تقارير ودراسات

لعنة الملياردير: جذور المؤسسات الخيرية الغربية

العمل الخيري المؤسسي مهم، ولكن آلياته مُعضِلة ومثيرة للقلق، كما هو الحال في الهياكل المعقدة للمعاملات المالية رفيعة المستوى!

  • كاثرين ميتشيل*
  • ترجمة: أنيسة حاجي مصطفى
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

إذا ألقينا نظرة على أكبر المؤسسات الخيرية في العالم، فسنجد أسماءً عديدة، كمؤسسة بيل وميليندا غيتس، وصندوق ويلكم ترست (Wellcome Trust)، ومؤسسة نوفو نورديسك الدنماركية (Novo Nordisk)، ومؤسسات المجتمع المفتوح (Open Society Foundations)، ومؤسسة فورد.. وتتوسع هذه المؤسسات سنويا في حجمها وتأثيرها ووصولها العالمي، حيث تتعدى الأوقاف المالية لأكبر ثلاث منها أكثر من 100 مليار دولار أمريكي، وتقوم العديد من هذه المنظمات الخيرية بالتبرع بأموال ضخمة للمبادرات والقضايا التي تفضلها؛ فعلى سبيل المثال: قامت مؤسسة بيل وميليندا غيتس منذ إنشائها في عام 2000م، بالتبرع بالكثير من الأموال للنظام الصحي الأمريكي والعالمي على حد سواء بالمقارنة مع أية حكومة وطنية، وبلغت تبرعات المؤسسة بين الأعوام 2009م و2015م، أكثر من 5 مليار دولار أمريكي، لصالح السيطرة على الأمراض المعدية، بالإضافة إلى تبرعها بقرابة 1.5 مليار لمكافحة الملاريا.

وتشمل المشاريع الأخرى التي هي محط اهتمام المؤسسات الخيرية -إلى جانب قضايا الصحة العالمية والمحلية- قضايا مجتمعية أخرى، من ضمنها ضعف أداء المدارس، الإسكان والتشرد، إصلاح العدالة الجنائية، وإشراك المجتمع المدني؛ حيث تركز مؤسسات المجتمع المفتوح -مثلًا- جهودها على مساءلة الحكومات، وتمكين الأفراد من المشاركة الحرة في الحياة المدنية، بينما تُعنى مؤسسة عائلة والتون بالتعليم الابتدائي والثانوي، كما تقوم شبكة أوميديار -مثلًا- بالتبرع بالأموال لتحفيز التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وتؤثر هذه المنظمات تأثيرا كبيرا على حياة الأشخاص؛ لذا كان من المحتم علينا أن نتناول الدور الذي تلعبه المؤسسات الخيرية اليوم، نظرًا للمشاكل الحرجة والقضايا المُلحة التي تستهدفها بالإضافة إلى الحجم الهائل من المبالغ الطائلة والنفوذ المُتَحصّل لها.

تاريخيًا؛ ظهرت مؤسسات العمل الخيرية الحديثة في أوروبا، جنبًا إلى جنبٍ مع الأفكار البروتستانتية المتعلقة بالمصلحة والمسؤولية الشخصية، الذي تزامن مع تراجع مفاهيم: الإحسان والعمل الخيري، في القرون الوسطى، وبحسب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، في كتابه: (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، (1904م)؛ فإن المنطلقات الرئيسية للمذهب الكالفيني القائمة على فكرة أن الخلاص منوط بتصرفات الفرد وتمثّلات النجاح الاجتماعي والاقتصادي، أدت إلى استهلال مرحلة جديدة لصالح أهداف تراكم رأس المال، والتي عززت أيضًا الممارسات والأعراف الدينية عوضًا عن التعارض معها؛ وبالتالي، أضحت فوائد العمل الدؤوب للأفراد، وكفاءتهم، وإنتاجيتهم، جزءًا من نظرة عالمية موسعة، تُعد فيها “المساعدة الذاتية” أو الاعتماد على الذات، كمبدأ إرشادي.

 شكّلت هذه الأفكار كثيرًا من الفرضيات الجديدة حول الإحسان، مما أدى إلى بدْء تحوّل لمفهوم المسؤولية من الروابط المشتركة، والاعتماد المتبادل للرعاية الاجتماعية، إلى المسؤولية الشخصية للفرد، واستمر هذا النوع من الأفكار في النمو، خلال القرون اللاحقة، مع التوسع المتشابك لليبرالية والرأسمالية، ويُعبّر عنها المُنظر الأول للرأسمالية: آدم سميث، -في إشارة موجزة أوردها في فقرة حول وجاهة دوافع عمال القرى في الباب الأول من كتابه (ثروة الأمم) (1776م)- حيث قال: ” نحن لا نعلق عشاءنا على كرم وطيبة الجزار، ولا صانع الخمرة ولا الخباز، بل على عنايتهم بمصالحهم الخاصة”.

هذا التركيز على المصلحة الشخصية للفرد، كان عاملًا رئيسيًا وراء تنامي الازدراء نحو بعض أنواع الإحسان والأعمال الخيرية الكاثوليكية، التي قامت على فكرة الاعتماد المتبادل، والمسؤولية المجتمعية المشتركة؛ وبالتالي اعتبر أن هذه الفرضيات تقوّض من دافعية الفرد، ليكون مستقلًا ومنتجًا.

بحلول القرن التاسع عشر، توحّد مؤيدو رأسمالية السوق الحر، ودعاة الشيوعية، خلف هجومهم على الممارسات القديمة للعمل الخيري؛ فبالنسبة لكارل ماركس، وفريدريك أنجلز، فقد شكّلت نماذج الأعمال الخيرية في العصور الوسطى مخاطرة لاستنزاف الروح الثورية للعمال، حيث اعتبروا أن الأعمال الخيرية قد تخلق وعيًا خاضعًا وتابعًا، نظرًا للاعتماد المتبادل الذي تَشكّل من خلال علاقة المانح/المستفيد؛ بينما ذهب بعض العقلانيين الغالين، مثل توماس مالتوس، إلى أبعد من ذلك، حيث أيّد ضرورة ترك الأشخاص الذين لم يُعنَوا بفعالية ممارستهم للرعاية الذاتية، أو تطوير إنتاجيتهم، لمواجهة الموت، وإلا فإنهم سيُعرِّضون المجتمع العقلاني للتقويض والتدمير.

وعلى صعيد آخر، تبلور مفهوم الأعمال الخيرية الأمريكية في أوائل القرن العشرين، من خلال بوتقة هذه الأفكار، كما عكست التطورات في الرأسمالية الصناعية بما فيها، تراكم الثروات الغير مسبوق من قبل مؤسسي ومالكي الشركات في قطاعات النفط والصلب والسكك الحديدية، وعندما حان الوقت لتوزيع الأموال بين النخب الثرية، قامت هذه النخب بتحويل ذكائها التجاري إلى مبادئ العطاء، حيث صمموا على استمرارية كفاءتهم ونجاحهم التجاري في الأعمال الخيرية من خلال اتباع طرق حديثة وعلمية للنهوض بالمجتمع، وفي نفس الوقت، العمل على غرس ما يجدونه من عادات حسنة للمصلحة الشخصية لدى المتلقّين لِهِبَاتِهم السخيّة.

وقد قام بعض المحسنين الجدد، مثل أندرو كارنيغي وجون د. روكفلر الأب، بالاعتماد على معرفتهم التجارية للدفع بعلاقاتهم وأموالهم وشبكاتهم بشكل استراتيجي، من أجل معالجة المشكلات التي تعصف بالمجتمع، حيث تم تقديم هذه الأموال بشكل يُحفز المتلقّين على تطوير استقلالهم الذاتي وتحسين أنفسهم؛ ليصبحوا نسخةً أفضل من ذواتهم كعاملين ومواطنين نموذجيين، وفي كتابه (إنجيل الثروة) (1889م)، يكتب كارنيغي: “الاعتبار الرئيسي في منح الهبات، يجب أن يكون لمساعدة هؤلاء الذين يساعدون أنفسهم أولا، من أجل إعطائهم جزءًا من الموارد التي تمكنهم من تطوير أنفسهم، ولمنح هؤلاء الذين يرغبون في استخدام المساعدات للارتقاء بأنفسهم، يجب أن نتبرع بهدف المساعدة، وليس لتغطية كافة تكاليفهم، فلا يتطور الفرد ولا الجنس البشري بمنح الصدقات”. وعلى نفس السياق، يذكر جون روكفلر الابن في تأملاته حول العطاء الخيري بأن “الصدقات مضرة ما لم تساعد متلقّيها على أن يصبح قادرًا على الانفكاك منها”.

وفي هذا الصدد أيضا، عكس مفهوم الأعمال الخيرية في بدايات القرن العشرين وجهات نظر آدم سميث والليبراليين بشكل عام تجاه الأهمية الممنوحة للمصلحة الشخصية، والاعتماد على الذات، وتعظيم رأس المال البشري، مقابل النفور من علاقات التبعية، واقترنت هذه الأفكار بالتركيز على العطاء الاستراتيجي والفعالية، والاعتماد على الأساليب الحديثة التي تم استيرادها وتكييفها من النموذج التجاري لعالم الأعمال.

هذا النموذج الأخير شبيه جدًا بأشكال التبرع في القرن الواحد والعشرين؛ ففي المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2008م، قام بيل غيتس بالتأكيد على أهمية المصلحة الشخصية في الممارسات الخيرية المعاصرة، حيث قال: “إن عبقرية الرأسمالية تكمن في قدرتها على تمكين المصلحة الشخصية من خدمة المصلحة الأعم. تُطلق العوائد المالية الكبيرة للابتكار العنان لقطاع واسع من الموهوبين للسعي خلف استكشافات متعددة. هذا النظام المدفوع بالمصلحة الشخصية، كان خلف الابتكارات العظيمة التي حسّنت من حياة المليارات من البشر”.

علاوة على ذلك، يؤكد بيان الحقائق لمؤسسته على القيمة الممنوحة للاعتماد على الذات لدى متلقي الهبات وتشدد على أهمية الوصول والإنصاف والإنتاجية البشرية والرعاية الذاتية، حيث ينوه بأنه:

“استرشادًا بإيماننا بتساوي قيمة كل حياة، تعمل مؤسسة بيل وميليندا غيتس، على مساعدة جميع الناس لعيش حياة صحية ومُنتجة. في الدول النامية، تقوم المنظمة بتحسين صحة الناس وإعطائهم الفرصة لانتشال أنفسهم من الجوع والفقر المدقع”.

وعلى الرغم من وجود تشابه في كلا الحقبتين، إلا أنه توجد هناك أيضًا بعض الفروقات المهمة؛ فبينما تستمر الرغبة في غرس قيم المَصلحة الشخصية، والرعاية الذاتية، والإنتاجية البشرية، إلا أنها أصبحت أيضا مشبعة بدفعة كبيرة ومعاصرة نحو المخاطرة وريادة الأعمال، فعلى سبيل المثال، تعمل القروض الصغرى، وأنواع أخرى من التمويل القائم على المخاطر، -والتي سنوردها أدناه- على جذب المتلقي إلى عالم الأسواق المالية، وبالتالي تُنتجُ مواضيع ريادة المشاريع في نفس الوقت، بعض الممارسات والأنماط الجديدة للعمل الخيري.

 وقد تفوقت الأساليب التجارية المعاصرة كذلك، على الممارسات العلمية الحديثة التي تم اتباعها خلال الحقبة السابقة، حيث تعتمد معظم المؤسسات اليوم على خوارزميات دقيقة وفعالة من حيث التكلفة، بالإضافة إلى عقلنة الاستثمار المُمَوّل بشكل يتجاوز مقاييس الحقبة السابقة، وتشمل الممارسات الحالية لمؤسسات الأعمال الخيرية على توظيف متطور للتنافسية والمعايير والتصنيفات المرجعية من أجل تحديد أولويات التمويل جنبًا إلى جنبٍ مع تحليل التكلفة والمنفعة للعائد الاجتماعي أو المالي للمنحة.

وبالتأكيد، أصبح منطق عائد الاستثمار حافزًا سائدًا خلف الكثير من الأعمال الخيرية اليوم؛ حيث يقوم العديد من المحسنين باعتبار أنفسهم رواد أعمال اجتماعيين، يقومون بعمل جيد من خلال فعل الخير (doing well by doing good)[1]، وتعكس فلسفتهم الممارسات العالمية للتمويل، بالإضافة إلى سبل تحصيلهم لثرواتهم.

 وبخلاف الحقبة السابقة التي تكونت الثروات خلالها عن طريق الصناعات أو النفط، تحصّل معظم أصحاب المليارات المعاصرين على ثرواتهم، من خلال الأنشطة الـ”ما بعد صناعية” في مجالات التمويل والاختراعات والحوسبة والاتصالات والتأمين والعقارات، وقد نتج عن هذا؛ توجه مؤسساتهم إلى التركيز على الاستثمارات المالية المُسرّعة قصيرة المدى، والقائمة على الرافعة المالية أو المديونية، بالإضافة إلى الاعتماد على حقوق النشر الفكرية، والحلول التكنولوجية، والتجارب الأولية، والمخارج السريعة، وتحفيز الاختيار والمسؤولية الفردية.

تعد شبكة أوميديار التي تم إطلاقها من قبل مؤسس ( eBay ) مثالا جيدا للاستدلال على هذا التوجه، حيث يُذكر في موقع الشبكة: “نحن نُمفصل وجهات النظر القوية والمباشرة، نتحيز للابتكار والعمل ولكننا مستعدون للتجربة والإخفاق والتعلم، نُعلي من شأن القدرة التغيرية للناس والأسواق والأفكار والتكنولوجيا، ننشر نموذجنا لرأس المال المرن الذي أثبت فعاليته وأية أدوات أخرى مطلوبة لتسريع الحلول التي تواجه حجم تحديات اليوم.” وتعمل الشبكة كشركة محدودة المسؤولية (LLC)، وفي نفس الوقت كمؤسسة غير ربحية معفاة من ضرائب الدخل الفيدرالية بموجب المادة 501(c)(3)  من القانون الأمريكي، ويؤطّر عملها ضرورات استراتيجية، تشمل إعادة تخيل الرأسمالية وتعزيز استخدام التكنولوجيا بطرق تضمن رفاهية الإنسان والحرية الفردية؛ ولتحقيق نتائجهم المرجوّة، تقوم الشبكة بعمل شراكات مع المنظمات الربحية والغير ربحية التي تستخدم الابتكار والنهج القائم على السوق، بالإضافة إلى شراكاتها مع المنظمات التي تبرهن على قدرة الأعمال التجارية على خلق عوائد مجتمعية ومالية، وتتمثل المبادئ الرئيسية للمؤسسة في تحفيز السلوك الريادي وتسخير قوى السوق وتحقيق عوائد على الاستثمار بالإضافة إلى العمل في الوقت نفسه كمحرك قوي وفعال للتغيير الاجتماعي الإيجابي.

تعكس استراتيجيات العطاء لدي هذه المؤسسات السياق الاقتصادي الأشمل الذي من خلاله قام أصحاب المليارات بتكوين ثرواتهم خلال حقبة ما بعد الصناعة، حيث كان هناك توجه ملحوظ نحو تحرير وخصخصة الصناعة والموارد العامة في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة بل وفي جميع أنحاء العالم منذ الثمانينات من القرن الماضي تحت الأنظمة الراديكالية لمارغريت تاتشر ورونالد ريغان والتي كانت مؤيدة للسوق.

ترافقت هذه الممارسات الليبرالية مع هجوم أيدلوجي، ضد الأفكار والمبادئ الاقتصادية الكينزية -نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز- التي دعت إلى الرفاه الاجتماعي، والدعم الحكومي للمستحقين، وبالرغم من تفاوت انتشارها الجغرافي والتنازع حولها، قامت أفكار السوق الحر بالتأثير على كل نواحي الحياة تقريبًا، بما فيها فلسفة العطاء خلال الأربعة عقود الماضية، وبالاقتران مع التوكيد المتنامي على الحرية الفردية وريادة الأعمال، بالإضافة إلى الاستخفاف القوي بالعلاقات الترابطية أيًّا كان نوعها، أضحت هذه التحولات في الاقتصاد والثقافة، مؤثرة للغاية بالنسبة لاستراتيجيات استثمار المحسنين المعاصرين ومؤسساتهم في القرن الحادي والعشرين.

تنامي مبادرات التمويل الأصغر، والتي بدأت في البلدان الأقل نموًا في الثمانينيات والتسعينيات، تُعد إحدى الأمثلة الجيدة للاستثمارات المالية الموجّهة والمقترنة باستراتيجيات ريادية محفزة، متمثلة في برامج رائد الأعمال الاجتماعي البنغلاديشي: محمد يونس وبنك غرامين، ركزت بواكير مبادرات الإقراض الأصغر على الحد من الفقر من خلال تقديم قروض مالية صغيرة للأفراد الأشد فقرا في المجتمع، على أن يتم إعادة سداد الأموال المقترضة من غير أية فوائد أو إسهامات أخرى؛ ولكن بدأت البوصلة في التحول مع تعاون المستثمرين الغربيين مع العاملين في مجال التنمية في المنظمات الغير حكومية والغير ربحية، حيث أصبح تحقيق الربح دافعًا مهمًا أو أكثر من مهم لتمديد التسليف.

وكما قامت أستاذة التنمية الدولية ذات الأصول الهندية أنانيا روي، بالتوثيق في كتابها: (رأس مال الفقر (2010م)، فإن النساء الفقيرات سرعان ما أصبحن الشريحة الرئيسية المستهدفة لتلقي القروض من قبل مؤسسات التمويل الأصغر العاملة في البلدان الأقل نموًا، وذلك على اعتبار أن النساء يُنظر إليهن كمخاطر جيدة، نظرًا لأوضاعهن كعائلات للأسرة، ومقدمات للرعاية، وبالتالي تزداد احتمالية تحقيق عوائد إيجابية أعلى على الاستثمار، وربما كان على نفس القدر من الأهمية تلك الفرصة المتمثلة في جلب الأفراد المهمّشين سابقًا من فقراء المناطق الريفية إلى السوق الرأسمالية العالمية، ويمكن تجنيد النساء بشكل فعال في أنشطة ريادة الأعمال وتمكينهن بعد أن كن مهمّشات بسبب الفقر وقلة الفرص والنظام الاجتماعي الأبوي؛ وبالتالي يتم خلق آثار طويلة الأجل على المجتمع وانتقاله إلى دوائر رأس المال.

وتشير عالمة الجغرافيا كاثرين رانكين، إلى هذه العملية على أنها تخلق “امرأة اقتصادية عقلانية” وهو أمر يعكس تموضع موضوع الدراسة، مع تحريف لتعريف جون ستيوارت ميل للإنسان الاقتصادي (homo economicus) في عام 1836م بمفهومه كرجل عقلاني يسعى للثروة من أجل مصلحته الشخصية.

إن مثل هذا التركيز على الحلول المستندة إلى السوق للمشاكل المجتمعية المزمنة، يمكن أن يُرى أيضا في الأعمال الخيرية المحلية في الولايات المتحدة، فقد قامت مؤسسة عائلة والتون بالاستثمار بشكل كبير في الإصلاح التعليمي مع توجه بيّن نحو الابتكار والسلوك الريادي مع تعزيز خيارات أفضل في برامج اختيار المدرسة، ومن ضمن التدخلات المستهدفة لهذه المؤسسة هو توفير تمويل للرأسماليين المُخاطرين أو المغامرين (venture capitalists) المهتمين بقطاع التعليم، وهو ما يدفع الكثير منهم نحو فتح المزيد من المدارس المستقلة، وإلى زيادة استخدام التكنولوجيا في التعليم، ومن إحدى هذه المنظمات: صندوق مخاطر المدارس الجديدة (NewSchools Venture Fund) ، التي أنشئت في عام 1998م من قبل أحد الرواد الاجتماعيين، واثنان من أصحاب رأس المال المُخاطر، ويلخص الموقع الالكتروني لهذه المنظمة تاريخها فيقول:

“يؤمن مؤسسو المدارس الجديدة (NewSchools)، أنه بإمكان الفرق الابتكارية من المعلمين والمبتكرين ورياديي التعليم، إحداث تغيير مطلوب بشدة في التعليم العام في حال استطاعت هذه الفرق الوصول إلى رأس المال في المراحل المبكرة للمشروع، بالإضافة إلى الدعم الاستراتيجي العملي لبدء وتنمية منظماتهم، فقد بُني صندوق المدارس الجديدة من أجل تمكين نوعية جديدة من أسواق رأس المال القادرة على دعم تطوير المشاريع الريادية التي تخدم جميع الأطفال في القطاع العام وخصوصا أولئك الذين يعيشون في المجتمعات المحرومة”.

يتمثل اختلاف آخر إضافي بين مفهوم الأعمال الخيرية عبر العصور، في الممارسة المعاصرة لتمويل البرامج التجريبية قصيرة الأجل ذات المخارج السريعة في حال عدم تحقق المشروع للعوائد الاستثمارية الاجتماعية والاقتصادية المرغوبة، حيث تم استخدام هذه الاستراتيجية بشكل جلي في بعض المؤسسات الخيرية المعاصرة المختصة بالتعليم، وإحدى هذه الأمثلة هي الاهتمام المبكر لمؤسسة بيل وميليندا غيتس في تطوير مجتمعات التعلم الصغيرة (SLCs) في المدارس الثانوية.

في عام 2000م، شجعت المؤسسة مدارس سياتل العامة على إنشاء بيئات تعليمية صغيرة ومُصممة بشكل شخصي بمنحة قدرها 25.9 مليون دولار أمريكي، وقد كان من المتوقع أن يتم تجديد هذه المنحة بعد خمس سنوات نظرًا لكونها جزءًا من مبادرة المنطقة النموذجية في سياتل وخصوصا بعد ظهور دلائل تشير إلى نجاحها في تحقيق إصلاح تعليمي، ومع ذلك لم يتم تجديد المنحة لعدم تحقق التحولات المطلوبة مما أدى أخيرا إلى تحول أولويات الاستثمار الاستراتيجي للمؤسسة من مجتمعات التعلم الصغيرة، إلى مجالات أخرى تستهدف إصلاح التعليم.

وفيما ساهم نموذج البرنامج التجريبي واستراتيجية الخروج السريع في مساعدة مؤسسة بيل وميليندا غيتس، من أجل شحذ وتوسيع استراتيجياتها وأولوياتها الاستثمارية في قطاع التعليم، إلا أنه أدى إلى إجهاد إداري وعراقيل لوجستية لدى العديد من المدارس الثانوية في منطقة سياتل والتي تُرِكت لمصيرها بعد انقطاع منحة التمويل بشكل مفاجئ.

اختلاف مهم وأخير بين حقبة كارنيغي وركفلر، والحقبة المعاصرة للأعمال الخيرية الأمريكية، ويتمثل ذلك في الشراكات عبر القطاعات والوصول العالمي للمؤسسات الحالية، ففي القرن العشرين شكلت الدولة القومية النطاق الأساسي للولاء والرعاية الخيرية، فقد كانت مؤسسة كارنيغي مسجلة رسميًا “لتعزيز تقدم ونشر المعرفة بالإضافة إلى التفاهم بين شعب الولايات المتحدة”.

وكما تذكر المؤرخة إيلين كوندليف لاجمان في كتابها (سياسات المعرفة) (1989م)، فقد خُصص الكثير من هذا التمويل لإنشاء مؤسسات تعليمية وثقافية وطنية مثل المجلس القومي للبحوث، ومعهد القانون الأمريكي، ومُحترف تلفزيون الأطفال (الذي أنتج السلسلة التلفزيونية الشهيرة شارع السمسم)، إضافةً إلى بناء المئات من المكتبات العامة في الأحياء ومؤسسات التعليم العالي.

تغيّر التوجه المحلي بعد الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى ظهور مختلف أنواع مبادرات المؤسسات خلال الحرب الباردة بما فيها جهود مؤسسة فورد وغيرها لكسب “القلوب والعقول” لصالح القضية الأمريكية من خلال الاستثمارات الخيرية المتنوعة في الخارج؛ وبالرغم من ذلك لم يحصل أن عملت هذه المؤسسات الكبيرة على هذا الصعيد الدولي الهائل، إلا خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية وبشكل قائم على شبكات وشراكات جديدة عبر وطنية بالإضافة إلى مشاريع دولية واسعة النطاق، ومن باب تجنب نقاط الضعف المتمثلة في الحكومات الخارجية الفاسدة ولتعويض فشل السوق في توفير السلع والخدمات العامة المطلوبة، فقد قامت العديد من المؤسسات المعاصرة بالعمل على تعزيز الشراكات شبه الخاصة، -أو ما يسمى بالشراكة- بين القطاعين العام والخاص

 (public-private partnerships-PPP) ، والتي لا تتجاوز الحدود الوطنية فحسب بل تتجاوز أيضا حدود الحكومات، هذا النوع من الشراكات تخلق ما يسمى بكيانات(P3) التي تُنشئ علاقات معقدة بين العديد من القطاعات والجهات المختلفة، بما في ذلك المؤسسات الخيرية والجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، وكذلك إلى العديد من المؤسسات والجهات الفاعلة الربحية والغير الربحية، وعادةً ما يتم استخدام الأموال المُقتَرضة أو الممنوحة لهذه الكيانات، لتحفيز أو الدفع بموارد مالية أخرى مع توقع تحقيق عائد اجتماعي أو مالي على الاستثمار.

توجد هنالك العديد من الآثار المترتبة على هذه الشراكات العابرة للحدود واستراتيجيات التمويل العالمية بالنسبة للأشخاص والأماكن، فعلى صعيد الصحة الدولية، يتم التركيز بنمط مستمر من قبل المبادرات الصحية العالمية (GHIs) على الحلول التكنولوجية المستهدفة ذات النتائج القابلة للقياس، وتعد القابلية للقياس أمرًا مهما في الأعمال الخيرية المعاصرة في مجال الصحة الدولية، نظرًا لأنها تُمَكّن من تقييم العوائد الاجتماعية والاقتصادية الفعلية لأي تدخل صحي بعينه، إضافةً إلى أنها تعزز المسؤولية تجاه البرامج أو المبادرات الصحية، وتساهم في إعادة النظر بشكل عقلاني في الاستثمار.

 وكما يذكر ماثيو سبارك في (دليل أكسفورد لسياسات الصحة العالمية) (2020): ” بقيادة بيل غيتس ومديرين تنفيذيين آخرين الذين قاموا بتصدير أساليب أعمالهم التجارية بهدف بسط الصحة العالمية، فإن اللازمة المتكررة هي أنه من خلال التمويل الاحترافي القابل للقياس والقائم على النتائج، فإن الاستثمارات ستستمر في التحسن وستساعد عوائد الاستثمار في حد ذاتها على شرعنة المزيد من الاستثمارات.”

وبحسب وجهة النظر هذه؛ فإنه يُنظر إلى أن التدخلات المستهدفة والفعالة من حيث التكلفة في بعض الأمراض والقطاعات الصحية قد تفتح فرص رأسمالية أكبر للنمو والتكامل، مما يؤدي في النهاية إلى مخرجات صحية وربح أفضل في نفس الوقت.

تعكس أهمية القابلية للقياس، والمساءلة في العمل الخيري في مجال الصحة العالمية، توجهات أوسع في الاستثمار في التأثير الاجتماعي بشكل عام حيث تعد جزء من الفلسفة الأكبر المتمثلة في أن “القيام بعمل جيد من خلال فعل الخير” هو الحل الأمثل لمعالجة العلل الاجتماعية في العالم، ويعد هذا أحد جوانب التحول إلى منطق السوق الذي سرّع من الشراكات الحالية في العمل الخيري، والتي تقترن غالبا مع تزايد العداء تجاه الحكومات وخصوصا تجاه البرامج أو التدخلات الحكومية.

العديد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الصحة العالمية والتي تطورت خلال العقدين الماضيين، تم تنظيمها، بحيث تتجنب المشاكل المتوقّعة الناتجة عن فساد الحكومات أو بسبب توجهاتها الوطنية، بالإضافة إلى تنظيمها لمعالجة فشل السوق في توفير المتطلبات الصحية للأفراد الأشد فقرًا في المجتمع بينما تحقق عوائد ربحية للمستثمرين.

 لقد أدى توجه المبادرات الصحية العالمية المؤيدة للسوق إلى إمالة كفة العديد من التدخلات نحو الاستثمارات الأكثر توجها وفعالية من حيث التكلفة، كالتطعيمات، بل وحتى أمالتها بعيدًا عن المشكلات الصحية التي تبدو مستعصية على الحل، والمتعلقة بسياق أوسع لمشكلات الفقر ونقص الرعاية الأولية.

إحدى نقاط النقد المتكررة حول صعود نجم هذه الأنواع من المنظمات القائمة على الشراكات بين القطاع العام والخاص بالإضافة إلى المبادرات الصحية الأخرى في القرن الحادي والعشرين، هي أنها مثل الصوامع العمودية، بالنظر إلى أن الموارد موجهةٌ بشكل أضْيق نحو مناطق وأمراض ومرضى معينين، بينما يتم تهميش أو تقويض الأنظمة الأفقية للرعاية الأساسية التي تقوم بتنسيقها الحكومات الوطنية أو المحلية.

غالبًا ما تتآكل الحوْكمة الصحية الوطنية، بسبب اللبْرلة أو تحرير التجارة أو بسبب التطبيق الموسع للمعايير والضوابط القائمة على السوق، حيث تتم حماية كافة أنواع الملكية الفكرية -بما في ذلك براءات الاختراع- المرتبطة بالعقاقير والأدوية، تحت بنود الاتفاقيات الدولية مثل الاتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية (TRIPs) والتي تختص منظمة التجارة العالمية بفرضها؛ وبالنتيجة فقد أدت حماية الملكية الفكرية هذه، بالإضافة إلى حوافز السوق الأخرى، إلى التوسع في براءات الاختراع، ولكن في ذات الوقت إلى احتكار التسعير وزيادة صعوبة الوصول إلى الأدوية الأساسية لملايين الأشخاص حول العالم، كما ذكرت سوزان كرادوك التي وثقت المستجدات حول تطوير لقاحات فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز.

تتواطأ المبادرات الصحية العالمية، مع هذه الأنواع من السياسات النيوليبرالية، حيث أدى الاعتماد على حساب الفعالية من حيث التكلفة وعوائد الاستثمار، إلى تدخلات صحية مستهدفة وانتقائية جدًا، وتُفاقم أساليب الاستثمار الرأسية هذه التفاوت بين المناطق الجغرافية مما يؤدي إلى تنمية غير منتظمة وغير مكتملة الأركان وتأثيرات صحية سلبية عبر المناطق والدول، وعلاوة على ذلك فإن تمويل الشبكات المعقدة للشراكات بين القطاعين العام والخاص وضرورة الدفع باستمرار من أجل المصالح الاستثمارية الأخرى، يؤدي في كثير من الأحيان إلى حلول قائمة على السوق للمشاكل التي نشأت غالبا عن فشل وإخفاقات السوق في المقام الأول.

جنبًا إلى جنب مع أربعة عقود من العداء للأفكار الكينزية المؤيّدة لحماية دولة الرفاه الوطنية، أدت هذه السياسات والشراكات النيوليبرالية إلى ضعف كبير للقطاع العام، فعادة ما يتم الاعتماد على الحكومات القوية في أوقات الأزمات بسبب قدرتها على توفير قيادة مركزية ومخزن عميق من الموارد، ولكن مع مرور عقود من الشك حول لياقة ومقدرة الحكومات على القيادة، إضافة إلى إفقارها بشكل مُمَنهج من خلال خفض الضرائب التي يتم تحصيلها من الأثرياء؛ فإن أصحاب المليارات في العالم يتولون بشكل متزايد أدوارًا أقوى من خلال مؤسسات العمل الخيري.

إن القوة المتزايدة اليوم للعمل المؤسسي الخيري تُحدث بالفعل فرقًا في المجتمع؛ ولكن التوجه الحالي القائم على السوق للمؤسسات المعاصرة وشراكاتها المعقدة بين القطاعين العام والخاص، يمكن أن تكون لها تبعات سلبية على أصعدة متعددة.

 بسبب أعمالهم التجارية الخاصة، يُصر أصحاب المليارات ومؤسساتهم على حساب التكلفة والمنفعة والمساءلة المستندة إلى تحليل المقاييس وعوائد الاستثمار للمبادرات المدعومة، ومع ذلك، فهناك القليل من الشفافية التي يمكن من خلالهما مساءلتهم؛ ولذلك فإنه في حين أن العمل الخيري لديه القدرة على فعل الخير في المجتمع، إلا أنه يمكن أن يتسبب أيضا بأضرار كبيرة، ويمكن للبحث في منطلقات الفكر الليبرالي وتطور الرأسمالية، أن يساعدنا على فهم كيفية تَشكّل مؤسسات العمل الخيري على نطاق واسع، من خلال العمليات الاجتماعية والاقتصادية عبر الزمان؛ وبالتالي تمكّننا هذه الأفكار من تصور طرق جديدة أفضل لإتاحة الموارد للأشخاص الذين يحتاجونها في أوقات الشدة.

اقرأ ايضًا: أعمال خيرية أم استثمار سري؟


  • أستاذة علم الاجتماع وعميدة كلية العلوم الاجتماعية في جامعة كاليفورنيا سانتا كروز

[1]  مصطلح يُعزى إلى الرئيس الأمريكي بنيامين فرانكلين ويعني تحقيق النجاح المالي من خلال العمل الخيري. المترجمة.

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى