العلم

بيهي وسواميداس يتحاوران حول التطوُّر والتصميم الذكي

في جامعة -تكساس-

  • جوناثان ويت
  • ترجمة: عبد الله الشامي
  • مراجعة: خالد الشايع
  • تحرير: سهام سايح

كان الحوار بين عالم الكيمياء الحيوية والزميل البارز في مركز الثقافة والعلوم، مايكل بيهي، مقابل الطبيب وعالم الأحياء الحسابية جوشوا سواميداس،يوم الثلاثاء الماضي على مسرح رودر المكتظ في جامعة تكساس أي أند إم في كوليج ستيشن، تكساس.

جمع اللقاء بين الحوار والمناظرة بعنوان “الله و/أو التطوُّر؟” طرح بيهي قضية التصميم الذكي في علم الأحياء، وحاجج سواميداس عن المنهجية الطبيعانية Methodological Naturalism ونظرية التطور الحديثة، مع قبول نشوء جديد مستقل لآدم وحواء، وهي فكرة شرحها في كتابه الجديد.

كانت طبيعة المناظرة أن يتحدث بيهي أولاً ثمّ يردّ سواميداس وأُعطي بعد ذلك كل متحدِّث فرصة تقديم تعليقات إضافية على الموضوع خلال مدة أقصر، ثم تبعتها فقرة أسئلة وأجوبة، استقبلت الأسئلة فيها عبر تغريدات انتقى منها وقرأها مشرف الحوار.

بدأ بيهي بالإشارة إلى تقديم كتبه الثلاثة لحجتين رئيسيتين، بما في ذلك أحدث كتبه “داروين يتقهقر” Darwin Devolves، كانت الحجَّة الأولى أنّ “آلية داروين غير كافية على الإطلاق لتفسير التركيب الجزيئي للحياة” ولكن بسبب ضيق وقت الندوة الحوارية لن يركز عليها هذه الليلة، وهي الأطروحة الأقل إثارة للجدل من بين الحجّتين، وذلك لأنّ العديد من العلماء البارزين اليوم يشكِّكون في القدرة الإبداعية للآلية الداروينية الجديدة التي تجمع بين الطفرات العشوائية والانتقاء الطبيعي.

وقال إن أطروحته الأكثر إثارة للجدل، أنّ التصميم الذكي أفضل تفسير لمنشأ العديد من البنى البيولوجية المعقدة في تاريخ الحياة، ثم ناقش ثلاثة من هذه البنيات البيولوجية التي اكتشفت في السنوات الأخيرة.

 

التروس والمحركات وحرب العوالم في المنمنمات

أول ما لفت النظر إليه هو التروس، اكتشفت مؤخرًا في مرحلة اليرقات من حشرات البارقات “الأسوس”Issus coleleoptratus ، وعندما ركز بيهي عرض الشرائح على صورة مقربة للتروس، سرت همهمات من الدهشة في الجمهور، وصف بيهي الماكينة بأنّها “تروس حقيقية، صلبة، ميكانيكية، متشابكة الأسنان “وهو ما تبدو عليه، (انظر الشريحة التي تعرض الصورة المقربة في الدقيقة 7:54 من اللقاء).

ثم ناقش بيهي بعد ذلك السوط البكتيري  bacterial flagellum، الذي وصفه بأنّه محرك خارجي كامل مع مروحة دافعة (داسر)، وقطعة على شكل مفصل U، وعمود تدوير drive shaft، ومحرك، وجزء ثابت للمحرك stator. وأشار إلى أنّه قد كتب عن ذلك في كتابه الأول، “صندوق داروين الأسود” [مترجم للعربية] Darwin’s Black Box، الذي نشره عام 1996، وقال إنّ زملاءه من العلماء لم يقدموا تفسيرًا ينطلق من المصطلحات الداروينية لنشأة هذه الآلة الجزيئية بعد كلّ هذه السنوات. ثم فصّل في هذه النقطة، فقال لم يتمكن أحد إلى الآن من الوصول إلى إجابة يطرح فيها عملية تطور وظيفية تتم في خطوات متدرجة، سواء بالاعتماد على الداروينية أو على غيرها، لتفسير نشأة أي من الآلات الجزيئية المعقدة التي ذكرها.

ثم استطلع بيهي بعد ذلك بعض النتائج الجديدة المتعلقة بالمفصل العام للسوط البكتيري التي حُصل عليها باستخدام تقنية مجهرية جديدة، فتمكَّن الباحثون من اكتشاف طبقات جديدة من الهندسة المتطورة في المفصل U (الذي يسمى أيضًا الخطاف)، وعرض بيهي بعد ذلك رسمًا متحركًا للمفصل U حيث يدور بسَلاسة وليس بشكلٍ مضطرب، كلُّ ذلك بفضل حركات منسقة بارعة لهياكل بروتينية مميزة داخل الخطاف، يمكن العثور على الرسوم المتحركة المذهلة، ومناقشة بيهي لها خلال دقيقتين من الفيديو الذي يبدأ من هنا (الدقيقة 9:33)

البنية البيولوجية الثالثة التي عرضها د. بيهي هي العاثيات (فيروس ملتهم البكتيريا) T4، وهو نوع من الفيروسات الذي يصيب البكتيريا ويأكلها، وعرض رسومات لبنية الفيروس أمكن الحصول عليها بدقة عالية مؤخرًا نتيجة للتقدم في تقنية المجاهر، وقال بيهي تظهر هنا مرة أخرى بنية بيولوجية تبدو للعالم بأسره كأعجوبة من البصيرة الهندسية والتصميم. ونراها في مرحلتين، في المرحلة الأولى تتمدد الأسطوانة المركزية الطويلة والنحيلة، وفي المرحلة الثانية تهرس هذه الأسطوانة ويحقن الحمض النووي للعاثية داخل الخلية البكتيرية.

صورت المرحلتين للبنية الفيروسية وذكر وصفهما من هذه الدقيقة (11:41) في الفيديو ، ويلي ذلك رسوم متحركة لهما، وقال بيهي “كأنّها لقطة من فلم حرب العوالم” ليؤكد مدى الإبداع الهندسي (المرعب) الذي تبدو عليه.

 

الترتيب الهادف للأجزاء

ثم قال بيهي إن كلاً من البنى الثلاثة التي تمت مناقشتها تُظهر الترتيب الهادف للعديد من الأجزاء المصممة جيدًا، وفي خبرتنا البشرية المشتركة نجد أنّه في كل مرة نتتبع هذه البنى إلى منشئها نصل دومًا إلى سبب ذكي، تشير خبرتنا الموحدة إلى أنّ الترتيب الهادف للأجزاء في التروس عند حشرة البارقة، وفي السوط البكتيري، وفي العاثيات T4 ، هو ترتيب يفسر بشكل معقول ومقنع عند نسبته إلى سبب ذكي.

وقدم بيهي تعريفًا لنظرية التصميم الذكي، ناقش فيه تاريخ الفكرة، ووضح كيف نتعرف بانتظام وبشكل موثوق على الأشياء المصممة بذكاء في الحياة اليومية من خلال ملاحظة الترتيب الهادف للأجزاء.

تناول بيهي أيضًا فكرة شيوع التصميم في كلِّ شيء في الطبيعة، وأنّ قوانين الكون قد صُممت (أي ضبطت بدقة) من قبل صانعها، ووافق بيهي على أنّ هذه طبقة من طبقات التصميم، لكنه قال إن هذا المستوى من التصميم يشبه مواد البناء المصممة للمنزل، في حين أنّ التصميم الواضح في البنى البيولوجية المبدعة هو طبقة إضافية من التصميم، ويشبه الفرق بينهما الفرق بين جبل إفرست، الذي وجد نتيجة للقوانين الدقيقة وثوابت الطبيعة، وبين جبل رشمور الذي نحتت عليه بعض وجوه زعماء أمريكا، فالوجوه قد صممت بذكاء من قبل النحاتين.

وختم بيهي بالتأكيد على أنّ “استنتاج التصميم الذكي يتمتع بقوة منطقية” وأشار إلى أنّه قد أجاب على منتقديه بالتفصيل ويمكن الاطلاع عليه في موقع DarwinDevolves.com

 

حول الشمبانزي والجرذان والفئران، والبشر

أشار سواميداس في كلمته الرئيسية إلى موقعه على الويب peacefulscience.org، وقال إنّه يأمل في أن يساعد الحوار في هذه الأمسية على أن يفهم هو وبيهي أوجه اتفاقهما واختلافهما بشكل أفضل، ونبَّه إلى أنه و بيهي مسيحيان، (بيهي مسيحي كاثوليكي)، ووصف كتاب بيهي الثاني “حافة التطوُّر The Edge of Evolution” [مترجم للعربية] بأنّه “مثير للانتباه ومهم”.

بعد تلخيص بعض جوانب الاتفاق بينهما، عرض سواميداس صورة لإنسان (هو سواميداس) مع شمبانزي، وتحتهما جرذ وفأر. وقال سواميداس يتشابه  البشر والشمبانزي بنسبة 98% وراثيًا، في حين يتشابه الجرذان والفئران بعضهما البعض بنسبة 80%، وأضاف أنّ هذه البيانات تتسق بدقة مع بعض الأشياء الأخرى التي تمكننا من جمعها، وعند تفصيل ما تحدث عنه قدم وصفًا مبسطًا لمفهوم الساعات الجزيئية في علم البيولوجيا التطورية، مستخدمًا المعادلة البسيطة؛ السرعة × الزمن = المسافة، بالنسبة إلى أنصار التطور تكون السرعة هي سرعة تطفر الأنواع، والزمن هو الفترة التي انقضت منذ ابتعاد شكلين بيولوجيين عن سلفهما المشترك، وقال إنّ الفئران والجرذان قد تباعدا عن بعضها قبل فترة أطول بكثير من تباعد الشمبانزي والإنسان، كما أنّ الفئران والجرذان يتحوَّران بأسرع من تحوُّر الشمبانزي والبشر، وبأخذ العاملين معًا أي السرعة الأعلى للطفرات والفترة الزمنية الأطول، فهذا يعني “مسافة” تحوّر أكبر بكثير، وهو ما يفسر بوضوح سبب اختلاف جينوم الشمبانزي وجينوم البشر بنسبة 2٪ فقط، في حين تختلف جينومات الجرذان والفئران بنسبة 20٪ تمامًا.

ثم أضاف أنّه تحدث إلى مؤيدي التصميم الذكي، كما تحدث إلى الخلقيين، وطلب شرحًا رياضيًا لهذا ولا زال ينتظر إجابة مقبولة لا تشمل السلف المشترك.

لا يعترض بيهي على دقة رقم 98% للتشابه بين الشمبانزي والبشر، في حين يعترض علماء آخرون، وانظر على سبيل المثال التحدِّي الذي طرحه عالم الوراثة ريتشارد بوجز Richard Buggs هنا. وأشار بيهي بدلاً من ذلك إلى نقطة أكثر جوهرية: يختلف البشر والشمبانزي بوضوح في جوانب أكثر أهمية بكثير من جوانب اختلاف الفئران والجرذان. ولذلك فاستخدام الاختلافات الجينومية لشرح الجوانب التي يختلف بها البشر عن الشمبانزي هو بوضوح الأسلوب الخاطئ لتناول مسألة تفرد البشر.

وقدم أيضًا كل منهما حججًا إضافية وردودًا على الحجج المقابلة، وكان في نقاشهما العديد من العناصر الأخرى اللافتة، من المنهجية الطبيعانية ، ودور التطور المحايد neutral، إلى مشكلة الأشياء التي تظهر مصممة في الطبيعة لكنها مدمرة، وأوجه التشابه والاختلاف بين النظم البشرية المصممة والبنى البيولوجية المعقدة. وقيمة الحوار المتحضر بين الباحثين المنطلقين من وجهات نظر مختلفة جدًا، وكذلك الفرق بين التعرف على التصميم الذكي وتحديد هوية المصمم.

 

جيمس تور يسأل سواميداس

وكان في الحضور عالم كيمياء الاصطناع العضوي بجامعة رايس، جيمس تور James Tour، الذي وصفه المشرف على الحوار بأنّه “أحد أكثر الكيميائيين إنجازًا في العالم”. وعندما بدأت فترة الأسئلة والأجوبة، طُلب منه طرح السؤال الأول، فوجهه إلى سواميداس:

لقد ذكرت الآلية، ولأني عالم كيمياء عضوية وأحد الكيميائيين الموجودين هنا، فإنّنا نهتم بالآلية بشكل خاص. من الصعب للغاية فهم كيف يمكنك الحصول على تغييرات تتعلق بالآلية في نظام معقد لتحوله إلى نظام معقد آخر، والمشكلة أنّه عندما يصف علماء الأحياء ذلك، يبدو الأمر كما لو أنّهم يروون قصصًا. حسناً حتى عندما تكلمت معك، وقلت لك كيف حدث التغير، أخبرتني بقولك؛ حسنًا إنّه مجرد تغير بسيط واحد في كل مرة. لا بأس إبدأ معي وأخبرني، ما الذي سيتغير؟ أخبرني كيف يتحول نظام معقد إلى نظام معقد آخر. من الصعب للغاية أن نرى ذلك، وهكذا يمكنك أن تأتي بنماذج رياضية صغيرة تتحدث عن العلاقات، ولكن عليك في النهاية تغيير الكثير من الأمور الكيميائية التي يصعب حقًا رؤيتها في هذه النماذج التطورية وهي ما سيقدم هذه الأنواع من التعقيدات في التغيير. فكيف تفكر في أن هذا قد حدث، في حين يلزمك فعلاً العودة إلى منهاج الكيمياء العضوية الذي درسته في السنة الثانية عام 1998 وتخبرنا ما نوع التفاعل الذي ستجريه للقيام بالتغيير؟

قال سواميداس في رده على جيمس إنّ “البيولوجيا معقدة بشكل كبير وليست بديهية … وإن الحدس الكيميائي لن يفسر ما أتحدث عنه. يتطلب التفسير الحدس البيولوجي وهو يتشكل بأسلوب مختلف.”

لكن تور سأله: “أخبرني كيف يتغير نظام معقد إلى آخر”، واحتار سواميداس في إيجاد جواب مناسب على ذلك. وبدا الأمر كأن خلاصة رد سواميداس هي؛ أنت كيميائي، وعلماء الأحياء أعلم منك.

وإن كان جيمس تور، وهو عالم اصطناع كيميائي عضوي دولي مرموق، لا يعرف ما يكفي من علم الأحياء الجزيئي ليكون لديه الحدس الصحيح حول ما هو ممكن وغير ممكن للتطور التدريجي خطوة بخطوة لإنتاج الآلات البيولوجية الجزيئية (وهي فكرة قابلة للنقاش)، فإنّ عالم الأحياء بيهي يتمتع بهذا الحدس، وقد جادل بأنّه كلَّما تعلمنا أكثر عن الآلات البيولوجية الجزيئية، كلما عززت هذه المعرفة من الحدس البسيط بأنّ أشياء مثل السوط البكتيري أو تروس البارقات قد صممت بذكاء. لقد صدمني اعتماد سواميداس على الحدس البيولوجي المتعلم، وكأنّه رجل يزعم أنّ معه الأوراق الرابحة في لعبة البوكر ولكن دون أن يظهر أوراقه للناس.

ولكي نكون منصفين، فقد مرت هذه الأمور في حوارهما لكن الوقت ضاق عن الردود. ويمكن أن نجد الكثير من كلامهما عن المسألة على موقعهما وفي كتبهما.

وخطرت لي فكرة أخرى: إنّ وجهة نظر سواميداس حول المعرفة والحدس البيولوجي مقابل المعرفة والحدس الكيميائي، يمكن القول بأنّها لا تنطبق على الخطوة العملاقة اللازمة لنشأة الحياة الأولى (وهي المجال الذي ركز تور عليه في محادثة الأصول) لأنّنا إن أردنا التحدث بدقة؛ فما نتعامل معه هنا هو علم الكيمياء وليس علم الأحياء، في المسار المنطلق من لبنات البناء الكيميائية للوصول إلى الحياة الأولى.

لم يركز سواميداس في دفاعه، كما لم يركز هو و بيهي على مشكلة نشأة الحياة. ولكن توجد مشكلة إضافية في نشأة الحياة، وهي مسألة مشوشة: إذ يلزم عند إنشاء أول كيان جزيئي مستنسخ ذاتيًا، بخلاف الأشكال البيولوجية اللاحقة، حالة الحرمان من الاستفادة من التكاثر الذاتي والطفرة التي تعمل بالتزامن. لهذا السبب يمكن القول إن إصرار بيهي على أن الآليات المادية العمياء غير كافية لبناء آلية بيولوجية جديدة تشكل حجة أقوى عند مناقشة مشكلة نشأة الحياة.

 

لسماع تبادل الأسئلة والأجوبة الكامل بين تور و سواميداس، وكل فترة الأسئلة والأجوبة، انظر هنا

وبالمناسبة يحوي موقع DarwinDevolves.com بالإضافة لردود بيهي على منتقديه، مقالات منتقدي كتابه، بما فيها مراجعة نقدية لكتاب “تراجع داروين” كتبها سواميداس وناثان لنتس Nathan Lents وريتشارد لينكسي Lenski في مجلة العلم “ساينس” Science.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى