العلم

الوعي والتطور: هل تخدعنا عقولنا؟

إلى أي مدى لا يمكن الوثوق في إدراكنا للواقع حسب نظرية التطور

  • مقابلة مع دونالد هوفمان
  • ترجمة: خالد الصايغ
  • تحرير: حمد الشعيلي

 

  • يترجم «أثارة» هذا المقال للإحاطة بالتداعيات التي يمكن أن تنجم عن تبني النظرة التطورية في موضوع الإدراك البشري، إنها تداعيات -وإن اختلف بعضنا معها- إلا أن الاطلاع عليها مما يهم الباحث المهتم بالسجالات المحتدمة في هذا الملف… فإلى المقال..

 

في الحياة اليومية نميل دائماً للاعتقاد أن إدراكنا عن طريق الرؤية، والسمع، واللمس أو التذوق، هو انعكاسٌ مباشر ودقيق وحقيقي للعالم من حولنا، ولكن عندما نأخذ في الاعتبار ما نتعرض له مراراً وتكراراً من أوهام إدراكية، نُصدم بأنَّ ما كنا ندركه دائماً ليس هو العالم الحقيقي، بل إن ما ندركه لا يعدو أن يكون محاكاةً (Simulation) للواقع الخارجي. ومع ذلك لا نزال نعتمد على أن تلك المحاكاة هي أقرب ما يمكن أن يكون للواقع الحقيقي الخارجي، وإن لم تكن كذلك فعلاً، أما كان بالأحرى أن يستبعدها التطور والانتخاب الطبيعي؟

صحيحٌ أن الواقع الحقيقي لا يزال بعيداً عن إدراكنا بحيث لا يمكن الوصول إليه، لكن لا شكَّ في أن حواسنا تفتح لنا نافذة واسعة تقترب بنا من ذلك الواقع.

هذا ما يرفضه دونالد هوفمان، عالم الإدراك من جامعة كاليفورنيا، وقد أمضى ثلاثةَ عقود من حياته في دراسة الإدراك والذكاء الاصطناعي ونظرية اللعبة التطورية بالإضافة للدماغ وتوصل إلى الاستنتاج التالي:

إن العالَم الذي تقدمه لنا حواسنا لا يشبه الواقع بتاتاً، وبالإضافة الى ذلك فإن التطور والانتخاب الطبيعي هو المسؤول الأول عن هذا الوهم الرائع، فإن ضريبة صقل قدرتنا على البقاء= هي تقييد مقدرتنا على الوصول إلى الحقيقة، إن لم تكن القضاء عليها بالكامل.

السعيُ وراءَ الوصول للحقيقية الموضوعية للواقع وفك تلك العلاقة بين الراصد والمرصود هو هدفٌ يتجاوز حدود علم الأعصاب و الفيزياء الأساسية؛ فمن جانب: نرى باحثين قد حيرتهم حقيقة أن كتلة لا تزن أكثر من ثلاثة باوندات من المادة الرمادية (تجمعات أجسام الخلايا العصبية في الدماغ) وتخضع لقوانين الفيزياء العادية، كيف لها تخلق تجربتنا الإدراكية المباشرة. لذلك استحقت هذه الظاهرة بجدارة اسم “معضلة الوعي الصعبة”، ومن ناحية أخرى نجد علماءَ فيزياء الكم عاجزين عن فهم كيف أن الأنظمة الكمية لا تبدو كأشياء موجودة في الفضاء أو الفراغ إلا حينما نبدأ نحن بمراقبتها؛ حيث بينت التجارب -على عكس ما كان مُتوقع- أننا حين نفترض أن الجسيمات المكونة للأجسام العادية تحتل حيزاً بعينه من الفراغ بشكلٍ مستقل عن الراصد= نحصل على إجابات خاطئة. فالدرس الرئيسي الذي تعلمنا إياه فيزياء الكم هو أنه لا وجودَ لأي جسم في فراغ مطلق موجود مسبقاً مستقلا عن إدراكنا له، فكما قال الفيزيائي جون ويلر (فيزيائي حاصل على جائزة نوبل، وواحد من أكبر الفيزيائيين الأمريكيين) “لم يعد من المقبول اليوم أن نقول أنه -في الظروف المعتادة- فإن العالم الخارجي موجود بشكل مستقل تماماً عن إدراكنا”.

لذلك فإن علماءَ الأعصابِ يريدون فهمَ آليةِ تكون مفهوم الحقيقة والواقع لدى الراصد، ومن ناحية أخرى، يحاول علماء فيزياء الكم فهم كيف يمكن أن يكون هناك واقعاً آخرٍ غير الذي يرصده الراصد الأول. باختصار: يبدو أن كل الطرق تؤدي بنا بالضرورة الى ذلك الراصد الأول، وهذا هو المكان الذي يمكنك أن تجد فيه هوفمان -متجاوزاً الحدود- محاولاً وضع نموذج رياضي للراصد،  والوصول إلى الواقع وراء الوهم.

التقت مجلة كوانتا (Quanta Magazine) بهذا العالم لمعرفة المزيد عن أبحاثه.

جيفتر: غالباً ما يستخدم الناس حجة التطور والإنتخاب الطبيعي كدليل على أن إدراكنا هو بالفعل إنعكاسٌ دقيق للحقيقة والواقع، فهم يقولون “لا بد أننا قد عرفنا الواقع بطريقة أو بأخرى وإلا لكنا قد انقراضنا منذ زمن بعيد”، فإذا كنتُ أرى نخلة وهي في الحقيقة نمر فإنني سأكون في مشكلة حقيقية.[1]

هوفمان: صحيح، فإن الحجة الكلاسيكية هي أن أسلافنا الذين شاهدوا الأشياء على حقيقتها وبدقة أكبر كان لهم ميزة تنافسية تزيد من فرصتهم لتمرير جيناتهم التي في الأصل هي ما منحهم هذه الميزة وهذا الإدراك الدقيق، وبعد آلاف الأجيال، يمكننا أن نثق بأننا خلفٌ لِسَلَفٍ كانت رؤيتهم للأشياء صائبة، وبالتالي نحن أيضاً نرى الأشياء على حقيقتها. يبدو ذلك مقبولاً نوعاً ما، لكنني أعتقد أنه عار تماما عن الصحة. لأن في ذلك سوء فهم لخاصية جوهرية لنظرية التطور: ألا وهي الكفاءة، وهي معادلة رياضية تهتم بحساب احتمال أن تصل استراتيجية ما لأهدافها في البقاء والتكاثر، حيث أثبت عالم الفيزياء الرياضية شيتان براكاش نظرية -قمت أنا باستعمالها- تقول:

أنه حسب نظرية التطور والانتخاب الطبيعي: فإن أي كائن له القدرة على رؤية الحقيقة أو الواقع على حقيقته= لن يكون أكثر كفاءة من كائن آخر -على نفس مستوى التعقيد البيولوجي- لكنه لا يرى أي شيء من الواقع، بل هو فقط مبرمج حتى يكون أكثر كفاءة.

جيفتر: لقد قمتَ بعمل محاكاة لذلك باستخدام الكمبيوتر، هل لك أن تعطينا مثالاً؟

هوفمان: لنفترض أن هناك مورد طبيعي للماء على سبيل المثال، ولنفترض أن كائناً حيًا لديه القدرة على أن يحدد كمية المياه أهي قليلة أم متوسطة أم كثيرة، فلو كانت معادلة الكفاءة معادلة خطية – بمعنى أن المياه القليلة تعطي كفاءة قليلة للكائن، وإن كانت المياه متوسطة فإنها تعطي كفاءة متوسطة وهكذا- فإن هذا الكائن بإدراكه للحقيقة سينجو فقط،لأن الحقيقة متطابقة مع معادلة الكفاءة، وهذا السيناريو لا يوجد في الطبيعة، بل الموجود طبيعياً هو التوزيع الاحتمالي الطبيعي الذي -اعتماداً عليه- يصل بنا إلى أنه لو كانت المياه قليلة= يموت الكائن من العطش، وإن كانت كثيرة= يغرق، وإن كانت متوسطة تكون الظروف ملائمة للبقاء. في هذه الحالة فإن معادلة الكفاءة لا تتطابق مع الواقع وهذا كفيل بأن يضلّل الكائن عن حقيقة هذا الواقع؛ فإن الكائن قد يرى على سبيل المثال المياه القليلة والكثيرة باللون الأحمر= وهو ما سيوحي له بخطر محدق أو بظروف غير ملائمة قد تقلل من كفاءته، و قد يرى المياه المتوسطة باللون الأخضر، الأمر الذي يشي له بظروف ملائمة مما يعني زيادة كفاءته. إن إدراك الكائن الحي سيكون مبرمجا لزيادة كفاءته وليس لإدراك حقيقة الواقع، فحسب المثال السالف ذكره، لن يميز الكائن الحي بين قليل المياه وكثيرها، كل ما سيراه هو اللون الأحمر، رغم أن هذا التمييز موجود في الواقع.

جيفتر: لكن كيف يمكن لرؤية واقعٍ مزيفٍ أن تكون مفيدةً لبقاء أي كائن؟

هوفمان: هناك استعارة توضيحية قد تكون مفيدة هنا، وهي لم تتوفر لدينا إلا في الثلاثين أو الأربعين عاماً الماضية، ألا وهي: سطح المكتب. لنفترض أن هناك ملف مستطيل أزرق في الزاوية السفلى على اليمين من سطح المكتب، هل يعني ذلك أن الملف هو فعلاً أزرق ومستطيل ويتمركز بالفعل في الجهة السفلى اليمنى من الشاشة؟ بالطبع لا، ولكن ذلك هو أقصى ما يمكن إدراكه عن ما يوجد على سطح المكتب: لون الملف وموقعه وشكله؛ هذه هي السمات المتاحة لك عن الملف، ولكن ولا واحدة من تلك السمات يمكن اعتبارها حقيقية أو أنها تمثل الماهية الحقيقية للملف؛ إن هذا بحد ذاته أمر مثير للاهتمام، لا يمكنك أن تكوّن وصفا دقيقا عن ما يدور في الحاسوب من الداخل إذا كان منظورك مقتصرا على سطح المكتب فحسب، ولكن يبقى سطح المكتب مفيداً -رغم كونه غير حقيقي- وتلك الأيقونة الزرقاء المستطيلة تخفي خلفها واقعاً شديدَ التعقيد لا حاجة لي بمعرفته. هذه هي الفكرة الأساسية: إن التطور قد صقل بداخلنا وعيا يساعدنا على البقاء وهو يقود التكيف في السلوكيات ويخفي عنا ما لا نحتاج إلى معرفته، وهذا كل ما يمكننا أن ندركه من الواقع، وإنك إن أمضيت وقتك كله محاولاً معرفته فإنك لن تبقى.

جيفتر: إذن فكل ما نراه ما هو إلا خدعة كبرى؟

هوفمان: لقد تم تمحيصنا -عن طريق الانتخاب الطبيعي- كي نطور حواساً تبقينا على قيد الحياة، إذا رأيت ما خُيِّل لي أنه ثعبان فلن أمسك به، وإذا رأيت ما خيل لي أنه قطار فلن أقف أمامه [بغض النظر عما إذا كان هناك قطار أو ثعبان في الواقع أم لا]. لقد تم تطوير هذه الرموز حتى تبقينا على قيد الحياة، لذلك يتوجب علينا أخذها على محمل الجد، لكن من الخطأ منطقيا أن نظن أن أخذ تلك الرموز بجدية يعني أن نصدق بأنها بالفعل على النحو الذي تتبدى لنا عليه.[2]

جيفتر: إذا كانت الثعابين ليست بثعابين حقيقية، والقطارات ليست بقطارات حقيقية، فما هي إذن؟

هوفمان: إن الثعابين والقطارات هي كالجسيمات الفيزيائية، ليس لها صفات موضوعية مستقلة عن الراصد، الثعبان هو وصفٌ شكلته أجهزتي الحسية حتى تخبرني بعواقب أفعالي وتأثيرها على فرصتي في البقاء، إن التطور يعمل على إيجاد حلول مقبولة ليحل لي مشكلتي في كيفية التصرف في مواقف معينة، ولا يعمل لإيجاد الحل الأمثل بشكل مباشر.

جيفتر: كيف بدأ اهتمامك بهذه الأفكار؟

هوفمان: عندما كنت في سن المراهقة، كنت شديد الاهتمام بسؤال “هل نحن مجرد آلات؟” وقد كانت قراءتي دائماً تخبرني بأننا فعلاً كذلك، ولكن والدي كان قسيساً، والكنيسة كانت تقول العكس، فقررت أن أبحث عن الإجابة بنفسي، فهو سؤالٌ شخصي نوعاً ما. إذا كنت فعلاً مجرد آلة، فإنني أريد معرفة ذلك، واذا لم أكن، فما هو ذلك السحر الذي يختفي وراء تلك الآلة؟ لذلك وفي عام 1980م التحقت بمختبرات الذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) ، وعملت في أبحاث تعلم الآلات، حيث كان مجال أبحاث البصريات يتمتع بنجاح جديد في إيجاد نماذج رياضية للقدرات البصرية، حينها لاحظت أن المعادلات الرياضية كان لها أشكالاً متشابهة، وذلك ألهمني أن أجد معادلة رياضية واحدة تشمل كل أشكالِ و طرقِ الملاحظة، وأيضا كان لتجربة آلان تورينج في اختراعه لـ “آلة تيورنج” يدا في إلهامي، حيث أنه بسط الوصف الرياضي و اختزله في شكل موحَّد أصبح فيما بعد أساساً لأنظمة الكمبيوتر، فتساءلت عن ما إذا كان بإمكاني أن أقوم بأمر مماثل في إيجاد معادلة بسيطة للعلاقة بين الرصد أو الوعي؟

جيفتر: نموذج رياضي للوعي؟

هوفمان: نعم. بدأت بالفكرة الآتية، إن لي تجارب حسية -فإنني أشعر بالألم، وأتذوق، وأشم، ولدي بالإضافة إلى ذلك أمزجة مختلفة و أحاسيس- لذلك فإن لي أن أقول أنّ جزءًا من تركيبة الوعي (الرياضية) هو مجموع كل ما يمكن تجربته وملاحظته حسياًّ، و عندما أختبر أياًّ من تلك التجارب الحسية يتوجب علي أن أُحدث تغييراً (في محيطي)، لذلك نحتاج إلى إضافة جزء يمثل كل ما يمكنني فعله، واستراتيجية اتخاذ قرار الفعل، التي -بناء على التجربة الحسية- تدفعني لاختيار التغيير الذي أحدثه. هذه هي الفكرة الأساسية للموضوع، لديّ احتمالات مختلفة للتجارب الحسية، نرمز لها بـ X، واحتمالات مختلفة لردة الفعل و التغيير الذي أريد صنعه نرمز لها بـ G ولوغاريتم D الذي يساعدني على اتخاذ القرار فيما سأُحدثه بناء على تجربتي الحسية، و أدخلت أيضا الرمز W من كلمة (العالم) (World) ليمثل الاحتمالية، فإن العالم يؤثر على إدراكي P بطريقة ما؛ فهناك خريطة إدراك رسمها العالم في تجربتي الحسية، هذا هو الشكل مكتملاً، ستة متغيرات أساسية تشكل لنا الوعي.

جيفتر: لكن بما أنك تضع رمزا لـ W، هل تزعم بأن العالم الخارجي موجود؟

هوفمان: هذا ما هو مثير للاهتمام في الأمر، يمكنني أن أستبدل W في النموذج الرياضي بكائن مدرك و أحصل على دائرة من الكائنات المُدركة. في الواقع، يمكننا أن نحصل على شبكات معقدة بهذه الطريقة، وهذا هو العالم.

جيفتر: العالم ما هو إلا تمثل لإدراكات كائنات واعية؟

هوفمان: أسميها “الواقعية الواعية”، الواقع الموضوعي هو عبارة عن كائنات واعية، أي عبارة عن وجهات نظر. ومن المثير للاهتمام، يمكنني أن أجعل كائنين واعيين يتفاعلان فيما بينهما و سيعطي هذا التفاعل -حسب النموذج الرياضي- كائنا واعيا جديدا، هناك مثال قوي على ذلك، المخ لدينا مقسوم لنصفين، وعندما نقوم بعملية تقسيم الدماغ يمكننا أن نرصد وبوضوح وجود إدراكين مختلفين، قبل أن نفصل النصفين لم يكن لدينا إلا إدراك واحد، لم أكن أتوقع ذلك، إن النموذج الرياضي هو ما قادني لهذه الاستنتاجات، فقد كان يخبرني بأني لو وضعت راصدين مختلفين معاً سأحصل على راصد جديد، و يمكنني فعل ذلك إلى ما لا نهاية.

 جيفتر: إذا كان العالم كما تقول -مجموعة من وجهات نظر لكائنات واعية- فما الذي سيحدث للعلم؟ فإن العلم لطالما كان -أو هكذا يقال- وصفاً موضوعياًّ للعالم؟

هوفمان: الفكرة كانت أن موضوعية العلم تنبع من أننا نقيس أجساماً تشغل حيزاً بعينه من الفراغ تحت نفس الظروف، فنحصل دائماً على النتائج نفسها، فيزياء الكم تجبرنا اليوم على التخلي عن هذا التصور، فما الذي يحدث إذن؟ أنا أفكر بها على النحو التالي: أستطيع أن أحكي لك عن صداع لازمني وأنا كلي ثقة بأني أتواصل معك بكل وضوح، ذلك لأنك قد إختبرت إحساس الصداع الخاص بك من قبل، ذلك ينطبق أيضاً على التفاح، والقمر، والشمس والكون، فكما أن لديك إحساس بصداع خاص بك، لديك أيضاً قمرك الخاص؛ لكنني أفترض أنه نسبياًّ شبيه بقمري أنا، قد يكون افتراضي هذا خاطئاً، لكنه أفضل ما يمكننا التوصل إليه في العلم الموضوعي.[3]

جيفتر: يبدو أن الكثير ممن يعملون في مجال علم الأعصاب أو الفلسفة لا يفكرون في الفيزياء، هل تعتقد أن ذلك قد يشكل عقبة في طريق فهمهم للوعي؟

هوفمان: أعتقد ذلك، فهم لا يتجاهلون التقدم الحاصل في مجال الفيزياء فحسب، بل كثيراً ما يفصحون عن ذلك فهم يقولون أن فيزياء الكم ليس لها علاقة بوظائف الدماغ المتعلقة بالوعي، وكلهم علي يقين أن كل ما في الأمر هو مجرد نشاط عصبي من ومضات عصبية و إتصالات في نقاط التشابكات العصبية، كلٌ يعمل بشكل مستقل، غير معتمد على الراصد، كل ذلك يعمل في إطار الفيزياء النيوتونية حيث الزمان والمكان المطلق، والأشياء توجد مستقلة عنا، ومن ثَم نرى علماء الأعصاب وقد تحيروا في تأخرهم عن إحراز أي تقدم يُذكر، فهم لا يستفيدون من الإكتشافات الجديدة في الفيزياء وإن العاملين في مجال علم الإعصاب  بقولهم “سنتمسك بفيزياء نيوتن” يعني أنه يقولون: “شكراً، سنبقى متأخرين ٣٠٠ عاماً”.

جيفتر: قد تكون هذه ردة فعل لبعض النماذج المطروحة كنموذج عالم الفيزياء روجر بنروز و عالم التخدير هاميروف (Orchestrated Objective Reduction) والتي تقول بأن هناك دماغاً يشغل حيزاً من الفراغ ولكن يقوم ببعض العمليات الخاضعة لميكانيكا الكم، و لكنك تقول “انظروا ميكانيكا الكم تقول لنا أن علينا إعادة النظر في مفهوم أن هناك أجساماً بعينها تشغل حيزاً من الفراغ” ؟

هوفمان: أعتقد بأن ذلك صحيح فعلا، فعلماء الأعصاب يقولون “نحن لسنا بحاجة لفيزياء الكم لتفسير العمليات التي تجري في الدماغ، يكفي أن نستخدم الفيزياء الكلاسيكية لدراسة ووصف تلك العمليات”. إن الدرس الذي أعطتنا إياه فيزياء الكم هو أن الدماغ و الفراغ ما هي إلا رموز نستخدمها و ليست حقيقة، ليس هناك دماغ بالمعنى الكلاسيكي وهذا الدماغ يقوم بسحر ما على مستوى الكم، الحقيقية أن الدماغ نفسه ليس له وجود، لذلك فإن ما أشير إليه هو منظُور يُعد أكثر تطرفاً و أكثر مفارقة للمنظور الاعتيادي لتفسير الواقع، فحتى بنروز لم يتقصى في تفسيره بما فيه الكفاية، لكن أغلبنا يُولد واقعياً، نفسر العالم بمنظور مادي فيزيائي (بالمعنى الكلاسيكي) والتخلي عن هذا المنظور صعبٌ جداً.

جيفتر: لنعد إلى ذلك السؤال الذي كان منذ أن كنت في سن المراهقة، هل نحن مجرد آلات؟

هوفمان: إن نظرية الكائنات المُدرِكة التي أعمل على تطويرها هي نظرية كونية حسابياًّ و بهذا فهي نظرية آلات، وهي تمكنني من الاستغناء عن علمَيْ الإدراك والأعصاب، ومع ذلك فإنني لا أعتقد بأننا مجرد آلات، وذلك لأني أميِّز بين التمثيل الرياضي و ما يعكسه هذا التمثيل، فأنا كواقعي ما أطرحه هو أن التجارب الحية المُدرِكة هي المكون الأساسي للعالم، وما أقوله هو أن هذه التجارب هي عملة الوجود، فتجارب الحياة اليومية، وإحساسي الخاص بالصداع، و إحساسي حين أتذوق الشوكولاتة، كل ذلك هو الطبيعة الحقيقية للواقع.

اقرأ ايضاً: التطور: نظرية فنّدتها الحقائق


[1] – يقوم هذا التساؤل على فكرة (البقاء للأصلح)، بمعنى: كيف عرفنا أن إدراكنا هو انعكاس مباشر للعالم أو على الأقل هو “أفضل” صورة ممكنة له؟ الإجابة التطورية: لأنه بقي، فلو لم يبق= لم يكن الأصلح، وكيف عرفنا أنه الأصلح؟ لأنه بقي؛ وهو استدلال دائري واضح. -الإشراف.

[2] – يرد على هذا سؤالٌ -لم يوجهه المحاور- وهو: ما الذي يمنع العكس؟ بمعنى: طالما أن لا علاقة بين ما ندركه وما هو موجود، فما الذي يمنع أن يكون الماء الذي يبدو للكائن الحي هو ثعبان؟ فهذا من شأنه أيضا أن يفوت فرص النجاة على الكائن، فعلى كلا الاحتمالين -حتى عند القول بالكفاءة- فلن يكون بمقدور الكائن الحي الوثوق بحواسه لينجو؛ لأن هذه الفكرة تقتضي أن ما تعطيه إيانا حواسنا ليس شكّا بأن هذا هو الواقع فضلا عن أن يكون ظنا غالبا، بل هو رمز محض، لا علاقة له بالواقع الموضوعي، فما الذي يبرر الوثوق بها؟ خصوصا وأننا -حسب التطور- لا نعرف “الأصلح” إلا ببقائه، ففي الوقت الذي كان يمحص فيه الانتخاب الطبيعي الكائنات والصفات، كيف عرف الأصلح أنه الأصلح وأنه سيبقى وبالتالي وثق في حواسه؟ -الإشراف.

[3] – هذا كما ترى ضرب للعلم في مقتل، فإنه يعني أنه لا سبيل -وبالأحرى لا معنى- لتفضيل المكان والزمان بمفهوم أينشتاين، على المكان والزمان بمفهوم نيوتن! ولا يمكننا القول بأن فلك كوبرنيق أقرب للواقع من فلك بطلميوس! لأن نيوتن يتحدث عن مكان وزمان مختلفين عنهما لدى أينشتاين، وأرض بطلميوس ليست هي أرض كوبرنيق؛ وهكذا. وما ذكره المؤلف هو أمثلة من كلام العامة، أما بين العلماء -لاسيما المخلتفين منهم- لا يمكن لمثل هذه الفكرة أن تحسم نقاشا علميا، فكما قال توماس كون: سيكون حوار طرشان؛ وتكون موضوعية العلم موضوعية نسبية! -الإشراف.

أعجبني المقال

المصدر
theatlantic

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى