عام

التحدث مع النفس بصوت عالٍ يساعد على التفكير

  • نانا اريل
  • ترجمة : ندى محمد
  • تحرير: ندى بنديسور

خلال هذا الأسبوع؛ كانت هناك امرأة تسير في شارعي شاردة الذهن وتحدث نفسها بصوت عالٍ. كان الناس ينظرون إليها باستغراب، لكنها لم تكترث، وواصلت التحدث والسير مسرعة.

نعم، لقد كانت تلك المرأة هي أنا.

أتحدث -مثل الكثيرين- مع نفسي بصوت عالٍ، ولكن الاختلاف يكمن في أنني أفعل ذلك في الأماكن العامة. كُلّما أردت حل مشكلة، أو تطوير فكرة، أو حفظ نص، بدأت بهذا الفعل الروتيني الغريب. وبينما أكسبني هذا الفعل صيتا في الحي الذي أعيش فيه، فقد حسّن أيضا من مهارتي في التفكير والحديث بشكل هائل. فالتحدث بصوت عالٍ ليس فقط وسيلة تواصل مع الآخرين، ولكنه تقنية للتفكير تساعد في تكوين الأفكار ومعالجتها.

إن ارتباط التفكير بالتحدث بصوت عالٍ ليس فكرة حديثة، فقد ظهرت عند اليونانيين والرومان القدماء، في أعمال خطباء عظماء مثل “ماركوس توليوس ايسيرو”. ولعل أكثر التطورات الحديثة إثارة للاهتمام بخصوص هذه الفكرة، قد ظهرت في مقال “حول التكوين التدريجي للأفكار أثناء الكلام” للكاتب الألماني “هاينرش فون كلايست” (1805)، يصف فيه عادته في استخدام الحديث كأسلوب تفكير، ويتكهن بأنه إذا لم نكتشف شيئا ما بمجرد التفكير فيه، فقد نكتشفه بطريقة الحديث الحر. ومما كتبه؛ أن الأفكار تكون مجردة أولا، والحديث النشط هو ما يساعد في تحويل الفكرة المبهمة إلى فكرة متكاملة. ليست الأفكار هي التي تنتج الكلام، بل بالأحرى؛ الكلام هو العملية الإبداعية التي تُوَلّد الأفكار. يقول كلايست: ” كما تأتي الشهية مع الطعام، تأتي الأفكار مع الحديث”.

لقد أُوليَ الكثير من الاهتمام لقوة الذات الناطقة، كوسيلة للتمكين الذاتي في علم النفس الإيجابي. ومع ذلك، يعد التحدث إلى النفس أيضا -كما يقول كلايست- أداة معرفية وفكرية يمكن استخدامها على نطاق واسع. تؤكد النظريات المعاصرة في الإدراك والتعلم على تكهنات كلايست، و تظهر أن الحديث لا يساهم فقط في التحفيز والتنظيم العاطفي، ولكن أيضا في عدد من الوظائف المعرفية العليا، مثل الاستدلال والقدرة ما وراء المعرفية.

إذا كان الحديث مع النفس مفيدا جدا، فلماذا لا نتحدث مع أنفسنا طوال الوقت؟ قد تفسر الديناميكية بين حديث النفس الخارجي والداخلي؛ الشكوك الاجتماعية حول حالة الحديث الخارجي. فكثيرا ما يُنْظَر إلى الحديث مع النفس بصوت عالٍ وكأنه الطريقة الساذجة المقابلة للحديث الداخلي في أذهاننا، والتي لها وظائف معرفية بارزة في حد ذاتها. إن الميل للتعبير عن أفكارنا الداخلية بصوت عالٍ هو أمر نموذجي نفعله في سن الطفولة، يتحول إلى صوت داخلي غير مسموع في سن النضج، كما تكهن بذلك المختص في علم نفس النمو “ليف فيجوتسكي” في العشرينات من القرن الماضي.

وقفت وجهة نظر فيجوتسكي معارضة لوجهة نظر منافسة عُرفت باسم المدرسة النفسية السلوكية، التي رأت أن حديث الأطفال الجانبي مع أنفسهم بصوت مرتفع؛ يدل على عقول أقل كفاءة. لكن فيجوتسكي ادعى أن للحديث الذاتي دور عقلي نشط، حين لاحظ أطفالا يقومون بمهمات أثناء الحديث مع أنفسهم بصوت عالٍ، واستنتج أن حديثهم الذاتي يُعد مرحلة أساسية لنموهم العقلي، ويؤدي إلى مرحلة التفاعل والحديث مع الآخرين في مرحلة النضج. كما برهن خلفاء فيجوتسكي، مثل عالم النفس “تشارلز فيرنيهَو”، على أن الكلام الداخلي يُسهّل مجموعة من الوظائف المعرفية، بما في ذلك حل المشكلات، وتنشيط الذاكرة العاملة، والاستعداد للقاءات الاجتماعية. إذن؛ فقد كان الحديث الداخلي مع النفس هو محور بحوث البالغين، عوضا عن الحديث الجهري مع النفس.

ومع ذلك؛ فإن استيعاب الحديث الذاتي ليس بالضرورة دليلا على النضج المعرفي، فهو على العكس يُمثل انتكاسا جوهريا في المهارات الإدراكية، خصوصا في وجه الضغوطات الاجتماعية. أكد عالم الاجتماع ” أرفينج غوفمان” على أن الحديث الجهري مع النفس من الأفعال المحظورة؛ لأنها تشكل تهديدا ” للذاتية المشتركة “، وتنتهك العُرف الاجتماعي بأن الكلام عملية تواصلية مع الآخرين. كما ذكر في كتابه أنواع الكلام (1981): “أنا آسف لا أستطيع الحضور الآن لأنني مشغول بالتحدث إلى نفسي”. لا يعتبر الحديث مع النفس بصوت عالٍ أمرا مقبولا إلا عندما نكون على انفراد، أو لدى الأطفال، أو من قبل الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية، أو في مناجاة شخصيات شكسبير.

ومع ذلك؛ يتميز الحديث مع النفس بصوت عالٍ بعدة مميزات يفتقدها الحديث الداخلي، حتى عند البالغين. فابتداءً، غالبا ما يكون الكلام الداخلي مقتضبا وجُزئيا كما وضّح فيرنيهو، ونميل غالبا إلى التحدث إلى أنفسنا بصمت وباستخدام كلمات مفردة وجمل مختصرة. في حين يسمح الحديث بصوت مرتفع -على النقيض من ذلك- باسترجاع أفكارنا بالكامل، وباستخدام التنغيم والإيقاع الذي يؤكد على معناها الواقعي، كما يشجع على خلق أفكار معقدة ومتطورة.

لا يقتصر الكلام على استرجاع الأفكار الموجودة مسبقا فحسب، بل ينشئ أيضا معلومات جديدة خلال عملية الاسترجاع، تماما كما هو الحال في عملية الكتابة. إن التحدث بصوت عالٍ هو أمر خلّاقٌ وإبداعي، فكل كلمة وجملة منطوقة لا تجلب فقط فكرة موجودة أصلا، ولكنها تؤدي أيضا إلى روابط عقلية ولغوية جديدة. في كلتا الحالتين – التحدث والكتابة – تخضع مادية اللغة للتحول (إلى أصوات مسموعة أو إشارات مكتوبة) الذي يؤدي بدوره إلى تحول ذهني. لا يتعلق هذا التحول فقط بترجمة الأفكار إلى مجموعة أخرى من الإشارات؛ بل إنه يضيف معلومات جديدة إلى العملية العقلية، ويُوَلّد اندفاعا فكريا جديدا. لهذا السبب؛ فإن أفضل حل للحواجز الإبداعية ليس محاولة التفكير أمام صفحة فارغة، وانتظار وصول الأفكار ببساطة، وإنما الاستمرار في التحدث، والكتابة (كتابة أي شيء)، والثقة بهذه العملية الإنتاجية.

إن التحدث مع النفس بصوت عالٍ يزيد من الجودة الحوارية لخطابنا. فعلى الرغم من عدم وجود مُخاطَب مرئي، فإن التحدث إلى أنفسنا يشجعنا على بناء صورة نشطة للمُخاطَب، وتفعيل “نظرية العقل” – القدرة على فهم الحالات العقلية للآخرين -، والتحدث والتصرف وفقا لتوقعاتهم المُتخيلة. يمكن أن يظهر الكلام الداخلي الصامت كحوار داخلي أيضا، لكنّ شكله المبتور يشجعنا على إنشاء لغة “سرية” مختصرة، وتعميم اختصارات ذهنية. ومن خلال إجبارنا على التعبير عن أنفسنا بشكل كامل، فإن الحديث بصوت عالٍ يستدعي صورة المستمع أو المُستجوِب بشكلٍ أكثر وضوحا. وبهذه الطريقة يُسمح لنا بمساءلة أنفسنا بطريقة نقدية أكثر، من خلال تبني منظور خارجي لأفكارنا، ومن ثَمّ النظر إلى أوجه القصور في حُججنا أثناء الكلام.

ربما لاحظتَ أيضا أن حديث النفس يحدث بشكل بديهي أثناء تحرك الشخص أو التجول. إذا كان قد سبق لك أن سرت في غرفتك ذهابا وإيابا محاولا التحدث عن شيء ما، فإنك قد استخدمت هذه التقنية بشكل بديهي. سيرنا عندما نحتاج للتفكير ليس من قبيل الصدفة، تُظهر الأدلة أن الحركة تعزز التفكير والتعلم، وكلاهما ينشط في نفس مركز التحكم في الدماغ. في الحقل المعرفي الفرعي للعلوم المعنية بالإدراك ” المتجسد”، هناك ادعاء أن الأفعال نفسها تعتبر من مكونات العمليات المعرفية. وهذا يعني أن نشاطات مثل عزف الآلات الموسيقية، الكتابة، التحدث أو الرقص، لا تبدأ في الدماغ ثم تنطلق في الجسم كأفعال، بل تستلزم – بدلا من ذلك – أن يعمل العقل والجسم بشكل متناسق ككيان مبدع ومتكامل، يؤثر أحدهما في الآخر. ولذلك؛ فإن المحاصرة التي نعاني منها في بيئات العمل والدراسة تُعد مشكلة كبيرة. فهي لا تسمح لنا بتنشيط هذه العضلات الإدراكية البديهية، بل تشجعنا في كثير من الأحيان على تجاهلها.

إن التطورات التكنولوجية التي تجعل التحدث يبدو كأمر زائد عن الحاجة، تُعَدّ أيضا عقبة أمام تقبُّل جميع إمكاناتنا المعرفية. مؤخرا، أعلن رائد الأعمال التكنولوجية “إيلون ماسك” أننا نسير نحو مستقبل عديم اللغة، إذ سنكون قادرين على التواصل مباشرة بين العقل والعقل، من خلال الروابط العصبية. وقال في مقابلة حديثة: ” يستهلك دماغ الإنسان الكثير من الجهد في تحويل مفهوم معقد إلى كلمات، وخلال هذا الجهد يتم فقدان الكثير من المعلومات.” ومع ذلك، فما وصفه ماسك بالاستهلاك وفقدان المعلومات، ينطوي أيضا على مكاسب معرفية. فالكلام ليس مجرد قناة لنقل الأفكار، ووسيلة قابلة للاستبدال بالتواصل المباشر، ولكنه نشاط توليدي يعزز التفكير. قد تسهل الروابط العصبية التواصل، لكنها لن تحل محل تقنية التفكير أثناء التحدث. تماما كما أدرك “كليست” قبل 200 عام بأنه لا وجود لأفكار قائمة من قبل، بل هناك عملية استكشافية (heuristic process) من خلالها يتشارك الفكر والكلام في بناء بعضهما البعض.

لذلك في المرة القادمة التي ترى فيها امرأة تتجول وتتحدث إلى نفسها في الشارع، انتظر قبل أن تحكم عليها فقد تكون وسط عمل مكثف. ربما كانت تريد أن تقول: ” أنا آسفة، لا يمكنني الدردشة معك الآن، أنا مشغولة بالتحدث إلى نفسي.” وربما، قد تجد نفسك تفعل الشيء ذاته يوما ما.

اقرأ ايضًا: الآثار السامة لحديث النفس السلبي

+3
المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى