الدين

شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  • عبدالله بن خالد الهندي

المقدمة

الحمد لله القوي المتين، الذي أعزنا بالدين، ورفع ذكرنا بالوحي الحكيم، وأنار بصائرنا ببعثة خير العالمين محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

أما بعد:

فإن من أصول الدين وخواص المسلمين: الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، وهو واجب على كل مسلم قادر[1]، ويتعين وجوبه على طائفة منهم بما فضلهم الله من ولاية الحسبة، وهي ولاية دينية ومنصب شرعي، خاصتها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ما ليس من خصائص الولاة والقضاة والوزراء ونحوهم.[2]

ولما كان الأمر كذلك= وجب على المحتسب ألا يأتي ما يأتي إلا بعلم وبصيرة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يُعرف صحة العملِ إلا به فتعلمه واجب، قال الشيزَري (ت٥٩٠هـ): «لما كانت الحسبة أمرا بمعروف ونهيا عن منكر وإصلاحا بين الناس= وجب أن يكون المحتسب فقيها عارفا بأحكام الشريعة، ليعلم ما يأمر به وينهى عنه.[3]». وقال السنامي: «وينبغي أن يكون عالما بالمعروف والمنكر.»[4]

ومن أبواب العلم المتعلقة بالاحتساب: معرفة إبطال الشبهات التي يتعلق بها المُبطلون في سعيهم للغض من شأن هذه الفريضة وإزاحتها من المجتمع المسلم والحط من فضلها؛ ليخلوَ الجوّ لأهل الفساد في فسادهم وإفسادهم {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.

وسيكون الكلام في هذه الورقات منتظما في: مقدمة وتمهيد ومبحث، فأما المقدمة فما نحن بصدده، وأما التمهيد: فسأتناول فيه:

  • تعريف الشبهة
  • وتعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • وبيان الأصول الشرعية والعقلية والنظامية التي تبين فَرْضَه وضرورتَه.
  • وبيان الأصلِ في التعامل مع الشُّبَه.

وأما المبحث: فسأسرد فيه بعض ما يتعلق به المبطلون من الشبه متبوعةً ببيانِ تهافتِها وسقوطِها، والمخاطَبُ بهذا: المسلمُ الذي تتخطفه الأهواء أو يعرّضُ هو نفسَه عليها فيزيغ؛ لتسليمه بأصول الدين في الجملة، أما الملحد ونحوه  فليس مقصودا بالبحث؛ إذ لا بد من تقريره بأصول الدين كوجود الله وتفرده بالربوبية والألوهية وصدق الأنبياء وإعجاز القرآن ونحو هذا، حتى يمكن الحوار معه، وليس في هذه الوريقات متسع لهذا.

وارتأيتُ تقسيمَ هذه الشبهات على مطالب بحسب ما هي متعلقة به، فالشبهة -هاهنا- إما متعلقة بأصل مشروعية الاحتساب شرعا وعقلا ونظاما، وإما متعلقة بالـمُحْتَسِب، وإما متعلقة بالـمُحْتَسَب عليه، وإما متعلقة بالمُنكر المُحتسَب فيه، فتصير المطالب أربعة:

  • المطلب الأول: شبهات في أصل مشروعية الاحتساب.
  • المطلب الثاني: شبهات في القائم بالاحتساب.
  • المطلب الثالث: شبهات في الـمُحتَسَبِ عليه.
  • المطلب الرابع: شبهات في المُنكر الـمُحتَسَبِ فيه.

 

تمهيد

  • تعريف الشبهة:

لغةً:
قال ابن فارس: «اﻟﺸﻴﻦ ﻭاﻟﺒﺎء ﻭاﻟﻬﺎء: ﺃﺻﻞ ﻭاﺣﺪ، ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺗﺸﺎﺑﻪ اﻟﺸﻲء ﻭﺗﺸﺎﻛﻠﻪ، ﻟﻮﻧﺎ ﻭﻭﺻﻔﺎ. … ﻭاﻟﻤﺸَﺒَّﻬَﺎﺕ ﻣﻦ اﻷﻣﻮﺭ: اﻟﻤﺸﻜﻼﺕ. ﻭاﺷﺘﺒﻪ اﻷﻣﺮاﻥ، ﺇﺫا ﺃﺷﻜﻼ.»[5] « ﻭاﻟﺸُّﺒﻬﺔ -ﺑﺎﻟﻀﻢ-: اﻻﻟﺘﺒﺎﺱ … ﻭﺷَﺒّﻪ ﻋﻠﻴﻪ اﻷﻣﺮ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎ: ﻟﺒّﺲ ﻋﻠﻴﻪ وخلّط. …
ﻭﺟﻤـمْعُ اﻟﺸﺒﻬﺔ: ﺷُﺒَﻪ.»[6]

اصطلاحًا:
اﻟﺸﺒﻬﺔ: ﻭاﺭﺩ ﻳﺮﺩ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻠﺐ ﻳﺤﻮﻝ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ اﻧﻜﺸﺎﻑ اﻟﺤﻖ ﻟﻪ،[7] وﺗﻮﻗﻊ ﻓﻲ اﺷﺘﺒﺎﻩ اﻟﺤﻖ ﺑﺎﻟﺒﺎﻃﻞ، ﻓﻴﺘﻮﻟﺪ ﻋﻨﻬﺎ اﻟﺤﻴﺮﺓ ﻭاﻟﺮﻳﺒﺔ.[8]

العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:

ﺇنما ﺳُﻤّﻴﺖ اﻟﺸﺒﻬﺔ ﺷﺒﻬﺔ ﻻﺷﺘﺒﺎﻩ اﻟﺤﻖ ﺑﺎﻟﺒﺎﻃﻞ ﻓﻴﻬﺎ؛ ﻓإﻧﻬﺎ ﺗﻠﺒﺲ ﺛﻮﺏ اﻟﺤﻖ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﻢ اﻟﺒﺎﻃﻞ. ﻭﺃﻛﺜﺮ اﻟﻨﺎﺱ أﺻﺤﺎﺏ ﺣُﺴْﻦ ﻇﺎﻫﺮ، ﻓﻴﻨﻈﺮ اﻟﻨﺎﻇﺮ ﻓﻴﻤﺎ أﻟﺒﺴﺘﻪ ﻣﻦ اﻟﻠﺒﺎﺱ ﻓﻴﻌﺘﻘﺪ ﺻﺤﺘﻬﺎ، ﻭأﻣﺎ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻠﻢ ﻭاﻟﻴﻘﻴﻦ ﻓإﻪ ﻻ ﻳﻐﺘﺮ ﺑﺬﻟﻚ، ﺑﻞ ﻳﺠﺎﻭﺯ ﻧﻈﺮُﻩ إﻟﻰ ﺑﺎﻃﻨﻬﺎ ﻭﻣﺎ ﺗﺤﺖ ﻟﺒﺎﺳﻬﺎ، ﻓﻴﻨﻜﺸﻒ ﻟﻪ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ.[9]

  • تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
  • أما الأمر فحدُّه: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه،
    وأما النهي فحدُّه: استدعاء ترك الفعل بالقول ممن هو دونه.[10]

وأما المعروف فحدُّه: ما عُرف حسنُه عقلا وشرعا وعُرفا، وأما المنكر فحدُّه: ما عُرف قبحُه عقلا وشرعا وعرفا. وعلى هذا التعريف تدور عبارات الفقهاء والمفسرين وشراح الحديث، وقد ينازِع بعضهم في العقل والعُرف، وليس هذا محل البسط فيه.
ويمكن أن نصوغ التعريف كما يلي:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: طلب فعل المأمور وترك المحذور بالقول أو الفعل.

 

  • بيان الأصول الشرعية لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر بحسب حاله.

ومستند وجوبه: الكتاب والسنة والإجماع.

فأما الكتاب: فقد تظافرت الآيات على بيان وجوبه، تارة بالأمر الصريح به، وتارة بقصر الفلاح على القائمين به، وتارة بذم من تركه، وتارة بوصف القائمين به بالإيمان والقائمين بضده له بالنفاق، وتارة ببيان وجوبه على مَن سبق من الأمم.
١- ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ آل عمران.

٢- ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ المائدة.
٣- ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ التوبة.
٤- ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ التوبة.

٥- ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ (١٧)﴾ لقمان.

 

وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها:

١- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.» أخرجه مسلم.

٢- حديث حذيفة بن اليمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيدِه لتَأمرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عن المنكرِ أوليُوشِكَنَّ اللهُ أن يَبعثَ عليكمْ عقابًا منهُ فتدْعونهُ فلا يَستجيبُ لكمْ.» أخرجه الترمذي وحسنه، وصححه أحمد شاكر.

٣- حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-، قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم منصورونَ ومصيبونَ ومفتوحٌ لكُم ، فمن أدركَ ذاكَ منكُم فليتّقِ الله وليأمرْ بالمعروفِ ولينهَ عن المنكرِ ، ومن يكذبْ عليّ متعمدًا فليتبوّأ مقعدهُ من النارِ». أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وصححه أحمد شاكر والألباني.

وأما الإجماع: فإليك بعض النقول عن العلماء:

– قال النووي -رحمه الله-: «وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الكتاب والسنة وإجماع الأمة.».[11]

– وقال ابن حزم -رحمه الله-: «اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منها.».[12]

– وقال الجصاص -رحمه الله-: «وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه.».[13]

 

  • بيان الأصول العقلية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تتضح هذه الأصول في الترتيب التالي:

– ﻛﻞ ﺑﻨﻲ ﺁﺩﻡ ﻻ ﺗﺘﻢ ﻣﺼﻠﺤﺘﻬﻢ ﻻ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻻ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ ﺇﻻ ﺑﺎﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﻭاﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ﻭاﻟﺘﻨﺎﺻﺮ. ﻓﺎﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺟﻠﺐ ﻣﻨﺎﻓﻌﻬﻢ، ﻭاﻟﺘﻨﺎﺻﺮ ﻟﺪﻓﻊ ﻣﻀﺎﺭﻫﻢ؛ ﻭﻟﻬﺬا ﻳﻘﺎﻝ: اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺪﻧﻲ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ.

– ﻓﺈﺫا اﺟﺘﻤﻌﻮا فلا ﺑﺪ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺭ ﻳﻔﻌﻠﻮﻧﻬﺎ ﻳﺠﺘﻠﺒﻮﻥ ﺑﻬﺎ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ، ﻭﺃﻣﻮﺭ ﻳﺠﺘﻨﺒﻮﻧﻬﺎ ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﻔﺴﺪﺓ، ﻭﻳﻜﻮﻧﻮﻥ ﻣﻄﻴﻌﻴﻦ للآمر ﺑﺘﻠﻚ اﻟﻤﻘﺎﺻﺪ، ﻭاﻟﻨﺎﻫﻲ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻤﻔﺎﺳﺪ.

– ﻓﺠﻤﻴﻊ ﺑﻨﻲ ﺁﺩﻡ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﻃﺎﻋﺔ ﺁﻣﺮ ﻭﻧﺎﻩ.

– ﻓﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﺘﺐ اﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﻻ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺩﻳﻦ: ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻳﻄﻴﻌﻮﻥ ﻣﻠﻮﻛﻬﻢ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺮﻭﻥ ﺃﻧﻪ ﻳﻌﻮﺩ ﺑﻤﺼﺎﻟﺢ ﺩﻧﻴﺎﻫﻢ، ﻣﺼﻴﺒﻴﻦ ﺗﺎﺭﺓ ﻭﻣﺨﻄﺌﻴﻦ ﺃﺧﺮﻯ. ﻭﺃﻫﻞ اﻷﺩﻳﺎﻥ اﻟﻔﺎﺳﺪﺓ ﻣﻦ اﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﻭﺃﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎﺏ اﻟﻤﺴﺘﻤﺴﻜﻴﻦ ﺑﻪ ﺑﻌﺪ اﻟﺘﺒﺪﻳﻞ ﺃﻭ ﺑﻌﺪ اﻟﻨﺴﺦ ﻭاﻟﺘﺒﺪﻳﻞ: ﻣﻄﻴﻌﻮﻥ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺮﻭﻥ ﺃﻧﻪ ﻳﻌﻮﺩ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﻤﺼﺎﻟﺢ ﺩﻳﻨﻬﻢ ﻭﺩﻧﻴﺎﻫﻢ.

– ﻭﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﻃﺎﻋﺔ ﺁﻣﺮ ﻭﻧﺎﻩ= ﻓﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥ ﺩﺧﻮﻝ اﻟﻤﺮء ﻓﻲ ﻃﺎﻋﺔ اﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ: ﺧﻴﺮ ﻟﻪ؛ ﻭﻫﻮ اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻨﺒﻲ اﻷﻣﻲ اﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﻓﻲ اﻟﺘﻮﺭاﺓ ﻭاﻹﻧﺠﻴﻞ، اﻟﺬﻱ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻭﻳﻨﻬﻰ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ، ﻭﻳﺤﻞ ﻟﻬﻢ اﻟﻄﻴﺒﺎﺕ ﻭﻳﺤﺮﻡ ﻋﻠﻴﻬﻢ اﻟﺨﺒﺎﺋﺚ. ﻭﺫﻟﻚ ﻫﻮ اﻟﻮاﺟﺐ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺨﻠﻖ ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﻣﺎ ﺃﺭﺳﻠﻨﺎ ﻣﻦ ﺭﺳﻮﻝ ﺇﻻ ﻟﻴﻄﺎﻉ ﺑﺈﺫﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﻟﻮ ﺃﻧﻬﻢ ﺇﺫ ﻇﻠﻤﻮا ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﺟﺎءﻭﻙ ﻓﺎﺳﺘﻐﻔﺮﻭا اﻟﻠﻪ ﻭاﺳﺘﻐﻔﺮ ﻟﻬﻢ اﻟﺮﺳﻮﻝ ﻟﻮﺟﺪﻭا اﻟﻠﻪ ﺗﻮاﺑﺎ ﺭﺣﻴﻤﺎ} وقال تعالى: {فلا ﻭﺭﺑﻚ ﻻ ﻳﺆﻣﻨﻮﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﺤﻜﻤﻮﻙ ﻓﻴﻤﺎ ﺷﺠﺮ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﺛﻢ ﻻ ﻳﺠﺪﻭا ﻓﻲ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﺣﺮﺟﺎ ﻣﻤﺎ ﻗﻀﻴﺖ ﻭﻳﺴﻠﻤﻮا ﺗﺴﻠﻴﻤﺎ} ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﺧﻄﺒﺘﻪ ﻟﻠﺠﻤﻌﺔ:«ﺇﻥ ﺧﻴﺮ الكلام كلام اﻟﻠﻪ، ﻭﺧﻴﺮ اﻟﻬﺪﻱ ﻫﺪﻱ ﻣﺤﻤﺪ، ﻭﺷﺮ اﻷﻣﻮﺭ محدثاتها».

– ﻭﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﺟﻤﺎﻉ اﻟﺪﻳﻦ ﻭﺟﻤﻴﻊ اﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻭﻧﻬﻲ؛ ﻓﺎﻷﻣﺮ اﻟﺬﻱ ﺑﻌﺚ اﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ: ﻫﻮ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ، ﻭاﻟﻨﻬﻲ اﻟﺬﻱ ﺑﻌﺜﻪ ﺑﻪ: ﻫﻮ اﻟﻨﻬﻲ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ. ﻭﻫﺬا ﻧﻌﺖ اﻟﻨﺒﻲ ﻭاﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ؛ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭاﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﻭاﻟﻤﺆﻣﻨﺎﺕ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺃﻭﻟﻴﺎء ﺑﻌﺾ ﻳﺄﻣﺮﻭﻥ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻭﻳﻨﻬﻮﻥ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ}.

– ﻭﺟﻤﻴﻊ اﻟﻮﻻﻳﺎﺕ الإسلامية ﺇﻧﻤﺎ ﻣﻘﺼﻮﺩﻫﺎ: اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻭاﻟﻨﻬﻲ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ.[14]
ويوضح ضرورة الاحتساب للمدنية ما قال الكتاني: «ﻭﻓﻲ ﻛﺸﻒ اﻟﻈﻨﻮﻥ: ﻋﻠﻢ الاﺣﺘﺴﺎﺏ ﻋﻠﻢ ﺑﺎﺣﺚ ﻋﻦ اﻷﻣﻮﺭ اﻟﺠﺎﺭﻳﺔ ﺑﻴﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﺒﻠﺪ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻣﻼﺗﻬﻢ، اللاتي ﻻ ﻳﺘﻢ اﻟﺘﻤﺪﻥ ﺑﺪﻭﻧﻬﺎ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﺟﺮاﺅﻫﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎﻧﻮﻥ اﻟﻤﻌﺪ، ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺘﻢ اﻟﺘﺮاﺿﻲ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺘﻌﺎﻣﻠﻴﻦ، ﻭﻋﻦ ﺳﻴﺎﺳﺔ اﻟﻌﺒﺎﺩ ﺑﻨﻬﻲ اﻟﻤﻨﻜﺮ ﻭﺃﻣﺮ اﻟﻤﻌﺮﻭﻑ، ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻣﺸﺎﺟﺮاﺕ ﻭﺗﻔﺎﺧﺮ ﺑﻴﻦ اﻟﻌﺒﺎﺩ ﺑﺤﺴﺐ ﻣﺎ ﺭﺁﻩ اﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻣﻦ اﻟﺰﺟﺮ ﻭاﻟﻤﻨﻊ.
ﻭﻓﺎﺋﺪﺗﻪ: ﺇﺟﺮاء ﺃﻣﻮﺭ اﻟﻤﺪﻥ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺎﺭﻱ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﺟﻪ اﻷﺗﻢ ﻭﻫﺬا ﺃﺩﻕ اﻟﻌﻠﻮﻡ، ﻭﻻ ﻳﺪﺭﻛﻪ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻟﻪ ﻓﻬﻢ ﺛﺎﻗﺐ، ﻭﺣﺪﺱ ﺻﺎﺋﺐ، ﺇﺫ اﻷﺷﺨﺎﺹ ﻭاﻷﺯﻣﺎﻥ ﻭاﻷﺣﻮاﻝ ﻟﻴﺴﺖ ﻋﻠﻰ ﻭﺗﻴﺮﺓ ﻭاﺣﺪﺓ، ﺑﻞ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻜﻞ ﻭاﺣﺪ ﻣﻦ اﻷﺯﻣﺎﻥ ﻭاﻷﺣﻮاﻝ ﺳﻴﺎﺳﺔ ﺧﺎﺻﺔ، ﻭﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺃﺻﻌﺐ اﻷﻣﻮﺭ. ﻓﻠﺬﻟﻚ ﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﻤﻨﺼﺒﻬﺎ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻟﻪ ﻗﻮﺓ ﻗﺪﺳﻴﺔ ﻣﺠﺮﺩﺓ ﻋﻦ اﻟﻬﻮﻯ، ﻛﻌﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ، وﻛﺎﻥ ﻋﺎﻟﻤﺎ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺸﺄﻥ.»[15]

ويمكن أن نقول كذلك:

– المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله وأقواله وفق الشرع،

– ولهذا أمر الله أهل العلم بتبليغ الناس أحكام الدين،

– كما أمر من لا يعلم أن يتعلم،

– ومن سبل التعلم: سؤال أهل العلم، ولذا وجد نظام الإفتاء.

– ثم مع هذا: قد يبقى من يجهل حكم الله؛ إما لتقصير أهل العلم، أو تقصيره هو، أو عدم بلوغه العلم، فيقع في المعصية،

– أو يقع في المعصية اتباعا للهوى،

– وكلا الأمرين معصية، ارتكاب منكر، أو هجر معروف،

– والمنكر إذا وقع= وجبت إزالته، والمعروف إذا هجر= وجب الأمر به،

– وإزالة المنكر إذا ظهر فعله، والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه= أساس نظام الحسبة.
وفي هذا البيان مقنع لطالب الهدى.

 

  • بيان الأصول النظامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النظام السعودي:

– جاء في النظام الأساسي للحكم في الباب الخامس في الحقوق والواجبات في المادة الثالثة والعشرين ما نصُّه: تحمي الدولة عقيدة الإسلام، وتطبق شريعته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم بواجب الدعوة إلى الله.

– وجاء في الباب الثالث في مقومات المجتمع السعودي في المادة الحادية عشرة ما نصُّه:
يقوم المجتمع السعودي على أساس من اعتصام أفراده بحبل الله، وتعاونهم على البر والتقوى، والتكافل فيما بينهم، وعدم تفرقهم.

– وجاء في تنظيم الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المادة السادسة ما نصُّه: تختص الهيئة وفقاً لهذا التنظيم بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إليه بالرفق واللين، مقتدية في ذلك بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين من بعده مع استهداف المقاصد الشرعية، والإسهام مع الجهات المختصة في مكافحة المخدرات وبيان أضرارها على الأسرة والمجتمع.
وفي الفقرة الثانية من المادة السابعة ما نصُّه: يباشر أعضاء الهيئة الاختصاص المنصوص عليه في المادة (السادسة) من هذا التنظيم في الأسواق والشوارع والأماكن العامة، وذلك خلال ساعات عملهم الرسمي المرتبة والمجدولة بشكل رسمي من قبل إدارة كل مركز.

– وجاء في نظام الإذاعة الأساسي في المادة الرابعة: مهمة هيئة الإذاعة السعودية هي:
أ – بث تعاليم الدين الإسلامي في الداخل والخارج، بنشر ثقافته في الداخل في أساليب مختلفة يفهمها العامة وترفع مستواهم وتوسع مدارك المثقفين وتحقق مطالب الخاصة، والدعاية لتعاليم الإسلام في العالم الآخر بإحداث إذاعات بلغات مختلفة وبالأساليب التي تتفق مع طبيعة كل أمة توجه إليها تلك الإذاعة.

– وكذلك: جـ – تركيز مكارم الأخلاق في النفوس والترغيب فيها والترهيب عن سيئ العادات والتقاليد.

– وكذلك: ل – العمل على تحقيق الفكرة الإسلامية في وحدة العالم المسلم وتعاونه على البر والتقوى.

– وجاء فيها في المادة الثامنة: محظور على الإذاعة السعودية إذاعة أية مواد يترتب عليها أمر من الأمور التالية:

– أ – مخالفة كتاب الله وسنة رسوله.

فبهذا أرجو أن أكون قد وُفِّقتُ في بيان شرعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -شرعا وعقلا ونظاما- للقارئ الكريم، ومن الله الهدى والرشاد.

 

  • بيان الأصل في التعامل مع الشبه:

الإنسان مأمور بعلم الحق ومعرفته والإيقان به وطلب الدليل عليه، يدل على ذلك: عموم الآيات الآمرة بالعلم والعقل والتفكر والنظر والتذكر والتدبر. أما وراء ذلك: فزيادة لمن احتاجه، وتبرّعٌ ممن يتصدى لأهل الباطل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله سره-: «ﻣَﻦ ﺑﻴﻦ اﻟﻠﻪ ﻟﻪ اﻟﺬﻱ ﺟﺎء ﺑﻪ اﻟﺮﺳﻮﻝ … ﻭﻋﺮﻑ ﺃﻥ ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭاﻟﺘﺎﺑﻌﻮﻥ ﻟﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ، ﻭﻋﻠﻴﻪ ﺩﻝ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭاﻟﺴﻨﺔ= ﻛﺎﻥ اﻟﻠﻪ ﻗﺪ ﺃﺗﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﻨﻌﻤﺔ، ﺇﺫ ﻫﺪاﻩ اﻟﺼﺮاﻁ اﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ، ﻭﺟﻨﺒﻪ ﺻﺮاﻁ ﺃﻫﻞ اﻟﺒﻐﻲ ﻭاﻟﻀﻼﻝ. ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﻟﻪ= ﻛﺎﻥ اﻣﺘﻨﺎﻋﻪ ﻣﻦ ﻣﻮاﻓﻘﺔ ﻫﺆﻻء ﻋﻠﻰ ﺿﻼﻟﻬﻢ، ﻭﻫﺆﻻء ﻋﻠﻰ ﺿﻼﻟﻬﻢ، ﻧﻌﻤﺔ ﻓﻲ ﺣﻘﻪ. ﻭاﻋﺘﺼﻢ ﺑﻤﺎ ﻋﺮﻓﻪ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭاﻟﺴﻨﺔ ﻣﺠﻤﻼ، ﻭﺃﻣﺴﻚ ﻋﻦ اﻟﻜﻼﻡ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻌﺮﻓﻪ؛ ﻓﺈﻥ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ اﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻜﻠﻢ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﻪ … ﻭﻫﺬا ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺭﺩ اﻟﻤﻘﺎﻟﺔ اﻟﺒﺎﻃﻠﺔ؛ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺨﻄﺮ ﺑﻘﻠﺒﻪ، ﻭﻻ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﻦ ﻳﺨﺎﻃﺒﻪ ﺑﻬﺎ، ﻭﻻ ﻳﻄﺎﻟﻊ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻫﻲ ﻓﻴﻪ، ﻭﻻ ﻳﻨﺘﻔﻊ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻔﻬﻢ اﻟﺮﺩ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﻳﺴﺘﻀﺮ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻋﺮﻑ اﻟﺸﺒﻬﺔ ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺮﻑ ﻓﺴﺎﺩﻫﺎ.»[16]
وقال: «ﻭﻟﻴﺲ ﻷﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﺪﻓﻊ ﻣﺎ ﻋﻠﻢ ﻳﻘﻴﻨﺎ ﺑﺎﻟﻈﻦ، ﺳﻮاء ﻛﺎﻥ ﻧﺎﻇﺮا ﺃﻭ ﻣﻨﺎﻇﺮا. ﺑﻞ ﺇﻥ ﺗﺒﻴﻦ ﻟﻪ ﻭﺟﻪ ﻓﺴﺎﺩ اﻟﺸﺒﻬﺔ ﻭﺑﻴﻨﻪ ﻟﻐﻴﺮﻩ= ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﻋﻠﻢ ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ ﻭﺗﺄﻳﻴﺪ ﻟﻠﺤﻖ في اﻟﻨﻈﺮ ﻭاﻟﻤﻨﺎﻇﺮﺓ، ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﺫﻟﻚ= ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻪ أن يدفع اليقن بالشك.»[17]

وقال ابن القيم: « ﻭﺑﺎﻟﺠﻤﻠﺔ: ﻓﻤﺎ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺷﻴﺌﺎ ﺃﻣﻜﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻻ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺃﻣﻜﻨﻪ اﻻﺳﺘﺪﻻﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﻳﺤﺴﻦ ﺗﺮﺗﻴﺐ اﻟﺪﻟﻴﻞ ﻭﺗﻘﺮﻳﺮﻩ ﻭاﻟﺠﻮاﺏ ﻋﻦ اﻟﻤﻌﺎﺭﺽ.»[18]
ذلك أن الشبهات خطافة، ومثاراتها كثيرة، ومشاربها متعددة متنوعة، والمؤمن كما يحاذر أمراض الأبدان يحاذر أمراض القلوب، وأعظمها الشبهات، فيسد منافذها، ويملأ وعاء قلبه بنور الوحي؛ فإن الظلمة لا تحل إلا بعد زوال النور أو اضمحلاله. هذا في الإجمال.

والتفصيل: أن نقول[19]: أن المرء إما أن يكون خاليا من الشبه، أو متأثرا بها، أو مجادلا لـمُثيرها، وعليه: فالتعامل إما وقائي، وإما علاجي، وإما جدلي.

 

فالوقائي: يكون بأمور، منها:

١- تعزيز اليقين بأصول الإسلام، بإشاعة عبادة التفكر والتأمل في آيات
الله المنظورة وآياته المسطورة، ونشر ما شأنه ترسيخ اليقين في النفس، وكذلك: العناية ببيان دلائل صحة أصول الإسلام، من خلال الكتب والمواد المسموعة والمرئية التي اعتنت بذلك. وكذلك: تكثيف الحديث عن الله وعظمته، والتعريف بأعمال القلوب، ومعرفة قصص المسلمين الجدد.

٢- تكوين العقل الناقد، الذي لا تمر عليه الأغاليط، ولا يخدعه البريق، وذلك ببيان أسس الجدل الصحيح، والحجج المقبولة والمردودة، ونحو ذلك.

٣- التأصيل الشرعي المتين، وتقريب العلوم الشرعية بتقديمها في قالب حديث ووسائل متعليمية؛ ليصل الخير لطائفة أوسع من المجتمع، والعناية -في ذلك- بتقرير صحة أصول العلم، وطالب العلم يعرف طريقه بعد.

٤- عدم التعرض لخطاب الشبهات من غير المتخصص.

٥- تدعيم وترسيخ معاني العبودية لله والخضوع له، فمتى استقر ذلك في النفس= كان حاجزا لها عن كثير من أمراض القلب.

٦- الدعاء والابتهال بالعفو والعافية والمعافاة الدائمة، فالإنسان لا يدري بم يختم له، فلا يتكل على نفسه.

 

والعلاجي: يكون بأمور. منها:

١- التوثيق العلمي في التعامل المعلومات والأفكار، فلا يقبل أي قول بلا تمحيص وفحص.

٢- سؤال المتخصصين.
٣- رد المتشابه إلى المحكم، فلا ينتقي المرء بهواه ولا يجتزئ النصوص.
٤- التماسك أما الشبهة التي لم يعرف جوابها، كما بيّن ابن تيمية آنفا.
٥- معرفة مؤدى القول المعترض على الحق ولازمه.

والجدلي: يكون بأمور، منها:
١- استيعاب مذهب المحاور، والمعرفة الدقيقة به، وهذا يعين على دحض الشبهة.
٢- الاتفاق على أصل يحتكم الطرفان إليه.
٣- تحرير محل النزاع.
٤- التدقيق في كلام الخصم والتنبه إلى مكامن الخلل والإشكالات.
٥- الهجوم بإثارة الإشكالات على مقالة الخصم.
٦- عدم التسليم بمقدمات باطلة، فتنازعه في مقدمته حتى لا يلزمك بنتيجته.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: «الراد على أهل البدع مجاهد.»[20]

 

شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المطلب الأول: شبهات في أصل شرعية الاحتساب:

الشبهة الأولى: «أنت حر ما لم تضر[21]»

سياق المقولة: الحرية قيمة كبرى، والإسلام يدعو إليها، فلا إكراه في الدين، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والاحتساب يناقض هذه الحرية ويعارضها. وتقال: للتزهيد في الإنكار على المنكرات الفردية أو الفكرية.
والجواب عن هذه الشبهة:
هذه المقولة مجملة لا بد من تبيينها؛ إذ تحتمل معنى حقا ومعنى باطلا، فأي حرية؟ ومن يحدد الضرر؟ غير أن سياق استعمالها يدل على إرادة المعنى الباطل.
ومن ثم فهي مخالفة للمفهوم الإسلامي للحرية، فأقول:
الحرية في الإسلام[22]: الحالة التي يكون فيها الإنسان محقِّقًا للخضوع والعبودية لربه، وسالما من الاستعباد لأحد من البشر.

ولمفهوم الحرية في التصور الإسلامي خصائصه المباينة لمفهومه الغربي، بيد أن التصورين يتفقان في مسألتين:
١- أصل أهمية الحرية،
٢- وضرورة تقييدها، فلا حرية مطلقة؛ فلا وجود لإنسان غير خاضع لقيود، وإن كانت مطلقة فمم يكون التحرر؟! ولأن مقولة الحرية المطلقة متناقضة ضرورة؛ إذ التسليم لها مناف للحرية!
والاختلاف بعد ذلك في مساحة الحرية ومحدداتها وضوابطها.

خصائص الحرية في التصور الإسلامي:
– القاعدة المرجعية:[23] وهي شرع الله ودينه، فمنشأ الحق راجع إلى ما شرعه الله، ومنه تعرف الحقوق والواجبات، بإثبات الشرع لها، لا باستحقاق أحد. فمرجع الحرية إلى شرع الله، فهو ما يحددها ويضبطها. والحرية غريزة فطرية في الإنسان، والغرائز لا بد من ضبطها، وكل ما كان أمرا غريزيا فالإسلام لا يلغيه، بل يضبطه ويحده من السرف. ويترتب على هذا: ١- الحرية نعمة كلّفنا برعايتها ونتعبد بذلك، لا حقٌّ يملك الإنسان التنازل عنه. ٢- حدود الحرية في الإسلام موافقة للعقل ومبادئه، فليس شيء مما فتحه الشرع أو أغلقه من الحريات مناقضا للعقل. ٣- وهي كذلك: موافقة للفطرة. ٤- ومقيدة بالشرع؛ لأن مانحها هو الله، فلا بد من تقييدها بإرادته. ٥- وحدودها ثابتة لا تتغير، لأنها قائمة على الشرع، والشرع ثابت.
– الغاية: غرض الحرية الأعلى الذي من أجله أنعم الله بها على عباده: تحقيق العبودية لله تعالى على أكمل وجه. وهذا هو روح كل شرائع الدين، وقمة هرم وظائف المسلم {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. وتجذر العبودية في ظاهر الإنسان وباطنه يحرره من جميع أنواع العبوديات (للبشر واللذة والمال ونحوها). ومن عرف هذا= تبين له أن قيود الحرية في الإسلام لا يراد منها عذاب الإنسان، بل ترقيته في معارج السعادة والحياة الطيبة الموصلة للنعيم المقيم.
– المعيار: معيار الحرية في الإسلام هو العدل، فالله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، كما يقول ابن القيم.[24] والعدل قيمة مطلقة، فهو محمود في كل حال، بخلاف المساواة، فإنها لا تنضبط. وعليه: ليس من شروط الحرية تساوي الجميع في مساحات الحرية، فللمؤمن ما ليس للكافر والمنافق، وفرق بين الرجل والمرأة، وقس على ذلك.
– الحدود الضابطة:
ومجمل تلك الحدود يرجع إلى ضابط مهم وهو: أن حرية الإنسان مطلقة، ما لم تؤد إلى الإضرار بدين المسلم وعبوديته لربه، أو كمال خضوعه له، وما لم تضر بحياة الإنسان وعلاقته بالكون أو بغيره من البشر.
فهذا ما يتعلق بالجواب عن الشق الأول (أنت حر).

وأما الشق الثاني (ما لم تضر)، فالجواب عنه:
أنه لا بد من تقرير قاعدة أولا:
أن ما نصت الشريعة على تحريمه والمنع منه= فإنه لا مدخل لأحد في تحديد الضرر فيه؛ لأن نهي الشريعة نفسه يدل على أن ما حرم متصف بالضرر ضرورة؛ إذ الأصل في الشريعة: أنها لا تحرم شيئا إلا لما فيه من ضرر.

ثم نقول في ما عدا ذلك:
من المخول بتحديد الضرر الذي تقيد به الحرية الشخصية؟
إن من القواعد الكلية في الإسلام: «لا ضرر ولا ضرار»[25]
فلا يجوز للشخص أن يبتدئ الضرر بنفسه، ولا يجوز له أن يجازي بالضرر. وقد صارت هذه القاعدة مرجعا للفقهاء في المنع من بعض التصرفات التي لم يرد في تحريمها نص شرعي خاص.
وبناء على هذا:
فالحرية الشخصية -مع ثبوتها في الشريعة- مقيدة بعدم حصول الضرر معها أو بها، على الإنسان أو غيره، في دين أو دنيا، فإن وقع بها أو معها فلا حرية ثم. فالضرر في الشرع مرفوع، وهو شامل للضرر الديني والدنيوي على الفرد أو المجتمع.

ولا تخلو الأمور -في ما عدا الممنوع نصا- من ثلاث أحوال:
الأولى: أمر لا يكاد يختلف فيه بأنه لا ضرر فيه، أو أن نفعه أكثر= فهذا لا يمنع بلا تردد.
الثانية: أمر لا يكاد يختلف فيه بأنه ضار، أو أن نفعه أقل= فهذا يمنع بلا تردد.
الثالثة: أمر يشتبه، ويقع فيه تردد، وهو ما غلب نفعه أو ضره= فهذا يرجع فيه إلى أهل التخصص.[26]

تصحيح الاستدلال المغالط بآية: {لا إكراه في الدين}:
فهذا الاستدلال وأمثاله يرد عليه بما يلي:
أولا: القاعدة: المتشابه يُردُّ إلى المحكم في بيانه وتوضيحه.
والآيات الدالة على معاني التواصي والتناصح والأمر والنهي أكثر من أن تعد، وكذلك الأحاديث والآثار، فهذه محكمات ترد إليها الآيات التي يتحجج بها الخصم.
ثانيا: الآية لا تدل على ما قصدوه من أن للناس فعل ما يشاؤون وترك ما يشاؤون بلا إلزام على خير أو ترك شر. بل قال العارفون بمعاني كتاب الله: إنها نزلت في أهل الكتاب ومن شابههم فلا يكرهون على الدخول في الإسلام![27]
فليس لمسلم -ولا يليق به- أن يستدل بهذه الآية ونحوها؛ لأن المسلم ملزم وواجب عليه الالتزام بأوامر ربه وأحكام دينه؛ للعهد الذي بينه وبين الله وهو الإسلام. ومن دخل في الإسلام= فقد رضي التقيد بقيوده، والالتزام بحدوده.
ثالثا: التزام المعنى المغلوط يبين بطلانه[28]: فإذا قلنا -بناء على هذا الفهم-: إنه من حق كل أحد المجاهرة برفض الإسلام، وممارسة المحرمات علانية، ولا حق لأحد في منعه؛ لأنه حق كفلته له الشريعة … إلخ.
هذا التصوير لمفهوم عدم الإكراه يصادم محكمات الشريعة التي ألزمت بواجبات ومنعت محرمات ورتبت عقوبات على الإخلال بكلٍّ.
ثم كيف نفهم إقامة الحدود على من أتى بموجبها مع هذا التصور؟!


الشبهة الثانية: «الدين ليس هشًّا حتى يخاف عليه».

سياق المقولة: إذا رأى المعترض مظاهر الاحتساب والإنكار فاه بهذا ليثبط من الهمم ويبرر لمرتكبي المنكرات.

والجواب عن هذه الشبهة:
أولا: لا شك أن الدين لا يخاف عليه، فهو قوي بقوة براهينه ووضوح أدلته؛ فهو دين الله العزيز، ومن الله يستمد قوته وعظمته. ولكن المعترض يمتطي هذه العبارة ليمرر باطلا، وليُسكِتَ الصادعين بالحق.
ثانيا: من قال إن الخوف على الإسلام ذاته؟!
حقيقة الأمر: أن الخوف على دين المسلم أن يضل ويزيغ؛ ولهذا فالمسلم يدعو يوميا {اهدنا الصراط المستقيم} ما لا يقل عن ١٧ مرة، وهذه الهداية متضمنة للثبات على الدين. والله يقول: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} فالمرء لا يأمن على نفسه ما دام في فسحة الحياة.
وكثرة الواردات الفاسدة على النفس لها دور هائل في إفساد القلب، وقد قال ابن تيمية لتلميذه ابن القيم -أنار الله قبريهما-: «لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها.»[29]

وكان السلف يحتاطون لأنفسهم أشد الحيطة في هذا الباب -مع جلالة قدرهم في العلم-، ومن صور ذلك: أن رجلا جاء إلى الحسن البصري، فقال: يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرتُ ديني، فإن كنتَ أضللتَ دينك فالتمسه.[30]


الشبهة الثالثة:
«نرفض الوصاية!»

سياق المقولة: رفض بعض الحق كالنصح والأمر والنهي؛ بحجة أن فيه نوعَ وصاية[31] على المحتَسَب عليه.

والجواب عن هذه الشبهة:
لا يوجد راشد يرضى أن يتسلط عليه أحد بالقهر والإجبار في تصرفاته، وهذا لا إشكال فيه. إنما يحصل الخلل إذا عُدّيت العبارة إلى غير معناها الحق، واستُغِلّت في التنفير من التناصح والتواصي بالحق.
الشريعة أتت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلته شعارا للمسلمين؛ لإقامة دين الله في الأرض والنفوس، وحفظ الحقوق الدينية والدنيوية، فكل مسلم عليه منه نصيب.
فكيف يجعل هذا من الوصاية المنبوذة؟
لقد حصل التضليل من جهتين:
الأولى: مفهوم الوصاية: إن الوصاية هي منع الإنسان من تصرفاته المالية والبدنية بلا حق.
إذن، ليس منها المنع من الفعل الضار أو الأمر بالفعل الحسن.
فإن كانت هذه وصاية= فكل الأنظمة (التي فيها قوائم بالممنوعات والمأمورات) تمارس الوصاية، وهذا لا يقوله المعترض؛ فمؤداه أن يحيا الإنسان بلا ضوابط لحريته فتنفلت الأمور!
الثانية: تسمية الحكم الشرعي بالأسماء المنفرة: فسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والوصية بالبر والتعاون على الحق: وصاية؛ تنفيرا من تلك المعاني السامية.
وهذا من سبل أهل الباطل قديما، قال فرعون لموسى: {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}.

 

المطلب الثاني: شبهات في القائم بالاحتساب:

الشبهة الأولى: «لستَ مسؤولا عن الخلق»

سياق المقولة: رؤية أحد المحتسبين على المنكرات، فيبادر المعترض أو صاحب المنكر بالقول إن هذا من شأني وليس من شأنك وكل امرئ حسيب نفسه، و{عليكم أنفسكم}، ولا تشغل نفسك وتقلقها بما هو من خصوصيات غيرك.

والجواب عن هذه الشبهة:
أولا: أننا لا نسلم بأنه ليس من شأن المسلم ولا من مسؤوليته إلا ما يصدر منه فقط، بل نقول: إن المسلم مسؤول عما يحدث من حوله، وواجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا محكما، وهذا الفرض متعلق بأفعال الغير أصالة= فعلم سقوط هذه الحجة في الشرع.

ثانيا: قد جاء في الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإن أبغض الكلام إلى الله -عز وجل- أن يقول الرجل للرجل: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك»[32].
ثالثا: المسلم نفّاع يحب النفع لغيره، ويستشعر مسؤوليته في المجتمع، وتفاعله مع الأحداث بالتأثير الطيب والنصح والإرشاد، وليس ضنينا بخيلا جبانا في أبواب الخير، بل يفعل الخير ويحب لغيره فعل الخير.

رابعا: وقد جاءت الشريعة بتفضيل الإصلاح على مجرد الصلاح، وأن الأخير لا يكفي لوحده. قال الله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
فالإنسان خاسر، ولا ينجيه من الخسران الاقتصار على الصلاح الذاتي بالإيمان والعمل الصالح، بل لا تحصل النجاة التامة إلا لمن حقق ذلك ثم تواصى مع غيره على الحق تذكيرا به وأمرا وزجرا، ثم على الصبر على ما يجده في سبيل ذلك.

خامسا: ثم أنت إذا تدبرت دافع المقولة= فلن تجدها على ظاهرها؛ فإن الناس في واقعهم لا يحمدون الأناني المنكفئ على نفسه غير المكترث لأحد، فإن تعرض شخص لاعتداء أو حادث فإنهم لا يحمدون إلا المتدخل بالخير والإصلاح.
فهذه المقولة إنما يراد منها: التثبيط عن الإصلاح في جانب معين من الأخطاء، وهي المتعلقة بالواجبات والمحرمات الشرعية؛ لأنها تكاليف، والتكاليف عدوّ للهوى، وأهل الأهواء لا يحبون من يعكر أجواءهم.

ومعلومٌ: أن حاجة الإنسان للهدى والشرع والقيام بالنصيحة فيهما والضرر اللاحق بترك ذلك= أشد من حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب والنجاة من الحوادث، والضرر في هذا أخف من الضرر في تلك؛ فإن الضرر في تلك منتهاه وخيم وعقابه عظيم وعذابه أليم، والضرر في هذا مؤقت وزائل ولا يبلغ عشر معشار ذلك الضرر، إلى غير ذلك من صور الحاجة وأشكال الضرر.

نقض الاستدلال بقوله تعالى: {يـأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} على ترك واجب الاحتساب
هذه الآية لا تدل على الانطواء على النفس وترك النصح والاحتساب، بل هي مبينة لأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا فهمها الصديق أبو بكر -رضي الله عنه-، فقد صح عنه أنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية (التي هي محل النقاش)، وإنا سمعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه= أوشك أن يعمهم الله بعقابه».[33]

فمقصود الآية: أن الأمة متى ما تركت الاحتساب فهي مهددة بالعقاب، وأما فعل الآخرين فإنه لا يضر المسلم إذا قام بالواجب الشرعي عليه من الأمر والنهي؛ فلم يكلفك الله أن ينتهي البشر عن أفعالهم؛ فهذا مما لا قدرة للمرء عليه، وليس تحت التكليف، فإذا اهتديت وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر= فلن يضرك فعل أحد. والله سبحانه علق النجاة من الهلاك بالإصلاح في قوله: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}.
فعلم أنه لا يصح الاستدلال بهذه الآية على ترك واجب الاحتساب.

الشبهة الثانية: «لا تستشرف»

سياق المقولة: يشيع إطلاق هذا المصطلح (المستشرف) على الذي يأمر الناس بالخير وينهاهم عن الشر مع كونه مقصرا بترك مأمور أو فعل محظور؛ وكأنه أُخِذ من ادعاء الشرف من غير مستحقه.
وقد يستدل قائل هذا بأدلة، كقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} و{لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُجَاءُ بالرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ فيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الحِمَارُ برَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أهْلُ النَّارِ عليه فيَقولونَ: أيْ فُلَانُ ما شَأْنُكَ؟ أليسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بالمَعروفِ وتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بالمَعروفِ ولا آتِيهِ، وأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ».[34]

والجواب عن هذه الشبهة:
أولا: وردت آيات محكمة تنقض هذا المعنى، أما أدلة الخصم فقد يحصل فيها اشتباه نسبي للجاهل، والقاعدة: أن المتشابه يُردُّ إلى المحكم في إبانته وتوضيح معناه والمقصود منه.
فإن الأدلة العامة قد تكاثرت وتعاضدت من الكتاب والسنة في بيان وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[35]، ولم يأت شيء منها يخصص هذا الوجوب بالخالين عن السيئات والمعاصي.

ثانيا: لا يخلو الإنسان من زلل وخطل، ولو قلنا إنه لا يعظ وينصح إلا الكامل الطاهر النقي؛ لما نصح أحد، وهذا مناقض لأصل النصيحة المشروعة في ديننا؛ فإن الإنسان إن لم يكن واقعا في عين ما ينكر فيه كان واقعا في غيره، فـ«كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»،[36] واشتراط عصمة المحتسب عن المعاصي كلها= خرقٌ للإجماع.[37]
قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: «إني لآمركم بالمعروف وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه».[38]
وقال سعيد بن جبير: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء= ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر»، قال مالك: «وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟!».[39]

ثالثا: ترك أحد الواجبين لا يلزم منه ترك الآخر. وعندنا هاهنا واجبان:
– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
– فعل المعروف وترك المنكر.
وليس أحدهما شرطًا للآخر، وهذا مدرك؛ فإن الإنسان إذا أحسن في أمر وأساء في آخر= فإن اللوم له يكون على ما أساء فيه لا ما على أحسن فيه.

أما الآيتان اللتان قد تشتبهان فليس فيهما ذمُّ الاحتساب، وإنما المقصود: إنكار نسيان النفس من فعل المعروف وترك المنكر.
قال القرطبي: «واعلم -وفقك الله- أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر.»[40]
وقال ابن كثير: «وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له.»[41]
وقال ابن عطية: «وقال حذاق أهل العلم: ليس من شرط الناهي أن يكون سليما من المعصية، بل ينهى العصاةُ بعضهم بعضا، وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا.»[42]
وقال الجصاص: «ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط فروضًا غيرها. ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات ؟! فكذلك: مَن لم يفعل سائر المعروف ولم ينتهِ عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= غير ساقط عنه.»[43]
ومع ذلك: فإن الأَوْلى والأكمل والأنفع بل والواجب على المحتسب: الالتزام بما يأمر الناس به واجتناب ما ينهى عنه، وعليه أن يعلم أن الناس تنفر من قبول النصيحة ممن يناقض قوله عمله ويخالف تنظيره تطبيقه، ولذا قال شعيب -عليه السلام- لقومه: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}، وقد يحصل بسبب هذا فتنة للناس في ترك الحق، فيقول المنصوح: لو كان صادقا لكان ممتثلا لما يقول. ويتأكد هذا المعنى في أئمة الناس وعلمائهم. والحذر الحذر من الدخول في وعيد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث السابق.
ومطابقة الإنسان لما يدعو إليه شرطٌ في كمال انتفاع المدعوين إن لم تكن شرطا في أصل الانتفاع.
هذا حق، وليس هو موضع النقد، وليس مسوّغا لترك الاحتساب، وإنما هو للتأكيد على المحتسب في أن يكون أول المستجيبين لما يأمر به وينهى عنه. وأما ترك الاحتساب فمنكر آخر فوق هذا؛ وليس أحدهما شرطا للآخر كما مر.

والناس أربعة حيال الأمر والنهي مع الامتثال وعدمه:
– من يأمر وينهى ويمتثل.
– من يأمر وينهى ولا يمتثل.
– من لا يأمر ولا ينهى ولا يمتثل.
– من لا يأمر ولا ينهى ولا يمتثل.
فخيرهم الأول؛ لجمعه بين الحسنيين، وشرهم الثاني لجمعه بين السوأتين، والآخران كلٌّ مذموم بما ترك من واجب.

 

المطلب الثالث: شبهات في المحتَسَبِ عليه:

الشبهة الأولى: «الإلزام يورث النفاق»

سياق المقولة: يزعم المعترض أن حمل الناس على شرائع الإسلام وإلزامهم بها يولد النفاق في المجتمع، بحيث يفعل المنصوح في السر ما يُنهى عنه في العلن، وهذا يولد أفرادا منافقين ومجتمعا يبدي خلاف ما يبطن، والمطلوب: غرس القيم دون الإلزام بها.

والجواب عن هذه الشبهة:
أولا: التدين في حقيقته -حسب الشريعة الإسلامية-: قول وعمل، وليس مجرد علاقة روحية خاصة بين الإنسان وربه، وعليه: فلا يترتب عليه عمل! بل هو قول وعمل، وعقيدة وسلوك، فالإلزام الخارجي يمكن تصوره واقعا على ما يظهر من الإنسان من قول وعمل، أما القلب فلا سبيل إلى معرفة ما فيه، لذا لا يقع الإلزام عليه، ونحن مطالبون بتصحيح الظاهر كما الباطن.
ثانيا: للإلزام الخارجي فوائد عظيمة في إحداث القناعات وتغيير الأفكار والحد من الأخطار. وهذا واقع مشاهد، فإنه ما من مجتمع ولا نظام سياسي إلا وفيه إلزام وقسر، فانظر إلى المخدرات: هل يستقيم القول بأن الإلزام بتركها يولد نفاقا فيمارسها الناس بالسر؟! المعترض نفسه لا يلتزم بهذا، واسحب ذلك على جميع القوانين والأنظمة.
إذن، فالمسألة ليست في الإلزام، بل مرجعية الإلزام، فيرضى المعترض بكل إلزام صادر عن قانون أرضي، ويرفض أحكام الشرع المطهر! عند هذا لا بد من تقرير أصول الدين في قلب هذا، فالنقاش هاهنا في فرعيات تستند على أصول مفقودة، وذلك غير منتج.

ثالثا: قولهم إنه يولد النفاق ناتج عن مفهوم خاطئ للنفاق في الشرع، فإن النفاق هو: إظهار الإسلام وإبطان الكفر. وليس إخفاء المعصية من هذا، فإن إخفاء المعصية والاستتار مطلوب والجهر بها منكر عظيم، كما هو معلوم. فعندنا أمران: المعصية، وإخفاؤها: فالمعصية منهي عنها، والإخفاء مأمور به، والإخلال بكليهما منكر أعظم من مجرد فعل المعصية.

رابعا: مشهد الطاعات وهي تفعل، والمنكرات وهي تمنع= مما يزيد إيمان المرء، ويقويه على التزام أحكام الشرع، ويساعد في انحصار النفاق؛ لأن النفاق لا ينحصر إلا مع قوة الدين، فإذا حصل ضعف في التدين العام= أطل المنافقون برؤوسهم وفاحت رائحة خبثهم. وبهذا يعلم أن وجود النفاق يدل على قوة الدين في المجتمع، فليس من المعقول أن يطالب إنسان بخفض هذه القوة ليزول النفاق، فوجوده أمر طبيعي مع قوة الدين، ولذا لم يوجد المنافقون في العهد المكي، وإنما في العهد المدني؛ لأنه عهد قوة الشوكة. المطلوب تعزيز قوة المسلمين لا منع وجود المنافقين؛ فالأخير متعذر، والأول واجب.

الشبهة الثانية: «هم يسمحون لنا فلنسمح لهم»

سياق المقولة: يقصد بها عدم إلزام القادمين إلى بلاد الإسلام على زي معين أو منعهم من عبادتهم في العلن أو إقامة معابد لهم، بحجة أنهم في بلادهم لا يمنعون المسلمين من الجهر بدينهم وبناء المساجد والاحتفال بالأعياد ونحو ذلك.

والجواب عن هذه الشبهة:
أولا: كل شخص له مرجعية عليا ومصدر أساس يستقي منه الصواب والخطأ، والحق والباطل، فلا يصح الخضوع في تحديد ذلك إلى ضغط الحالة النفسية أو الهوى بأن يقابل إحسانهم بما يتوهم أنه إحسان.

لا شك أن مقابلة الإحسان بمثله مطلب وخلق نبيل، فضلا عن مقابلته بأفضل منه، أما إذا تقاطع هذا الإحسان مع أصل شرعي ثابت= فليس من قبيل الإحسان؛ لأن الشريعة جاءت فرقانا بين الحق والباطل، فلا يعقل أن تجعل إرادة المجازاة بالمثل -هنا- مقدمة على اتباع الشريعة. فإن لم يكن ثمة تقاطع فلا بأس بذلك.

ثانيا:  هذه المقولة مبنية -بزعمهم- على قاعدة العدل والمساواة: كما يصنع لي أصنع له. وهذا مؤد إلى التسوية بين الإسلام والكفر، والحق والباطل. وقد جاءت الممايزة والمفاصلة بين الحق والباطل كثيرا في القرآن، فليس الحق كالباطل، فيجعل هذا مساويا لذاك، بل الحق حاكم على الباطل قاضٍ عليه.
{إنما المشركون نجس} و{لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} و{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقتل مسلم بكافر»[44] و«لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».[45]

والقاعدة الحق: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»[46]، ذلك أن الإسلام حق وغيره باطل، والباطل لا يعلو على الحق بحال.

 

المطلب الرابع: شبهات في المنكر المحتسَبِ فيه:


الشبهة الأولى:
«ثمة أمور أهم، وهذه جزئيات»

سياق المقولة: تقال هذه الجملة للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مسائل الحجاب والاختلاط والحث على صلاة الجماعة والمحافظة على السنن، باعتبار أن الإنكار على الغش التجاري والرشوة والفساد المالي والإداري= أولى وأهم.
والجواب عن هذه الشبهة:
أولا: العناية بالأصول الكبرى وكليات الشريعة وضرورياتها أكثر من غيرها أمر مطلوب وصحيح، إلا أنه ليس موضع النقاش هاهنا، فالمعترض يرغب في توظيف هذا لهواه، لا توظيف الطاقات لتحقيق هذه الأصول. فإذا تقرر هذا:
ثانيا: قائل هذا لا يخلو: إما أن يكون منكرا لذات الحكم، أو لوزنه ومنزلته.
فالأول: لا يناقش حتى يوضح له الحكم بدليله وتعليله.
والثاني معترف بالحكم لكن لا يرى الإغراق في تقريره والإلزام به، فالنقاش معه بإيضاح ما يلي:
١- تقسيم الأحكام إلى أصول وهوامش، وجزئي وكلي، لا يستند إلى سبب موضوعي ولا اعتبار شرعي، بل أمر ذوقي مزاجي أو اصطلاحي، فأساس التقسيم غير ملزم.
قال ابن تيمية -قدس الله سره ونوّر ضريحه-:
«أما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض.»[47]، والتقسيم قد يصح بضوابط معينة لأغراض معينة يذكرها أهل العلم، وليس هذا منها.
٢- سلمنا أنها جزئيات: فإن الانشغال بها لا يضر بالكليات، فإن تارك الجزئيات هو الذي يضيع الكليات، وأما الحريص على تفصيلات الشريعة فلا يلزم إخلاله بأصولها، كالمحافظ على نوافل العبادة والمتورع عن المحرمات والقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا مقوٍّ لكليات الشرعية.
٣- التفريط في الأصول ليس سببه الاهتمام بالجزئيات كما يريد المعترض أن يوهم، فإن الحل في ابتعاث الهمم للقيام بتلك الأصول، وليس في اطّراح الجزئيات.
٤- الناس ينشغلون بأمور كثيرة من قبيل المباح والمكروه وحتى بعض المحرم، فلم ينصب خطاب الجزئيات والكليات والانشغال بالأهم على القائم بالاحتساب؟!

الشبهة الثانية: «أكثر الناس يفعلونه»

سياق المقولة: التحجج بالضغط المجتمعي وكثرة مزاولة الناس لأمر ما وإلفهم له في التبرير للمنكر.
والجواب عن هذا:
١- لا ملازمة بين الكثرة والحق، فالكثرة قد تكون على حق وقد تكون على باطل، وفي القرآن عدة آيات تدل على ذلك: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}، {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}.
فالميزان في الأدلة والبراهين الصحيحة، لا الكثرة والقلة.
٢- الواجب على المسلم أن يحمل نفسه على متابعة الشرع؛ فإن الحق ملازم له، وفي متابعة الشرع إذا كان مخالفا للسائد وتكوين المجتمع وثقافته ثقل، وهذا يتطلب قوة وعزيمة.

الشبهة الثالثة: «فيه خلاف»

سياق المقولة: كثيرا ما تقال للمحتسب إذا أنكر على بعض المنكرات، كالموسيقى وآلات الطرب، وكشف الوجه، والتدخين، وتعاطي بعض الـمفتّرات، وغير هذا مما أجازه بعض ومنعه بعض.

والجواب عن هذه الشبهة:
لا شك أن مسائل الشريعة منها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه. فالمسائل المجمع عليها هي محلٌّ للإنكار بالإجماع. ومن شروط الإنكار: كون المنكر معلوم النكارة بغير اجهاد.
أما المسائل المختلف فيها فليست على درجة واحدة، فإن الخلاف إما أن يكون شاذا ضعيفا، وإما معتبرا قويا، وإما من مسائل الاجتهاد.
فالأول: ما كان مصادما لنص قاطع أو إجماع أو قياس جلي أو كانت أدلته ضعيفة مقابل أدلة أقوى، كالغناء بالآلات الموسيقية، ونكاح المتعة، وتولية المرأة ولاية عامة، ونحو ذلك.

وليس كلُّ خلافٍ جاء معتبرا

إلا خلافٌ له حظٌّ من النظرِ[48]

فهذا محلٌّ للإنكار والاحتساب، قال ابن الحصّار:

والثاني: ما كان له حظ من النظر، وتقابلت آراء العلماء، والأدلة معتبرة وقوية.
فهذا ليس محلا للإنكار والاحتساب.

والثالث: ما خلا من نص أو إجماع، واختلف فيه أهل العلم وفق طرائق الاجتهاد الصحيحة. ككثير من النوازل العصرية.
فهذا ليس محلا للإنكار والاحتساب.

إذن، فإطلاق «لا إنكار في مسائل الخلاف» فيه نظر، ولا بد من تقييدها بقيدين:
– لا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر.
– لا إنكار في مسائل الاجتهاد.
وما عدا ذلك= فينكر فيه؛ لأنه من الخلاف الفاسد.
ومع ذلك فثمة بعض الضوابط في هذا الباب، منها:
١- ما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور باتفاق= فإن الإنكار يجري عليه، نص عليه الماوردي وأبو يعلى.[49]
٢- ما كان جاريا على مذهب المحتسب عليه فلا ينكر فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكل الضب والضبع[50] مثلا.
٣- «حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف»[51]، فللمحتسب أن ينكر في مسائل الخلاف التي اختار الحاكم رأيا فيها بالمنع منها، وليس له أن ينكر ما اختار الحاكم عدم المنع منه.
٤- تتبع رخص الفقهاء محرم بالإجماع. كرجل مس امرأة وأكل لحم جزور وقام يصلي، فإذا أنكر عليه قال: أنا أتبع أحمد في مس المرأة والشافعي في لحم الجزور.
قال سليمان التيمي: «إن أخذت برخصة كل عالم= اجتمع فيك الشر كله»، قال ابن عبدالبر: «هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا»[52].
وقال الأوزاعي: «من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام»[53].
٥- ليس الخلاف بذاته حجة ولا دليلا، فالأدلة معلومة، وليس من شرطها -بالإجماع-[54]: وقوع الاتفاق عليها.
٦- وعليه: ليس وجود الخلاف حجة للإباحة، فإذا سمع بوجود خلاف ظن أن هذا مساوٍ للإباحة، قال الشاطبي: «ووقع في ما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل كونه مختلفا فيه بين أهل العلم»، ثم قال بأن هذا «عين الخطأ في الشريعة؛ حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا، وما ليس بحجة حجة».[55]

خلاصة الأمر أن من مسائل الخلاف ما ينكر فيه، ومنها ما لا ينكر فيه، وثمة ضوابط لكلا الحالين، فلا يصح الاحتجاج بهذه العبارة على إطلاقها.

الشبهة الرابعة: «ما البديل؟»

سياق المقولة: مطالبة المحتسب بإيجاد بديل مباح عن المنكر.

والجواب عن هذه الشبهة:
إيجاد البديل المناسب الذي يحل محل المنكر أمر مشروع ومفيد بل ضروري لا بد من توفر الجهود والطاقات عليه، والشريعة حضت على هذا، وفي هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة شواهد على هذا.[56]
وهذا لا إشكال فيه، إنما يأتي الإشكال من توسيع دائرة المطالبة بالبديل إلى حد:
١- تسويغ الفعل المحرم بسبب عدم وجود البديل، وهذا ليس عذرا في الشريعة.
٢- التهوين من الاحتساب، فإذا رأى من يقوم به استخف به؛ لأنه لم يقدم بدائل. وهذا غلط عظيم، فكون إيجاد البديل مشروعا لا يعني التزهيد في واجب الاحتساب، ولا يلزم كل محتسب أن يوفر البدائل للناس، فإذا نصح فقد أدى ما عليه، خصوصا وأن المحتسب لا يملك بالضرورة صناعة البدائل وليس من وسعه.
٣- المطالبة بالبديل المساوي، كمن يريد بديلا مساويا في المتعة للغناء المحرم، ووجود هذا التساوي قد يتعذر، ولا يلزم من البديل أن يكون مساويا، بل يكفي أن يكون مباحا؛ فالواجب ترك المحرم طاعة لله ورسوله، والبدائل أمور معينة مساعدة، وليس بالضرورة أن تكون في درجة المحرم.
ولا بد للمسلم من استحضار عبوديته لله، وأن الدافع الأول له في ترك المنكر هو هذه العبودية، وأن المكاره والشهوات لا بد أن تعترض طريقه، وأن هذه دار ابتلاء وامتحان، فهذا هو الأصل في تركه للمحرم، لا الركون والاعتماد على البدائل.

 

مسألة مهمة:
طلب البديل يكون ممن يمكنه تقديمه؛ فمطالبة العلماء والمحتسبين بإيجاد بدائل لأمور في واقع حياة الناس= تعنت وسفه، فهذا العالم أو المحتسب قد يكون عاجزا عن توفير البديل، أو أن هذا النوع من البدائل ليس داخلا في دائرة اختصاصه وخبرته فيحدث تعد واستهانة بالمعارف والعلوم والخبرات التي يستند عليها إيجاد البديل.
ثم إن توفير البدائل ليس من شأن العلماء والمحتسبين أصالة، وليس من وسعهم غالبا، فلا تتجه مطالبتهم بذلك.


[1] ابن القيم، الطرق الحكمية، ص٦٢٢ ج٢.

[2] انظر: المرجع السابق ص٦٢٧ ج٢.

[3] الشيزري، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، ص٢١٣.

[4] السنامي، نصاب الاحتساب، ص٣٣٢.

[5] ابن فارس، مقاييس اللغة.

[6] الزبيدي، تاج العروس.

[7] ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ج١ ص١٤٠.

[8] ابن القيم، مدارج السالكين، ج٣ ص٤٥٣.

[9] ابن القيم، مفتاح دار السعادة ج١ ص١٤٠.

[10] السمعاني، قواطع الأدلة ص١٣٨.

[11] النووي، شرح صحيح مسلم ج٢ص٢٢.

[12] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج٥ص١٩.

[13] الجصاص، أحكام القرآن ج٢ص٦٠٨.

[14] ابن تيمية، مجموع الفتاوى ج٢٨ ص٦٦.

[15] الكتاني، التراتيب الإدارية ج١ ص٢٤١.

[16] منهاج السنة ج٥ ص٢٨٣.

[17] منهاج السنة ج٨ ص٢٦٦.

[18] مدارج السالكين ج٣ ص٤٥٣.

[19] انظر: أحمد يوسف، سابغات: كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة..

[20] مجموع الفتاوى ج٤ ص١٤.

[21] هذه أم الشبهات في موضوعنا؛ فلذا احتاجت تطويلا.

[22] ينظر: د. سلطان العميري، فضاءات الحرية، ص٥٦. الأسلمي، العقلية الليبرالية ص١٦٦. وجليٌّ أن القصد ليس الحرية التي تقابل الرق، بل بالمعنى المعاصر، وهو: فعل الإنسان ما يريد فعله بمقدار إمكانه دون مدافع ومنع من غيره.

[23] أي: الأسس التي يرجع إليها في بيان حدود الحرية.

[24] ابن القيم، الطرق الحكمية ص١٩.

[25] حديث نبوي، أخرجه أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن حبان في صحيحه.

[26] العميري، فضاءات الحرية.

[27] انظر: تفسير ابن كثير لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}.

[28] فهد العجلان، عبدالله العجيري، زخرف القول، ص١٧٤.

[29] ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ج١ ص٤٤٣.

[30] الآجري، الشريعة، ج١ ص٤٣٨.

[31] الوصاية: سلطة قهرية تُفرض على الإنسان تحول بينه وبين تصرفاته وحقوقه.

[32] البيهقي، شعب الإيمان، وصححه الألباني.

[33] أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي والنووي وابن تيمية.

[34] متفق عليه.

[35] انظر: ص٥.

[36] أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.

[37] الغزالي، إحياء علوم الدين، ج٢ ص٣١٢.

[38] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج٢ ص٣٤٥.

[39] ابن أبي زيد القيرواني، الجامع في السنن والآداب، ص١٥٨.

[40] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج١ ص٣٦٦.

[41] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج١ ص٢٤٧.

[42] ابن عطية، المحرر الوجيز، ج٢ ص٢٢٤.

[43] الجصاص، أحكام القرآن، ج٢ ص٤٢.

[44] أخرجه البخاري.

[45] متفق عليه.

[46] علقه البخاري بصيغة الجزم.

[47] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٣ص٣٤٦.

[48] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن.

[49] الماوردي، الأحكام السلطانية، ص٣٦٧. أبو يعلى، الأحكام السلطانية، ص٢٩٧.

[50] الغزالي، إحياء علوم الدين، ج٢ ص٣٢٥.

[51] القرافي، الفروق، ج٢ ص١٠٣.

[52] ابن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله، ج٢ ص١٨٥.

[53] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج٧ ص١٢٥.

[54] ابن حزم، الإحكام، ج٣ ص٣٦٧.

[55] الشاطبي، الموافقات ج٥ ص٩٢.

[56] انظر: زخرف القول، ص٣٢٣.


الصورة من الانميشن: A Tale Of Momentum & Inertia

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى