عام

الجواب في الوجود جوابان!

نص شذري

حينما تروم بلورة جواب عن أي سؤال في العالَم، تفطَّن للمعنى الوارد في هذا النص:

(الجواب في الوجود جوابان: أحدهما مطلق كلي، والآخر نسبي جزئي. فأما الأول، فصادر عمّنْ يمتلك العلم المطلق عن كل شيء، والحكمة المطلقة تجاه كل شيء. إنه الجواب الثاوي في “كلمة الله” و”خلق الله”. وأما الثاني، فصادر عمن يمتلك معرفة وحكمة جزئيتين. إنه جواب الإنسان؛ النابع من: فطرته وعقله وحسه وحدسه ولغته ومبتغاه.

حيال الأول، سارع في أخذه كما هو، إذ هو حق وعدل وخير مطلق، ثم تلمَّس مقاربة منهجية لتُعمِّق فهمَك له، ولتبني ذهنيتَك. وإزاء الثاني، حذارِ أن تقفزَ للجواب مباشرة؛ فتقع في فخ الخطأ والاجتزاء والتسطَّح. الجواب الناجع لا يبدأ بـ “الجواب”، بل بالمقاربة المنهجية الملائمة للجواب. ولا تنس إذ ذاك، أن تُطعِّم مقاربتك هذه بما لامستَه من مقاربة الجواب الأول، ففيه مقابسُ للشساعة المنهجية البرهانية والحكمة النورانية. وبعدها، اختر مقاربة منهجية تلائم مسألتَك وتوائم غايتَك، وأيقظ اجتهادَك وصدقَك بجواب تقترحه في خضم الجوابات، متوخياً فيه الأجرَ، اثنين أو واحداً).

إيضاح مجمل

النص الشذري لا يُشرح، ولذا فلستُ بصدد شرحه، وإنما قد يحتاج البعضُ إلى إيضاح ما قصدناه بـ “مقاربة منهجية”. تشبه المقاربةُ المنهجية سعيكَ لدخول بيت ما لغرض ما، إذ يتوجب عليك حينها أن تعرف أين يقع، وأن تدرك جيداً تموضعه في الخارطة وما يحيط به، كما أنّ عليك أيضاً أن تعرف أفضل الطرق الموصلة له، والوقود اللازم “مشروعية المبحوث”، وأن تمتلك أخيراً المفتاح، للولوج إليه من الباب، لا من النافذة “مشروعية الباحث”.

إذا طُرح عليك سؤالٌ ما، فلا تفكر ابتداءً في الجواب وإنما في كيفية بلورته. وهذا ما ينقلك إلى رحاب “المقاربة المنهجية” التي نتوخاها ها هنا. قبل الإجابة، تمهَّل، وقلِّب النظرَ في السؤال وفتَّته إلى أجزاء وصنِّفها إنْ لزم الأمر، وفكِّر ملياً في المعالجة الذهنية الملائمة، أهي: استنتاج أم استقراء أم مزيج منهما، وفي البيانات التي تحتاجها، وكيف تحللها؛ مع التسويغ المقنع لكل ذلك، واجلب البراهين الكافية. هنا تكون قد امتلكتَ مقاربة منهجية للجواب، ويسعك إذ ذاك أن تَعبُر نحو بلورة الجواب الاجتهادي المنشود.

تكمن أهمية المقاربة المنهجية في “جواب الإنسان”، في كونها تساعدنا على تقييم مدى صحة الجواب ومستوى نجاعتها، إذ إنها الحجة البالغة في جوابه، فهي تعكس جواباً لسؤال ضمني خفي مصاحب لكل سؤال: كيف وصلتَ إلى هذا الجواب ؟ وكأن الطرف الآخر يقول: أقنعني بأن جوابك صحيح أو ناجع. إذن، المقاربة المنهجية للجواب هي ما يشكل القناعة بالجوابات التي نقترحها للأسئلة التي تطرح علينا أو نفكر فيها. وقد لاحظتُ عبر سلسلة قراءاتي في حقول معرفية عديدة، أن بعض المؤلفين يكسب المعركة مع القارئ عبر المقاربة المنهجية ذاتها، ولو كان الجواب غير دقيق أو غير مكتمل، بل أحياناً يكون خاطئاً، ويظفر مع ذلك بثقة القارئ، وينعم بتصديقه. والأكثر خطورة أن العكس في بعض الحالات يكون صحيحاً هو الآخر، إذ إن البعض يخسر في معركة “العبور” بجوابه إلى ضفة القارئ أو المتلقي، ولو كان الجواب جيداً أو حتى عميقاً، بسبب ضعف مقاربته المنهجية أو انعدامها. ولكم أن تعيدوا التأمل في النص الشذري، وكيف يستقي ثانيه من أوله، في السياقات التي تتطلب ذلك وتستلزمه. والله الموفق للحق والرشاد.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى