التربية والتعليم

هل مازال للإحسان مكان في البيئة الأكاديمية القاسية هذه الأيام؟

  • جديدايا ايفانز، كارين سبيرلينغ، جو موران، جينيفر شنيلمان، فيليب موريارتي، سارة بورتن
  • ترجمة: الجراح القويز
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: إبراهيم البابطين

 

حياكةٌ وإدخار

في عام 1861 كتب جورج إليوت رواية سيلاز مارنر (Silas Marner ) التي تدور أحداثها حول “مارنر”، ذلك الحائك البائس الذي اختزل حياته كلها في “الحياكة والادخار” حتى ظهرت تجاعيد وجهه وانحنى ظهره وأصبحت علاقته بالحياة “علاقة ميكانيكية بحتة”. لم يكن مارنر يقوم بشيء سوى عمله على آلة الحياكة وعد عملاته الذهبية، حتى ذبل جسده بسبب كدحه المستمر، وعيناه التي كانت سابقًا تبدو “واثقة وحالمة”، أصبحت الآن كأنها لم تخلق إلا لرؤية “الأشياء الصغيرة جدًا”.

يتصور إليوت أن حياة مارنر مشابهة لحياة أولئك الذي يعزلون أنفسهم عن المجتمع بسبب اهتمامهم بالعمل. فقد كتب أن تلك العزلة “أصابت رجالًا حكماء” كل ما يفرقهم عن مارنر أن لديهم “أبحاثًا ثقافية، ومشاريع إبداعية أو بعض النظريات المترابطة” بدلًا من “آلة حياكة وكومة من العملات الذهبية”، تختصر حياتهم إلى “اكتفاءٍ نابعٍ عن رضا ورغبة في عدم التعلق بأي شخص آخر”.

فقط استبدل كلمة “الحياكة” بكلمة “الأكاديمية” و”العملات الذهبية” بـ “مخرجات البحث” وسيكون ذلك كافيًا لإيضاح الصورة. فالأوساط الأكاديمية تشجع بشكل ما -غالبًا- نوعًا من الادخار أو الحرص والطمع، فتجعل همنا الأول وشغلنا الشاغل هو كيف نحمي أفكارنا ونوثقها، إلى أن نغدو مثل مارنر ونتحول إلى مجرد “وظائف”. تلك هي الحقيقة، فقد ازداد تعلقنا بوظائفنا، وتحولت “ثقتنا الحالمة” مع زملائنا إلى رؤية استراتيجية ضيقة ومتشائمة. وحتى إسهاماتنا المجتمعية أصبحت ذات دوافع خفية؛ بعدما تعلمنا أن نسعى فقط لتحقيق الامتياز والسبق. فالزمالة الآن بات يخالطها الشكُ والغيرة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك دائما.

في عام 2014، سافرتُ إلى الولايات المتحدة لتقديم سلسلة من الورقات العلمية خلال أحد المؤتمرات. كنت قد قدمت للتو أطروحتي للدكتوراة، وقد صُمّمت الرحلة جزئيًا لأستفيد من بقية التمويل قبل أن أصبح طليقًا. وأظن بأني لست وحدي من جرّب رعب ما بعد تقديم أطروحة الدكتوراة، فقد ألغي حق وصولي للمكتب، ومنحتي الدراسية قد توقفت، ووقعت في تلك الفجوة التي تكون بين تقديم رسالة الدكتوراة وحيازة شهادتها.  حتى مجتمعي الأكاديمي الذي كنت أنتمي إليه اختفى؛ وتلك الشهادة التي كنت أسعى لها وتمحورت حولها كل حياتي، قد أدت وظيفتها وأصبحت وحيدًا لأعول نفسي.

كنت قد خططت لعقد بعض المؤتمرات في ولاية كارولينا الشمالية وإنديانا، وذلك يتطلب مني قيادة السيارة في طرق طويلة ومنعزلة: فقدتُ شمالًا عبر ممر الويسكي إلى الشرق عبر حقول الذرة ثم جنوبًا عبر بلد الفحم، وأخيراً إلى غابات الصنوبر في ولاية كارولينا الشمالية. وحقيقةً كان توقفي في ولاية إنديانا مريعًا وقد غادرت منها وأنا أحمل إحساسًا عميقًا بعدم جدوى مشروعي بأكمله؛ فقد علِقَ في ذهني تلك القصص التشاؤمية التي سمعتها عن التحزبات الأكاديمية.

مع ذلك حاولت إكمال رحلتي وتواصلت مع بروفيسورةٍ بارزة في ولاية أوهايو وأنا لا أعرفها شخصيًا، لأنني كنت أريد مناقشتها في أحد ورقاتها العلمية المنشورة التي أعُجبت بها. فدعتني للإفطار وعبرت عن امتنانها الشديد لجدّيتي في التواصل معها. فالتقينا وتحدثنا وكانت تستمع بإنصات كما يفعل الشخص المتواضع، الذين يجعلك ترى وتفهم نفسك بشكل أوضح. في نهاية اللقاء الذي امتد طويلًا، غادرت وأنا أشعر بسعادة من سخائها الذي أنقذني من مشاعري السلبية، وجعلني أشعر بالارتباط مع مجتمعٍ خفيّ من العلماء الجادين والمنضبطين أخلاقياً.

ومثل أي رواية خيالية جيدة، تقدم رواية سيلاز مارنر(Silas Marner)  نموذجًا مصغر للعالم. فإيبي (Eppie) اليتيمة صاحبة الشعر الذهبي الذي دخلت قلب مارنر، أعادت له بصره وجعلته يرى العالم بشكلٍ أوضح. كما كتب إليوت أن “ذهنه قد تأثر بالعملات الذهبية وجعلت أفكاره حلقات مغلقة لا نهاية لها، وأدى ذلك إلى فقدان اهتمامه بما حوله؛ لكن إيبي كانت ذلك النور الذي يحمل في طياته كمًا كبيرًا من التغييرات والآمال التي دفعت ذهنه للتفكير بشكل أفضل”. أصبح مارنر يعرف البهجة بسبب إيبي التي أعادت إحياء مشاعره ومنحتهُ حياةً جديدة.

تلك البروفيسورة المتواضعة منحتني ما يسمى بالمصطلح الأكاديمي: الوقت، والرعاية، والتأييد. وكانت أيضًا هبة إلهية، كانت تعبيرًا عن الحب. وإذا كنا نريد أن ننفتح على العالم فعلينا ألا نسمح لأنفسنا بأن تذوب في الأوساط الأكاديمية، فإن كان لابد فلنجعل الإحسان والعطاء طبيعة لنا.

  • جيدادايا إيفانز (Jedidiah Evans)محاضر مشارك في قسم الدراسات التحريرية في جامعة سيدني.

 

 

 

الغرفة الخطأ في الوقت المناسب

كارين سبيرلنج

من المرجح أن معظم الأفعال اللطيفة في الأوساط الأكاديمية تحدث دون سابق إنذار، وسبب ذلك أن الزملاء وقتها كانوا على طبيعتهم بينما كنا نحن غارقين في تفاصيل الحياة الأكاديمية. في تجربتي، هناك مثال معين يبرز كأحد أكثر الأفعال لطفًا وبالنسبة لي كان يعني الشي الكثير، ربما حتى دون إدراك فاعله الكريم.

في أول أيامي الدراسية في جامعة دينسون، دخلت إلى أحد الفصول الدراسية لتقديم ندوة بعنوان تاريخ الإصلاح. اكتشفت أن الفصل الذي دخلته يعتبر مساحة مخصصة لأحد المختبرات العلمية، ولم يكن من الممكن إعادة ترتيب الكراسي لتناسب نمط الندوة، بل لم يكن عدد الكراسي كافيًا لعدد الطلاب أصلًا. كانت هناك طاولة طويلة تفصل بين الطلاب والسبورة. لا شيء في الغرفة كان يوحي بأنها صالحة لإقامة الندوة.

فأنا لم أصل إلى الفصل مبكرًا -كما كان يجب- فقد كانت السنوات الست السابقة لتلك اللحظة تعتبر سنوات مضطربة، بما في ذلك صعوبة الحياة المهنية، والتحديات المتمثلة في زواج من رجل أكاديمي، ووفاة والديّ، وقلة النوم بسبب الأطفال، وانتقالنا الصعب إلى مكان جديد.

ونتيجة لذلك، كان علي في أول يوم دراسي، أن أقوم بالترتيبات الصباحية في المنزل، ثم آخذ طفليّ الصغيرين إلى المدرسة ثم بعد ذلك علي أن أقود 30 ميلًا لأبدأ أول فصولي التدريسية مع طلاب جدد؛ لذلك لم يخطر في ذهني أني أملك وقتًا لتفقد الفصول.

وبينما كنت أتجول في الردهة بحثًا عن المزيد من الكراسي، توقف أحد الزملاء من قسم الفيزياء وعرض علي المساعدة. شرحت له مشكلتي. وعندما أخبرته أنني كنت في قسم التاريخ، بدا واضحًا له أنه يوجد خطأ في الجدولة. بعد ذلك ساعدني في العثور على الكراسي، وشرح لي كيفية طلب تغيير الغرفة، ثم ذهب في طريقه.

بعد ذلك عدت من خلال طريق الصف السابق ثم عبرت خلال الحرم الجامعي إلى قسم التاريخ. عندما وصلت إلى هناك، طلبت من المساعدة الإدارية أن تساعدني للحصول على صف جديد. بدأت في البحث لكنها حذرتني من أن مساحة الفصول الدراسية عليها طلب أعلى وقد لا أتمكن من العثور على فصل مناسب.

وبسبب أن الموقف حدث في وقت كانت حياتي فيه مضطربة، كنت مستعدة للأسوأ وبدأت أفكر كيف أدير تلك الندوة في المختبر. ولكن المساعدة الإدارية بعدما جمعت معلومات الصف، اكتشفنا أنه قد حدث لبس وأن المكان الأصلي هو أحد الفصول الرائعة في قسم اللغة الإنجليزية.

فزميلي الفيزيائي بدلا من المضي قدمًا، قرر حل مشكلتي تلك ولم يقتصر على ذلك، بل علمني طريقة اختيار الفصول والمنافسة عليها. فلم يجعل المشكلة معلقة حتى أنتهي من ندوتي بل أخذ على عاتقه مساعدتي لأبدأ بداية جيدة، بتأكده أن فصلي انتقل إلى المساحة التي أحتاجها.

ليس لدي شك بأن حل المشكلة كان بالنسبة له سهلًا وواضحا. لكن بالنسبة لي، في ذلك اليوم بالذات وفي تلك اللحظة من حياتي، كان هذا الفعل اللطيف الصغير مطمئنًا بشكل لا يصدق، وشعرت أنني أصبحت في المكان المناسب. وقد كان نموذجًا ما زلت احتذي به في تفاعلاتي اليومية مع زملائي.

  • كارين سبيرلنج (Karen E. Spierling) هي مديرة التجارة العالمية، وأستاذة مشاركة في قسم التاريخ في جامعة دينسون، أوهايو. مُنحت الأستاذية من منحة (inaugural John and Heath Faraci) الدراسية.

 

 

الهبة الدائمة

جو موران

لقد حدث هذا الفعل اللطيف منذ عدة سنوات داخل الأروقة الأكاديمية، ولكنني لم أسمع به إلا مؤخرًا من الشخص الذي حصل له هذا الموقف. فقد كانت في ذلك الوقت تُدرِّس في الجامعة بدوام جزئي. بعد وقت قصير وفي منتصف وقت تصحيح درجات الامتحانات، استدعيت للعمل في معهد آخر بدوام كامل. فقام اثنان من الزملاء -أحدهما يعمل بدوام كامل والآخر جزئي- بتصحيح الامتحانات بدلًا عنها، لكي تستعد لعرضها والمقابلة الوظيفية.

في كتاب (On Kindness)، يقرر آدم فيليبس (Adam Phillips) وباربرا تايلور (Barbara Taylor) بأن اللطف يعتبر الآن “فضيلة الفاشلين”. فهم ينسبون ذلك إلى تعالي ما يسمى بفردانية السوق الحرة، والتي جعلت التنافسية وسوء الظن في نموٍ دائم مما أدى إلى “حياة من العمل المرهق والقلق والعزلة”.

إذا كانوا على صواب فلا مكان للطف في الجامعات. فالاتجاه الإداري الجديد يحثنا على اعتبار أنفسنا أصحاب عمل شرسون يتنافسون على الجوائز والمنح وعلى التفرغ للبحوث. ويجعلوننا نشعر أيضًا أنه لا يوجد نجاحٌ يرضي “آلهة الالتزام”. هذا الاتجاه لا يجعل الجامعة الحديثة بيئة قاسية بذاتها، لكن تعرضنا للمضايقات والتوتر فيها يجعلنا -دون وعي منا- متمركزين حول ذواتنا. صحيح أنه من النادر في الحياة تعمد القسوة، لكن القصد من عدمه لن يغير من آثار القسوة شيئًا.

والغريب أنه مع وجود تلك العوائق إلّا أننا نصر على كوننا أناسًا طيبين. فما يزال هناك مكان في الأوساط الأكاديمية ما سماه ألبرت هاسلي (A.H. Halsey) في كتابه (The Decline of Donnish Dominion) بـ “القيم المشتركة commensality)) ” وهي روابط تعزز روح الزمالة غير المحسوسة وتنميها. فلولا تلك الأفعال التي تحمل نوايا حسنة على صغرها وعدم وضوحها لا ما كان للجامعات أن تستمر.

في موسم الهدايا، علينا أن نتذكر أن اللطف هو أهم أنواع الهدايا. في كتاب (The Gift) يقول لويس هايد بأن إعطاء الهدايا كان هو القوة الدافعة للحضارة. فاقتصاديات الهدية في المجتمعات القبلية النائية كانت عبارة عن تداول دائم. فقد قامت شعوب البحارة في غرب المحيط الهادئ برحلات طويلة محفوفة بالمخاطر إلى جزر أخرى لتبادل الأساور والقلائد المصنوعة من الأصداف. فكانوا يعتزون بهذه الحلي، لأن لها رمزية تعني التنقل حول الجزر مع أن قيمتها المادية قليلة. ورغم أن أي سلعة مستعملة قد تفقد قيمتها بسبب الاستعمال، إلا أن هذا النوع من الهدايا تقدّر قيمتها حسب عدد الأيدي التي تملكتها من قبل. ولا يمكن اكتنازها أو بيعها أبدًا، بل يجب أن تكون كذلك في تداول مستمر.

فالإحسان واللطف هو من هذا النوع الذي تزداد قيمته بالعطاء. ومن الأشياء التي تحيرني عند تقديمي معروفًا لأي أحد قولهم “أنا مدين لك” خصوصا أن معناها الحقيقي “شكرًا على مساعدتك، سأنسى هذه الخدمة كأنها لم تكن”، وهذا يشير إلى أن اللطف ليس تعاقدًا إلزاميًا أو مبادلة صريحة. فهو مشابه للمفهوم الكاثوليكي للرحمة، أي إنه للجميع بغض النظر عن استحقاق المتلقي له، فهو يمنح هكذا دون أن تكون مدينًا بشيء. إن هدية اللطف لا تحتاج إلى تغليف أو لف شريط عليها وتسليمها إلى صاحبها، بل يكفي أن تمنحها لأي أحد.

     تلك المعلمة التي قام عنها زملاؤها بتصحيح الامتحانات، حصلت على الوظيفة الجديدة وهي في ذلك المنصب حتى الآن. وعندما رأيتها منذ شهر، كانت لا تزال تحس بتأثير ذلك الفعل اللطيف، الذي يحمل المعنى الحقيقي للهدية دون تكلفة مادية.

  • جو موران (Joe Moran) أستاذ اللغة الإنجليزية والتاريخ الثقافي في جامعة جون مورس في ليفربول

 

 

استثمارٌ لا يقدر بثمن

جينيفر شنيلمان

في خريف عام 1991، تحتم علي أن أدرس بالخارج وبالتحديد جامعة كوين ماري في لندن. وبما أنها رحلتي الأولى خارج الولايات المتحدة كانت لتلك الرحلة أهمية كبرى، ولذلك تصورتُ أنني سأكون العديد من الصداقات، وبأن أحصّلُ درجات عالية جدًا، وأن أقتني بعض الأزياء من لندن؛ لأرتديها في كلّيتي الصغيرة، كلية الفنون الحرة في أركانساس.

للأمانة لم يحدث شيء من هذا.

في أول الأمر كنت مندهشةً من مفهوم جديد وهو: أسعار صرف العملة. فعندما حولت أموالي إلى جنيهات إسترلينية قلت إلى النصف، مما جعلني أخطأ في تقدير نفقاتي. وكما أنه لم يكن في مسكني الجديد إنترنت للدراسة. وعلاوة على ذلك بما أنني كنت أذهب إلى فصلي مشيًا، أدركت أنه هنا يجب علي البحث عن وسيلة تنقل؛ لأن الحرم الجامعي يبعد عن مسكني سبعةَ أميال. فتحتم علي دفع قيمة تذكرة مترو الأنفاق لثلاثة أشهر.

بعد ذلك لم أكن أتوقع أنه سيتحتم عليّ شراء وجباتي من الخارج، فقاعة الطعام في الجامعة تقدم الفطور خلال وقت ضيق في الصباح، وتقدم العشاء في الساعة الخامسة مساءً أي خلال وقت عودتي. لم تكن تلك المواعيد مناسبة لي، فقد كان علي دراسة لغة أجنبية، وفيزياء، وثلاثة فصول علمية خلال ذلك الفصل الدراسي -وهو أمر غير شائع في نظام الجامعة ذلك الوقت- مما اضطرني إلى اللجوء إلى الوجبات السريعة باهظة الثمن، فأوقات وأماكن محاضراتي لا تتناسب مع مواعيد الطعام في الجامعة.

نفد مالي مع مرور الوقت لأنه كان علي أن أشتري معطفًا لأتقي المطر وكتبًا وأوراقًا للمذاكرة، وحقيبةً لكي أحمل أشيائي عند ذهابي للجامعة يوميًا، وشعرت بالخوف من أنني لن أتمكن من دفع قيمة تذكرة العودة من مطار هيثرو في شهر ديسمبر.

بعد أسبوعين تقريبًا من بداية الفصل الدراسي، طُلبت منا بعض الأشياء، وهي أدوات مختبرية للتشريح والتجارب وبعض التمارين التي ستمتد إلى ما بعد مغادرتي، وقد امتنعت عن شراء شيء لن أستخدمه إلا لشهرين، لكن المدربة -التي للأسف نسيت اسمها- أبلغتني بأنني لن أحصل على درجات جيدة مالم أحضرها. شعرت باليأس، فقد كانت تلك إهانة أخرى فوق ما أشعر به من جوع وبرد، وجعلني ذلك أعتقد أن قدراتي الأكاديمية تعتمد على ما معي من نقود لا على ما أبذله من مجهود؛ أجهشت بالبكاء ثم خرجت.

كنت في منتصف طريقي للخروج في آخر الردهة، حتى سمعتها تناديني. لَما عدت ودخلت مكتبها، كانت تحمل دفتر شيكات بيدها، كتبت شيئا ما على الشيك، ثم سلمته لي. بعد ذلك اقتادتني لمتجر الكتب.

بادرتني بالقول “استخدمي هذا للحصول على مستلزمات المختبر التي تحتاجينها” ثم قالت “ولكن أريد شيئًا واحدًا منك. إذا نجحتي فالنهاية في بلدك، عليك أن تفعلي هذا الشيء لطالب يمر بمثل حالتك “.

أشعرني ذلك بالحرج بشكل لا يصدق مع أنه قدم لي راحة كبيرة، وقد شكرتها بحرارة وفعلت كما وجهتني. وقد نجحت خلال ذلك الفصل الدراسي بدرجات جيدة بما يكفي لأن أعود إلى المنزل وانا أحمل شعور الإنجاز المكسوّ بالتواضع.

تمر علي أوقات كثيرة وأنا افكر بتلك المرأة. فطلابنا الذين يبلغ عددهم 40,000 طالب غالبا لن يتعرضوا لمثل تلك التجربة. ولكن في الواقع، فإن هناك العديد من المفاجآت غير السارة التي تواجه للطلاب. لذلك، عندما ألاحظ أن أحدهم متعثر أكاديميًا أو اجتماعيًا أو ماليًا أو عاطفيًا، أدعوهم لتناول غداء سريع، أو أتجول معهم قبل أو بعد المحاضرة؛ لأحادثهم.

فالتحدث والاستماع لا يكلفان المرء شيئا، لكنهما يحملان قيمة للطرف الآخر. بهذه الطريقة أحاول تلبية طلب تلك الأستاذة الكريمة، عن طريق تكرار ذلك المعروف الأكاديمي الكريم. يؤسفني فقط عدم معرفتها بذلك.

  • جينيفر شنيلمان (Jennifer Schnellman) أستاذة مشاركة في علم الصيدلة بجامعة أريزونا.

 

 

الوقوف بوجه القسوة

فيليب موريارتي

أكتب هذا المقال، ولم يتبق سوى شهر واحد على الكريسماس، وعلى الأكاديميين والطلاب كتابة رسائلهم لبابا نويل والتطلع لموسم الاحتفال، بعد قضائهم الفصل الدراسي في القاعات الدراسية، وغرف الندوات، وورش العمل والمكتبات.

باستثناء اليوم، الذي يعتبر هو اليوم الأول من إضراب أعضاء اتحاد الجامعات في المملكة المتحدة. هذه المرة، ليس الأمر متعلقًا بالرواتب التقاعدية فقط، بل يشمل أيضًا احتجاجًا على الأجور، ومعايير المساواة والعقود المؤقتة وضغط العمل. لكن ردة فعل الجامعات معروفة من خلال الإضراب السابق عام 2018، حيث تم اتخاذ إجراءات صارمة ضد المضربين والطلاب الذين يدعمونهم.

من الواضح أن الإدارة العليا والموظفين رفيعي المستوى لن يكونوا مدرجين في قوائم بطاقات عيد الميلاد هذا العام. ومن المهم ألا يغيب عن بالنا أن روح الزمالة والحس الاجتماعي مازالا موجودين بين الطلاب والموظفين -من عمال النظافة إلى الأساتذة- عندما يتضامنون مع بعضهم البعض، حتى في خضم هذه الأيام التي نشهد فيها تزايدًا من خصخصة الجامعات ومسخ هويتها الذاتية.

وقد كان ذلك موجودًا وواضحًا لي خلال الخمسة وعشرين عامًا الماضية في قسم الفيزياء وعلوم الفلك في جامعة نوتنغهام. في الواقع، فإن ذلك الأسلوب الإداري المعتمد على المقاييس -الذي يفتقد الكفاءة غالبًا- لم يساهم في التقريب بين الإدارة ورعيتها، بل ساهم في تعزيز عقلية “نحن” و “هم”. وأنا في الحقيقة متردد في تشبيه عنادهم بعناد دنكيرك، خصوصًا في هذه الأيام التي تشهد انتظارًا لانهيار بريطانيا بسبب خروجها من الاتحاد الأوروبي، لكنها بكل تأكيد تجسد مقاومة تضامنية من داخل البيئة التعليمية.

هناك أشياء تنمّي ثقافة الإحسان، على بساطتها؛ لأنها تقف بوجه تلك الإدارة ذات المقاييس وجداول الترتيب الطويلة المعتمدة على إحصائيات كاذبة. فلا أحصي عدد المرات التي يبذل في الموظفون والطلاب جهدًا إضافيًا لكي يضيفوا البهجة على حياة أحدهم. والأمثلة على ذلك لا تحصى بداية من المنسقين في غرف الفطور الجامعية الذين يضعون الفواكه والبسكويت والكعك حسب تفضيل كل شخص، أو التلاميذ الذين يقدمون هدايا أو بطاقات شكر لمعلميهم. أو أولئك الأشخاص المجهولين الذين اقتطعوا جزءًا من وقتهم فقط ليرشحوا أعضاء هيئة التدريس للجوائز المختلفة. ولا ننسى أيضا الخريجين الذين يرسلون بريدًا إلكترونيًا مفاجئًا بعد فترة طويلة من تخرجهم؛ ليصفوا باعتزاز وامتنان ذلك الوقت الذي قضوه في الجامعة.

فهذه الأفعال اللطيفة العشوائية تجعلك تبتسم، وإن كانت في بعض المرات تجعلك تبكي. ففي أحد المرات قبل سنوات، كنت أتحدث على هاتفي عندما طرق الباب. اعتذرت من الذي أحادثه وأغلقت المكالمة بسرعة، وذهبت لفتح الباب. إذا بي أرى صندوقا مليء بالشوكلاتة وبه بطاقة تحمل رسالة بسيطة: “شكرا على كل شيء”. كانت الرسالة من طالب مصاب بتوحد شديد، فكنت أتواصل معه بشكل دائم على أعوام حتى أنهى درجته العلمية. وأنا لا أذكر متى أخر مرة نشرت بحثّا أو آخر منحة بحثية أو كم مرة أقتبس الباحثون من أبحاثي، لكن تلك اللحظة على بساطتها مازلت أذكرها؛ لأنها تعني لي الكثير.

  • فيليب موريارتي (Philip Moriarty) أستاذ الفيزياء بجامعة نوتنجهام.

 

 

الإنسانية المتطرفة

سارة بيرتون

قيل لي ذات مرة أن “الإحسان زيادة ومكافأة” في البيئة الأكاديمية؛ لأن كل ما ندين به لبعضنا البعض هو “المهنية” بأي معنى كانت.

في الحقيقة أنا لا أتفق مع أولئك الذين يعتبرون الإحسان داخل البيئة الأكاديمية بصفته استراتيجية للبقاء في وسط تلك البيئة اللاإنسانية والنيولبرالية التي تشجع العمل المرهق والتنافسي. فأنا اعتقد أن الإحسان له قيمة تحمل معنى أكبر من ذلك.

فالتعامل بشكل لطيف متعلق بتعزيز الثقافة الأخلاقية والاحترام وعدم التعامل الطبقي -حسب المنصب والمكانة- في أفعالنا اليومية، وذلك هو ما نعتقده في تفاعلاتنا اليومية وحياتنا العلمية والعملية.

ولكن ما هو معنى كوننا “لطفاء” في البيئة الأكاديمية؟ كيف يمكننا أن نجعل اللطف يتجاوز الأشياء العملية إلى الابتسام والتواصل مع زملائنا؟

الحقيقة كان لدي بعض الأمثلة الملهمة من أستاذتي الذين وجهوني لهذا الطريق، ومنهم المشرفتين على رسالتي للدكتوراة: هايدي (Heidi) وماتشيلا (Michaela). فقد طلبوا مني في أول الأيام أن أخلق لي مساحة تعتبر “ملاذًا” تساعدني على الهدوء الذي يعتبر وقاية لي وموازنةً من الضغوط والخلافات التي قد تحدث في حياتي الأكاديمية. لذلك في وقت الإشراف كنا نتحدث عن الكتب أو الطعام أو التلفزيون، فنقضي وقتنا بتبادل التوصيات والمراجعات وأكل المكرونة الفرنسية.

صحيح أن ذلك يبدو تافهًا، لكن معرفتك بذوق الأخرين وميولهم وحساسيتهم، يجعل ما تفعله في ثنايا هذه العلاقة الأكاديمية يعبر عن ارتباط عاطفي بإنسان آخر ليس فقط ارتباطًا أكاديميًا. وذلك يجعلنا أكثر وضوحًا وانفتاحًا وصدقًا مع بعضنا، ويعزز قدرتنا على التصرف باهتمام معهم. فهذه المراعاة لمشاعري والسخاء في تعاملهم معي، خلقت روابط مجتمعية من الثقة بينت لي أن جلسات الإشراف ستكون آمنة وداعمة لأي شخص.

هناك شخص مبهج في حياتي الأكاديمية أسميها شريكتي في الجريمة، وفي رواية أخرى شريكتي في البحث هي: فيكي (Vikki). قبل سنوات قليلة من بدء مسيرتي المهنية، كان لها دور فعال في إثبات أنه بإمكان الشخص أن يكون مفكرًا وعالمًا جادًا مع اتصافه باللطف. وطريقة فيكي في ممارسة أخلاقيات الرعاية الأنثوية (feminist ethics of care) هي: أن كل زجاجة من الشراب نفتحها تعتبر فرصة لمشاركة همومنا والتحليل الفكري[1] – دون أن يتفوق أحدنا على الآخر – وأيضًا لمناقشة التجارب التي خضنا ووجهات نظرنا فيها دون أن نقلل من قيمتها، فذلك يجعل هناك تضامن حقيقي يشعرك بأنك لن تضطر لشرح ما في نفسك حتى تُفهم.

وقد لاحظت أن هذه الطريقة تطبقها زميلتي في المكتب إيما (Emma). فمع أن الوسط الأكاديمي يتصف بالقسوة إلا أن أحد ألطف الأفعال التي فعلتها هو ببساطة تصديق أي أحد يخبرها عن تجاربه، دون تطلّب تفاصيل أو إثبات، فقد خلق هذا لي ملاذًا آمنا وسأظل ممتنة لها على فعلها هذا.

الأوساط الأكاديمية، غالبا تكون قاسية وغير متسامحة؛ وقد وصفت بأنها “آلة لصنع القلق”. إن الالتزام الزائد بالمهنية يعزز الأنانية، ويجعلنا نخرج عن طبيعتنا في التعامل خلال العمل. وفي المقابل فإن جميع أعمال الإحسان التي عاصرتها جعلتني أوقن بأن العمل الأكاديمي يحتاج شخصية قوية وفي نفس الوقت مرنة في التعامل.

في الختام، أن هذا النوع من الإحسان المفرط يجعلنا ندرك أننا دائما أعلى من وظائفنا، وأن إنسانيتنا لن تختفي عند دخولنا أماكن عملنا.

  • سارة بيرتون (Sarah Burton) هي زميلة في زمالة ليفرهيوم وتعمل في قسم علم الاجتماع في جامعة سيتي بلندن .

اقرأ ايضاً: كيف يمكن للأكاديميين أن يحسّنوا حياتهم

 

[1] – تعبر المقالة عن توجه مؤلفيها وقيمهم، وليس بالضرورة أن تتبنى أثارة تلك التوجهات. (المراجع)

المصدر
timeshighereducation

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق