فكر وثقافة

الذكرى العاشرة لوفاة هوارد زِن

(حِكَمٌ من المؤرخ المناصر للشعب)

  • بيل بقلو
  • ترجمة: رفا العثيم
  • تحرير: ريم الطيار
  • مراجعة: محمد عبيدة

يشهد اليوم السابع والعشرون من فبراير الذكرى العاشرة لوفاة المؤرخ البارز والناشط المناضل هَوارد زِن. لم يؤرخ “هوارد زن” التاريخ وحسب، بل شارك بصنعه؛ من خلال عمله أستاذا في كلية سْبِلمان في الخمسينيات وحتى أوائل الستينيات، هناك حيث طُرد منها بسبب تأييده المعلن لطلبة حركة الحقوق المدنية، وخاصةً اللجنة الطلابية المُنسقة ضد العنف (SNCC)؛ لانتقادها لحرب الولايات المتحدة في فيتنام، بل ولكتابته أول كتاب يطالب بالانسحاب العاجل للولايات المتحدة، ولتأليفه أيضا للكتاب الذي يمكن لنا أن نقول إنه أكثر المصادر التاريخية المطبوعة تأثيرا في الولايات المتحدة: “تاريخ الشعب”. الكتاب الذي كان يعنيه بطل فيلم good well hunting في قوله: “ذاك الكتاب سيصفع قفاك!” كنايةً عن محتواه الجريء والمؤثر.

إن الغوص في أرشيف دراسات هوارد زِن يستحق العناء في أي وقت كان، لكن لبدء الولايات المتحدة التلاعب في حرب جديدة بالشرق الأوسط، ولبدء الحملات السياسية إطلاق تساؤلات جذرية عن نوع الدولة التي سنصبح عليها، وأيضا لاحتمالات مواجهة العالم لكوارث بيئية، أمسى هذا الوقت جيدا لتذكر بعض من حكم هوارد زن.

مباشرة بعد انتخاب باراك أوباما، أطلقت مؤسسة زِن التعليمية: خطاب زِن، لمئات الأساتذة في المؤتمر السنوي للمجمع الوطني للدراسات الاجتماعية في هيوستن. وخلاله ذكّر زِن الأساتذة أن الغاية من تعلم الدراسات الاجتماعية ليس حفظ الحقائق وحسب، لكن الغاية أن نغرس إرادة تغيير العالم في قلوب الطلاب. وألمح قائلا “هم الهدف الصغير اللطيف” وبريقٌ يملأ عينيه.

وفي حديثه المرفوع على الشبكة كفيديو، وكذلك المتوفر في نسخة مكتوبة، ألحَّ زِن على أنه يجدر بالمعلمين أن يساعدوا الطلاب في تحدي “المسلّمات الجوهرية التي تحبسنا داخل صندوق معين.”؛ لأنه وبدون إعادة النظر الناقدة للمسلمات المتعلقة بتاريخ الولايات المتحدة وبدورها الذي تلعبه في هذا العالم، فإن “الأمور لن تتغير أبدا.” مما يعني أن العالم سيبقى بين الحروب، والجوع، والأمراض، والظلم، والعنصرية، والتمييز الجنسي.

وأهم مسلمة تحتاج إلى أن تكون موضع تساؤل حسب زِن، هي مفهوم “مصالح الوطن”. تلك الكلمة الشائعة في الخطابات السياسة والتعليمية لدرجة أنه من الصعب الانتباه لها.

 نوَّه زِن أن أسطورة العائلة الواحدة يرجع أصلها إلى تلك الجملة الاستفتاحية في الدستور “نحن شعب الولايات المتحدة….” بينما يؤكد زِن أنه لم يكن “نحن الشعب” من أصدر الدستور في فيلاديلفيا، بل كان خمسة وخمسون رجلا غنيا أبيض، وتم نسيان أو تجاهل هذه الانقسامات الطبقية والعرقية في كتب المدارس، بما في ذلك ثورة المزارعين التي قامت في غرب ماساشوستس مباشرةً قبل اتفاقية الدستور عام ١٧٨٧م. ولا شك أن الدستور يحتوي على مقوماتٍ ديمقراطية، لكن زِن ناقش ذلك قائلا بأنه: “فرض حكم ملاك العبيد، وأصحاب الأموال، وأصحاب الصكوك والمواثيق”.

ألقى زِن خطابه للأساتذة في مؤتمر الدراسات الاجتماعية التابع للمجمع الوطني عام ٢٠٠٨م. ومقطع الفيديو متاح على الشبكة ومفرغ كتابيا؛ وفقا لزِن، فإن دراسة التاريخ مع الأخذ بالاعتبار الصراع الطبقي والعرقي والجنسي ليست أكثر دقة وحسب، بل أيضا ستزيد من احتمال عدم تمرير الطلاب -وكذلك باقي الناس- لجمل مثل: “المصالح الوطنية”، و “الأمن القومي”، و “الدفاع عن الوطن” كما لو كنّا جميعا على وتيرة واحدة.

بينما يقول زِن للأساتذة في هيوستن: “كلا، ليس لدى الجندي المرسل إلى العراق ذات المصالح التي عند رئيس الوزراء الذي أرسله إلى العراق. مصالح الرجل الذي يعمل في خط إنتاج شركة جينرال موتورز ليست هي مصالح الرئيس التنفيذي للشركة، كلا! دولتنا دولة المصالح المتعددة، ومن المهم أن يعي الناس ذلك. “

والمسلمة الأخرى التي قررها زِن، تلك التي أصبحت أيقونة ومعتقدا عند جمهور قناة فوكس نيوز، هي (الاستثنائة الأمريكية).

إنها القول بأن الولايات المتحدة أكثر تحررا، وأكثر سموًّا، وأكثر تعددا، وأكثر ديمقراطية، وأكثر إنسانية من كل البلدان، أما بالنسبة لزِن فالولايات المتحدة: “إمبراطورية مثل أي إمبراطورية أخرى. لقد وُجدت الإمبراطورية الهولندية، ووجدت الإمبراطورية الأسبانية، والإمبراطورية الإنجليزية، ونعم، نحن الإمبراطورية الأمريكية” توسعت الولايات المتحدة عن طريق الخدعة والسرقة والغزو، تماما مثل باقي الإمبراطوريات، رغم أن المناهج والمقررات تلمع هذا الاستعمار المتسلط بمصطلحات تبدو أكثر شرعيةً، مثل: قولهم صفقة لوزيانا، والتنازل المكسيكي.

الوطنية هي المسلمة الأخرى التي نحتاج لمناقشتها، فحسْب ما قال زِن للأساتذة في هيوستن: “حين تنشأ الأجيال وهي مقتنعة أن الوطنية تعني الطاعة العمياء للحكومة فهذا سيضر بالجميع” وعادة ما يعتمد زِن تفريق مارك توينز بين الدولة والحكومة؛ ففي عام ٢٠٠٨ حذر زِن جمهور دينفير قائلا: “هل الوطنية تعني المناصرة لحكومة بلدك؟ كلا فهذا تعريف الوطنية في الدولة المستبدة”. وورد هذا في كتاب (هوارد زين يتحدث) الذي حرره أنثوني أرنوف. (دار هايماركيت بوكس، ٢٠١٢).

وخوض الحرب نيابة عن الوطن يعتبر أسمى مراحل الوطنية، وكل شيء يقول هذا، بدأً من دعايات الانضمام للجيش التي تشبعت بها مدارس الثانوية وحتى منهج الدراسات الاجتماعية الذي يعرض صورًا لقوات الولايات المتحدة، وهي تقاتل ببسالة “الجنود الأعداء” تحت موضوع عنوانه “عملية تحرير العراق” في مقرر مدارس الثانوية الذي يسمى: تاريخ العالم الحديث.

ينهي هوارد زِن هذا التضليل المنهجي ويقول: الحرب هي الإرهاب، فليس الإرهاب إلا الاستعداد لقتل الكثير من الناس لأسباب يُظن بأنها وجيهة، هذا ما يحوم الإرهابيون حوله”.

وقد طالب زِن بإعادة التفكير حول الزعم بأن الحرب ضرورة، هذه المطالبة التي لم تؤخذ بجدية في أي من مقررات التاريخ بالمدرسة الثانوية التي رأيتها، بل وبدلًا من ذلك، يروج للحرب عند الأمريكيين -خصوصا للشباب الذي يخوض هذه الحروب-وكأنها الطريق لنشر الحرية والديمقراطية، وكما قال زِن في عدة محافل: إن لم تكن على علم بتاريخك، ستكون وكأنك قد ولدت البارحة، وحينها سيمكن للقادة أن يخبروك بأي شيء يريدونه، ولن تكون قادرًا على معرفة إن كان ما يقولونه هو الحق أم لا.

أراد زِن أن يكون المعلمون ناقدين بحذاقة، لكن لا يعني ذلك أن يكونوا حاقدين (ناقدين لكل شيء). أثناء حديثه للأساتذة في هيوستن، أكد زِن على حاجتنا لمراجعة مسلمة أخرى مزعومة، وهي افتراض أن النهضة تأتي بمجهود أفرادٍ عظماء، وأشار إلى أن أبراهام لينكولن مثلا لم يكن مناهضا للرِّق، وحين ترشح للرئاسة عام ١٨٦٠م لم يعلن إلغاء استرقاق العبيد في المناطق التي تعاني منه، بل كانت “حركة مناهضة الرّق الموسعة” من دفع لينكولن إلى إعلان تحرير العبيد، ومن دفع المجلس التشريعي إلى التعديلات الثالثة عشر، والرابعة عشر، والخامسة عشر. (أرقام تعديلات دستورية أعلنت حرية الرقيق، وحقهم بالمواطنة، وحقهم  بالتصويت).

ودعا زِن المعلمين إلى نشر وتعليم تاريخ الشعب قائلا: “لم يأتِ الإصلاح ورفع الظلم من الأعلى، من الرئيس أو البرلمان أو المحكمة العليا، فبغض النظر عما تعلمناه في المرحلة الدراسية المتوسطة من أن نظام الحكم يتفرع إلى ثلاث فروع، وأننا نملك مراقبة أمينة وموازين ثابتة، وأنه نظام متقن وما إلى ذلك. بغض النظر عن هذا، إن الإصلاح، وخصوصا الإصلاح الجذري الذي مررنا به، لم يأتِ من فروع الحكومة الثلاثة هذه، بل جاء بتفاعلها مع الحركات الاجتماعية.”

أما بخصوص اختيارنا لبعض الرموز في مناهجنا الدراسية واعتبارهم قدوات “نقدرها ونحترمها”، فقد دعا زِن إلى التخلص من تلك الأصنام العتيقة من السياسيين وقادة الجيوش، وقال: “ثَمَّ أبطال آخرون يمكن للشباب أن يحتذوا بهم، يمكن لهم أن ينظروا إلى من وقف ضد الحرب، إلى مارك توين كبطل، فهو الذي ناهض حرب الفلبين، ولهم أن ينظروا إلى هيلين كيلر كبطلة، فهي التي ناهضت الحرب العالمية الأولى، وإلى إيما جولدمان كبطلة، يمكن لهم أن ينظروا إلى فاني لو هِامِر كبطلة وبوب موسس كبطل، وإلى الشعب الذي شارك في حركة الحقوق المدنية: فهو بطل.

ولأجل ذلك، فإن أول مسلمات دراسة تاريخ الشعب التي نحتاج أن نتذكرها سواء في المدارس، أو في خارج إطار المدرسة، هي تلك التي ذكرها هوارد زِن للجمهور من معلمين الدراسات الاجتماعية في هيوستن “أن الشعب يتغير”. فلم ينتظر زِن من الرئيس أوباما أن يبدأ النقلة الاجتماعية، ولكنه نظر إلى انتخابات عام ٢٠٠٨ كتصديق على أن التاريخ الطويل للكفاح ضد العنصرية في الولايات المتحدة قد جاء بنتيجة لم تكن موضعا للتصديق قبل ثلاثين سنة، وهذا الانقلاب الشديد في الأوضاع يومئ لنا ببريق أمل.

وأثناء حديثنا عن هوارد زِن في ذكرى موته العاشرة، دعونا نعده واحدًا من بين العديد من أبطال العدالة الإنسانية الذين قدموا لنا برهانًا على أن سعي الشعوب يحدث فرقًا، على أن البسطاء قد يغيرون العالم.

هذه المقالة عبارة عن طبعة منقحة لعام ٢٠٢٠م  من مقال كُتب في ٢٠١٢ بعنوان “لو تعرفنا على تاريخنا” لمجموعة مشروع زِن التعليمي.

أعجبني المقال

المصدر
commondreams

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى