عام

الرياضة والآفاق العقلية

  • محمد المطيري
  • تحرير: جنات المقاوشي

“الرياضة مفيدةٌ للصحّة البدنيّة والنفسيّة”، عبارةٌ شائعة بشكل لا يخفى على أحد، ولكن يوجد جانبٌ من جوانب ممارسة الرياضة لا يُتناول عادةً عندما يتم بسط فوائد الرياضة والحثُّ عليها والحديث عن أهميتها، ألا وهو الجانب العقلي. نعم الجانب العقلي، ففي كل رياضة من الرياضات توجد عمليةٌ عقليّة يُفكِّر من خلالها المُمارسُ الرياضيُّ لإتقانِ رياضته.

عند الخوض في رياضةٍ جديدة يلجأ الرياضي للبحث عن ذوي الخبرات في هذه الرياضة لسؤالهم ومشاهدة طُرُقِ أدائهم لها، ثم يبدأ بالممارسة والتعلم حتى يُتقنها. في تجربتي لممارسة رياضة الركض لمسافاتٍ طويلة كنت أعتقد أن العامل الرئيس للتّمكن من الركض مسافةً طويلة هو اللياقة بمفهومها العام، وكان في اعتقادي أنني أركض منذ أن كنت طفلًا، فظننتُ أنه لا ينقصني إذًا سوى الركض عدة أيام أو أسابيع للتمكن منها، وقد بدت لي مهمة سهلة! ثم اتضح لي أن اللياقات أنواع: لياقة عضليّة، ولياقة تنفسيّة -رئويّة-، ولياقة قلبيّة؛ مع الممارسة قد تصل لأيامٍ تتنفس فيها بكل أريحيّةٍ وأنت تركض، ونبضات قلبك في مستوًى متوسط، ولكنّ عضلات ساقيك تقول لك لا أستطيع الركض! وأحيانًا العكس. ثم يزداد الأمر تعقيدًا كلما قطعت شوطًا أكبر في الرياضة، فمثلًا تجد أن الركض على معدة خالية قد يكون خفيفًا عليك، على عكس الركض مباشرة بعد تناول وجبة، وقد تلاحظ الفرق في المسافة والجهد المبذول عندما ترفع معدل النشويات وتشعر بتدفق الطاقة، ثم تنتقل لمرحلة أكثر تعقيدًا وهي العزيمة ودفع النفس لإكمال المسافة التي اتفقت مع نفسك على إتمامها، وتكمن صعوبتها في أنك تملك الحرية المطلقة للتوقف، وجسمك مرهقٌ لطول المسافة المقطوعة ركضًا، أما عقلك فقد اتخذ قرارًا بقطع مسافة معيّنة لم تصل إليها بعد!

ولا ننسى الجانب النفسي وتأثيره على الأداء؛ حيث أنك تلاحظ أنك في يوم معتدل نفسيًا تستطيع الوصول إلى مسافات طويلة جدًا، وفي يوم آخر تبدو لك مسافة الميل الواحد وكأنها مسيرة ألف عام!

في رحلتي في مشوار رفع الأثقال كانت الأوزان التي أستطيع حملها ضئيلة، وكنت أرى الناس من حولي يحملون أضعاف أوزانهم بكل أريحيّة، وقد كنت كأيّ رياضيٍّ مبتدئٍ ومحدود المعلومات أعتقد أن كل من يستطيع حمل هذه الأوزان يحقن نفسه بهرمون النمو بدون شك، ولم أقطع شوطًا طويلًا حتى اكتشفت أن الموضوع أعمق وأكبر من ذلك بكثير؛ كان الأمر يتطلب تركيزًا ذهنيًّا يفوق التصوّر! تركيزًا ليس في النادي -فقط- بل في النادي والمطبخ! ومما لا يعرفه الكثيرون أن أكثر المراحل صعوبة في رياضة رفع الأوزان ليست في النادي الرياضي، بل في المطبخ والمطاعم والعلاقات الاجتماعية من عزائم و نَحوه؛ إذ أنّ إصرار أحد الأعزاء عليك بتناول قطعة حلوى -تساوي رياضيًا (25) دقيقة عدوًا-، يجعلك محصورًا بين سندان الضيافة المُلحّة ومطرقة الجهد المبذول صباحًا!

لم يكن تعلّم طريقة أداء التمرينات سهلًا، أي نعم يستطيع المرء محاكاة أول عدّة من التمرين بوزن خفيف، ولكنّ الاستمرار -إلى العَدّة رقم (12) مثلًا- بنفس طريقة الأداء وبوزنٍ مرتفع، يتطلب ذاكرة عضليّة قد اعتادت على ميكانيكيّة الحركة، وهذا يتطلب مدة من التدريب وتركيزًا عاليًا.

اكتشفت خلال وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية حُبًا للطبيعة لم أعهده مسبقًا، نظرًا لعدم توفره بهذه الصورة في بعض الدول الأخرى، بالإضافة إلى توفر المشاهد الخلابة والتسهيلات لصعود الجبال الشاهقة، وكذلك اكتشفت علاقةً مع الطبيعة ومخلوقات الله تبارك وتعالى في أرضه على مستوياتٍ ومراحل، مرحلةٌ قد تكتفي فيها بحديقة الحيّ الذي تسكن فيه، ومرحلة قد تتعدى بك خارج النطاق العمراني؛ للاختلاء بهذه المخلوقات الرائعة، ومرحلة قد تصل بك لأن تأخذ إجازةً خاصة وتحجز تذاكر سفر وتحزم الحقائب لكي تتأمل ما خلق الله وتكتشفه!

في رياضة صعود الجبال (الهَايْكِنقْ Hiking) لا يَعزُب عن أذهانكم أن الجهد البدني المبذول قد يكون عاليًا في حال كان الجبل مرتفعًا والطريق وعرًا، ولعل جملة “الجبل مرتفعًا والطريق وعراً” قد مرّت على من لم يسبق له ممارسة هذه الهواية مرورًا سريعًا، لا يدرك فيه أنه قد يبدأ المشي فجرًا أو قُبيل الفجر بقليل في أرضٍ خضراء فينتهي به المطاف في قمة جبل جليدية تتشقّق من برودتها وجنتاه، وأن من خطورة بعض المواقع أنك قد تتعرض فيها لحيوانات مفترسة، أو قد تصل إلى خطورتها إلى احتمال الوفاة!

أحياناً قد تصل إلى منتصف الطريق، وأنت متشوّقٌ لرؤية الشلال في نهايته، فتجد أمامك شجرة عملاقة قد طَرَحَتها الرياح أرضًا وأغلقت عليك الطريق، أو ربما تجد صخورًا تدحرجت وسدّت عليك منافذ الصعود، وقد يحصل أن تَصِلَ إلى الأعلى فتكتشف أن مستوى الثلج بدأ بالارتفاع حتى وصل إلى نصف جسمك، ولم تعد تميّز أأرضًا تطأ أم حفرةً أم جُرفًا، ويداهم عقلك حينها سؤال: أتُقْدِمُ أم تتراجع؟

هذه الرياضة تتطلب لياقةً بدنية وأدواتٍ مناسبة وتخطيطًا مسبقًا، وغذاءً خفيف الوزن عالي القيمة الغذائية يزيد عن الحاجة بقليل، والكثير من الماء!

والمفاجئ في هذه الرياضة وما يكاد لا يصدقه من لم يمارسها أو يمارس أشباهها من الرياضات، أنّ العلاقة بين (المخاطرة والشعور بالإجهاد البدني والنفسي والذهني) فيها و(إحساس الإنجاز والسعادة) علاقة طرديّة، وأن كل رحلةٍ لا تشبه الأخرى أبدًا، بل ستكون هناك دائمًا تفاصيل جديدة ومخاطر أخرى تُشعرك بالإنجاز بشكل لذيذ جدًا،في حال رجعتَ إلى الأسفل بنجاح!

بعد مروري على عدة تجارب رياضيّة وصلتُ فيها إلى مستوى أعلى من المتوسط بقليل، صار لديّ فضولٌ رياضيٌّ عجيب؛ لأنني قد تعرفت على شيءٍ لم أكن أعرفه من قبل وهو أن لكل رياضةٍ آفاقًا عقلية قد توجد وقد لا توجد في رياضةٍ أخرى بحسب طبيعتهما، وأن هناك عوائد عقلية من هذه الرياضات قد يستخدمها المرء في حياته.

كنت في الشاطئ مرّة وكانت الأمواج مرتفعة نسبيًا و كان هناك عدد لا بأس به من راكبي الأمواج، تأمّلتهم قليلاً ثم ذهبت. بعدها بفترة وجيزة تعرفت على صديق يمارس هذه الرياضة منذ (12) سنة، ولا أخفيكم مقدار سعادتي بوجود صديقٍ خبيرٍ أستطيع اكتساب هذه الرياضة منه بوقت وجيز؛ لأنه سيشرف على مشواري بشكل مباشر. خضتُ هذه الرياضة المالحة، وبدأت فيها بذكاءٍ أكثر من أي رياضة أخرى، بحيث أنني وضعتها على الورق قبل الشروع بها، وكان مشواري في تعلُّمها كالتالي: كيف لي أن أستطيع الوقوف على لوح الأمواج -وأنا على الماء- بسهولة؟ وكانت الإجابة سهلة نظرًا لوجود قدرة لياقيّة سابقة، ثم انتقلت للسؤال الذي يليه، وقد كان: كيف لي أن أركَبَ الموجة؟ شرح لي صديقي (عُمر) هذه الرياضة بشكل موجزٍ جدًا يعتقد هو أنه قد أسهب فيه، وهذه هي طبيعة المتخصصين في مجالٍ لمدة طويلة، يشرح لك بشكل مختصر لأنه قد نَسِيَ كيف يتعلم المُبتدئ وكيف تبدو خطواته وتصوّراته الأُوَل.

راقبتُ راكبي الأمواج عن كثب، وحاولتُ محاكاة حركاتهم التي لم تكن سهلة؛ لأن عوامل نجاحك في ركوب الأمواج متعددة، تتكون من: انتظارك للموجة المناسبة وقراءتك للمحيط، تَمَوْضُعِك لها، تجذيفك بسرعة لجعل الموجة تحملك معها، ثم الانتظار حتى تشعر بأنها قد أحكمت الإمساك بك، والوثب بسرعة -دون أن تُخلّ بتوازن اللوح على الماء- من وضعية التمدد على اللوح، إلى وضعية وقوفٍ تُمَكِّنك من التحكم باللوح وتوجيهه. والقُصُور في أي عامل من العوامل السابقة يعني عدم نجاحك في ركوب الموجة، نعم بهذه البساطة! كما أن عدم النجاح لا يعني دائمًا أن تتجاوزك الموجة وحسب؛ بل أحيانًا تُسقِطك من اللوح، وقد تسحبكما معًا إلى الشاطئ، أو تغلق نفسها عليك فتأخذ وقتًا حتى تستعيد وضعيّتك للموجة القادمة، التي قد تذهب مثل أختها!

عدد الوَفَيات في هذه الرياضة ليس بقليل، ومن أكلت أطرافهم أسماك القرش أثناء ممارستها كُثر! إلا أن معانقة الهواء و احتضان الأمواج لك وأنت في بطن الموجة فيه من المشاعر ما لم أجده في أي رياضة أخرى!

إن الإنجاز الرياضيّ تأثيره ملموسٌ وسريع الحدوث مقارنة بالمجالات الأخرى؛ لذلك تجد أن أغلب الرياضيين فخورون بأنفسهم، لأنهم يشعرون بإنجازات متجددة ومستمرة، وهذا في رأيي أحد أكبر مميزات الرياضة؛ فهي إنجاز مستمر لا يتوقف إلا بتوقفك عنه، ويستمر باستمرارك فيه، وجميع سكّان الكرة الأرضية -فيما أعتقد- يَعُدّونه شيئًا جميلًا تستحق الثناء عليه إذا تمّ بطريقةٍ رياضية وصحية.

برأيك ما هي العوائد العقلية التي اكتسبها صائد الحيوانات شديدة الحذر، مثل بعض الأسماك والحيوانات البرية؟ تخيّل معي حجم المحاولات الكثيرة الفاشلة التي مرّت عليه والتي كلّفته ساعاتٍ، و جهدًا بدنيًا وثباتًا كبيرين! أو كيف هي عزيمة متسلّق الجبال الذي لا يمتلك في جعبته إلا بودرةً بيضاء وحبال؟ وكيف سيتعامل راكب الأمواج مع مشكلة في حياته تتطلب منه اجتماع ثلاثة عناصر -مثلاً- لحلّها، في ظل ممارسته المستمرة لأمر يتطلب أكثر من سبعة عناصر مجتمعة لنجاحه؟ أو كيف سيتعامل صاعِدُ الجبال مع إخفاق رحلةٍ له، أو تأخر أمر ما، وهو قد مرّ برحلةٍ شاقة لم تتكلل بالنجاح وعاد مبتسمًا مستمتعاً بما أمكنه الاستمتاع به؟! وكيف سيرى العَدَّاء اللعب مع أطفاله -لمدة خمس أو عشر دقائق- وهو متعب بعد قدومه من العمل، إذا كان يجبر نفسه على ركض عشرات الكيلومترات يوميًا على الرغم من صعوبتها وإجهادها له؟ أو ما هي المقدرة العظيمة لكبح جماح النفس التي اكتسبها من يتبع نظامًا غذائيًا لمدة ليست بالقصيرة، والتي قد أصبحت نمط عيشٍ له؟ وكذلك غيرها من الرياضات وأنماط العيش التي لم نمارسها، ولم نجد من يشرح مكوّناتها لنا، ولا نعرف آفاقها العقليةَ بعد! لا أقول أنّ كل رياضيّ يستطيع استخدام هذه العوائد في مصالحه الحياتية، فربما لا تنعكس على حياته أبداً، ولكن ليس لديّ شكٌ أنه لو استطاع كل رياضيٍّ تفعيل هذه العوائد في حياته الشخصية، لأصبحت عاملًا رئيسيًّا في رفع جودة حياته بشكل كبير.

إننا اليوم في زمنٍ لا يتعرّض فيه الإنسان لجهد بدني مرتفع عادةً، وهذا مؤشر خطير إذ أننا لا نجوع ولا نتعب، ولا نمارس أكثر من مهنة، ولا نمارس الحِرَف اليدوية المتعددة، فقد أصبح إنسان اليوم إنسانًا ذا استخدام واحد فقط، ويبدو لي أن الرياضة صارت المجال الوحيد الذي تبقّى لنا للاقتراب من ممارسة الحياة الإنسانيّة الطبيعيّة.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى