاي بعد الماء، المشروب الأكثر استهلاكًا على نطاق واسع في العالم بوضع مرموق لن يتنازل عنه أبدًا.

في الصين، كما هو الحال في الهند وفي كثير من أرجاء العالم، ترسّخت الرأسمالية كثيرًا من خلال إعادة توظيف التكنولوجيا والتقنيات “التقليدية”. داخل تجارة الشّاي الصينية، على سبيل المثال، لم يكن هناك شيء غير عادي في ضبط الوقت بالبخور. بيد أن ابتكارهم لطرق مميزة ودمجها في نظام تراكمي حديث كان أمرًا مستحدثًا.

لقد أوضحت العقود الأخيرة من العولمة مدى تفاوت التوسع الرأسمالي، واعتماده على أساليب لا يقاومه فيه عن طريق وضع يده على أي تقنيات ومواد وأفراد. اليوم، لا يشمل التقسيم العالمي للعمل الشركات المتكاملة رأس المال فحسب، بل يشمل أيضًا، خاصة في عالم ما بعد الاستعمار، الشبكات الأفقية للمصانع كثيفة العمالة بعضها يقع في غرف المعيشة التي تشبه رسميًا وُرش الشّاي الصينية فيما مضى. على وجه التحديد، بسبب كثافة اليد العاملة، أثبتت مصانع السيارات والمنسوجات والإلكترونيات أنّها أرخص وأكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيُّف مع ظروف السوق المتغيرة من سابقاتها في منتصف القرن وأدت مثل هذه الاستراتيجيات إلى “صعود” شرق آسيا في أواخر القرن العشرين، وتمّ تصديرها منذ ذلك الحين إلى الصين الآخذة في التوسع، حيث تسعى الحكومة الآن إلى استعادة مكانة “الصينيين” السابقة في العالم.

كانت قصة آسيا أساسية في تحول الاقتصاد السياسي العالمي منذ أواخر القرن العشرين، لكنها غالبًا ما تمّ تهميشها في حسابات الرأسمالية النيوليبرالية التي ركزت على حفنة من المثقفين في أوروبا وأمريكا. في المقابل، تكافح هذه الحسابات لفهم صعود الصين، دون فهم أعمق لكيفية تشابك تاريخ الرأسمالية مع المنطقة منذ فترة طويلة. إذا كان هدفنا هو سرد قصة أكثر تكاملاً، فستكون نقطة البداية القيِّمة هي إدراك أنّ الصين، وآسيا على نطاق أوسع، لم تكن مجرد متفرج على ولادة الرأسمالية في القرن الثامن عشر في أوروبا بل منذ البداية ساعدت شعبها في تشغيل رأس المال وخاصة تجارة الشّاي مما أدى إلى ضغوط غير شخصية تجاه التوسع والتسارع. وغالبًا ما لم يتم اكتشاف هذه الديناميكيات الاجتماعية، المشتركة مع بقية العالم الصناعي، لأنّها عبّرت عن نفسها بطرق محلية غير اعتيادية.

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى