التربية والتعليم

يتميّز الطلاب عندما يرتبط التعليم بالواقع، فكيف نساعدهم؟

من خلال ربط التعلم بالعالم الحقيقي، يبدأ الطلاب في رؤية الحافز الداخلي للتغيير من أنفسهم

  • كارلي بيرويك
  • ترجمة: حنين النوشان
  • تحرير: إيثار الجاسر

في واحدة من أكبر احتجاجات مدينة جيرسي سيتي، تجمّع ٥٠٠٠ شخص في يونيو الماضي أمام مجلس المدينة احتجاجًا على موت جورج فلويد والمطالبة بإصلاح الشرطة. لم تقم مجموعة محاماة أو منظِّمين سياسيّين مُخضرمين بتنظيم ذلك التجمّع، بل أدريا ويليامز طالبة المرحلة الثانوية.

حتى الربيع الماضي، شعرت أدريا ويليامز -والتي تدرس في جامعة هوارد حاليًا- بانفصالها من المدرسة معتقدةً بأن أغلب الطلاب السود -مثلها- لم يُنشَؤوا للنجاح. ولكن الاحتجاج الذي ترأسته ألهم الكثير وساعدها بتغيير رأييها عن التأثير الذي بإمكانها إحداثه في مجتمعها. قبل تنظيم الاحتجاج، تساءلَت “ماهي العلاقات التي أمتلكها؟” والذي قادها إلى “أنا مرتبطة بالكثير من الناس.” كما قالت.

في الخمس سنوات الأخيرة، اكتشف النشطاء اليافعون أمثال جريتا تونبرج، إيما جونزاليس، وأدريا قوّتهم من خلال مجتمع الانترنت، بأوقات مخصّصة في اليوم الدراسيّ أو بالحريّة الغير متوقّعة التي تقدّمها المدرسة الافتراضية. نظّم الطلاب في جميع أنحاء الدولة مسيرات عن عنف السلاح وجمع التبرّعات للمستجيبين الأوائل، جالسين في لوَح التعليم للدفاع عن التغييرات السياسية في مدارسهم، متّصلين بأقران حول البلاد عبر  منتديات الانترنت في مواضيع متراوحة بين الاحتباس الحراري والمساواة العرقية.

في الوقت نفسه، يستخدم -وبشكل متزايد- بعض الأساتذة صفوفهم الدراسية لخَلق فرص للطلاب لإكتشاف شغفهم وصنع تأثيرهم المحلّي (شخصيًا وعمليًا). من خلال المشاركة في مناقشات واضحة، وإجراء بحث في القضايا المحليّة الطارئة، أو العمل مع الحكومة، لا يرى هؤلاء الطلاب المدرسة كجزء منفصل عن “العالم الحقيقي” بل كمحفّز للتغيير.

أشار رافائيل بريز سيجورا أستاذ ثنائي اللغة لمرحلة ما قبل الروضة في مدينة نيويورك بأنه حتى الأطفال الصغار بإمكانهم التدرّب “ممارسة وتشكيل عالمهم كجزء من الصف الدراسي”، قال أيضًا أنه بدأ تعزيز قوّة الطالب في الصغار منذ عمر ٣ سنوات. “بالنسبة لي، القوة هي رؤية التأثير وأن يكون لك رأي في مظهر بيئتك”، سواءً كان الصف الدراسي، أو المدينة، أو -بشكل أكبر- المجتمع.

إيجاد هدف جديد في التعلّم

وفقًا للأبحاث، رؤية تصرّفاتك تؤثّر بالآخرين هو أمر مُشجِّع، وخصوصًا للطلاب الذين قد يشعرون بالحرمان من الأنظمة والمؤسسات التي تنشر القوة ظلمًا.

فمثلًا، وجدت دراسة للباحث المشهور ديفيد ييغر ترابطًا بين المثابرة الأكاديمية ومصلحة الطالب. حيث كان طلاب الثانوية الذين طُلب منهم ربط عملهم المدرسي بقيمهم وشغفهم الشخصي أكثر إصرارًا حتى إذا أصبح العمل الأكاديمي صعبًا أو مُملًا. وهم الطلاب الذين أنهوا الكليّة بمعدلات عالية. خلافًا لذلك، يدفع المنهج والتركيب المدرسي القديم، الذي يهدر ويعوق طاقة الطلاب، لينتهي بهم الأمر في عزلتهم أو انقطاعهم الكلّي عن المدرسة وخاصةً المهمّشين منهم.

يمكن البدء بـ”المحادثات المنصفة” أو الندوات السقراطية أو المناقشات المراقبة، والتي تمكّن جميع الأصوات بأن تُسمع كخطوة أوليّة لربط الطلاب بأهداف أكبر. تقوّي المحادثات الشاملة فكرة أن تعلم الآخرين مهم كأهمية تعلم الشخص ذاته، وأن الأفكار تُقوّى عن طريق المحادثة الجماعية والنقد-وتلك فكرة أساسية في الديموقراطية كذلك.

“إنه لشيء محسوس في الصف أن العالم يمرّ بالكثير” هذا ما تقوله سوزان فوغان أستاذة اللغة الانجليزية للمرحلة الثانوية في مينيابوليس عن المناقشات عبر الانترنت في صفّها حيث يشارك الطلاب فهمهم بعدة وجهات نظر. لنشاط معيّن، طلبت فوغان من الطلاب الرد على اقتباسات أدبيّة يختارها أحدهم، ثم يحاولون توضيح السبب المُحتمل لاختيارهم لها-تُشجّعهم على التفكير بواسطة عملية منطِق الطالب الآخر.

وفقًا لأليس ألديج أستاذة الصف السادس في لونغ آيلاند سيني، نيويورك. فإنه يمكن لتلك المحادثات أيضًا مساعدة الطلاب على ربط المدرسة بهدف أكبر خارج جدرانها.

تقول ألديج “يتطلّب الكثير من العمل لأنه يتوجب عليك خَلق مساحات آمنة” للطلاب ليستمعوا، يتناقشوا، ويضعوا أفكارًا تعني مغزى حقيقيًا لهم. كشف طلابها خلال المناقشات الصفيّة عن مواضيع كفقدان الوظائف لعوائلهم، والتي قادت إلى عمل وطني كالمشروع الحديث الذي أنشأ فيه الطلاب اقتراحات أفضل الطرق في استخدام أرض غير مطوّرة من أراضي المجتمع. وقالت بأن الأهم من ذلك أنه ساعد “الطلاب على إدراك امتلاكهم قوّةً وصوتًا.”

وضع أسس التفاعل الاجتماعي

يمكن لبعض المحادثات أن تكون غير مُريحة-خصوصًا للوالدين المتابعين من المنزل- كما يمكنها أن تضع الأساتذة في مواقف صعبة.

إشراك الطلاب ببحث عن المسائل المحلّية وتوجيههم لفهم المصادر الموثوقة يمكن أن يكون الخطوة الأولى قبل التوجه إلى المحادثات الواسعة النطاق والتي يمكنها فتح مناقشات حادة. مثلًا، باستخدام منهج ستانفورد سيفيك المجاني، يتعلم الطلاب كيفية طلب دليل للشكوى والاتفاق على ما يبدو صحيحًا منها.

مازال المعلّمون يتوجّب عليهم اتخاذ قرارات لحظية عن كيفية الرد عندما يسأل الطلاب أسئلة صعبة عن أحداث مباشرة. إن اقتطاع بعض الوقت للمداخلات يمكّن الطلاب على مشاركة ما يعرفونه أو يسمعونه، والتفكير فيه، ثم القيام ببحث لتعميق فهمهم، وقد يتوجّب على المعلمين الرد المباشر، مثلا عندما يفتري طالبٌ على طالبٍ آخر فيؤلمه. في هذه الحالة، يمكنهم اللجوء إلى منهجية مكافحة التسلّط “قُله، طالب بِه، أوقفه”، والتي تعني ببساطة ذكر ما سمعوه، شرح سبب ضرر هذه الكلمات، ووضع خطة مفصّلة للخطوات القادمة الممكنة.

توفّر بعض المجموعات مثل مواجهة التاريخ وأنفسنا، تعليم التسامح، مشروع صفر، وتعليم أي المصادر لمساعدة الأستاذة الذين قد لا يشعرون  بالراحة عندما يعم الهدوء في المناقشات عن المشاكل الحساسة السياسية. فمثلًا، يوفّر منهج تعليم التسامح (لنتحدّث عن المنهج) قوائم للأساتذة لتقييم راحتهم في المواضيع قبل البدء بها، بالإضافة إلى نصائح للتعامل مع المواقف المعقّدة التي قد تحدث.

يمكن للأساتذة التوجه إلى الأدوات التي يعرفها الأطفال لجعل الطلاب مرتاحين. فمثلًا، تمكّن حضارة الألعاب الأطفال على مشاركة أساسيات الخطاب المهذّب في الصف الدراسي باستخدام وسطاء على منصات التواصل كـ(تويتش) الذي يربط اللاعبين سويًا بواسطة اهتمامات مشتركة.

“عندما تلعب ألعاب الفيديو عبر الانترنت مع بضعة من الأصدقاء فأنت تنسّق وتشارك، وتتعرّض لضغط يحتاج أن يُحلّ، تلك مشاعر مشابهة لجزء من الارتباط المدني” هذا ما قاله أنتيرو جارسيا، بروفيسور التعليم في جامعة ستانفورد وأستاذ ثانوية سابق، الذي درس كيف أن حضارة الألعاب والحوار عبر الانترنت يمكن أن يُفيد كنماذج جديدة للنشاط المدني.

المدارس كعوامل محفّزة للتغيير

يقول المعلّمون بأنه يمكن لتلك المهارات المُتعلَّمة من خلال اللعب أن تُربط بمشاريع الصف، حيث يعمل الطلاب مع أقرانهم ويختارون طريقة مشاركة تعلّمهم. فمثلًا، نظّم الطلاب -باستقلالية- حملة لجمع التبرّعات على غرار بطولة الألعاب لأسباب بيئية أو لزيادة مال العمال الأساسيّين.

كما يمكن لبرامج وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا أو تصبح منصّات لنشاط طلابي صريح، كتنظيم الطلاب خطابًا للمشاكل الملحّة (العنصرية أو تغيّر المناخ أو عنف السلاح) في مجتمعاتهم. فمثلًا، في ٢٠١٨ استخدمت جاي باتيل -طالبة في ثانوية جيرسي سيتي- وسائل التواصل الاجتماعي لتجمع المئات من طلاب الثانوية والكليات للإضراب ضد عنف السلاح بعد إطلاق النار على مدرسة مارجوري ستونمان دوغلاس الثانوية في باركلاند، فلوريدا.

بالرغم من أنه على المعلمين السير بحذر عندما تكون المواضيع مُثيرة للخلاف أو سياسية، إلا أن تشجيع الطلاب ليصبحوا مخوّلين في المشاكل التي تؤثر عليهم وعلى الآخرين خطوة مهمة لتطوير المدارس-والعالم الخارجي.

يمكن البدء بالتعلّم الفعال عن تأثير أفعال الفرد في مجتمع أكبر بين الطلاب الأصغر سنًا. فمثلًا، يقضي طلاب الروضة في مدارس بوسطن العامة (BPS) ثمانية أسابيع في بناء مشاريع لصفوفهم والتي ستجعلها “أمتَع وأعدل مكان للأطفال.”

يصنع الطلاب باستخدام الورق المقوّى ومواد أخرى مُعاد تدويرها في معارضهم التي تضم أشياءً كـ”بنك العناق” فندق لأشخاص بلا مأوى، والعديد من الحدائق المائية. تُعرض صناعاتهم في مجلس المدينة. تقول مارينا بوني، مديرة برنامج الطفولة المبكرة في مدارس بوسطن العامة “يتطرّق الأطفال سويًا إلى عصفٍ ذهني لفكرة تُشعرهم بالقوة أو التمكّن وانشائها معًا”

بالنسبة للطلاب الأكبر سنًّا، يمكن لذلك الشعور أن يقود إلى تغيّر قاسٍ في المدرسة الثانوية وما بعدها. لاحظت الطالبة إيما ريهاش يوم قبولها في الثانوية العامة لمدينة نيويورك حضور بعض الطلاب ذوي البشرة السوداء من خارج الحي. دفعت تلك الفوارق ريهاش (الطالبة ذات البشرة السوداء أيضًا) إلى المشاركة في تكامل مدينة نيويورك، وهي مجموعة يقودها الطلاب تدعو إلى برنامج تكامل مُعتمد وإقرارات غير محجوبة على أحياء مدينة نيويورك المترامية الأطراف لـ١.١ مليون طالب.

نسبت ريهاش -طالبة الكلية الآن- مشاركتها تلك إلى أساتذتها في المرحلة المتوسطة ومحاموها الذين هيّؤوها لرؤية هذا الظلم بين الطلبة من خلال المحادثة وبناء العلاقة. في الختام، قالت بأن أولئك الأساتذة “علّموني أي نوع من الدعم أحتاجه، وكيف أطالب به لنفسي”

أعجبني المقال

المصدر
edutopia

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى