عام

أدب المرأة

ثورة ناعمة

  • زبيدة فيصل

الأدب النسائي أو النسوي مصطلح أُشبع بحثاً وتمحيصاً وتدقيقاً، وبصرف النظر عن عدم الاتفاق على استخدام تعريف وتسمية واحدة للأدب الذي تبدعه المرأة، فإن هناك إجماعا على السياق الخاص الذي ظهر فيه، المرتبط أساساً بنضال النساء لنيل حقوقهن والدفاع عن مكانتهن وأفكارهن، من بوابة الكتابة الإبداعية، في حين أن البعض يرفض مصطلح “الأدب النسائي أو النسوي”، باعتبار أن الأدب يبقى أدباً مهما كانت أشكاله التعبيرية وخصائصه.

ومن بين المدافعين عن حق المرأة في أن يكون لها أدبٌ خاصٌ بها الروائية والناقدة المصرية شيرين أبو النجا، حيث تقول عن الأدب النسائي: ” .. لأنها هي الرؤية التي أنشأتها المرأة نفسها، لا الضغوط الخارجية عليها”. واهتمت أبو النجا بالتمييز بين مصطلحَي الأدب النسائي والأدب النسوي بقولها: “أعتقد أنه ينبغي التفريق بين الأدب النسائي والأدب النسوي، فنحن نقول إن هذه الشركة نسائية عندما يكون كل العاملين بها نساء، وعندما نقول نسوي فهذا يعني أنه يوجد توجه ما، إذ ليس كل ما هو نسائي نسوياً”.

القاصة والروائية السورية هيفاء بيطار ترى بأن «الكتابة النسائية لها خصوصيتها كما يمتلك الرجل الكاتب خصوصيته» ، فهي ليست ضد مصطلح “الأدب النسائي أو النسوي” ولكنها ضد أن يطرح هذا المصطلح على أساس أنه أدنى مستوى من أدب الرجل، وتوضح بأنها بوصفها امرأة عبّرت في روايتها (امرأة من طابقين) عن «مشاعر شديدة الخصوصية لا تستطيع أن تشعر بها إلا الأم، ولا يمكن للرجل، مهما كان بارعا في الكتابة، أن يعبر عنها بصدق، إضافة إلى أن المرأة تفهم العالم بصورة مغايرة لما يراه الرجل، فالمرأة لديها قدرة أكثر على الاحتضان والاستيعاب والتعمق في تفاصيل الأمور”.

في حين أن عددًا لا بأس به من الأديبات العربيات يرفضن تعبير “الأدب النسوي” ومنهن غادة السمان، وأحلام مستغانمي ، وما زال هذا المصطلح إلى اليوم أحد الأمور المثيرة للجدل التي يستنكرها البعض ويتفق عليها البعض الآخر، وعن ذلك تقول الروائية روزا ياسين حسن، وهي الرافضة لفكرة تصنيف أدب المرأة كأدب نسائي أو نسوي، فالأدب من وجهة نظرها إما أن يكون أدباً أو لا يكون، وعبرت عن ذلك بقولها: “لدينا مشكلة بالمصطلحات، كونها تأتينا دائماً من بلد المنشأ متأخرة، وكوننا أشخاصاً معبئين بأفكار جاهزة لذلك نرفض أي جديد في بادئ الأمر، أو نحتفي به على نحو مبالغ”، وأوضحت بأن مصطلح (النسوية) ظهر أولاً، في سياق الثورات الاجتماعية، ومن ثم تسلل إلى الأدب، إلا أن روزا حسن عادت وعبرت عن تعاطفها مع أدب المرأة عموما من خلال إبراز معاناة المرأة في الأدب بشكل عام؛ فهي مع الرأي القائل إن المرأة تعاني في حقل الكتابة أكثر من الرجل، إذ ترى أن للإبداع، بصورة عامة، ضريبة يدفعها المبدع، فما بالك إذا كان المبدع أنثى؟

فالأديبات عموما بحسب روزا حسن : «دفعن أثماناً أخرى كونهن نساء في هذا المجتمع، ويخضعن لمنظومة اجتماعية معينة، فدفعن بالتالي أثماناً مباشرة وغير مباشرة»، ومن هذه الأثمان المباشرة أن العديد من الأعمال الأدبية الشهيرة كتبتها نساء بأسماء رجال، وذلك كي لا ينقلب المجتمع عليهن أو يقلل من قيمة ما كتبوا لمجرد أنهن نساء ، ومن بينهن الروائية الفرنسية أمانتين أورو لوسيل دوبين، حيث نشرت أعمالها الروائية باسم جورج ساند، بل وأثارت دهشة معاصريها عندما ارتدت أزياء رجالية ودخنت السيجار! وكذلك الروائية والشاعرة الإنجليزية شارلوت برونتي، صاحبة رواية  جين آيير، اختارت أن تقوم بالنشر تحت الاسم المستعار كيور بيل، كما اتُهمت الشاعرة اللبنانية وردة اليازجي، بأن أباها أو أخاها هما من كتبا لها أشعارها، واليوم أكثر الكاتبات نجاحا في هذا القرن، ج.ك رولنغ، مؤلفة سلسلة “هاري بوتر” استخدمت اسما لا يشير إلى جنسها كي تتأكد أن كتابها سيعجب القرّاء الصبيان أيضا، كما استخدمت لاحقا اسما اخترعته هو روبرت غالبريث لكي تكتب روايات خيالية عن جرائم.

أما بالنسبة للأثمان غير المباشرة التي تدفعها الأديبة بحسب روزا ياسين حسن: « فهي تشمل الرقابة الاجتماعية، كالأعراف والعادات والتقاليد، حيث يساء إلى الكاتبة بالألفاظ والتصرفات، والأمر الآخر هو القراءة الخاطئة للنص الذي تكتبه المرأة، ففي الرواية، مثلاً، تحال أي خبرة لأبطال الكاتبة إلى شخص الكاتبة نفسها، وكأنها هي من قامت بأفعال البطلة، متناسين مسألة التخييل التي هي بديهية في النص الأدبي”.

ومن جهتها، تقترح الأديبة والناقدة المغربية لطيفة لبصير أن نحذف الاسم قبل أن نقرأ منجزا أدبيا مبدعا، وتكاد تجزم أن لا أحد يستطيع ممن يطلعون عليه لأول مرة أن يستدل على كاتبه رجلا كان أم امرأة، وذلك في ردها على من يدّعون قدرتهم على التعرف على النتاجات النسائية، فهي تكتب بـحسب اداعاءاتهم ب«لغة ساذجة وانفعالية»، وتنحصر موضوعاتها في الشكوى الدائمة، وتبرر لبصير ذلك،  بأن المرأة في السابق تفتقد للنضج الإبداعي، بفعل حداثة التجربة، (فالإبداع يفترض التراكم)، وعن هذا التباين بين أدب الرجل وأدب المرأة تتساءل الأديبة اللبنانية كارمن البستاني الاختصاصية بالأدب النسائي الفرنكوفوني :”ليس لنا نحن والرجل الماضي نفسه ولا الثقافة نفسها، فكيف يكون لنا والحالة هذه، التفكير نفسه والأسلوب نفسه”.

ولو فتشنا في الثقافة العربية الأصيلة، لوجدنا إشادات كثيرة بأدب المرأة في وقت ازدهار الأدب، ففي “تاريخ مدينة السلام” المعروف بتاريخ بغداد، وهو أحد أشهر مصنفات التراجم العربية، للخطيب البغدادي (392-463هـ) يورد البغدادي، ما قاله أبو نواس، عن فضل النساء، أدبياً، في صناعة موهبته: “ما قلتُ الشعرَ حتى رويتُ لستين امرأةً من العرب، فما ظنّك بالرجال؟”.، وبحسب النص التاريخي لإقرار أبي نواس، بفضل الأديبات الشاعرات والراويات العربيات عليه، فإن من بين الستين امرأة عربية، الخنساء المشهورة، وليلى الأخيلية، وأخريات، فالخنساء، مثلا ، نافست في سوق عكاظ الرجال ولم يمنعها ذلك كونها أنثى، فهذا النابغة الذبياني – كما جاء في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري- كان يأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارهم، فأنشده الأعشى أبو بصيرٍ، ثم أنشده حسان بن ثابت، ثم الشعراء، ثم جاءت الخنساء السلمية فأنشدته، فقال لها النابغة: “والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت إنك أشعر الجن والإنس”، وكذلك قال الشاعر العربي أبو تمام عن جمعه لمختارات ديوان الحماسة أنه قرأ سبعين ديوانا للنساء دون الرجال، كل ذلك دلالة واضحة على ارتفاع مكانة أدب المرأة في الثقافة العربية، فلم يقتصر الأدب فيها على الرجال دون النساء،  بل ولم يفرقوا بين الأدب الذكوري والأدب النسائي، فمصطلح “الأدب النسائي” ظهر انطلاقا من بلاد الغرب اعتمادا على حركة نسوية قوية اكتسبت كثيرا من الحقوق بالنضال على الأرض، وتقوم على نشر الوعي بقضايا النساء ورصد اللامساواة الاجتماعية التي تعاني منها، كما يقدم نماذج لبطلات من النساء، ورؤيتهن للعالم ولأنفسهن في ظل التفاوت الاجتماعي الذي يرزحن تحت وطأته، وهو ما لم تعاني منه المرأة العربية في عهود ازدهار الثقافة العربية.

الكاتبة التركية أليف شافاك في روايتها “حليب أسود .. الكتابة والأمومة والحريم” تقول: “.. ربما ليس السؤال الذي ينبغي طرحه هو: لماذا لا توجد شاعرات أو كاتبات كثيرات؟ لأن السؤال الحقيقي بحسب شافاك هو: كيف تمكنت حفنة من النساء من التفوق في عالم الأدب على الرغم من كل المعوقات؟

وعلى العموم، فإنه مثلما نقول (أدب المهجر)، و(أدب الرحلات)، و(أدب الثورة)؛ لا غضاضة في أن نقول كذلك (الأدب النسائي)، على ألا يقصد منه التصنيف النقدي، بقدر ما يفترض أن يهدف إلى إبراز خصوصية المرأة واختلاف رؤيتها عن الرجل في معالجة هذه القضية أو تلك. ورغم الخلاف على فكرة وصف أدب معين بالذكورة والأنوثة، تبقى نتاجات المرأة الأدبية ذات بعد جمالي كما أنها شكّلت بلا شك إضافة نوعية مهمة للإنسانية كافة، وهو ما يذكرنا بكفاح المرأة وقدراتها الإبداعية الفائقة عبر فترات تاريخية مختلفة، وأن فعل الكتابة بالنسبة إليها هو إرادة الحياة.

“لقد كان الأمر بالفعل أشبه بثورة ناعمة لانتزاع الاعتراف بوجودهن والإقرار بحضورهن وحقهن في تقرير مصيرهن الإبداعي والإنساني. وربما هذا وحده كافٍ لأهمية أن نسمي أدباً ما، بمنأى عن كل تمييز فج، بأنه أدب نسائي حقيقي وضروري”، الكاتب والشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري.

اقرأ ايضًا: لماذا لا زالت النساء عاجزات عن الجمع بين الأشياء كلها

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى