الدين

التوحيد بين الثبوت والالتباس المفاهيمي

  • كريم بنطلحة

“كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة وكثرت الإحالة”

“قد لا نوفق في بيان الحقائق التي توصلنا إليها، ولكن ذلك لا يعني فشلنا في الإشارة إليها”

“لا يعني القول عن أسئلة وموضوعات معينة بأنها متجاوزة، أنها متجاوزة فعلا. كما لا يعني عدم اكتراث البعض بأسئلة وموضوعات معينة، أنها غير ذات أهمية؛ إذ قد تكون تلك بالذات هي الأسئلة والمواضيع المصيرية حقا”

أهمية الأسئلة الوجودية وضرورة تحصيل أجوبة عنها

يمكن تقسيم الأسئلة التي يطرحها الناس، من حيث الأهمية، إلى ثلاث[1]:

أسئلة من غير الضروري الإجابة عليها، أسئلة من النافع تحصيل أجوبة عليها، وأسئلة من الضروري الإجابة عنها. وهذا القسم الأخير من الأسئلة هو ما يمكن تسميته بالأسئلة الوجودية. والأسئلة الوجودية هي أهم أسئلة في حياة الإنسان؛ إذ أنها ترتبط[2] بماهيته، وبوجوده الماضي والحاضر والمستقبل، وبمختلف مجالات حياته ومعاشه وسلوكه. فهي أسئلة:

الماهية: ما الإنسان؟ هل يختلف عن غيره في الطبيعة والماهية؟ إذا كان الإنسان مختلفا عن غيره فما الذي يجعله ذا طبيعة تميزه عن غيره من الموجودات؟

الأصل: من أين أتينا؟ ما أصل الوجود؟

المحيا: كيف ينبغي أن نحيا ونسلك؟

المصير: إلى أين نسير بعد الموت؟

المعنى: ما الغاية من الحياة؟ وما الغاية من كل فعل وعمل؟

ولكل إنسان عاقل سليم الإدراك أجوبة معينة عن هذه الأسئلة، سواء تلقى هذه الأجوبة عبر التنشئة الاجتماعية من طريق الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، أو توصل لها بعد إعادة النظر فيما تم تلقينه وما تلقاه، ونظره فيما توفر لديه من معلومات ومعارف، ليقف في النهاية على أجوبة معينة عن الأسئلة الوجودية.

وكل نفس لا تستطيع تحديد أو تقديم إجابات معينة على الأسئلة الوجودية فإنها تعيش بشكل ضمني وفق أجوبة ما عليها.

هذا، ويشكل مجموع الأجوبة التي تعتقد بها النفس حول: الماهية، والأصل، والمحيا، والمصير، والغاية من الحياة ومعناها، المنظومة العقدية[3] للنفس. والمنظومة العقدية هي ما يحدد الرؤية الكونية[4] للنفس إزاء الوجود والعالم والحياة، وهي ما يحدد للنفس مبادئ للقياس والحكم والتعيير في المعرفة والسلوك؛ إذ بمقتضى المنظومة العقدية التي تدين بها النفس فإنها تصدر أحكامًا بشأن: الصحيح والخاطئ، الصادق والكاذب، السلوك القويم والسلوك غير القويم، ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يتجنب، وتعمل وتسير وفق ذلك[5].

ولما كانت النفس الإنسانية معرضة للشك، والخطأ، والتوهم، فإنها تكون معرضة لمفارقة ما كانت تعتقد[6] به وتصدق به، وتسلك على أساسه. والنفس الإنسانية حين تشك فإنها لا تشك إرادة واختيارا، كما أنها حين تجد دليلا قاطعا فإنها لا تملك رده[7]، وإن غاب عنها فإنها لا تملك اختراعه إلا حال الاضطراب النفسي. إن الشك ليس تلبية لنداء: “عليك أن تشك” أو “عليك أن تشك في كذا”، ولكنه انوجاد في هذه الحال التي تسعى النفس بشكل طبيعي، إذا انوجدت فيها، إلى الخروج منها ورفعها وبلوغ اليقين الذي لا يتوقف العقل عن طلبه في موضوع، ولا تسكن النفس إلا بعد الوصول إليه. فالشك ظرف تجد النفس نفسها فيه فتحاول الخروج منه، وهو حال يعرض على النفس فتسعى لرفعه باليقين. والأصل في الإنسان الجهل؛ فالإنسان يولد وهو لا يعلم شيئًا[8]، ثم إنه يبدأ في التعلم واكتساب المعرفة بعد ذلك، ويحدث أن يطاله الشك إزاء ما تعلمه وما اكتسبه من معارف ومعلومات. ومما ينبغي أن يعلم أن الشك لا يكون شكا مطلقا سوى توهما؛ إذ أن النفس التي تدعي بأنها تشك في كل شيء فإنها تكون على الحقيقة واقعة في تناقض نظري؛ إذ كيف للعبارة “أنا أشك في كل شيء” أن تكون صادقة، وهي لو صدق مضمونها لنفاها؟!  إن من يدعي أنه يشك في كل شيء يكون ضمنيا غير شاك في قوله ذاك، وهو ما يعني أنه لا “يشك في كل شيء”[9].

“لا يلزمنا التخلص من الاستعارات، ولو كنا نستطيع القيام بذلك، ولكن ينبغي لنا أن نستخدمها في السياق المناسب”

“كثيرًا ما نشير لنفس المعاني، بكلمات وأفعال قد تصل إلى حد التناقض”

دور المفاهيم في بناء المنظومات العقدية[10]

سنحاول فيما يلي عرض بعض العبارات الشائعة التي يرددها الكثير من الناس، والتي لا يتبينون مدلولها الحقيقي. هذه العبارات تشتمل على ألفاظ يتم تصور معناها بشكل غير سليم، ومنه يتم استخدامها بشكل خاطئ. ولا يؤدي سوء التصور، والاستخدام الخاطئ هذا إلى مجرد أخطاء فرعية أو جزئية أو هامشية، بل إنه يتعداه إلى أن يؤثر في طبيعة المرجعية الوجودية، وفي فهم مضامين المرجعيات الوجودية التي يدين بها الناس[11].

تحتوي العبارات التي سنحاول تفكيكها على الألفاظ التالية أساسًا: الحقيقة، القوة، الطبيعة، القانون، الكون.

بالنسبة للعبارات المرتبطة بلفظ الحقيقة: تشاع كثيرا العبارات التالية: “الحقيقة لا توجد”، “الحقيقة نسبية”، “لا يمكننا الوصول للحقيقة”، “لا توجد وسائل تمكننا من بلوغ الحقيقة”…

العبارة الأولى: تنطوي هذه العبارة على التباس مفاهيمي؛ وذلك لأن القائل بهذه العبارة لا يحدد في قوله حقيقة ماذا التي لا توجد؟ إذ إن لفظ الحقيقة هو لفظ كلي مجرد[12]. فإذا كان المقصود بهذه العبارة أن معرفة كل شيء هي معرفة متعذرة عن النفس أو الإنسان، فإن هذا واقع ومدرك بالمشاهدة، والسماع، والتجربة؛ وذلك لأننا لا نعلم نفسا بشرية علمت، أو تعلم، أو ستعلم كل شيء، كما أننا نعلم بالمشاهدة، والسماع، والتجربة بأن معارف جميع الأنفس البشرية لا تساوي المعرفة بكل شيء؛ وذلك بدليل أننا نكتشف من حين لآخر معارف جديدة عن الإنسان، والطبيعة، والكون، والتقنية، وغيرها، لم نكن نعلمها قبل لحظة اكتشافنا لها، أو العلم باكتشاف غيرنا لها[13]. وأما إن كان مقصود القائل إنه لا يعلم حقيقة قضية أو مسألة ما بعينها، يجهلها، أو يريد التأكد منها، فعليه تحديدها.

العبارة الثانية: تدل الحقيقة كلفظ كلي على مجموع ما هو صادق وصحيح؛ أي على ما يطابق كل ما هو موجود، وهو ما نسمي معرفتنا ببعضه[14] إن كانت مطابقة فعلا لبعض ما هو موجود بالمعرفة الصادقة. وعلى الأفكار التي تكون متسقة غير متناقضة منطقيا[15]؛ مادامت مبنية على أفكار مجردة من الواقع الحسي.

بناء على هذا، يتبين أن عبارة “الحقيقة نسبية” لا تكون عبارة صحيحة إلا إذا كان المقصود بها أن معرفة البشر بكل ما هو موجود هي معرفة متعذرة، فعلم البشر لا يكون علما مطلقا؛ أي علما بكل شيء، إذ البشر لا يحملون من المعارف عما هو موجود إلا البعض، أو كان المقصود بها أن مجموع معارف “النفس البشرية 1” تختلف عن مجموع معارف “النفس البشرية 2″، وهكذا بالنسبة لكل الأنفس البشرية مع بعضها البعض. وأما إن كان المقصود بعبارة “الحقيقة نسبية” أنه لا توجد الموجودات على الحقيقة، أو أن الموجودات والأحداث والوقائع التي نعتقد بأنها تجري في العالم إنما تصنعها الإدراكات البشرية[16]، فهذا قول خاطئ؛ وذلك لأن الإدراكات البشرية إنما تنقل لنا، عبر الحواس، معلومات عن الكون والعالم والطبيعة، وذلك وفق قدرتها الإدراكية[17].

العبارة الثالثة: تكون هذه العبارة صادقة إذا كان المقصود بها كون قدرات البشر لا تمكنهم من معرفة كل شيء على ما هو عليه –استنادا على ما تم بيانه سابقا-. وتكون هذه العبارة غير ذات معنى واضح إذا كان مقصود القائل بلفظ الحقيقة هنا التخصيص؛ أي الإشارة إلى تعذر الوصول لحقيقة أمر أو قضية أو مسألة ما بعينها؛ لأن القائل ملزم بتحديد حقيقة ماذا التي لا يمكن الوصول إليها؟ فالحكم على قضية ما بالصدق أو الكذب متوقف على وضوح مضمونها أولا؛ لأن الحكم العقلي بالصدق أو الكذب على قضية معينة إنما يكون حكما على مفاهيم معينة دون أخرى[18].

العبارة الرابعة: على نفس منوال العبارة السابقة، إن كان مقصود العبارة عدم وجود وسائل تمكن البشر من العلم المطلق؛ أي معرفة كل شيء، فهذا أمر لا جدال فيه أصلا. وأما إن كان المقصود هو عدم وجود وسائل عند البشر تمكنهم من الوصول أو التوصل لأي حقيقة[19]؛ أي امتناع الوصول أو التوصل مطلقا لأي معرفة صحيحة أو صادقة، فهذا المقصود يكون نافيا لاعتقاد القائل بأن قوله هو قول صادق، وأن معرفته هي معرفة صادقة؛ وذلك لأن قول هذا القائل -بالمعنى الثاني الذي بينا- إن كان قولا صادقا، فإنه يكون بمثابة حقيقة عنده، وامتلاك حقيقة معينة عند القائل يقتضي أنه توصل إليها أو وصلت إليه من طريق معين، وهو ما يعني وجود وسيلة واحدة على الأقل لبلوغ حقيقة واحدة على الأقل.

خلاصة القول، إن كلام من يضن أنه يشك في كل شيء يدل على أن ذلك الشاك: إما أنه لا يحسن فهم معنى ما يقول، أو أنه لا يملك القدرة (الجسدية، النفسية، العقلية، أو المعرفية) على التعبير بشكل سليم عما يدركه ويريد قوله، أو أنه شخص مغالط أصلا.

بالنسبة للعبارات المرتبطة بلفظ القوة، الطبيعة، الكون، القانون الطبيعي: تردد كثيرا العبارات التالية: “هنالك قوة ما في الطبيعة هي التي صنعت الإنسان”. “هناك قوة ما في الكون أوجدت الإنسان”. “إن قوانين الطبيعة هي التي أوجدت الإنسان”.

نفترض بأن قائل ومردد هذه الأقوال إنسان حسن النية غير مغالط، وأنه وقع في التباس مفاهيمي سنحاول رفعه ببيان المدلول الحقيقي للألفاظ الرئيسة المستخدمة في تلك العبارات.

لفظ القوة: لفظ “القوة” لفظ كلي مجرد. وكلمة “قوة” تستخدم للدلالة على صفة لكيان[20]، أو للدلالة على قدرة كائن معين. فنقول عن الكيان (الجماد مثلا) أن له “قوة”؛ وذلك كالقوى الفيزيائية التي للحجرة مثلا، والتي تكون على شكل طاقة كامنة قابلة للتحرر إذا وضعت في شروط مناسبة (كأن توضع في النار حتى تنفجر). ونقول عن الكائن الحر أن له “قوة”، بمعنى أن عنده طاقة يستطيع استخدامها وتصريفها باعتبارها قدرة يتصف بها. ومثال ذلك قدرة النفس الإنسانية على بناء المنازل، أو ما يُسكن عموما، فإن النفس إن لم تكن لها قوة على شكل طاقة لما أمكنها القدرة على البناء.

بناء على هذا، يتبين الالتباس المفاهيمي الذي يقع فيه أصحاب العبارة التالية:

 “هنالك قوة ما في الطبيعة هي التي صنعت الإنسان”. فالقوة هي صفة، والصفة لا توجِد، ولا تصنع… ولكن الذي يوجِد أو يصنع فهو الكائن المتصف بتلك الصفة.

لفظ الطبيعة: لفظ الطبيعة هو لفظ كلي مجرد. والمقصود بكلمة “الطبيعة”، مجموع الموجودات غير المصنوعة من قبل الإنسان؛ كالشجر، والحجر، والماء، والحيوان… فالطبيعي يأتي مقابل الصناعي. وباستحضار مفهومي “قوة” و“الطبيعة”، فإننا نقف على وجه آخر من أوجه الالتباس المفاهيمي الذي وقع فيه أصحاب عبارة: “هنالك قوة ما في الطبيعة هي التي صنعت الإنسان”. إذ لما كانت “قوة” صفة، ولما كانت “الطبيعة” دلالة على مجموع ما هو طبيعي غير صناعي من قبل البشر، ولما كان البشر موجودات طبيعية لم توجد نفسها، فإنه لم يكن هنالك وجود ل “قوة في الطبيعة”-إذ الطبيعة مفهوم مجرد وليست مكانًا[21] للوجود- بل كانت كل الكائنات والأشياء غير الصناعية من طرف الإنسان، هي موجودات طبيعة[22]. وأما ما يمكن القول عنه أنه موجود في الطبيعة؛ أي في، أو على، أو تحت، أو بجانب، أو بين الموجودات الطبيعية، فهي الموجودات التي صنعها الإنسان.

لفظ الكون: الكون لفظ كلي مجرد أيضا. ويدل لفظ “الكون” على مجموع كل ما هو موجود، كائنات وكيانات، أحياء وجمادات، موجودات طبيعية وصناعية.

وباستحضار هذا المفهوم، ومفهوم “قوة” أيضا، يتبين الالتباس الحاصل في هذه العبارة: “هناك قوة ما في الكون أوجدت الإنسان”.

لفظ القانون الطبيعي: هو لفظ كلي مجرد أيضا. ويدل هذا اللفظ على كيفية جريان الظواهر الطبيعية؛ “فكل قانون طبيعي” إنما هو ذلك الوصف المعطى للكيفية التي تتم بها ظاهرة طبيعية ما؛ كظاهرة الشروق، أو الغروب، أو الجاذبية، أو المطر… وبهذا المعنى يتضح الالتباس المفاهيمي الذي يسم العبارة التالية: “إن قوانين الطبيعة هي التي أوجدت الإنسان”.

فقوانين الطبيعة؛ أي طرق وكيفيات حدوث وجريان الظواهر الطبيعية، لا يمكن أن توجِد الإنسان؛ لأن الظواهر الطبيعية هي مجرد علاقات بين موجودات، وقوانين الطبيعة إنما هي كشف عن هذه العلاقات. والحديث عن قوانين الطبيعة قد يحيلنا على الكيفية التي وُجد بها الإنسان، لكنه لا يجيبنا على سؤال من أوجد الإنسان؟  فالإيجاد عبارة عن قدرة للكائن الحي، الواعي، العالِم، القادر، الحر، على الأقل. أما الكيان، كالشمس مثلا، فإنه بالتعريف لا يستطيع الإيجاد.

زبدة القول إذا: إن استخدام لفظ قوانين الطبيعة للدلالة على من قام بفعل إيجاد الإنسان، هو استخدام خاطئ؛ إذ صحيح أن البشر قد يتم إيجادهم وفق قانون طبيعي ما، ولكن ذلك القانون لا يكون هو عين من أوجد البشر، لأنه ليس بكائن بل مجرد وصفنا للظواهر الطبيعية؛ أي للأحداث التي تجري والعلاقات بين الموجودات. ولذلك وجب، حين الحديث عمن أوجد الإنسان، السؤال بالدرجة الأولى عن الموجود[23] الذي أوجد البشر، لا عن العلاقة التي أوجدتهم أو كيف وُجِدوا؟ لأن سؤال “كيف” هو سؤال تفسير ووصف. أما سؤال “من” فهو سؤال عن الأصل. وسؤال الوصف والتفسير نافع، ولكن سؤال الأصل هو سؤال ضروري[24].

“المسألة الأساسية في مبحث المعرفة هي مسألة المعيار: ما المعيار الذي ينبغي أن نعتمده للتمييز بين الحقيقة والخيال؟ بين الصدق والكذب؟ بين الصحة والخطأ؟ بين القويم والأرعن؟ بين الجميل والقبيح؟ …”

“أحيانًا نصل لنفس الحقائق بطرق مختلفة”

مصادر العلم وطرق التحقق من المعارف

كما تعتقد كل نفس إنسانية سوية بمنظومة عقدية تتحدد بموجبها الرؤية الكونية للنفس؛ أي اعتقادها في طبيعة الوجود، والمعيارية؛ أي المبادئ التي تعير بها الأخبار الواردة عليها[25]، والأخلاقية؛ أي ما يحدد للنفس السلوك القويم من غيره، فإن كل نفس إنسانية تفكر إنما يتأسس تفكيرها ويقوم على مجموعة من الأسس وطرائق التفكير. وتشكل هذه الأسس وطرق التفكير المنظومة الفكرية[26] لتلك النفس. ويمكن القول بأن البشر يختلفون في منظوماتهم الفكرية[27] ماداموا مختلفين في: قدراتهم الجسدية، والعقلية، والنفسية، وبحسب خبرات كل نفس، وتجاربها، ومعارفها… ونحن إن أردنا الوقوف على بعض الأسس المشتركة بين الأنفس السوية[28]، فإننا سوف ننظر إلى ما يشكل أساس عملية العقل عند الإنسان؛ أي سننظر إلى الضروريات التي لا يستقيم أي تفكير عقلي دونها، ولا يستقيم أي سلوك بِلاها. والضروريات إنما هي تلك الاعتقادات الضمنية التي تعتقد بها النفس بشكل طبيعي بعد أن توجد. وهي كالغرائز الطبيعية التي للبشر من جهة كونها تنموا طبيعيا إذا توفت الشروط المناسبة لنموها. ومنها:

وجود النفس: أي وجودك أنت كفرد إنساني أو بشري[29].

مبدأ الطبيعة البشرية: أي وجود طبيعة بشرية مميزة للبشر عن غيرهم؛ فالإنسان ليس هو الحيوان، أو النبات، أو الجماد…

مبدأ الهوية: أي اختلاف الأنفس البشرية مع بعضها البعض من حيث تركيبتها الجينية وشخصيتها، وطبعها…؛ ولو كانوا منتمين لنفس النوع. واختلاف كل موجود مع الموجودات الأخرى عامة.

وجود الكون: ويطلق عليه عادة وجود العالم[30]. ومعناه وجود موجودات أخرى، بالإضافة إلى النفس المفكرة، وجودا حقيقيا غير متخيل أو متوهم[31]: كالبشر الآخرين، والحيوانات، والنباتات…

مبدأ السببية: حيث أن لكل ظاهرة أو حدث سبب.

مبدأ عدم التناقض: بالنسبة للأقوال والأفكار[32].

حرية النفس: حيث تتصرف كل نفس بحرية في أمور معينة دون أخرى، ولو كانت تجادل عن لاحريتها[33].

بالإضافة إلى مجموعة من الضروريات الكثيرة الأخرى.

أما عن مصدر هذه الضرورات فإن الجواب عن ذلك في قسمين:

أولا: هذه الضروريات العقلية تقتضيها طبيعة النفس الإنسانية، وذلك بعد أن توجد وتبدأ في التفاعل مع باقي الموجودات. ونحن نفرق بين الضروريات العقلية باعتبارها أسس اشتغال النفس الإنسانية حين تفكر وحين تعمل، وبين الضروريات العقلية باعتبارها معارف تعلمها النفس؛ فالضروريات العقلية باعتبارها أسس اشتغال النفس، إنما تبدأ النفس في الاشتغال وفقها بعد أن توجد، تدريجيا؛ ومثال ذلك مبدأ السببية؛ فالطفل على صغره حينما يسمع صوتا معينا، وخاصة إن كان قويا أو مميزا، فإنه يلتفت باحثا على مصدر الصوت لإدراكه بأن الصوت الذي سمعه يشير إلى سبب معين أدى لصدور ذلك الصوت. والمثال الثاني على ذلك، تصرف نفس الطفل واتخاده للقرارات -بعد أن يصير قادرا على ذلك- باعتبار وجود الكون؛ أي على أساس أن هنالك موجودات أخرى غيره في العالم.

والضروريات العقلية باعتبارها معارف تعلمها النفس، إنما هي معارف تعلمها النفس بعد أن توجد؛ فهي معارف مكتسبة. ومعرفة النفس لتلك الضروريات العقلية إنما يتم من خلال تأملها لكيفية تفكيرها وسلوكها، ومن خلال ملاحظة النفس للأغيار كيف تتصرف وكيف تفكر، ومن طريق الدرس والتعلم والتلقين. والأصل في الضروريات العقلية أنها مبادئ تتصرف النفس السوية بموجبها وباعتبارها، وأما العارض فهو الشك فيها كضرورات وتوهم خطئها. ومحصول القول، إن تكذيب الضروريات العقلية يوقع في التناقض، ونكرانها عمليا يؤول بصاحبه للجنون أو الأذى أو الهلاك[34]، فلا يبقى إلا أن يكون تكذيبها ونكرانها ممكنا بالقول فقط.

ثانيا: إن الضروريات بالنسبة للنفس البشرية هي كثيرة ومتعددة، فمنها الجسدية: كالأكل مثلا، ومنها العقلية: كمبادئ التفكير العقلي والسلوك، ومنها النفسية: كوجود منظومة عقدية للنفس بخصوص الوجود والكون والحياة بعد مدة من وجودها[35]. فالضروريات في عموم دلالة لفظها، إنما يقصد بها كل ما لا تستطيع النفس السوية[36] تكذيبه أو دحضه نظريا بالدليل، ولا إنكاره عمليا بالسلوك.

الآن، ننتقل للحديث عن الوسائل التي وصلنا بها للمعرفة؛ أي الوسائل التي للنفس، والتي بها تمكنا من المعرفة. فكيف نحصل على الأفكار التي لدينا والمعارف التي نعرفها والمعلومات التي نعلمها؟

يمكن تقسيم طرق المعرفة، بشكل عام، إلى طريقين تتفرع عن كل واحدة منهما طرق فرعية.

وهذان الطريقان هما: الحواس والعقل.

الحواس: هي الحواس التي للنفس، والتي تمكنها من اكتساب المعرفة سواء من خارجها؛ أي من الواقع الخارجي، أو من تعرف النفس على نفسها. والحواس قسمان: حواس ظاهرة، وأخرى باطنة. أما الحواس الظاهرة فهي الحواس الخمس المعروفة وهي: البصر، والسمع، والشم، والذوق اللساني، واللمس. وأما الحواس الباطنة فمنها: ما يمكن النفس من الشعور: كالشعور بالأحوال الداخلية للنفس كالأمن والخوف، السعادة والضيق، القدرة والعجز، العلم والجهل… ومنها ما يمكن النفس من حدس أمر خارجي، أو حدس حقيقة حدث أو فكرة معينة، ومنها يمكن النفس من الذوق الذي يمكن تعريفه بكونه القدرة على إدراك المعاني والجمال، ومنها ما يمكن النفس من التعاطف مع الأغيار، وغير ذلك.

العقل: هي العملية العامة التي تقوم بها النفس حين معالجة المعلومات الواردة عليها، وهي العملية التي تقوم بها النفس لغاية التوصل إلى حقيقة أو معرفة أو حل، وهي العملية التي تقوم بها النفس عادة قبل السلوك. وتدخل في عملية العقل مجموعة من العمليات الخاصة التي تقوم بها النفس البشرية، سواء بشكل ضمني غير واع، أو بشكل منتبه واع. ومن هذه العمليات: التجريد، والقياس، والمقارنة، والاستنباط، والفهم، والحكم، والتمييز…إلخ. والقدرة على القيام بهذه العمليات إنما هي “قدرة تنموا بشكل فطري طبيعي إذا توفرت شروط نموها وانتفت موانع ذلك”[37]. ويمكن القول إن عملية العقل كطريق للمعرفة إنما تتخذ مادتها(النظرية) من معطيات الحواس؛ وذلك لأن المعرفة العقلية الجديدة إنما تؤسس على المعرفة التي تم إدراكها عبر الحواس[38]، والتي هي أساس كل المعارف رغم كونها ليست المعارف الوحيدة الممكنة. وعموما، يمكن القول بأن لا إدراك عقلي للنفس قبل الإدراك الحسي لها، ولا استخلاص أو استنباط عقلي دون مستقرآت حسية يتم الاستنباط أو الاستنتاج منها.

وأما معيار التحقق من الأفكار فهو مطابقة معطى الفكرة؛ أي المضمون الذهني للنفس، لشيء (كائن، كيان، حدث، واقعة…) موجود على الحقيقة لا على سبيل التخيل أو التوهم؛ فالشجرة المعينة بصفات معينة موجودة إذا كانت فعلا موجودة في الواقع. والإحساس بالبرودة هو حقيقة إذا كان الشخص الفلاني يحس بالبرودة حقا. والخبر المعين يكون صادقا إذا وُجِد حقيقةً ما يتحدث عنه المخبِر في الواقع؛ سواء تحدث عن موجود ما، أو واقعة أو حدث ما، أو وصف ما لشيء ما… والدواء المعين يداوي فعلا إن كان قد داوى شخصا واحدا على الأقل بعد أن أخذه. و2=1+1 صحيحة لأنها مجردة من شيئين اثنين في الواقع؛ كوجود شجرة وشجرة، فهذا يقتضي وجود شجرتين، ونحن بعد تجريد الأرقام من الموجودات الحسية الحقيقية، أصبح عندنا 2=1+1 بشكل مجرد[39]. والمعارف الجديدة التي نتوصل لها عن طريق المعادلات الرياضية تكون معارف صحيحة مطابقة للواقع مادامت مؤسسة على معارف مجردة من الواقع الحسي الذي هو جزء من الواقع. والمعرفة التي نتوصل لها عن طريق الحدس تكون معرفة صادقة إذا وجد ما تم حدسه أو تحقق حقيقةَ. ووجود أربع أجداد لك في الماضي هو حقيقة، ولو لم ترهم بالمشاهدة، مادام لك أب وأم. ووجود سبب لمرضك هو حقيقة، ولو لم تستطع إدراك ذلك السبب ما هو؟ وعموما يمكن القول بأن ليس شرط الوجود الإدراك الحسي لنفس الموجود، بل يكفي استخلاص وجوده (استنباطا أو استنتاجا أو قياسا…) من تحليل المدركات الحسية؛ ما دام الوجود الحقيقي واحدا[40].

ومما يجدر التنبيه إليه، أن طرق التحقق من الأفكار تختلف بالنظر لطبيعة الفكرة نفسها، كما أن التحقق من الأخبار يختلف بالنظر لطبيعة الخبر؛ فبعض الأخبار يكفي فيها الشعور للتأكد من صدقها: كالشعور بالتعب مثلا، وبعض الأفكار تلزم فيها التجربة: كطبيعة عملية تدريس الأطفال، وبعض الأفكار تكفي عملية القياس للتيقن من صدقها: كفكرة أن النفس ستموت، وبعض الأفكار يلزم فيها الاتساق وصدق المقدمات: كالقضايا المنطقية، والأحداث التي شهدها شخص واحد ولم يشهدها معه غيره، يكفي لإثبات صدقها –إن كانت لا تتكرر- الإتيان بما يشهد لها من الواقع.

ومعلوم بالإضافة إلى ما ذكر، أن السلامة النفسية والعقلية والجسدية هي شروط لازمة لاعتبار الأفكار والأقوال والأخبار؛ وذلك لأن السلامة النفسية شرط لازم للتصديق بما تخبر به النفس لئلا يكون ما تخبر به مجرد هلوسات، أو خيالات، أو أوهام، أو هلوسات، كما أن سلامة العقل شرط لازم للإدراكات العقلية، والسلامة الجسدية للحواس شرط لازم لسلامة الإدراكات الحسية.

“يتأسس كل دين أو مذهب فلسفي على أصل/أساس/مبدأ يقوم عليه كل البناء”

في أصول كل المرجعيات الوجودية

يقصد بالمرجعية الوجودية[41]، تلك المنظومة الشاملة التي تجيب عن الأسئلة الوجودية للإنسان، أو تشير للجواب عليها، أو تقدم موقفا إزاءها. ويدخل في مسمى المرجعية الوجودية الأديان، والمذاهب الفلسفية اللادينية. وإذا كانت المرجعية الوجودية هي ما يجيب الإنسان عن أسئلته الوجودية[42]؛ وذلك بأن تجيب النفس عن حقيقة الوجود، وعن طرق السلوك القويمة فيه، وعن الكيف السليم في التعرف عليه، وباعتبار الإنسان كائنا يبحث طبيعيا عن جواب أسئلته الوجودية[43]، فإن البحث عن المرجعية التي تقدم للإنسان حقيقة هذا الوجود يكون مطلبا طبيعيا للإنسان. ومن طبيعة كل إنسان منذ طفولته، أن يفتش عن الحق ويسأل عليه ابتداء، حتى إذا لم يجد مطلوبه، لغيابه أو لعدم اقتناعه بما وجد، فإنه يجتهد في البحث عنه عبر تأملاته ونظره في الموجودات، وفي معارفه، وتجاربه، وخبراته، وتوقعاته، وآماله، حتى يصل إلى أجوبة تترجح عنده حول الوجود، كما يضع لنفسه معايير للسلوك يسير عليها من مجموع اجتهاداته، فتتكون لديه منظومة عقدية[44] خاصة به.

وسواء كانت المرجعيات الوجودية وضعية بشرية أم ينسب أصحابها إياها لمصدر غير وضعي، فإنه يمكننا التحقق من صدق تلك المرجعيات بالنظر إلى الجانب الأنطولوجي فيها (جانب العقيدة) لا إلى الجانب الأكسيولوجي/ الأخلاقي (جانب الشريعة)[45]؛ وذلك لأن التصديق بالجانب الأكسيولوجي المتعلق بالسلوك والمعاملة والأخلاق والقيم والإيتيقيات، إنما يتأسس قبلا على التصديق بالجانب الأنطولوجي من تلك المرجعيات الوجودية. والجانب الأنطولوجي/ العقدي في كل مرجعية وجودية إنما يقوم على أصل أول تتأسس عليه العقيدة كلها، وبالتالي تتأسس عليه المرجعية الوجودية كلها. ويمكن إرجاع كل المرجعيات الوجودية، وبالتالي كل العقائد: أديانا ومذاهب فلسفية إلى ثلاث أصول: التوحيد، تعدد الآلهة، الدهرية.

التوحيد: المقصود به وجود إله واحد خالق لكل الموجودات، وهو المسؤول عن تدبير الكون. ومن الأديان التوحيدية الإسلام، المسيحية/ النصرانية، والإسلام.

تعدد الآلهة: أي وجود عدة آلهة خلقت، أو خلق بعضها، الموجودات الأخرى، ولكل واحد منها مهمة في الكون. ومن الأمثلة على الأديان التعددية الهندوسية.

الدهرية: أي عدم وجود أي إله خلق الموجودات أو يدبر الكون. ومن الأمثلة على المذاهب الفلسفية الدهرية المادية الجدلية الماركسية[46]، والمادية العلموية[47].

ولأجل الوقوف على المبدأ السليم للوجود، يلزمنا قياس هذه الأصول الثلاثة: التوحيد، تعدد الآلهة، الدهرية، على الضرورات العقلية؛ وذلك لأنه لو خالفتها لكانت غير معقولة.

مبدأ تعدد الآلهة

يفترض أصحاب هذا المبدأ وجود مجموعة من الآلهة الأزلية، أو غير الأزلية، أوجدت كل ما عداها من الموجودات: كالبشر، والحيوانات، والنباتات، والنجوم، والشمس، والقمر… وقد يكون بعضها قد أوجد البعض الآخر. وتكون هذه الآلهة، أو بعضها، قد خلق النظام في الكون، واتفقت في ذلك ولم تتعارض إراداتها، أو أنها قد تعارضت إراداتها فغلبت إحداها الأخرى…

وهذا الفرض إنما هو مجرد زعم أو دعوى لم يعضضها دليل، ولم يقم عليها برهان، ولم يسندها شاهد من الواقع، ولم تدعمها حجة. بل إن إتقان تركيب الموجودات المشاهدة: كالبشر، والحيوانات، والأشجار… وضبط نظام العالم من أصغر مكونات موجوداته إلى أكبر الموجودات المرصودة: كالأجرام، والمجرات… كل هذا ينقض احتمال أن تكون فرضية تعدد الآلهة صحيحة. ومعلوم أن ما لم يقم عليه دليل، بل نقضته المشاهدات والأرصاد، هو فرض خيالي لأنه ليس عقليا ولا واقعيا؛ وذلك لأن الافتراض إما أن يكون مبنيا على مشاهدات وأرصاد فيكون صادقا[48] أو كاذبا[49]، أو يكون الافتراض غير مبني على مشاهدات وأرصاد فيكون افتراضًا خياليًا. والافتراض الخيالي لا يحتاج في نقضه لدليل يخالفه، إلا جدلا بإيراد ما يناقضه من مشاهدات ووقائع، فيكفي في الأصل بيان طبيعته الخيالية.

وخلاصة فرض تعدد الآلهة أنه مستحيل واقعا، وهذه بعض أسباب ذلك:

– لم يقم عليه دليل، ولم يقم عليه برهان، ولم يسنده شاهد من الواقع، ولم تدعمه حجة.

– تنقضه المشاهدات والأرصاد الدالة على الضبط والإتقان.

– يخالف الأصل: فالأصل أن “كل تعدد في الخالقين أو المدبرين، يحتمل[50] الاختلاف في الخلق والتدبير”. ومادام النظام والإتقان متحقق، فالخالق والمدبر لا يكون كثيرون.

– غموض مفهوم الإله عند القائل بتعدد الآلهة.

– تتبين خيالية هذا الافتراض أكثر حين تحليل ذهنية[51] القائل بتعدد الآلهة؛ فنجد بأنه يخلق حكاية كاملة عن موجودات يسميها آلهة، ويتصور بأنها إما اتفقت فيما بينها واجتمعت على إيجاد الموجودات بالطبيعة وبالضبط والنظام التي هي عليه، وذلك ما لا معنى له إذ يكفي افتراض إله واحد بدل آلهة كثر. وإما يتصور بأن تلك الآلهة لم تتفق بل تعاركت وغالب البعض منها الآخر، وهو ما يعني بأن البعض منها أقوى من البعض الآخر. ولو صدق هذا، جدلا، لكان هنالك إله واحد هو الأقوى من كل ما عداه[52].

كانت هذه بعض الأسباب التي تجعلنا نتبين خيالية فرض تعدد الآلهة، وخطأه إن اعتبرناه، جدلا، فرضا معتبرا[53].

مبدأ الدهرية

يفترض الدهريون سرمدية[54] المادة المكونة لكل الموجودات في الكون؛ أي سرمدية الشيء الذي تتكون منه كل الموجودات، دون أن يكون الإله –ككائن مشخص- موجودا. وهم على أصناف هذه أبرزها:

الصنف الأول: يفترض بأن هنالك “قوة” سرمدية هي المسؤولة عن تشكيل مختلف الكائنات والكيانات الموجودة بالشكل التي هي عليه. ومثال ذلك تصور “سبينوزا” الذي يسمي فيه الموجودات المتحققة بمثابة “الطبيعة المطبوعة”، والقوة التي تشكل تلك الموجودات “الطبيعة الطابعة[55]“.

الصنف الثاني: يفترض رجوع كل الكائنات والكيانات الموجودة، لعناصر[56] صغرى سرمدية لها وعي، وعقل، وحرية إرادة، وقدرة… اتفقت أو تصارعت، ثم أوجدت لنا كل الموجودات الأخرى، وهي المسؤولة عن النظام والضبط الكونيين.

الصنف الثالث: يفترض سرمدية المادة، ويرجع حركتها لكيان أولي يحركها. ومثال ذلك تصور “أرسطو” للمحرك الذي لا يتحرك، الذي يعتبره الكيان المسؤول عن حركة الموجودات الأخرى التي تشتاق إليه[57].

الصنف الرابع: يفترض رجوع كل الكائنات والكيانات الموجودة، لعناصر صغرى سرمدية جمعتها الصدفة وركبتها العشوائية.

سنحاول فيما يلي بيان بعض أوجه خطأ مبدأ الدهرية، وذلك ببيان بعض أوجه فساد مختلف تلويناته.

الصنف الرابع: أصحاب هذا القول، لا يحسنون تصور مفهومي الصدفة والعشوائية. فلفظ “الصدفة” إنما يستخدم لوصف الحدث الذي يحدث دون قصد منا، أو للدلالة على جهلنا بالسبب المسؤول على وقوع حدث معين؛ إذ نقول مثلا: “لقد حدث صدفة”، ولا نقول ” إن الصدفة تسببت في الحدث الفلاني”. أما لفظ “العشوائية” فيستخدم للدلالة على غياب النظام؛ إذ نقول مثلا: “ما هذه العشوائية هنا؟” حينما نرصد غياب النظام. ومعلوم أن لكل حدث سبب ما مسؤول عن حدوثه. ووجودك أنت كإنسان حدث، وبالتالي فهنالك سبب ما لحدوثه؛ أي هنالك سبب ما أوجدك. وذلك السبب إما أن يكون كائنا مشخصا، أو يكون كائنا غير مشخص. ومثال السبب المشخص أنك إذا وجدت بينا فإنك تعلم أن هنالك كائنا مشخصا بناه. ومثال السبب غير المشخص كالهواء الذي ينفثه شخص ما على نور الشمعة فينطفئ؛ فسبب انطفاء الشمعة هو الهواء، وهو سبب غير مشخص، ولكن هذا السبب غير المشخص إنما هو ناتج عن كائن مشخص هو ذلك الشخص الذي قام بنفثه. وهو ما يعني بأن كل سبب غير مشخص إنما يرجع في النهاية لكائن مشخص تسبب به. ومنه نستنتج بأنه:

 لو كانت الكائنات والكيانات تم إيجادها عبر تجميع عناصر صغرى لكان ذلك حدثا، وكل حدث فله سبب هو كائن مشخص أو سبب غير مشخص. فإذا كان السبب هو كائن مشخص، فهذا يدل على فساد تصور هذا الصنف من الدهرية؛ لأنها تدعي أن كل الكائنات هي موجودات حادثة عبر تجمع صدفوي أو عشوائي لمكونات مادة أزلية تفترض وجودها. وأما إن كان السبب غير مشخص، فقد علمنا أن وراء كل سبب غير مشخص كائنا مشخصا تسبب فيه، وهو ما يؤدي بنا لنفس النتيجة؛ وهو فساد التصور القائل بحدوث كل الكائنات من تجمع صدفوي أو عشوائي لعناصر صغرى؛ أي لكيانات لا إرادة لها ولا عقل ولا علم ولا قدرة…

ثم إن الكون المشاهد منظم ومضبوط، والأحداث الصدفوية والعشوائية لا ينتج عنهما النظام والضبط، وهو ما يستلزم ضرورة وجود كائن منظم وضابط للكون المشاهد.

وبالإضافة إلى هذا يعتبر الموجود حتمي التصرف والحركة، موجودا لا يتغير من ذاته؛ وذلك لأنه ليس حرا لتتغير حركته، ويضطرب سلوكه الحتمي بفعل إرادة ذاته. ولذلك، فإن الموجود الحتمي في إرادته إما أن يكون مبرمَجا أو يكون خاضعا لغيره، وكلتا الحالتين تستلزمان وجود كائن مالك في الحالة الأولى يخضع له العبد، أو مبرمِج في الحالة الثانية قد برمج الموجود المبرمَج.

الصنف الثالث: سبق لنا تعريف الكيانات بكونها الموجودات التي لا تملك القدرة على الفعل الحر بحكم طبيعتها، والمحرك الأول عند “أرسطو” كيان، وبالتالي فهو موجود حتمي الحركة والفعل[58]؛ أي أنه كيان، وفي المقابل، توجد هنالك مجموعة من الكائنات الحرة[59]؛ كالبشر، فكيف لمن لا يملك صفات معينة أن يمنحها لغيره؟ كيف يسيٍّر الكيان غير الحر الكائن الحر (ولو جزئيا) باعتبار البشر مثلا أحرار في أشياء غير أحرار في أخرى؟ كيف يمنح الميت الحياة؟ ثم كيف لمحرك ألا يكون متحركا، فضلا عن تسببه في وجود الموجودات بالضبط التي هي عليه؟ يقول “أرسطو” بأن الحركة نقص، والمحركات لا يمكنها أن تكون كلها متحركة وإلا لاستحالت الحركة، لذلك كان المحرك الأول غير متحرك.

 بالنسبة للدليل الأول فإنه يعتبر دليلا خاطئا؛ وذلك لأن النقص والكمال لا يمكن تحديدهما إلا بالرجوع لمرجعية معينة، وما دمنا نتحدث عن إثبات أساس تلك المرجعية فهذا يعتبر دورا منطقيا. بل، وإذا كان بإمكاننا أن نعتبر الحركة نقصا، ألا يمكننا أن نعتبر السكون عجزا؟!

 أما بالنسبة للدليل الثاني فهو خاطئ أيضا؛ وذلك لأنه لا يلزم أن يكون المسؤول عن حركة كل الموجودات غير متحرك، إذ يمكن له أن يكون متحركا إن كانت له حرية إرادة وقدرة على الفعل…وهذه من صفات الكائن.

بالإضافة إلى هذا، إننا عندما نتحدث عما هو موجود فإننا لا نتحدث عن مجرد حركة أدت لتشكل الموجودات بالأشكال التي هي عليها، بل إننا نتحدث عن مصنوعات مركبة ومعقدة البنية ومضبوطة الصنع، وهذه الصفات إنما تستلزم كائنا حيا، واعيا، حرا، عالما، قادرا[60]

خلاصة التصور الأرسطي إذن أنه تصور خاطئ[61].

الصنف الثاني: يتصور أصحاب هذا القول الجسيمات الدنيا في الكون أو بعض هذه الجسيمات، لها حياة، ووعي، وأنها عاقلة، وعالمة، وقادرة… وهي سرمدية، وأنها قد اتفقت على تكوين الموجودات وتشكيلها، ثم قامت بفعل ذلك في زمان أو أزمنة معينة، وقد تكون تصارعت مع بعضها البعض إن اختلفت إراداتها وتعددت، كما يعتبرونها هي المسؤولة عن النظام الكوني وإتقان صنع موجوداته…

 يمكن القول عن هذا التصور بأنه خيال يستطيعه كل أحد، ولكن لا أحد يملك عليه برهانا عقليا أو إثباتا علميا. ونحن حتى لو افترضنا، جدلا، وجود جسيمات أزلية، وأنها أعطت أو انبثق عنها كل ما نشاهده من موجودات، بالضبط والإتقان الذي نراها عليه، وأنه نتج عنها أو انبثق عنها جراء تجمعها كائنات عاقلة، لها غريزة طلب الدليل والبرهان والحجة على القول، والإثبات على الافتراض، وطلب المسوغ على الاحتمال… فليس هنالك أدنى دليل يجعلنا نقول بعاقلية، وعلم، وقدرة، وحرية… الجسيمات من ذاتها على إبداع ما هو كائن. ونحن إن أردنا معرفة المسؤول عن فعل، أو حدث ما، فإنه علينا أن ننظر في صفاته هل يستطيع أم لا يستطيع؟ وهل يريد ذلك أم لا يريد؟ ومعلوم أن الجسيمات المكتشفة فيزيائيا أن حركتها وتصرفاتها هي تصرفات حتمية لا إرادية؛ لأنها كيانات وليست كائنات أصلا.

 وفي المقابل، فإنه لا ينبغي علينا أن نمنح صفات معينة لموجود مشاهد لم تظهر عنده تلك الصفات، ولم نشاهدها، ولم نرصدها، ولم نكشف عنها لديه، لمجرد أننا نريد ذلك، أو نتخيل إمكان ذلك، أو نحتاج لذلك لأسباب نفسية؛ فكيف للنفس السوية أن تطمئن بالوهم، فضلا عن كونها تعلم بأنه وهم؟!

الصنف الأول: يفترض هذا الصنف من الدهرية وجود قوة ما في المادة الأولية للكون، وهذه القوة ليست موجودة في موجود معين دون غيره، بل هي موجودة في كل شيء.

سبق لنا تحديد كيف أن “القوة” هي صفة لكائن أو كيان ما، ومادامت كذلك فإنها لا يمكنها أن توجِد الموجودات وتشكلها، فالمسؤول عن الإيجاد والتشكيل هو الكائن القادر على ذلك. والمادة إن كانت سرمدية، وكان المقصود بالمادة ذلك الشيء الذي تتشكل منه كل الموجودات[62]، فإن في ذلك تناقض؛ إذ إن المادة لو كانت لا تملك صفات الكائن، لا تملك حياة، ولا وعيا، ولا تملك عقلا، ولا علما، ولا قصدا، ولا إرادة… فإن تحولها[63] لتتشكل بشكل معين، في زمن معين، ينتج عنه كيانات وكائنات معينة (لم تكن موجودة) بتركيبة معينة (لم تكن موجودة) هو حدث، ومعلوم أن لكل حادث محدثا أو محدثين تسببوا في إحداثه. واستنادا لما تم ذكره في نقد تعدد الآلهة، فإن هذا الذي تسبب في تحول المادة، إن قلنا جدلا بأزلية المادة، يكون كائناً واحداً.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التصور يخالف على الأقل ضرورتين عقليتين: وهما مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض؛ فإذا كان لكل موجود هوية خاصة به فكيف يمكن أن تكون كل هذه الهويات شيئاً واحداً؟! إذا كان كل ما هو موجود هو شيء واحد، فكيف يكون الشيء الواحد متعددا في نفس الوقت في الوجود؟!

خلاصة هذا الصنف من الدهرية، أنه عينه عين باقي أصنافها، تعوزه الأدلة؛ فلا دلائل عقلية تؤكدها، ولا دلائل واقعية تسندها. كما أن أصحابه واقعون في التباسات مفاهيمية معينة؛ وهو ما يصور لهم الوجود تصويرا غير مطابق لما هو موجود.

مبدأ التوحيد

تتعدد الدلالات على مبدأ التوحيد؛ أي على أن الأصل العقدي السليم، والمبدأ التفسيري القويم، هو مبدأ التوحيد. والمقصود بمبدأ التوحيد أن من منح صفة الوجود لكل شيء عداه[64]، وأن المسؤول عن نظام الكون، هو إله واحد. وصدق هذا المبدأ واقعيا، وصحته نظريا، يمكن استنتاجه بشكل مباشر من التحليلات السابقة؛ إذ لما كانت كل مرجعية وجودية وبالتالي كل منظومة عقدية، ترجع لأصول ثلاثة: التوحيد، تعدد الآلهة، والدهرية بمختلف تلويناتها، ولما كان مبدئا تعدد الآلهة والدهرية خاطئين، بالنظر على الأقل لما ذكرناه، فإنه ينتج عن ذلك أن مبدأ التوحيد هو المبدأ الصادق الصحيح. وبالإضافة إلى ذلك، يمكننا الاستناد في إثبات الوجود الإلهي إلى بعض الدلائل الأخرى المشهورة[65]، ومن بينها:

دليل الفطرة: ومضمونه أننا نقبل بشكل طبيعي وجود إله خالق لكل شيء عداه، وأنه ساهر على نظام الكون بتدبيره له، وأنه من هيأ الظروف المناسبة للحياة. وذلك عندما يصلنا خبر وجود هذا الإله. وفي المقابل، فإننا نجد دعوى غياب الإله دعوى شاذة وغير مستساغة، وهي عند التحقيق دعوى تعوزها أدنى الأدلة. وحتى من يقول بغياب الإله، فإنه يعترف بأن هنالك “قدرة” أو “قوة” أو “قانونا” ما… خلق أو صنع الكون، وبمقتضاه يدبر هذا الكون. وهذا كما سبق بيانه قول فاسد؛ فالقوة والقدرة صفات أو أعراض، والقانون وصف. وأما من يخلق أو يصنع أو يدبر فهو الكائن القادر والمريد لذلك. ولذلك قد يقال بأن أصحاب هذه الدعوى إنما هم يعتقدون بشكل فطري بالوجود الإلهي، دون أن يكون لهم تصور سليم عقلا عن الإله.

دليل الإيجاد أو الخلق: لما علمنا بأن لكل حادث محدثا أوجده، ولما علمنا بأن كل الموجودات إنما هي موجودات حادثة (من جهة: الأصل في كل موجود الفناء، ومن جهة ثانية: استنادا للفيزياء المعاصرة فإن العالم حادث وليس أزليا قديما[66])، فإننا نعلم بالضرورة بأن هنالك موجودا ما غير حادث بل سرمدي، قد تسبب في إيجاد تلك الموجودات الحادثة. وسواء أكان الخلق مباشرا أم كان غير مباشر، فإنه يرجع في النهاية للموجود السرمدي؛ وذلك لأنه لو كان الخلق من غير مادة لكان المسؤول عنه كائنا قادرا على ذلك، ولو كان الخلق من مادة لكان المسؤول عن ذلك كائنا قادرا على صنع الموجودات من تلك المادة التي أوجدها أصلا.

دليل النظام والإحكام: مضمون هذا الدليل أن لكل نظام كبير أو صغير منظما، ووراء كل ضبط وإحكام في الموجودات ضابطا مُحْكِما، ولكل قانون تجري عليه الظواهر مقونِنا. والشواهد على هذا تتعدد في الوجود؛ فلينظر في نظام الكون المضبوط بقوانين ونسب دقيقة، ولينظر في نظام الحياة الذي يلعب فيه كل موجود دورا حين لا يقوم به يختل نظام الحياة ويضطرب حينذاك، ولينظر في تكوين مختلف الموجودات وأدوار كل مكون من مكونات تركيبتها… فهل يدل ذلك على النظام أم الفوضى؟ الإحكام أم العشوائية؟

دليل التمايز[67]: ليس المقصود به التفاضل، بل المقصود به الاختلافات الحاصلة في خلقة الموجودات. ويدل التمايز على وجود من ميز الخلائق عن بعضها البعض؛ وذلك لأنه لو كانت مادة الأشياء واحدة، فكيف انبثقت عنها أشياء متمايزة عن بعضها البعض؟ لقد احتيجت الخلائق لأجل أن توجد بهذا الاختلاف إلى مسبب عالم، قادر، مريد… خلقها مختلفة من الشيء الواحد.

دليل الوحي[68]: لما كان الإله موجودا، وكان قادرا على فعل ما يشاء بحرية مطلقة، لم يكن في بعثه للوحي عبر الرسل والأنبياء من خلقه مانع عقلي أو واقعي. والوحي هو كلام الإله الواحد لموجوداته لغرض تعريفهم عليه، وعلى حقيقة الوجود، وعلى المطلوب منهم، وعلى الطريقة التي ينبغي عليهم سلوكها للتعرف عليه وعلى حقيقة الوجود وعلى تحقيق المطلوب منهم، وهو المتضمن لبعض الإشارات العلمية والإحالات المعرفية…  ومن طرق التحقق من صدق نسبة الوحي للإله نذكر:

– ألا يخالف المبدأ السليم في الوجود.

– ألا يخالف ضرورات العقل.

– أن تثبت نسبته للقائل به (النبي أو الرسول).

– أن يثبت صدق المخبر به.

– أن يثبت عدم نقل المخبر بالوحي للوحي من غيره.

– أن تطابق الأخبار الواردة فيه الواقع، دون شرط الإدراك في الآن.

دليل التجربة: والمقصود بذلك، ما تجده النفس بعد التدين بالمرجعية الوجودية الحق (الصحيحة الصادقة).

ملحق1

المرجعية الوجودية للإنسان وتطبيقها

لما كانت العلاقة بين المرجعية الوجودية للإنسان التي هي المرجعية التي يستند عليها في بناء منظومته العقدية بخصوص الوجود، والمعرفة، والسلوك، لما كانت العلاقة بينها وبين التطبيق كالعلاقة بين المضمون النظري والإنزال العملي، أو كالعلاقة بين الدين والتدين، وبالنظر لطبيعة الواقع ولقدرات البشر المختلفة، فإنه لا يتحقق للإنسان دائما تطبيق كل ما يعتقد به كما ينبغي دائما. ولذلك كانت كل نفس إنما تسلك وفق ما تعتقد بحسب قدراتها: الجسدية، والنفسية، والعقلية، والمعرفية، والاجتماعية، والاقتصادية…إلخ. ومما ينبغي أن يعلم، أن المنظومات العقدية للأفراد والتي ترجع لمرجعية أو مرجعيات ما، إنما هي مسمى أوسع من مسمى المنطق؛ أي من القواعد الصورية التي لا تأخذ الظرفيات بعين الاعتبار؛ وذلك لأن المنظومة العقدية التي للأنفس إنما تعطي هذه الأخيرة طرقا للسلوك والتصرف في الظرفيات، خلافا للمنطق الصوري وقواعده.

التربية على المرجعية الوجودية

تسعى كل نفس سوية وكل مجتمع قويم، إلى نقل المرجعية الوجودية التي تعتقد بها إلى مواليدها الجدد؛ وذلك عبر تعليم تعاليمها، والتربية على السلوك وفق شريعتها[69]. وذلك ليتحقق حفظ العلم بالمرجعية الوجودية، واستمرار العمل بمضامينها، باعتبارها المرجعية الحق.

هل يمكن للدهري أن يتصرف بأخلاقية؟

في الواقع، يمكن للدهري أن يتصرف بأخلاقية مع نفسه ومع الأغيار عمليا. ولكن بالنظر لمرجعيته الوجودية، فإنه لن يكون متناسقا مع تصوره النظري[70].

الفلسفة والفيلسوف والتفلسف

الفلسفة اسم كلي يعبر عن مجموع الفلسفات؛ أي مجموع مفاهيم، وتصورات، وأحكام، وأفكار، وتأملات… الفلاسفة. وكل فلسفة إنما هي مجموع أجوبة فيلسوف ما[71] عن الإشكالات النظرية التي لاقاها حول الوجود، والمجتمع، والإنسان… والإشكال هو وضع يسبب الحيرة للفيلسوف؛ لأنه يجد نفسه أمام إحراج نظري لا يهدئ عقله ولا تسكن نفسه ولا يتيقن من سلامة سلوكه إلا بعد أن يحسم في أمره، فطبيعة أي جواب سيستقر عليه الفيلسوف له لوازم ومآلات عملية على حياته ونفسيته وسلوكه. وأما فعل التفلسف فهو ذلك المجهود[72] الذي يبذله الفيلسوف للخروج من حال اللايقين الذي خلفها حال الإحراج النظري لديه.

القدر والقضاء والحرية الإنسانية

القدر هو العلم السرمدي لله عز وجل. أما القضاء فهي الأحداث التي تسبب بها الله عز وجل وفق قدرته المطلقة. وإذا كان الإنسان كائنا حرا في فعل أشياء: كإكمال هذا الكتاب أو عدم إكماله مثلا، وغير حر في فعل أشياء أخرى: كأن يولد من جديد، أو أن يحمل جبلا، أو أن يصير إلها مثلا، فإنه لا يكون هنالك تناقض بين قدرة الله عز وجل المطلقة على الفعل، وقدرة الإنسان غير المطلقة على الفعل. ومنه لم يكن هنالك تناقض بين قدر الله عز وجل وقضائه، وحرية الإنسان.


[1]– في هذا التقسيم بيان لتهافت وهشاشة ولامعقولية مذهب اللاكتراثية؛ فإذا لم تكن للأسئلة الوجودية قيمة، وكانت كل القيمة هي في عيش الحياة هكذا وفقط، فأي معنى سيكون لتلك الحياة؟ وكيف تستطيع النفس أن تحيا دون أن تعرف حقيقة الوجود وحقيقة الحياة نفسها؟ إن حياة غير معروف أصلها ومصير الإنسان فيها… حياة لا تستحق أن تعاش.

[2]– عادة ما يتم اختصار الأسئلة الوجودية في سؤالي: من أين جئنا أو من أوجد الوجود؟ ثم سؤال ماذا بعد الموت؟ ولكن هذا اختصار غير سليم؛ وذلك لأن الجواب عن سؤالي أصل الكون والإنسان، ومصير الكون والإنسان، له مستلزمات على تصور الإنسان لنفسه (لماهيته/لطبيعته)، وعلى الطريقة التي ينبغي أن يحيا بها…الخ. فالإنسان يتصرف باعتبار الكيفية التي يتصور بها الوجود. والأمثلة التاريخية على ذلك تتعدد؛ فالهندوس مثلا يحيون بالاستناد لتصورهم عن طبيعة الوجود، والإغريق كانوا يعيشون وفق التصور الذي لديهم عن الوجود، وهكذا فالإنسان يسعى لأن يكون معتقده وسلوكه متناسقا؛ لأن الإنسان بطبيعته يسعى للحياة بالتوافق مع ما يعتقد أنه حقيقة هذا الوجود.

[3]– عندما نتحدث عن الأديان فإننا نقصد بالعقيدة الجانب النظري؛ أي حقيقة الوجود الذي يعتقد به المتدين، وبجانب العقيدة فإننا نجد الشريعة التي ترتبط بالجانب العملي من الدين؛ أي جانب السلوك والمعاملات. ولكننا عندما نتحدث عن المنظومة العقدية هنا فنحن لا نقصد بها معنى العقيدة الذي اصطلح عليه في الدين الإسلامي، بل إننا نقصد بها مجموع الاعتقادات المستمدة من المرجعية الوجودية التي تجيب المرء عن الأسئلة الوجودية أو تبدي موقفا اتجاهها؛ ويدخل في ذلك المتدينون وغير المتدينون (كأصحاب المذاهب اللادينية)، ومنه كان مسمى المنظومة العقدية أعم من مسمى العقيدة.

[4]– ينظر: الرؤية الكونية الإلحادية، فيديو منشور على قناة السبيل على اليوتيوب، ففيه إشارات مهمة لإدراك معنى هذا المصطلح. ونشير إلى أننا لا نوافق على بعض المضامين الواردة بالفيديو: كاعتبار المادية مكافئة للإلحاد؛ إذ ليست كل مادية هي إلحادية بالضرورة؛ إذ المادية تصور أنطولوجي (تصور عن طبيعة الوجود) يعتبر أن كل موجود هو موجود مادي؛ أي شيء له وجود حقيقي، وكل ما ليس بمادي فهو عدم. ولا تعني المادية النزعة الفيزيائية التي تعتبر بأن المادة هي فقط المادة التي كشفت عنها الفيزياء بالخصائص التي كشفت عنها الفيزياء. والمادية تتموقع في مقابل المثالية التي تقول بوجود المفاهيم الكلية أو المُثل، وجودا حقيقيا في الواقع. ونعتبر في المقابل بأن ما يرادف الإلحاد هي الدهرية؛ وذلك حيث أننا لو عرفنا الإلحاد بكونه القول بعدم وجود إله، وسمينا الصنف القائل من الدهرية بوجود إله دون بعثه للرسل بالدين باسم الربوبية، جاز لنا اعتبار الدهرية مكافئة للإلحاد. وأما إن اعتبرنا الإلحاد هو عدم تعقل أو تصور (وليس تخيل) الإله بصفاته الحقة التي له، لم تكن الدهرية شيئا غير ذلك باعتبارها واقعة في سوء إدراك أو لبس مفاهيمي.

[5]– بالنسبة للمرجعية الوجودية الإسلامية لا يعني ذلك إلغاء العقل، وذلك للأسباب التالية:

أولا: إن التصديق بالمرجعية الإسلامية مبني على التصديق بأصولها، والتصديق بأصول المرجعية الإسلامية يكون لما يتوفر من أدلة وبراهين عقلية على صدقها؛ كالأدلة على الوجود الإلهي، والنبوة… ووجود من يدين بالمرجعية الإسلامية دون أن يملك الدلائل العقلية على صدقها لا يلزم من وجوده كذب هذه المرجعية؛ فصدق أو كذب مرجعية وجودية ما مقترن بوجود ما يدل ويبرهن عليها من عدمه؛ ويدخل في ذلك صدق أو كذب أصولها، مطابقة مفاهيمها للواقع أو مخالفتها له، وجود ما يدل عليها في الواقع من عدمه، وجود البراهين العقلية على صدقها من عدمه… فالصدق والكذب بالنسبة للمرجعيات الوجودية مرتبط بطبيعة الأدلة التي تستند إليها لا إلى طرق اقتناع أصحابها بها.

ثانيا: المرجعية الوجودية الإسلامية مؤسسة، من جهة مصادرها، على أصلين هما القرآن والسنة.  واستخراج مضامين هذه المرجعية الوجودية من هذين الأصلين إنما يتم بالاستناد لمناهج معينة للتلقي والفهم، وهذه المناهج هي مناهج بنيت عن طريق النظر العقلي.

ثالثا: إن القرآن الكريم، في الأصل، ليس كتابا في علم معين من العلوم؛ بل هو كتاب مؤسس لدين (حين نتحدث عن الأديان نطابق بين مفهومي الدين والمرجعية الوجودية، ولكننا حين نتحدث عن المنظومات العقدية غير الدينية فإننا نستخدم لفظ المرجعية الوجودية لا الدين؛ لأن ليس كل منظومة عقدية تستمد من دين معين). ومعنى هذا أن القرآن الكريم، والسنة النبوية أيضا، إنما يعطيان أصولا وأحكاما وتوجيهات وإشارات يعتمد عليها الإنسان المسلم في بناء أو اكتشاف النظريات: في الفلسفة (نظرية المعرفة/الإبستيمولوجيا، الأنطولوجيا، الأكسيولوجيا)، والعلوم (البيولوجيا، الفيزياء)، والإنسانيات، والسياسة…إلخ.

[6]– نقصد بالاعتقاد تلك المعرفة التي نصدق بها بشكل يقيني. وتنقسم الاعتقادات إلى نوعين:

– الاعتقادات التي تشكل منظومة النفس العقدية، ومثال ذلك الاعتقاد الجازم للمسلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي اعتقادات: تستمد من المرجعية الوجودية للنفس، أو تبنى على المعطيات الواردة فيها بشكل صريح، أو تبنى على أساس المعطيات المشار إليها بها.

– الاعتقادات التي لا ترتبط بمنظومة النفس العقدية، ومثال ذلك الاعتقاد الجازم لمصلح الهواتف بصدق طريقة إصلاح الهاتف، وهي لا تستمد من المرجعية الوجودية للنفس ولا تبنى عليها.

ويسمى الاعتقاد المرتبط بالمرجعية الوجودية للنفس إيمانا؛ فالإيمان هو الاعتقاد اليقيني بصدق مضمون المرجعية الوجودية. والإيمان إما يتم استنادا للدليل وهو ما يسمى إيمانا مبررا عقليا، أو يتم دون الاستناد للدليل وهو ما يسمى إيمان تسليم.

[7]– قريب من هذا المعنى ما أشار له ابن رشد في كتابه فصل المقال، حينما اعتبر بأن البشر ليسوا أحرا في قبول الدليل أو رده (أو كما ذكر)، إذ الدليل يفرض نفسه على الإنسان العاقل.

[8]– يولد الإنسان بطبيعة معينة؛ أي بتركيبة لها صفات واستعدادات معينة… وهي ما نطلق عليه الطبيعة البشرية، ولكنه لا يولد وهو عالم بمعارف معينة. وقريب من مفهوم الطبيعة البشرية مفهوم الفطرة في الإسلام، ونحن نطابق بين الإثنين.

[9]– الشك المطلق متناقض نظريا، ممتنع عمليا. وكل عملية شك تنبني على أكثر من يقين واحد. للتوسع في المسألة ينظر: لودفيغ فتغنشتاين، في اليقين.

[10]– في العلاقة بين المفاهيم وتصورنا لطبيعة ما هو موجود ينظر: جورج لايكوف ومارك جونسون، الاستعارات التي نحيا بها. وجورج لا يكوف ومارك جونسون، الفلسفة في الجسد: الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي. ومحمد باقر الصدر، فلسفتنا.

[11]– يختلف الناس في طبيعة المرجعيات الوجودية التي يعتقدون بها، كما أن المعتقدين بنفس المرجعية يختلفون في فهم مضامين مرجعيتهم الوجودية. ومثال ذلك بالنسبة للأديان: السلفية/الأشاعرة، الكاثوليك/ البروتستانت… ومثال ذلك بالنسبة للمذاهب الفلسفية اللادينية: وجودية هايدغر/ وجودية سارتر، دهرية سبينوزا/ دهرية كارل ماركس/ دهرية العلموية … لأجل ذلك نقول بأن المنظومات العقدية للمعتقدين بنفس المرجعية الوجودية تختلف. ويمكن إرجاع الاختلافات الحاصلة في فهم مضامين المرجعيات الوجودية بين الناس، على الأقل إلى:

– اختلاف مناهجهم في النظر والفهم (نظرياتهم في المعرفة).

– اختلاف منطلقاتهم في النظر والفهم؛ أي المبادئ (البدهيات أو(و) المسلمات) أو(و) المعارف (التي توفرت لهم في عصرهم) التي ينطلقون منها لأجل النظر والفهم.

[12]– يقصد باللفظ الكلي المجرد، ذلك اللفظ الذي تجرده النفس الإنسانية ذهنيا من مجموع المفردات المتحققة في الواقع؛ أي الموجودة فعلا لا على سبيل التخيل أو التوهم. ومثال ذلك لفظ الإنسان ولفظ أحمد ومحمد وعبد الله… فلفظ الإنسان هو لفظ كلي مجرد ليس له وجود في الواقع الحسي، فهو مفهوم ذهني. وأما لفظ أحمد ومحمد وعبد الله… فهي مسميات تدل على أنفس بشرية مفردة موجودة في الواقع الحسي. ومثال ذلك أيضا لفظ التفاح؛ فهذا لفظ كلي مجرد غير متحقق في الواقع الحسي، بل هو مفهوم ذهني تجرده النفس من الواقع الحسي إثر اطلاعها أو علمها بوجود تفاحات عدة.

[13]– كل دعوى تدعي بأنه يمكن أن يوجد إنسان يعلم كل شيء، تظل دعوى كاذبة مادام القائل بها لم يأت بدليل على صدقها. إن الأصل أن لا إنسان يعلم كل شيء، وذلك، على الأقل، لما يجده الإنسان من نفسه.

[14]– قلنا بعضه لأنه سبق لنا الإشارة إلى أنه لا يمكننا كأنفس بشرية معرفة كل شيء.

[15]– الأفكار الصادقة إن اتسقت تكون أفكارا صحيحة. والأفكار الصحيحة مادامت مقدماتها مجردة من الواقع الحسي فإنها تكون صادقة أيضا؛ أي أنها تكون مطابقة لبعض ما هو موجود، مادامت مقدماتها مطابقة لبعض ما هو موجود.

[16]– شكوكية “ديفيد هيوم” مثالا، وبعض الأطروحات المعاصرة المعتمدة على بعض نتائج علوم الأعصاب أساسا.

[17]– يتعرف الإنسان على الكون؛ أي ما هو موجود، عبر حواسه. وحواس الإنسان لا تنقل له مجرد الصور، بل الأخبار أيضا، وهذا يعني بأن البشر ولو كان لهم حواس مختلفة عن باقي الموجودات، فإنهم لا يصنعون ما هو موجود بإدراكاتهم مادامت هذه الإدراكات إنما تنقل لهم معلومات عما هو موجود؛ وذلك كإدراك الإنسان والأفعى للموجودات، فهما يدركان نفس الوجود ولكن كل منهما يدرك بعدا معينا من نفس ذلك الوجود، وذلك وفقا لقدرة حواس كل واحد منهما. ومثال ذلك بالنسبة لنفس الإدراكات البشرية، أن الإنسان يدرك بالمجهر ما لا يدركه بالعين المجردة؛ فهو يدرك بعدين مختلفين في وجود واحد (واقع واحد). لكل هذا كانت الحواس إنما تدرك الوجود (الكون/الواقع) وفق القدرة الإدراكية التي لها.

وأما القول بأن ما هو موجود هو مجرد صنيعة ذهنية فإن هذا تفنده التجربة المعيشية العملية للبشر، لأنهم يعيشون ويحيون ويعملون ويسلكون وفق بديهية وجود الكون. فالأصل أن الكون موجود، أما الشك في وجوده فهو شك عارض يستلزم منا الوقوف على أسبابه؛ وذلك لأن الشك في البديهيات ممكن نظريا، ولكنه ممتنع عمليا.

للتوسع في مسألة المعرفة بين النزعتين الموضوعية والذاتية، ينظر: جورج لايكوف ومارك جونسون، الفلسفة في الجسد: الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي. وبالنسبة لقضية الشك في علاقتها بالبدهيات ينظر: لودفيغ فتغنشتاين، في اليقين. ويوسف سمرين، نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود. ونذير خان، الإلحاد والشك الراديكالي: النقد المعرفي عند ابن تيمية، مقال منشور ضمن موقع أثارة من علم.

[18]– مما تستند إليه النفس الإنسانية لأجل تحديد معنى العبارة أو القضية نذكر: معاني ألفاظها بالنظام الذي وضعت به، السياق الذي استخدمت فيه، والغرض الذي استخدمت لأجله. ولأجل ذلك كان لزاما على الكتاب والمتحاورين توضيح مقصودهم من الألفاظ الرئيسة -على الأقل- في الحوار؛ لأن الحكم بالصدق أو الكذب هو حكم على مفاهيم؛ أي على مضامين ومعاني الألفاظ.

[19]– نتحدث هنا عن “حقيقة” واحدة على الأقل؛ أي لعلم صادق أو لمعرفة صحيحة بموجود أو بمسألة واحدة على الأقل، ولا نتحدث عن “الحقيقة“؛ أي العلم المطلق الصادق بكل شيء على ما هو عليه.

[20]– نستخدم لفظ كيان للدلالة على الموجودات التي لا تملك القدرة على الفعل الحر بحكم طبيعتها؛ كالأحجار والآبار والنجوم… والكيانات هي ما لا نصفه بالعقل أو بالشخصية أو بالذاتية عادةَ؛ أي أن الكيان هو ما لا نعتبره عادةَ ذا عقل ولا شخصا أو ذاتا. ونستخدم لفظ كائن للدلالة أساسا على الموجودات التي تمتلك القدرة على الفعل الحر بحكم طبيعتها؛ كالبشر مثلا. وقد قيل “بحكم طبيعتها” لأنه توجد كائنات لا تتحرك ولكنها ليست كيانات بالطبيعة؛ وذلك كالإنسان فاقد الوعي، أو المشلول شللا كليا. والكائنات هي ما نعتبرها ذوات عقل، كما نسميها ذواتا وشخوصا. وكل موجود موجود إنما يختلف عن غيره في طبيعة القدرات أو في قوة نفس القدرات؛ وذلك يخص الكائنات مع بعضها البعض، والكيانات مع بعضها البعض، والكائنات والكيانات مع بعضها البعض.

ونجد عند “سبينوزا” تصورا قريبا من هذا؛ إذ يعتبر بأن ما يميز كل موجود عن الموجود الآخر هو جهده؛ أي مقدار الطاقة التي يساويها؛ إذ الإنسان عنده محض جهد/قدرة/قوة/طاقة. ونحن نخالف التصور السبينوزي العام للوجود (ينظر نقد الدهرية)، ولكننا نوافقه (جزئيا) في كون بعض ما يميز الموجودات عن بعضهم البعض هي قدراتهم على الفعل (الفكري أو السلوكي)، وذلك بالإضافة إلى اختلافهم في هوياتهم، واختياراتهم، ومصائرهم…إلخ.

[21]– يدل المكان على موضع ما في، أو فوق، أو تحت، أو على جانب شيء ما موجود. وكل موجود يحتل مكانا فهو يشغل موضعا ما بالنسبة لموجود آخر. والمكان ليس شيئا بذاته، بل هو محل بموضع ما من موجود ما. ووحده الكائن الذي يمكن أن يوجد وحده من يكون الحديث عن المكان بالنسبة له حديثا غير ذي معنى. لأنه لا يكون معه شيء ليوجد فيه أو في أحد مواضعه، كما أن العدم ليس موجودا لنقول عن ذلك الكائن أنه يحتل مكانا من العدم. والمكان عموما لا يستقيم الحديث عنه إلا في وجود شيئين على الأقل. وفي العقيدة الإسلامية قد حدث خلاف معروف، ولا يزال، بين السلفية والأشاعرة، على الأقل، في مسألة إثبات أو نفي المكان عن الله عز وجل، سواء قبل خلق المخلوقات أو بعد خلقه لها. وهذا مثال لدرجة تأثير المفاهيم في بناء المنظومات العقدية للناس.

[22]– بهذا المعنى لم يعد لتعبيرات مثل: “ما هو فوق طبيعي”، “ما بعد الطبيعة”، “ما هو مفارق للطبيعة”، “ما هو خارق للطبيعة”… لم يعد لها معنى؛ لأن مجموع ما هو موجود نسميه الكون أو الوجود أو الواقع، وفي غياب الموجودات الصناعية من طرف الإنسان (كالهاتف أو الطائرات…) يكون لفظ الطبيعة مرادفا للفظ الكون والوجود والواقع، بما هي مفاهيم كلية تعبر عن كل ما هو موجود، وماذا بعد الوجود أو الكون أو الواقع أو الطبيعة غير العدم؟!  يمكن القول إن تلك العبارات مستمدة بالدرجة الأولى من تقسيم التراث الأرسطي: الفيزيقا أو الطبيعة، والميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة. ولكن الذي قد يغيب عن وعي الكثير هو أن هذا التقسيم إنما هو تقسيم منهجي للبحوث الأرسطية وليس تقسيما حقيقيا لوجودين إذ الوجود واحد؛ منه ما نستطيع مشاهدته ورصده ومنه ما لم نشاهده ولم نرصده بعد، وقد لا نشاهده ولا نرصده. ويمكن القول بأن الفهم غير السليم لمضامين بعض الأديان قد أدى بالكثير لتصور الوجود كوجودين في نفس الواقع، ولكن الأديان نفسها، ونخص بالذكر الإسلام، لا تتصور الوجود كوجودين؛ ولكنها تعتبر الوجود واحدا، ما ندركه منه بأبصارنا وأدواتنا الرصدية يسمى العالم الحسي، وما لم ندركه (قد ندركه أو ندرك بعضه، وقد لا ندركه أو لا ندرك بعضه) بأبصارنا وأدواتنا الرصدية فيسمى الغيب. وفناء الدنيا في الإسلام يعني فناء هذا العالم ولكنه لا يعني فناء الوجود؛ فالوجود قائم ما دام أحد الموجودات، على الأقل، موجودا غير معدوم؛ والله عز وجل في الإسلام هو كائن سرمدي الوجود، وهو من يمنح صفة الوجود لغيره أو يمنعها عنه. وبالرجوع للعبارات سالفة الذكر يمكن استنتاج أن تعبير “خارق للطبيعة” مثلا، إنما يقصد به كل ما خالف ما اعتاد عليه الناس ولم يألفوا وجوده.

[23]– أي الكائن الموجود غير المعدوم؛ فالوجود صفة للموجود غير المعدوم.

[24]– ليس هذا تبخيسا للبحوث العلمية التي تنظر في “كيف” تكوين الإنسان، فالبحث العلمي واجب شرعا وعقلا، وكثيرا ما يتم البحث في الكيف لمعرفة من، ومنه كنا ننبه هنا لتراتبية الأسئلة البشرية من حيث الأهمية، ولا ندعو لترك البحث العلمي أو شابه ذلك مما قد يظنه المتلقي.

[25]– لا يعني ذلك أن حكم النفس على ما يرد عليها من إحساسات (صور، أخبار، مشاعر) لا يكون عقليا، بل المقصود أن كل نفس بشرية حينما تريد الحكم على إحساس معين فإنها تحكم عليه عبر القيام بعملية العقل؛ فالعقل عملية تقوم بها النفس وهو ليس جوهرا. وعملية العقل إنما تتأسس على مبادئ تقيس النفس عليها تلك الإحساسات. وحينما تكون للنفس منظومة عقدية معينة فإنها تقيس الإحساسات على مضمون تلك المنظومة العقدية أو(و) ما تم تأسيسه عليها، أما إن كانت النفس مضطربة وغير متيقنة أو تشك في منظومتها العقدية فإنها حينذاك تحاول أن تقيس إحساساتها (صور، أخبار، مشاعر) على الضروريات أو البدهيات العقلية (وهي ما يشكل المنظومة الفكرية للنفس) استنادا على المعطيات المعرفية التي توفرت لها. وفي كلتا الحاتين تقوم النفس بعملية العقل.

[26]– المنظومة الفكرية هي المنظومة التي تعمل وفقها النفس حتى عندما تكون في حال اللاأدرية. وبالنسبة للنفس التي تدين بمرجعية وجودية معينة تبني على أساسها منظومتها العقدية، فإنها تكون تشتغل وفق تلك المنظومة الفكرية. وكلما كانت المنظومة العقدية للنفس متوافقة مع منظومتها الفكرية كانت النفس أكثر اتساقا. والمنظومة الفكرية هي أحد أركان الطبيعة البشرية، إلى جانب الغرائز الإنسانية الطبيعية، والبنية النفسية التي للبشر، وما يشترك فيه البشر من ناحية تركيبتهم الجسدية.

[27]– لا يعني ذلك خروجهم عن حيز البشر، ولكن الانحراف عن المنظومة الفكرية الطبيعية مما يؤدي للجنون أو الاضطراب أو الهلاك، لأن الانحراف عن المنظومة الفكرية الطبيعية انحراف عن الطبيعة البشرية أو الفطرة الإنسانية.

[28]– يقصد بالنفس كل فرد إنسان بمجموع تركيبته. ومسمى النفس السوية لا يحمل معنا قدحيا؛ وذلك لأنه يشير إلى الإنسان السليم من حيث تكوينه العقلي والنفسي، حيث يكون إنسانا غير مجنون أساسا. فلفظ النفس السوية إذا يميز بين الإنسان السليم والإنسان المجنون أساسا.

[29]– نستخدم لفظ الإنساني والبشري هنا على سبيل الترادف.

[30]– نميز بين مفهومي الكون والعالم؛ فنعتبر الكون مجموع ما وجد، ويوجد، وسيوجد. وعادة ما يرادف لفظي الوجود والواقع. ونعتبر العالم الجزء المدرك بالحس أو العقل من الكون، وعادة ما يرادف لفظ العالم لفظ العالم الحسي. أما لفظ العالم الغيبي فيقصد به ما لم ندركه من الكون/الواقع/الوجود.

[31]– قد يشير هذا إلى خلاف تجربة “ديكارت” في الشك. ولكن “ديكارت” نفسه لم يكن بإمكانه نكران كل ما هو موجود إلا نظريا. إن الإنسان يمكنه الشك في الضروريات العقلية نظريا، ولكنه لا يمكن أن يتخلص منها حال التفكير، كما لا يمكنه الاستغناء عنها عمليا؛ أي في مجال السلوك والفعل لا الافتراض والقول.

[32]– كثيرا ما نقع في التناقض، وذلك على الأقل للأسباب التالية: الالتباسات المفاهيمية، عملية العقل غير السليمة، عدم الوعي بالتناقض.

[33]– يجادل البعض اعتمادا على بعض المعطيات العلمية عن لا حرية الإنسان. حيث يعتبر البعض بأن الإنسان مجرد جماع ذرات فيزيائية لا تمتلك أدنى حرية، فيما يعتبر البعض بأن البشر خاضعين بشكل حتمي لتركيباتهم الجينية.

بالنسبة للقول الأول فهو قول خاطئ لأن البشر، حتى من وجهة نظر فيزيائية، فإنهم عبارة عن شيء منبثق عن جماع ذرات فيزيائية، وهذا الشيء المنبثق لا يكافئ مجموع تلك الذرات؛ لأن مجموع الخصائص التي تميز كل ذرة لا تساوي مجموع الخصائص التي تكون للشيء المنبثق عن تجمعها. أما القول الثاني فهو قول خاطئ بسبب كون الجينات لا تحدد اختيارات المرء بشكل حتمي ومطلق ولكنها تؤثر فيها أو في بعضها؛ إذا صحيح أن للجينات تأثير على النفس الإنسانية، ولكن هذا التأثير لا يحدد مسار المرء وسلوكاته بشكل حتمي مطلق، حاله حال البيئة (الاجتماعية، الاقتصادية، المعرفية…) التي يكون لها كذلك تأثير على طبيعة الحياة التي سيحياها المرء، دون أن تكون محتمة بإطلاق لطبيعة حياته واختياراته. وذلك يختلف من إنسان لآخر؛ فمن البشر من يستطيع تغيير وضعه الاجتماعي أو (و) الاقتصادي ومنهم من لا يستطيع، ومن الناس من يستطيع أن يغير وضعه المعرفي ومنهم من لا يقدر، ومن الناس من يستطيع تحدي ماضيه الجيني مثلا بكبح الإصابة بمرض أو اضطراب ما أو بالتغلب عليه طبيا ومنهم من لا يستطيع، ومن الناس من تتغير أوضاعه دون أن تكون له القدرة على ذلك؛ كأن يرث شخص ما إرثا كبيرا، أو كمن ينجو من مرض معين بإعانة بمال أو بعضو معين …إلخ دون أن تكون لديه الاستطاعة المالية أو المعرفية أو الاجتماعية التي تمكنه من ذلك أصلا. وفي الإسلام يمكن للمسلم حين يلتجأ إلى الله عز وجل أن يتغير ما لا يتوقع أن يتغير أصلا.

للاستزادة في نقد القول الأول ينظر مثلا: ماريو بونجي، المادة والعقل. وللاستزادة في نقد القول الثاني ينظر مثلا: روبرت بلومين، المخطط الوراثي؛ كيف يجعلنا DNA من نكون وعجائب علم ما فوق الجينات، الجزئين الأول والثاني، قناة الشرق للأخبار على اليوتيوب.

[34]– مثال ذلك من ينكر وجود العالم. ومثال ذلك أيضا من ينكر مبدأ السببية؛ فيكفيه السير في سكة القطار لأن القطار عنده لن يكون سببا للموت إن داسه، ويكفيه عدم الخروج من السكة حين سماع صوت منبه القطار لأن صوت المنبه لن يكون عنده سببا للتنبيه، إن كان منكرا لمبدأ السببية حقا. أما وإن إنكار الضروريات عمليا يؤدي للجنون أو الأذى أو الهلاك، فيكفي القارئ هذه الأمثلة دليلا على امتناع الشك في الضروريات عمليا للنفس العاقلة السوية.

[35]– تسعى النفس طبيعيا للتعرف على حقيقة الوجود. وبالنسبة للنفس الإنسانية السوية يعد مطلب التعرف على حقيقة الوجود مطلبا ضروريا وطبيعيا.

[36]– قد يلاحظ المتلقي تكرر لفظ “النفس السوية”، وذلك أمر طبيعي؛ لأن كل نظرية أو أطروحة في مبحث المعرفة إنما هي مؤسسة على تصور معين للطبيعة السوية للنفس البشرية.

[37]– يراجع تعريف “ابن تيمية” للفطرة والذي أورده “عبد الله العجيري” في “محاضرة أدلة وجود الله تعالى” على اليوتيوب الدقيقة 15:40.

[38]– وللتذكير فالمعرفة الآتية عبر الحواس تشمل المعرفة الخبرية أيضا، ولا تقتصر على ما هو مشاهد بالبصر. وعموما فالمعرفة الآتية عبر الحواس تتعدد بالنظر لكل حاسة مما تم ذكره على الأقل.

[39]– يمكن اعتبار الصفر مكافئا للاشيء أو لغياب الشيء لأنه لا يكافئ (نظريا) إلا العدم.

[40]– يتم التمييز عادة بين الوجود الحسي والوجود الغيبي والوجود الذهني. أما الوجود الحسي فهو جزء الوجود الذي أدركناه بالحواس وبالتحليل العقلي لمعطيات الحواس؛ وهو المكافئ للفظ العالم الحسي. وأما الوجود الغيبي فيقصد به جزء الوجود الذي لم ندركه بعد. وأما الوجود الذهني فهو ليس وجودا حقيقيا ولكنه مجال ينشأ حين الحديث عن المجردات. ويمكن القول بأن الوجود في الواقع هو وجود واحد؛ هو كل ما هو موجود على الحقيقة لا على سبيل التخيل أو التوهم، ونسمي مجموع كل ما هو موجود “الكون”، كما نسميه “الوجود” أو “الواقع”. ونسمي ما أدركناه بالعالم الحسي، وما لم ندركه بالعالم الغيبي. ولا يعني هذا افتراق الوجودين، بل إن الوجود هو واحد هو الكون أو الوجود أو الواقع؛ وهذه التعبيرات كلها تدل على كل ما هو موجود على سبيل الحقيقة؛ أي كل ما هو شيء متحقق. وأما تقسيمنا للوجود لعالم حسي وغيبي وذهني فهو تقسيم منهجي للتمييز بين: ما أدركناه من موجودات (عالم حسي)، وما لم ندركه بعد من الموجودات (عالم غيبي)، مجال المجردات (العالم الذهني).

[41]– نذكر بأننا نميز منهجيا بين “المرجعية الوجودية” و”المنظومة العقدية”، فنعتبر المرجعية الوجودية الدين أو المذهب الفلسفي الذي لم تبتدعه النفس، ونعتبر المنظومة العقدية مجموع الاعتقادات التي أخذتها النفس من مرجعيتها أو مرجعياتها الوجودية، والتي يلزم المعتقد بها العمل وفقها لكيلا يقع في التناقض بين ما يعتقد وما يفعل.

[42]– حتى اللا أدري إن تتبعنا المفاهيم التي يستخدمها فإننا نجدها تنتمي لمرجعية وجودية ما، ولكنه يشك في صدق تلك المرجعية التي كان اعتقاده بصدقها يقينيا. ويمكن أن تنتمي مفاهيمه لمرجعيات عدة وليس لمرجعية واحدة حصرا.

[43]– خاصة سؤال من أوجد/ خلق/ صنع هذا العالم؟ من أين جئنا؟ إلى أين سنذهب بعد الموت؟

[44]– هذه المنظومات العقدية قد تتحول فيما بعد لمرجعيات وجودية إن تم التصديق بكل أو جل ما يعتبر صحيحا داخل تلك المنظومات العقدية. ومثال ذلك فلسفة “ماركس”؛ فهذه الأخيرة هي منظومة عقدية توصل إليها “ماركس” من خلال نظره وفحصه للمعارف التي توفرت له، ولكن منظومته العقدية تلك أصبحت من بعده بمثابة مرجعية وجودية بالنسبة للمعتقدين بالماركسية.

[45]– يوجد من يخالف هذا الصور، ويرى بأنه يمكن الانطلاق في بيان صدق المرجعيات الوجودية أو نقدها من تصورها للأخلاق/ القيم/ الأكسيولوجيا/ الإيتيقيات/الشريعة؛ أي للمبادئ التي تدعوا للسلوك وفقها، وذلك بقياسها على فطرة البشر. وهناك من يعتبر الانطلاق من نظرية المعرفة/الإبستيمولوجيا أساس نقد المخالف. ونحن نعتبر بأن الانطلاق من الاخلاق/القيم/الأكسيولوجيا/الإيتيقيات/الشريعة أو من نظرية المعرفة/الإبستيمولوجيا كله ممكن، ولكن الانطلاق من منطلق دون غيره متوقف على طبيعة المحاوَر المعني بالدرجة الأولى.

[46]– في نقد المادية الجدلية ينظر مثلا: محمد باقر الصدر، فلسفتنا.

[47]– في نقد العلموية ينظر مثلا: سامي عامري، العلموية: الأدلجة الإلحادية للعلم في الميزان.

[48]– صادقا إن قام عليه برهان وأكدته المشاهدات والأرصاد.

[49]– كاذبا إن نفاه برهان، أو كذبه رصد، أو أزاحه افتراض أقوى منه دليلا.

[50]– تدعم هذا الاحتمال المشاهدات والأرصاد، لذا فهو احتمال واقعي عقلي. فنحن نشهد بأن الموجودات تختلف إراداتها، وقدراتها، وهو ما يؤدي بالبعض منهم إلى غلبة البعض الآخر والسيادة عليه. وكيف يكون من يخضع لسلطة غيره أن يكون إلها؟ وإذا كان بعض تلك الآلهة قد أوجده آلهة أخرى فبأي معنى يمكن القول عن المخلوق أو المصنوع بأنه إله؟ وبالإضافة إلى هذا ينبغي التنبيه إلى كون القائل بتعدد الآلهة يسقط في خطأ منهجي؛ فالأصل أن السؤال عن الإيجاد أو الصنع، والتدبير، يكون بالمفرد لا بالجمع؛ فنسأل من أوجد كذا؟ من صنع هذا؟ من المسؤول عن تدبير هذا؟ ولا نسأل: من هم الذين أوجدوا هذا؟ من هم الذين صنعوا هذا؟ من هم المسؤولون عن تدبير هذا؟ إلا في حالة تبين لنا عجز الواحد عن إنجاز ما أنجز، وحاجة ذلك المُنجز إلى أفراد كثر.

[51]– نميز بين الذهنية والعقلية؛ فنعتبر الذهنية صورة الكون التي تبنيها أو تكونها المفاهيم عند النفس. ونعتبر العقلية هي المنظومة الفكرية التي على أساسها تفكر النفس.

[52]– في الواقع هذا ما نجده في معظم الأديان، والأساطير، التي تؤمن بتعدد الآلهة.

[53]– في الواقع قد يكون هذا الفرض معتبرا، إذا كانت فعلا هنالك شعوب قديمة انطلقت من تعدد الظواهر الطبيعية نحو افتراض وجود آلهة متصارعة، دون أن يكون عندها علم بمرجعية وجودية تقول بوجود إله واحد للكون. ولكن الشيء البارز في أديان، وأساطير، تعدد الآلهة، أنها تضع إلاها واحدا في القمة باعتباره الإله المسيطر الذي يتحكم في كل شيء.

[54]– السرمدي ما لا بداية ولا نهاية له في الوجود، فهو موجود دوما ولا يفنى أبدا.

[55]– ينظر: باروخ سبينوزا، “الإيتيقا” أو “علم الأخلاق”.

[56]– لهذه العناصر عدة تسميات عبر التاريخ، ومنها: العناصر الأولى، الجزء الذي لا يتجزأ، الذرات، العناصر الأولية في الكون…إلخ.

[57]– ينظر: أرسطو، “الميتافيزيقا”.

[58]– يبدو أن صياغة “أرسطو” لذلك التصور أمر طبيعي بالنظر لبيئة “أرسطو” الدهرية الوثنية؛ إذ يبدو بأن المرجعية الوجودية الدهرية الوثنية “لأرسطو’ هي من اعتمد عليها في بناء منظومتة العقدية (مذهبه الفلسفي).

[59]– من العجيب أن البعض يعتقد بحرية الإنسان فرديا واجتماعيا؛ ولعل ذلك لكيلا يقوم بمناقضة جزء من طبيعته، فيتسنى له التصرف والعيش باعتباره كائنا حرا من جهة، ولكي يتسنى له الانسجام مع القوانين، فيعاقب الجناة على أفعالهم مثلا من جهة ثانية، وهو يعتقد في المقابل بلا حرية الإنسان أنطولوجيا؛ إذ يعتبر الإنسان مجرد جماع ذرات حركتها حتمية انبثق عنها وعي. فهل يغيب عن وعي هذا الإنسان التناقض الحاصل فيه أم أنه يقبل ذلك التناقض؟ إن كان لا يعي تناقضه فها هو قد بيناه. وإن كان يقبل التناقض فقوله غير معتبر؛ لأنه يخالف العقل والعلم. وحتى بعض النظريات التي يبني عليها البعض اقتناعهم الواهم بتحقق التناقض واقعيا إنما هي نظريات مبنية على تجارب لا يثبت منها تحقق التناقض واقعا؛ ومثال ذلك في فيزياء الكم مثال “قطة شرودنجر”؛ فتجربة “شرودنجر” (الذهنية) لا تقول بأن القطة حين تغيب عن أعيننا فإنها تكون حية وميتة في نفس الوقت، بل إنها تقول بأن إدراكنا لوضع القطة هل هي حية أو ميتة لا يمكن الحسم فيه ما دامت القطة غائبة عن نظرنا، أما هي في الواقع فتكون إما حية أو ميتة، فأين التناقض في هذا؟ وأما عن مسألة الحرية، فإن كل إنسان عاقل يعلم بأن له قدرا من الحرية بموجبه يستطيع فعل أشياء معينة دون أخرى.

[60]– هذه بعض الصفات التي نستنتجها عقلا، وهي ليست كل الصفات.

[61]– لأن الأدلة المقدمة عليه خاطئة.

[62]– في المقابل، إن كان المقصود بها كيان أو أكثر مسؤول عن إيجاد ما عداه، فإن هذا الفرض خاطئ لأن الكيان لا يملك القدرة على الإيجاد أصلا. وأما إن كان المقصود بها كائنات مسئولة عن إيجاد ما عداها، فإن هذا الفرض سبق أن بينا خطأه فليراجع. وأما إن كان المقصود بها كائن واحد تحول لغيره، فمعلوم أن الكائن لا يكون غيره؛ إذ لكل كائن هوية خاصة به تميزه عن غيره من الموجودات، وهو ما يعني استحالة أن يكون الكائن الأول عين الموجودات التي أوجدها. فيبقى أن يكون الكائن الذي أوجد غيره قد أوجدها بالصنع أو الخلق. وما دمنا لا نملك دليلا على أزلية المادة أو سرمديتها، كان فعل الإيجاد من العد؛ أي الخلق، أولى.

[63]– وذلك في كلا الحالتين، سواء كانت المادة جامدة أو متحركة.

[64]– لأنه هو كذات لها الصفات التي تجب لها، فإنه سرمدي. وسرمديته لا نفترضها قبلا، ولكننا نصل إلى ضرورتها بعد تحليل طبيعة الموجودات المشاهدة والمرصودة؛ إذ لما كانت حاثة فقد لزم وجود محدث سرمدي لها -لأن لكل حادث سبب- وما دام ليس لنا دليل على سرمدية مادة الموجودات الحادثة، وما دمنا لا نحتاج لافتراض وجودها قبل ما يتشكل منها، فإن الكائن الذي أوجد الموجودات الحادثة يكون قد أوجدها بالخلق؛ أي بإيجادها من العدم مباشرة، أو بإيجاد مادتها أو بعضها من العدم ثم صنعها من تلك المادة التي خلقها أو من بعضها.

[65]– للتوسع يراجع مثلا: سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم. وعبد الله الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعقل والإيمان.

[66]– يراجع في ذلك مثلا: The Bing Bang Theory – وذلك استنادا لنظرية الانفجار العظيم أو الانفجار الكبير: على اليوتيوب.Eld3wah تصحيح المفاهيم حول الانفجار العظيم، فيديو على قناة الدعوة الإسلامية

[67]– أشير لنفس هذا الدليل في كتاب “ثلاث رسائل في الإلحاد والعقل والإيمان” بمسمى تعدد الهويات، ولكننا، للأمانة،توصلنا لهذا الدليل قبل الاطلاع على ذلك الكتاب.

[68]– ينظر: محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم. وكتب سامي عامري حول صدق النبوة وربانية القرآن الكريم.

[69]– مناهج السلوك والمعاملة التي تدعو إليها.

[70]– للتوسع في المسألة ينظر: سامي عامري، الإلحاد في مواجهة نفسه: حقيقة الإلحاد على ألسنة فلاسفته ورموزه.

[71]– التي أبدعها أو التي ارتضاها لنفسه.

[72]– الجسدي والذهني والعقلي والنفسي والروحي.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى