عام

التحديق في السماء: علم الفلك في الحضارة الإسلامية

ماذا يكمن خلفَ مدى بصرك؟ ومن أفاض على النجوم جلالها؟

  • د. إيهاب بديوي*
  • ترجمة: لؤي جابر
  • تحرير: بلال الخصاونة

من النادر أن يتَّفق مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي على شيءٍ ما.

بصفتي ناشرَ محتوىً نشِطًا على تويتر، يمكنني أن أشهد بصورة مباشرة أن الإنترنت، في أغلب الأوقات، عبارة عن وحل قذرٍ ينضحُ بخلافات لا تكاد تنتهي ومشاجرات مزعجة.

رغم ذلك، بين حينٍ وآخر، يجد رُوّادُها أساسًا مشتركًا يضمّهم، أو حدثًا ما يجمعهم، بشكل مؤقت على الأقل، كما جرى بعد أن نشرت ناسا الصور الأولى لتلسكوب جيمس ويب.

أذهلت الصور المبهرة للفضاء السحيق – التي لم تُرَ من قبل- الجميع.

ثمّة قِلّةٌ من الناس -هذه الأيام- لا يُقرّون أن هناك شيئًا محيِّرًا -ومُشعرًا بالتواضع– في الفضاء وسماء الليل المزيّنة بالنجوم.

وَجد أسلافنا القدامى، كما حدث معنا، حُبورًا غامرًا إبّان تحديقهم في سماء الليل. لكن بالنسبة للمتدينين والعلماء القدماء، كان هنالك ما هو أكثر من مجرَّد الفضول والإجلال.

كان التأمل في السماء يعني التواصل مع الآلهة ومحاولة لإدراك ما وراء العالم. تنتمي هذه الممارسة إلى علم التنجيم والسحر المفيد.

قيل لنا الكثير في الرواية اليونانية القديمة التي كتبها هليودوروس (الإثيوبية)؛ عندما حذَّر الكاهن المصري الشاب ثيجِنس، أخبره أن دراسة السماء هي السير على طريق الصلاح والحكمة:

«هناك علوم شائعة، ومنها ما يمكنني القول أنها تحبو على سطح هذه الأرض… والأخرى، يا بُني، هي الحكمة الحقيقية، لكنَّ الصورة المتداولة عنها غير صحيحة، وتتنكّر تحت ذات اللقَب… إنّها مُطّلعة على الأشياء السماوية، وتحيى مع الآلهة، وتشارك في الطبيعة العُليا، مع مراعاة حركة النجوم وإدراك المستقبل من هناك، بعيدًا عن هذه الآثام الأرضية، وتوجيه كل الأشياء نحوَ صلاح وخدمة الناس.»

تقدَّمْ إلى الأمام بعد عدة قرون في العالم الإسلامي ستلقَ المشاعر ذاتها.

بالنسبة لعلماء الفلك المسلمين في العصور الوسطى، قدمت لنا السماء لغة متقنة مثيرة للإعجاب ومليئة بالتأملات العميقة.

هناك العديد من الآيات القرآنية -أقدم (وأوثق) النصوص المتبقية من فترة الإسلام المُبكِّر- التي ترشد المؤمنين إلى التأمل في آيات الله الموزَّعة في كافّة أنحاء السماء، والمذكورة في مواضع مختلفة من كتاب المسلمين المقدس، كما تُبيّن الآيات التالية:

﴿إِنَّ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الجاثية ٣]

﴿وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُوا۟ بِهَا فِی ظُلُمَـٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [الأنعام ٩٧]

﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَـٰرِقِ٥ إِنَّا زَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِزِینَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ﴾ [الصافات٥- ٦]

ذهبت الأجيال اللاحقة من المفكرين المسلمين إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ توصَّلوا إلى اكتشاف أساليب جديدة في دراسة وتأمُّل السماء.

حيث قاموا ببناء المراصد الفلكية التي ساعدتهم على اكتشاف الأبراج والنجوم البعيدة –ولهذا نجد أن أغلب النجوم الحالية ذات أسماء عربية، مثلَ عقرب، وكَف، وفرود، ولَسْعة، ومعاذ، وثعبان، وزورق- كما ابتكروا أدواتٍ لرسم خريطة السماء في الليل، مع أبحاث مدوَّنة عن حركات الأجرام السماوية، طرحت حججًا حول نموذج الأرض الكروية ومركزية الشمس، وأوْلَت اهتمامًا كبيرًا للشمس والقمر بغرض الوصول إلى توصيفات دقيقة حول الخسوف القمري والكسوف الشمسي، من بين الكثير من الأشياء الأخرى.

فلننظر إلى بعض الأمثلة الجديرة بالملاحظة. في وقت مبكر من القرن التاسع الميلادي، قام المسلمون ببناء مراكز المراقبة والمراصد الفلكية.

في عهد المأمون العباسي (حكم بين عامي ٨١٣-٨٣٣): شُيّد مرصدين: الشماسية، في بغداد، وقاسيون، في دمشق.

كانت تعمل كمراكز رصد شمسية وقمرية، مما أدى إلى ظهور مجموعة من الجداول الفلكية، والحركات الطولية، والكُتيّبات الخاصّة بعلم الفلك، والمعروفة باسم الزِّيج المُمتَحن.

خلال البحث الذي أجري في مرصد الشماسية ببغداد، قام العالم الفارسي المسلم حبش الحاسب (متوفى سنة 869 ميلادية) بحساب المحيط والأقطار وأنصاف الأقطار وغيرها من الأمور المتعلقة بالأرض والشمس والقمر.

النتائج التي انتهى إليها، والمنشورة في كتابه «الأجسام والمسافات»، قريبة بشكل ملفت للنظر من نتائج العلم الحديث. قدَّر الحاسب أن محيط الأرض يساوي 32444 كيلومترًا (يقول العلم الحديث أنه يساوي 40000 كيلومترًا) وأن محيط القمر يساوي 9538 كيلومترًا (يقول العلم الحديث أنه يساوي 10921 كيلومترًا). لكنَّ حساباته لمحيط الشمس كانت بعيدةً عن الصواب.

في القرون اللاحقة، واصل المسلمون بناء سبعة مراصد أخرى، ومن أهمِّها مرصد مراغة وسمرقند.

بُني مرصد مراغة في عام 1259 للميلاد فيما يعرف اليوم بمقاطعة أذربيجان الشرقية في إيران.

صمَّمهُ الفيلسوف والمتكلم وعالم الرياضيات الكبير نصير الدين الطوسي (المتوفى سنة 1274). كان مركزًا للأبحاث الفلكية، يحوي مكتبةً، ومخزنًا للأدوات، والعديد من مراكز الرصد الدائرية لمراقبة النجوم والأجسام السيّارة.

بُني مرصد سمرقند في عام 1420 من قبل عالم الرياضيات والفلكي الموسوعي أولوغ بيك (المتوفى عام 1449). كان مستوحى من نموذج مراغة مع الاعتماد على الرؤى العلمية لأولوغ بيك في علم المثلثات والهندسة الكروية.

تمسَّك علماء الفلك المسلمون في العصور الوسطى بتطوير أعمالهم الرصدية؛ فقد اهتمّوا كثيرًا بما يمكن أن نسميه اليوم بالكوزموغرافيا[1]. وكتاب المُلخّص في الهيئة[2] ليس إلا مثالًا واضحًا على ذلك.

كَتبهُ عالم الفلك والطبيب محمود الجغميني في القرن الثالث عشر الميلادي. كُتب العمل باللغة العربية، ويتضمن شروحات تمهيدية حول كيفية حركة الأجرام السماوية، إلى جانب مناقشات حول طبيعة الأجرام، وخاصّةً الأرض.

لا شكَّ أن هذا العمل واسع الانتشار، نظرًا لجملة التعليقات التي تلقاها باللغتين العربية والفارسية (وعدد كبير من المخطوطات الموجودة حاليًّا قيد الدراسة)، إضافةً لاعتباره نموذجًا للتعليم المدرسي الموجه للجمهور في العصور الوسطى، والذي يسعى إلى تعليم عامّة الناس وهواة علم الفلك.

في الواقع، وبناءً على تنوُّع التفاسير المرتبطة بالسماء وعجائب الكون، يبدو أن المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى تولّت فهم عجائب النجوم والفضاء السحيق بعد جهدٍ جهيد.

وإليكم مثالًا نموذجيًّا لنوع جديد مخصص لمثل هذا الفهم: كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات لأبي يحيى زكريا القزويني (المتوفى سنة 1283 ميلادية).

يحظى العمل بشعبية كبيرة، ويحوي عشرات الرسومات التفصيلية للكواكب وأكثر من 400 صورة مصغَّرة، ويتبعُ ترتيبًا هرميًّا منظَّمًا للكون، متضمنًا القبة السماوية، وعلامات الأبراج الاثني عشر، والأبراج النجمية، والظواهر السماوية القابلة للملاحظة؛ كالكسوف.

وبأسلوبٍ يتراوح ما بين العقلانية والخيال، أظهر لنا القزويني إمكاناته الإبداعية الخصبة عندما تحدَّث عن أقسام عِلم أوصاف الكون. تتضمّن تلك المباحثات، الزمان والمكان والملائكة والشياطين وعالم الغيب الإلهيّ.

بعيدًا عن الخيال، قام مسلمو العصور الوسطى بعملٍ جادّ للوصول إلى وسائل قياس ورصد الحوادث الفلكية في سماء الليل الشاسعة.

تضمنت الابتكارات النظرية، مزدوجة الطوسي، المسمّاة على اسم الطوسي السالف الذكر. إنها عبارة عن أداة رياضية تحوي دائرة صغيرة تدور داخل دائرةٍ أكبر منها، وتُعرف أيضًا بالدُّويري التحتي ثنائي الانعطاف.

وفقًا للعلماء المعاصرين في العلوم العربية، مثل جورج صليبا، قدمت مزدوجة الطوسي «حلًّا للحركة العرضية الخاصة بالكواكب السّفلية، واستُخدمت لاحقًا على نطاق واسع كبديل للإكوانت[3] المُقدَّم قبل أكثر من ألف عام في كتاب المجسطي لبطليموس»، وهو عمل ذائع الصيت في علم الفلك القديم.

كان أحد تلامذة الطوسي؛ مؤيد الدين العُرَضي، الذي عاش في سوريا، والمتوفى سنة 1266 للميلاد، قد ترك بصمةً لا تُمحى من العلوم العربية لكونه أشهر صانع أدوات في علم الفلك خلال العصور الوسطى.

كتب العُرَضي نصًّا بعنوان «رسالة الرصد»، مُخصَّص لهندسة المعدّات المطلوبة في المراصد الفلكية، وبعضها كان اختراعات متفرّدة ابتكرها العُرَضي بنفسه.

قيل لنا بأن كل مركز للرصد يتطلب الأدوات التالية – كما لخَّصتها بيترا ج. شميدل: المِجْدَرة الرُّباعية لقياس الارتفاعات، وذات الحَلَق لحساب خطوط الطول والعرض لمسير الشمس، والأسطرلاب الكروي الانقلابي لأجل انحراف مسير الشمس، والأسطرلاب الكروي الاعتدالي لحساب دخول الشمس في المستوى الاستوائي ومسارها عند الاعتدالات، ومسطرة انكسارية لقياس القطر الظاهري للشمس والقمر، وحلقة السّمْت لتحديد الارتفاع.

هذه ليست إلّا أمثلة بسيطة لتسليط الضوء على الابتكارات الإسلامية في العصور الوسطى في علم الفلك. من الممكن قول الكثير عن الفلكيين البارزين الآخرين، والتي كانت مساهماتهم كبيرة جدًّا، بحيث لا يمكن استحضارها في بضع كلمات.

من بينها الدراسات المتعمّقة التي أجراها النابغة أبو الريحان البيروني في القرن الحادي عشر الميلادي، ويمكن القول إنه أعظم عالِم متعدد الثقافات في تاريخ الإسلام. جادل مؤيِّدًا مركزية الشمس والأرض التي تدور حول محورها، فضلًا عن كونه من أوائل من قسّم الساعة ستينيًّا إلى دقائق، وثوان، وأثلاث، وأرباع.


* د. إيهاب بديوي: أستاذ جامعي في اللغة العربية وفلسفة القرون الوسطى والتاريخ الثقافي القديم في جامعة ليدن. له العديد من الأبحاث في حقل الدراسات الإسلامية مع مجموعة من الموضوعات الأخرى، لكنه غالبًا ما يركّز على تخصصات التاريخ الثقافي والديني، والفلسفة، واللاهوت، والمخطوطات الشرقية في المجتمعات الإسلامية.

[1] هو علم توصيف العالم ورسمه، يدمج هذا العلم اليوم بين الفلك والجغرافيا وغيرهما لتحصيل صورة دقيقة عن العالم.

[2] الهيئة هو الاسم العربي لعلم الفلك.

[3] دائرة خيالية استحدثت لغرض التوفيق بين حركات الكواكب وفرضية الحركة الدائرية المنتظمة. (نسميها الحركة التراجعية العكسية اليوم والتي حُلّت بمركزية الشمس بكل بساطة!)

أعجبني المقال

المصدر
english.alaraby.co.uk

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى