عام

النَّص وعملية الخلق

في يومٍ من الأيام كنتُ في لقاءٍ مع مجموعةٍ من محبي الأدب، سألني أحدهم بشكلٍ مفاجئ، عن أهمِّ “النِّعم” التي مُنِحها الإنسان؟

أتذكر أني أجبتُه – أيضًا – بشكلٍ مفاجئ: أنها نعمةُ القدرة على الكتابة!

وإلى اللحظة.. ما زلتُ أعتقدُ أنَّ قدرةَ الإنسانِ على الكتابة؛ نعمةٌ كبرى، لا تتحققُ لكثيرٍ من النَّاس!

الذي يجعلني أقولُ ذلك؛ أنَّ الكتابةَ تقومُ بعمليةِ تجسيدٍ حقيقي للأفكار، والمشاعر، والخواطر، وتحولها إلى كائنٍ حي، أو إلى بنيانٍ لا تخطئه العين!

تجعلكَ قادرًا على ترجمةِ الحزنِ النَّبيل الذي يسكنُ في أعماقك، تغنيكَ أو تعفيكَ عن الحديث، وتجعلُ منكَ صانعًا أو خالقًا للنَّص الذي لولاكَ ما كانَ موجودًا بالصورةِ التي أظهرتها!

جميعنا يجيدُ القراءة والكتابة كعمليةٍ آلية، لكنَّ الجميع أيضًا لا يجيدُ القراءة والكتابة كعمليةٍ إبداعيةٍ ابتكارية، وهنا يكمنُ الفرق، ومن هنا تأخذ الكتابة حظوتها على اعتبارِ الندرة فيمن لهم القدرة على الإبداعِ والابتكار والإدهاش!

البدء في عمليةِ خلقِ النَّص أو صناعته، هو الميزان في التفاوت بينَ الكُتَّاب.. فثمة من يقتنصُ فكرةً صغيرة أو هامشية فيجعلُ منها شيئًا ذا بال، وهناكَ من ينظر إلى شيءٍ مشاع دارت عليه العيون ثم غضَّت الطرفَ عنه.. وبقي أثره قائمًا في عقله وكيانه، ولا سكونَ له إلا بتجسيدِ تلكَ اللحظاتِ التي أحسَّ بها دونَ غيره!

للكتابةِ روح، ومتى ما فُقِدت باتَ المكتوبُ جثة هامدة لا خيرَ يُرتجى منه.. هناك من يكتبُ فتجد الروح تحومُ في المسطور؛ تشعرُ بحرارةٍ تسري في جسدك، شيء ما يربطكَ بالكاتبِ والمكتوب، ولو كانَ حاجزُ الزَّمنِ والمكانِ بينكما كثيفًا.. وثمة من يكتب، وإذا وقفتَ على ما كتبَ من بعيد؛ رأيتَ عجلًا جسدًا له خوار، وفرقٌ بينَ خوارٍ وروح!

دويُّ الكتابة الذي يعتملُ في أعماقك، صوتٌ داخليٌ ناشئٌ عن حاجةٍ للإفضاء، للبوح، هو الصراخ الذي تسمعه أنتَ دون سواك، الضجيج الذي لا يهدأ إلا بإبداعٍ مسطور في بطنِ الكتاب، والدَّوي هو ذاته “حرقة الرُّوح”، وهيجان المشاعر، وهاجس الإبداع الذي يستحيل إلى عملٍ إبداعيٍّ فاخر. كما قال سارتر في السيرة الذاتية: “كان هناك َمن يتكلمُ داخل رأسي”.

ويمكننا أن نقول إنَّ الدَّوي هو ما يُمسى بـ” الوخزة المقدسة” التي لا تسكنُ إلا بعملٍ عظيم، يستحقُّ البقاء والخلود، فإن كنتَ ممن رُزقَ بتلك الوخزة، فستجد أنَّ الأفكار تتزاحمُ في داخلك، وتشكِّل ما يمكنُ أن نسميه بـ دوي الصَّمت المفضي إلى الإبداع!

والكاتبُ الجيد هو ذاك الذي يجيدُ الإصغاء لهذا الدَّوي، ويتقنُ لغةَ الصَّمت التي تُترجَم إلى بنيانٍ مكتوب، يصغي بجوارحه جميعًا لكلِّ ما حوله ومن حوله،  الإصغاء بكافة الحواس، الإصغاء لكلِّ حركةٍ أو صوت. صوت الريح وهي تئز ، والمطر ينقرُ زجاجَ النَّافذة. صوتُ الوداع الذي يُذيبُ القلب لوعة، وصوت البعيد الذي يحفرُ ندوبًا في جدرانِ الذَّاكرة. وصوتك الداخلي الذي يتوسلُ الحديثَ إليك، وصوتُ الحياة والرحيل.

وكلما توغَّلَ الكاتبُ في غياهبِ الإصغاء والصَّمت، وتأصَّلت العادة في جوارحه، كانت أدعى لثراءِ حِسه وغنى ذائقته؛ لتُمَكِّنَه من توظيفها أجلَّ توظيف. ففي الطَّبيعة كمٌّ هائلٌ من عذبِ الكلمات، والمواويل، والقصائد، وما عليك إلا أن تُحسنَ الإصغاء وتغترف.

والمقرر إلى حدِّ اليقين؛ “أنَّ لحظة الكتابة هي اللحظة المقدَّسة التي تتمثلُ فيها الفكرة في قالبِ اللغة، وتخرجُ من وجودها الكامن في الوعي إلى وجودها الحقيقي في عالمِ الوجود” كما يقول الأحمري.

الكتابة هي بقعةُ الضَّوء التي تضفي بأثرها على المتلقي، فتضيءُ فيه شيئًا من نورِ المسطور! والكتابة حياةٌ قائمة بذاتها، تحيي وتميت.. وتصنعُ في الآخر ثورة عارمة، اشتعلتْ في قلبِ صاحبها، فأودعها في بطنِ كتاب!

وهي روحٌ تسري بين قلبَي المنشئ والمتلقي.. فإن وُجدتْ تلك الروح؛ استقرت في الذهن، وآتت مرادها، واستحقتِ الخلود! والكاتب الذي لا يخلقُ الحياةَ في المكتوب، سرعان ما تسري عليه قوانين الفناء والنِّسيان!

ووحده الكاتب من لديه قدرة فريدة على ترجمةِ أفكاره في قالبٍ واضح؛ ومَلكَة مدهشة على انتشالِ الفكرة من هوةٍ سحيقة، أو احتوائها من فضاءاتٍ متعددة.. ثم يُصهر كل ذلك في بوتقةٍ مثيرة، تسرُّ الناظرين! والكاتبُ لا يصبحُ كاتبًا إذا لم يكن ممتلئًا بالإحساس المرهف، ولديه مكْنة على التقاطِ الفكرة العزيزة من مكانٍ عابر لم يخطر على بالِ غيره! وتخليده لقدسية اللحظاتِ التي يمرُّ بها.. فإذا رأى صورة مرسومة بريشةِ عبقريٍّ فنان؛ رأى فيها ضربًا من ضروبِ الشِّعر الذي يُرى ولا يُسمع، فإذا جرَّدَ أسلةَ قلمه وكتبَ عنها من بُعده الفكري الخاص، وإحساسه المرتفع، ونظرته المتفردة؛ أدهشَ صاحب اللوحة، إذ لم يدر في خَلده أن يأتي من يكتبُ عنها كل هذا الجمال الفاتن! وتجده إذا نفخَ الرُّوح في فكرةٍ غير مطروقة، وتناَولَها؛ جعلَ منها كعبة تُشدُّ إليها رحال القرَّاء، بعد أن كانت بقعةً نائية لا يُلتفتُ إليها!

ومن أهمِ صفاته الكبرى؛ امتزاجه بهمومِ الإنسان، ووقوفه على مكنوناتِ النَّفس، وقدرته على أن يكون ناطقًا رسميًّا للإنسانِ المهدور! على اعتبار أنَّ “الإنسان الذي يكتبُ عن نفسه ووقته الخاص هو الإنسان الوحيد الذي يكتبُ عن جميعِ البشر” وما الأديب لولا الحديث عن نفسه؟ وترجمة المشاعر المكبوتة التي يعجز الحديث عنها ملايين البشر، وحده الأديب من يستطيع أن يبوحَ بها بصوتٍ مسموع، نيابة عنهم، الكاتب متطوعٌ عظيم، جعلَ من نفسه مِرآة لمن خدشتهم الحياة، وأمضهم الطريق، وفقدوا أوطانهم، وأصابتهم الغربة، فكل إنسانٍ لم يعد لديه وطن، تصبح الكتابة له وعنه مكانًا ليعيش فيه. إنها العزاءُ الخالد.

 في ليلةٍ من الليالي، كنتُ في أحدِ المطاعمِ أتناولُ وجبةَ العشاء.. كان ليلتها رفيقي يحدثني عن الكتابة.. كيف بإمكانه أن يكتب، أن يسطِّر ما يجولُ في داخله.. وقبلَ أن نتحدث، قدمتْ إلينا فتاة عشرينية تسألنا عن الوجبةِ التي نرغبُ في تناولها..!

ليلتها، رأيتني غبتُ قليلًا.. ثم قلتُ له: هل تصدِّق، أنني اللحظة فكرتُ أن أكتبَ شيئًا.. قال لي الآن الآن.. قلتُ له: نعم.

– عن ماذا؟

– هل رأيتَ الفتاة التي كانت تقفُ أمامنا..؟

– نعم

– لحظةَ رأيتُها، وجدتني أتخيلها يوم خرجت إلى الدنيا، تأملُ في حياةٍ مدهشة، مختلفة، كأني أرى الدَّمع وقد أغرقَ العين فرحًا بمقدمِها، ثم سنواتها المتتالية وهي تكبر وتكبر في احتفاءٍ ودلال، وحجم الآمالِ والأمنيات في عيني أبويها لفتاةِ القَدَر..! فهل تظنُّ أنها كانت تحلمُ في يومٍ من الأيام أن تكونَ نادلةً في مطعم؟!

– رمقني باستغراب.. وقال لي: ما علاقة كل ذلكَ بحديثنا؟!

– إنَّ وراء كل إنسان قصة تستحقُّ أن تروى.. والجميع لا يستطيعُ أن يرويها أو يبوحَ بها.. الكاتبُ فقط، هو المخولُ أو من له قدرة الولوجِ إلى أعماقِ النَّفس، وتقمص الأدوار المختلفة بتعددِ الخلائق، والحديث عنهم؛ ليكونَ ناطقًا، ولسانًا يثرثرُ عن الفجواتِ المنسية في حياةِ الإنسان، والتي لا يسدها إلا قلمُ الأديب!

 منذُ دلفتُ إلى عالَم الكتابة، تعرفتُ على العديدِ من الأصدقاء من شتَّى البقاع، من أصحابِ الهمِّ المشترك، استفدتُ منهم كثيرًا، نالني شيءٌ من التَّأثر ببعضهم، فمنهم من رحلَ، ومنهم من بقي حتى اللحظة يمارسُ رسالته بطريقته الخاصة!

الذي لفتَ نظري في السَّنواتِ الماضية التي مرت بي: القدرات والمواهب عندَ كثيرٍ من الأشخاصِ الذين التقيتهم.. ومدى المحافظة على الهباتِ التي رزقوا بها، والبناء عليها، وتعهدها..!

وفي اللقاءِ الذي حدثتكم عنه سابقًا مع بعضِ محبي الأدب، ذكرتُ لهم أمثلة ممن مروا بي، ما بينَ ترقٍّ وانحدار.. وحول هذه الفكرة، أستطيع أن أنظمهم في أصنافٍ ثلاثة، على النَّحو الآتي:

  • الصنف الأول: كتَّاب مواهبهم عالية، لكنهم اعتمدوا على خزَّان الموهبة فقط، المادة الخام التي بداخلهم، فكانوا ينثرونَ حديثهم، وكتاباتهم، وأفكارهم منه، ثم سرعان ما أوشكَ على النَّفاد، فوجدتهم يكررونَ أنفسهم، وذهبَ البريق الذي كان ينبعثُ منهم؛ ولهذا لم يتقدموا كثيرًا، وباتت أطروحاتهم، وكتاباتهم، وحديثهم، تفتقد للعلو، وتتسم بالتكرار، واجترار الأفكار التي تخطَّاها الزمن.. لأنهم لم يضيفوا مادة أخرى إلى المادة الخام التي كانت تملأ خزان الموهبة لديهم، فتوقفوا كنتيجةٍ حتميةٍ لمن تخلى عن المضيِّ قدمًا!
  • الصنف الثاني: كتَّاب كانوا يتمتعونَ بمواهب فذَّة، ثم أضافوا إلى مواهبهم، قدرات متعددة اكتسبوها، فالتقى الموجود مع المكتسب، ليرتقي إلى أماكن عالية استحقَّ أن يصلها، وما زال العلو مستمرًا.
  • الصنف الثالث: تعرفتُ على أشخاصٍ كان خزَّان الموهبة لديهم فارغًا أو كاد، لكنهم لم يتوقفوا عنِ المحاولة، والانتقال إلى الشيء المكتسب تعويضًا للموهبة الضئيلة، كان الجهد مضاعفًا، إذ وجدوا مشقة عسيرة في هذا الطريق، لم يستسلموا، ولم يتوقفوا في منتصفِ المسير، إلى أن وصلوا إلى مكانٍ يليقُ بجهادهم في سبيلِ التغيير والتقدم واكتسابِ المعرفة..!

هؤلاء الأصناف الثلاثة مروا على أغلبنا، وقد نكون أحد هذه الأصناف، وما يهمني في ذكر هذه التصنيفات، الإشارة إلى عدم إهمالِ الموهبة التي مُنحتها، وأن تتعهدها، وترممها، وتحافظ عليها، ومن ثمَّ لا تكتفي بها، كي لا تنضب، فتتوقف عن المسيرِ والعطاء، وتُحرَمُ من شريفِ النِّعمة! والموفق من جمعَ بينَ الموهبةِ والجهد، والإكبار لمن حُرِمَ الموهبةَ فسدَّ النَّقصَ من أنفاسه، وشقَّ طريقه في دروبِ الحياة متسلِّحًا بالإيمانِ بذاته، وحلم الوصول إلى النِّهاياتِ التي لا ينبغي التَّخلي عنها.

وتوصيفي للكتابةِ بـ “النِّعمة” مفهومٌ يدركُ حقيقته من رُزقها، على أنها نعمةٌ مضنية، نعمةٌ شاقة؛ لأنَّ الكتابة فرسٌ لا تنقادُ  إلا لخيَّالٍ ماهر، والفرسُ من “الفراسة” ومن  “الفروسية”، والفروسية هي الحذق بأمرِ الخيل، وإحكام ركوبها، وهنا يبدو لي أنَّ المهارة بالكتابة تحتاج هي الأخرى إلى حذقٍ وإحكام ركوب، فضلًا عن الفراسة في  اقتناصِ الفِكرة.

ختامًا: الكاتبُ الحاذقُ من ابتعدَ عن الحشو، والإغراق في التَّقليد، والغريبِ من الألفاظ، والتكلُّف، والعُجمة، والفرار من التكرار الذي يشي بفراغِ صاحبه.. والسَّمو عاليًا بكتابةٍ رصينة، تليقُ بالحرفِ وعظمةِ الكلمة! يستطيع الكاتب أن يفتحَ الأبواب المغلقة، وأن يكون جسرًا ممتدًا يسير فيه القارئ إلى أرضٍ مستحدَثة، تشكلت من أثرِ المسطور، الذي أسهمَ في تراكمٍ معرفي، أفضى إلى رؤيةِ مالم يُرَ من قبل!

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى