عام

مسارات علم الاجتماع

  • مجموعة مؤلفين
  • تنسيق: كزافييه مولينا
  • ترجمة: زيد أولاد زيان

باعتباره ابن الحداثة، وُلد علم الاجتماع من الرّغبة في فهم المجتمع، والواقعة الاجتماعية والتأثير فيهما. وقد طوّر تِباعًا اتّجاهاتٍ اجتماعية، وسياسية، وثقافية. بحُكم موضوعه نفسِه، فهو، أكثر من أيّ علم آخر، انعكاسٌ لعصره: لِقيَمه، لمَخاوِفه، للعلاقات الاجتماعيّة، للمشاكل الاقتصادية والسياسية…

(…)

لماذا علم الاجتماع؟

وُلد علم الاجتماع من انقلاب، من تحوُّل نحو مجتمعٍ جديد، عند تقاطُع ثلاث ثورات: سياسيّة (الثورة الفرنسية)، واقتصادية (الثورة الصناعية)، وفكريّة (انتصار العقلانيّة، والعلم، والوضعانيّة). باختصار، من الانتقال، الذي فُكِّر فيه وقتَها بطريقة راديكاليّة، من التقليد إلى الحداثة. أولى الأسلاف المبكّرون لعلم الاجتماع (أوغست كونت، ألكسيس دو توكفيل، كارل ماركس…) اهتمامهم للتفكير في النظام الاجتماعي الجديد الآخذ في الظهور.

الركيزة الأولى لهذا التغيُّر تتعلّق بطبيعة المجتمع نفسه. في المجتمعات السابقة للثورة الفرنسية، كان يُفكَّر في التنظيم الاجتماعي باعتباره مُحدَّدا من طرف قوى خارجية، مُتعالية أو طبيعيّة. في المجتمع الحداثي، الاجتماعي له قوانين اشتغال خاصة به، والتي من الممكن الكشف عنها. بتوضيح كيف أنّ انتحار فردٍ، وهو فعل شخصيٌّ بامتياز، مُحدَّد بقوى اجتماعية (دينه، شبكات علاقته، عمله، إلخ.)، هكذا يفتح إميل دوركايم الطريق نحو « اكتشاف الاجتماعي».

القرن التاسع عشر هو أيضا لحظة الثورة الصناعية. ازدهار الرأسمالية التجارية، مكنَنَة عمليات التصنيع، إنشاء وحدات إنتاج شاسعة، تشكيل الطبقة العُمّالية، التوسُّع الحضري؛ جميعها مظاهر لهذا الانقلاب الاقتصادي. فلاح القُرى يترك مكانَه لعامل المُدُن، الذي يوقِظ خوف البورجوازي. هذا التخوُّف من الأمراض (عنف، انحراف، فوضى) كان وراء أُولى البحوث الميدانية الاجتماعية بشكل مباشر: على سبيل المثال، البحوث الميدانية لفيليرمي (Villermé) حول العالَم العُمّالي، منذ 1840. بالمثل، وُلد علم الاجتماع الأمريكي، في بداية القرن العشرين، من الرغبة في فهم ومواكبة ظواهر التمدُّن والهجرة.

ينبُع علم الاجتماع من تحوُّل ثالث: ظهور التفكير العلمي والعقلَنَة. يُعلن أوغست كونت حُلول عصر الوضعانيّة. أي عالَمٍ قائم على التفسير العلمي، الخاضع لمعرفة الوقائع والتجريب. فهو يستخدم مصطلح علم الاجتماع، ويُريد أن يجعل منه مجال الملاحظة الإمبريقية والصّارمة للظواهر الاجتماعية. من منظور مختلِف، يصِف ماكس فيبر، الرّمزُ الآخر المؤسِّس، تاريخَ الحضارة الرأسمالية باعتباره انتصارَ التفكير العقلانيّ وكَمسيرةِ نحو « نزع السّحر عن العالم ».

اهتمامات علم الاجتماع

تشخيص ومكافحة المعاناة الاجتماعية

كل هذه الانقلابات تخلُق حاجةً إلى الدِّراية وإلى الأداتيّة، في شكل معرفة مؤسَّسة وصارمة. ضمن هذا الإطار العام، يستجيب علم الاجتماع طيلة تاريخه لاهتمامات متنوِّعة:

باعتباره عِلمَ الظواهر الاجتماعيّة، يُنظَر إلى علم الاجتماع في المقام الأول كوسيلةٍ لتشخيص ومعالجة عددٍ من الاعتلالات، ولتحسين اشتغال بعض أجهزة المجتمع. « شهِدتُ سنة 1827 ولادة (…) المعاناة الاجتماعية التي اتّخذت اليوم طابعا خطيرا للغاية؛ ومِثل أبرَز زُملائي، فكّرتُ قبل كل شيء في وسيلة معالجتها[1]. » : هذه الكلمات لِفريديريك ليبلاي (Frédéric Le Play)، أحَد روّاد البحث الميداني الاجتماعي. إميل دوركايم، أبُ علمِ الاجتماع الفرنسيِّ، من جِهَتِه قلِقٌ بشأن ما يدعُوه باللامعياريّة، أي فُقدانُ المعايير المرتبطُ بتفتيت المجتمع. باعتباره حريصًا على التماسُك الاجتماعيّ، يرى في علم الاجتماع وسيلةً للإمساك بشكل أفضل بهذا التّهديد من أجل الحدّ من آثاره.

منذ بداياتها، صُمِّم علم الاجتماع الأمريكي كخبرة اجتماعيّة: نسعى إلى وضع الزّيت في المحرِّك، وإلى تجنُّب احتراق مجتمعٍ فتيٍّ، وديناميّ، يصنَع كلَّ يوم. وكنتيجة، مع مشاكل الاستقرار، وتعايُش الأقلّيات، وتركُّز السُّكان في المُدُن … : تنبثق مدرسة شيكاغو في بداية القرن العشرين لتحليل هذه الظواهر. لاحِقا، وضمن فكرة فهم محدِّدات أداء العمل حيث قام إلتون مايو، رائد علم الاجتماع الصناعي بسلسلة من التّجارب في ورشات عمل General Electric في Hawthorne. هذه الوظيفة تفسّر التّرسيخ المبكِّر لعلم الاجتماع في النسيج الاجتماعي: حتى قبل نُظرائه الأوربيين، تمّ إرساؤه في الجامعة، واعتُرِف به كأداة للسياسة العامّة.

هذه القدرة الإجرائيّة لم تتوقّف عن التأثير في تطوُّر علم الاجتماع. وتتجلّى عبر صياغة عِدّة آليات وإضفاء الطابع الرسمي عليها، وكذلك عبر استحداث طرُق التدخُّل. علم اجتماع المنظمات يوفر اليوم على سبيل المثال مجموعة واسعة من الوسائل لمواكبة الإدارة، مثل التحليل الاستراتيجي، المستحدَث من قِبَل ميشيل كروزير وإرهارد فرايدبيرغ. وبشكل عام، شهِدنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مَهنَنَة متزايدة للتخصُّص. فالباحثون يغدُون بعددٍ غفير أكثر فأكثر. الطلب على الخبرة الاجتماعية آخِذٌ في الازدياد ويتمّ هيكلتُه: هيئات بحوث، تقارير يُكلَّف بها علماء اجتماع… صحة، عمل اجتماعي، تخطيط حضريّ، إدارة مواردَ بشريّة، تواصُل: كل هذه الوظائف الاجتماعية الجديدة تتطلّب دوراتٍ تكوينيّةً وكفاءاتٍ سوسيولوجيّة.

معرفة، ووصف، وفهم المجتمع

تتمثّل مهمة علم الاجتماع في وصفِ، المجتمع واشتِغاله، بأمانةٍ قدر الإمكان. يسعى علماء الاجتماع الأوائل لتمييز خصائص العالَمَين اللّذَين يتعاقبان أمام أعيُنِهم: وهو ما اضطلع به منذ 1887 عالِم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز، مع التعارُض الذي يُقيمُه بين الجماعة والمجتمع.

لا شك أن وسائل الحصول على هذه المعرفة الاجتماعية تختلف حسب المقاربات. وسريعًا جدا، سيتعارض اتّجاهان. توجُّه « موضوعانيّ » وبرّانيّ [=خارجي]، يرمُز له إميل دوركايم: ينبغي لعالم الاجتماع أن يُفلِت من الاجتماعيّ ليُفكِّر بنظرة موضوعيّة، ينبغي عليه أن يعتبر الوقائع الاجتماعيّة « كـأشياء » حتّى يفسِّرها. أمّا المنهج الآخَر فيسعى بدلا من ذلك إلى فهمِها: يعتزم على استخلاص ذاتية الأفراد من الداخل، بوضع أنفُسنا موضِعَهُم. هذه السوسيولوجيا التفهُّميّة يجسِّدُها ماكس فيبر. تنطلق من مبدإ أنّ ما يشكِّل المادّة الأولى للاجتماعيّ، هو فعل الأفراد، وأنّه لا يمكن فهم هذا الأخير إلا بالوُصول إلى المعنى الذي يمنحُه الأشخاص لهذا الفعل.

أيًّا يكُن المنهج المُتبَنَّى، فإن هدف علماء الاجتماع سيكون دائما بناءُ أدواتٍ للاستقصاء والقياس دقيقةٍ وموثُوقة. اتّسمت بداياتُ الإحصاء الاجتماعيّ بالحرص على قياسٍ صارم. تقليدُ علمِ اجتماعٍ كمّيّ وإمبريقي سوف يستمرّ وسيعرِف ازدهارًا ملحوظًا بعد 1945. تنشيط بعض مراكز البحث (في الولايات المتحدة، بول لازارسفيلد وفريقُه من جامعة كولومبيا)، ضرورة الحُصول على مُعطيات إمبريقيّة بالنسبة للسلطات العُموميّة، ابتكار وتطوُّر تقنيات الاستقصاء (استبيان، استقصاء عبر الاستمارة، وحاليّا طفرة إمكانيات المُعالجة المعلوماتيّة للمُعطَيات) سوف تسهّم في إنشاء عَتادٍ كمّيّ. على الجانب الآخر، جانبِ المُقاربة الكيفيّة والتّفهُّميّة، لن تتوقّف التّقنيات، هنا أيضًا، عن أن تُصبِح أكثر تنوُّعًا وثراءً: مونوغرافيا [=أُفرُودَة]، تحليل المضمون، ديناميّة المجموعة، مقابلة غير موجَّهَة… كان إف. ليبلاي أوّل من سعى إلى استِحداث منهجيّة للمُلاحظة المباشِرة، إثنوغرافيّة ومقارِنة. تيّاراتُ التّفاعُليّة الرّمزيّة، والإثنومِتودولوجيا، أو باحثون أكثر معاصَرَةْ لنا مثل جون-كلود كوفمان يتموضعون ضِمن هذه الرّغبة في استخدام وتحسين وسائل تنقُل صورة الفُروق الدّقيقة للُّعبة الاجتماعيّة بشكل أفضل في بُعدِها التفاعُليّ والموضوعيّ.

تشييد مدوَّنة علميّة

الحرص على القبض على تعقيدات وخصائص الاجتماعيّ عن كثَب يندرج ضمن غرَض آخر: هو غرض بناء معرفة علميّة وعقلانيّة. يؤمن أوغست كونت وإميل دوركايم بالعلم والعقل. بالنسبة لهم، فإنّ علم الاجتماع ينبغي أن ينبَنِي على نموذج العلوم الحقَّة، مثل الكيمياء أو الفيزياء. يهدِف إلى إبراز قوانين اشتغال المجتمعات. في قواعد المنهج في علم الاجتماع (1895)، يعتزِم إميل دوركايم وضع أُسُسِ منظورٍ علميّ للوقائع الاجتماعيّة.

إذا كان هذا التّمثيل العِلمويّ لا يزال مهمًّا في فهم هيكَلة التخصُّص، فإنه لا يلقى اليوم تأييدا واسِعا كما يبيّن ذلك علم الاجتماع الفرنسي المعاصر. سعى بيير بورديو لإثبات أنّ هُناك بنياتٍ كامِنَةً خَلْف الاجتماعيّ. يُجادل (على الأقلّ في الجُزء الأوّل من كتابه) عن تصوُّر صعبِ المُتطلّبات، صارِمٍ تقريبًا، للبناء والمُعالجة العلميّة للموضوع. يختار ريمون بودون أيضا فكرة منهجيّةٍ إمبريقيّة وصارمة، لكنّه يرفُض منظور الأطروحة القانونيّة (ادّعاءُ وضع قوانين اشتغال الاجتماعيّ) فهي بالنسبة له تسلُّطيّة. يُطالب بالاعتراف بفكرة عدم التحديد الجزئي للاجتماعي، لأنّ هذا الأخير، على الأقلّ بشكل جُزئيّ، هو نِتاجٌ لممارسة الأفراد لإرادتهم الحُرّة.

الوظيفة النّقديّة

جسّد الوظيفةَ النّقديّة في بادئ الأمر كارل ماركس. لقد جعل هذا الأخير مؤلَّفَه في خدمة إدانة النّظام الاجتماعي. سيكون للفكر الماركسي تأثير هامٌّ في الواقع على علم الاجتماع، وبخاصّة في فرنسا سنوات 1950 حتّى 1970. تقعُ العديد من التيارات المهمّة الأخرى ضمن منظورٍ للتّفاعُل أو للإدانة: مدرسة فرانكفورت، التّفاعُليّة الرّمزية… عمل بيير بورديو يُعتقَدُ أنّه بالكامل مشروع لرفع الستار، وللكشف عن نظامٍ اجتماعيٍّ مخفيّ. هذه الرّغبة النّقديّة الواقعة في صميم المنهج العلمي نفسِه، لا ينبغي رغم ذلك أن تُماثَل بشكلٍ تامّ بموقف كاتِبِها باعتباره مفكِّرًا مُلتزِمًا.

التّقاليد، والتيّارات، والمؤسّسات

علم الاجتماع ليس علما موحَّدًا: فهو، منذ منشئِه، في مناقشات، مقسَّم إلى عدد كبير من المدارس، وكلّ تاريخه لذلك هو تاريخ أفرادٍ، واستراتيجيّات، وتقاليد، ومؤسّسات.

وُلد علم الاجتماع سنوات 1890-1900، في ثلاث مُهُودٍ مختلفة: فرنسا، وألمانيا، والولايات المتّحدة. هذا الأصل الثُّلاثيّ يُحيل إلى مناهج فكريّة متعارضة بصورةٍ جذريّة. المدرسة الفرنسيّة وُسِمت بشخصيّة إميل دوركايم، بمنظوره التفسيريّ والموضوعانيّ، وانخراط علم الاجتماع في النطاق العامّ للعلم، تحت تأثير نموذج علوم الطبيعة.

التصوُّر الألمانيّ من ناحيةٍ أخرى مزدوج: يميّز بوُضوح علُوم الطبيعة وعُلوم التّفكير، بين التّفسير والفهم. سيكون علم الاجتماع الألمانيّ مع أبَوَيهِ المؤسِّسَيْن ماكس فيبر وجورج سيمل تفهُّميًّا. حيثُما يرى إميل دوركايم « وقائع اجتماعيّة »، يرى ماكس فيبر « نشاطًا اجتماعيّا ». وبالتالي، « العقلانيّة التجريبيّة والطبيعانيّة يشكّلان الأرضيّة التي ينبني عليها البرنامج الدُّوركايميّ؛ والدّلالة والنشاط الاجتماعيّ هو ما ينهض به علم الاجتماع الألمانيّ »[2].

يملِكُ رواد علم الاجتماع الأمريكيّ رؤيةً أكثر براغماتيّة [=تداوُليّة] لتخصُّصِهم: يضطلع بمهمّة التدخُّل، ومعالجة مشاكل ملموسَة بطريقةٍ إمبريقيّة. يُنشِئ ألبيون سمول، مؤسِّس مدرسة شيكاغو، مختبراتٍ، يُطلِق برامج بحث، ينشُر كتبا إرشاديّة، يُطلق صحيفة. وخِلافًا لإميل دوركايم، الذي يملك استراتيجيّةً للمَأْسَسَة، لم يسْعَ ماكس فيبر إلى تأسيس مدرسة، مع أنّ نَسلَهُ هائل. يظلُّ حتّى 1945 لا يُتحدَّث عن المدرسة الفرنسية أو المدرسة الألمانيّة. وينتظِم علم الاجتماع حاليّا حول أقطابٍ أكثر انخِفاضًا.

هذه الملاحظة تنسحب على الولايات المتّحدة، لأنه، ومُنذ سنوات 1930، ينبغي التمييز بين تيّارَين: مدرسة شيكاغو التي تنخرِط في تقليدٍ لعلم الاجتماع الحضريّ الذي يُعطي الأولويّة للمناهج الكيفيّة والمشارِكة؛ ومدرسة كولومبيا، التي تسعى بواسطة الدراسات على نطاقٍ واسع، إلى وصف المجتمع الأمريكيّ، والتي ستُصبِح عاصمة التجريبيّة (empirisme) المُحدَّدة كميًّا (quantificateur). بعد الحرب، يظهر قُطب ثالث، أكثر تركيزًا على التّنظير (تالكوت بارسونز)، في هارفارد.

إذا ما أخذنا الآن حالة فرنسا، ينبغي تذكُّر أنّ التخصُّص مُتَداعٍ تقريبًا في 1945. سيؤدّي دَورُ مُعيدي التّشييد (جون ستوتزل، جورج غورفيتش، جورج فريدمان، ريمون آرون)، وتنشيط وتمويلات السُّلطات العامّة، ولكن أيضًا تردُّد الوسط الأكاديميّ وارتياب التخصُّصات الأخرى (الفلسفة، التاريخ) إلى حقلٍ سوسيولوجيّ خصب، وديناميّ، ومُتّسِم بالإمبريقيّة، ولكن أيضا مكوَّنٍ من تعدُّديّة من الائتلافات والهياكل. تفاقم انطباع بالتجزئة بفعل سيرورة التخصُّص التي نلاحظها: هكذا تطوّر بشكل مستقِلّ علم اجتماعٍ للتّعليم، وعلم اجتماعٍ للعائلة، وعلم اجتماع للمنظَّمات، وعلم اجتماع للثقافة…

خلال سنوات 1980، بقي رغم ذلك الحقل السوسيولوجي الفرنسي موسُوما بأربع تيّارات « مُعترَف بها »، [تدور] حول أربع أعمال رئيسيّة: أعمال بيير بورديو، وأعمال ريمون بودون، وأعمال ميشيل كروزير، وأعمال آلان تورين. سنوات 1990 هي سنوات طمس الانشقاقات والانفتاح على الإسهامات الخارجيّة. أخذ البُعد التفاعُليّ والبنائيّ (المُستمَدّ من تأثيرٍ متصاعِد لكُتّاب مثل جورج سيمل، ونوربرت إلياس، وهوارد بيكر، وإرفينغ غوفمان) يحتلُّ مكانة أكبر على نحوٍ متزايِد. وتُعزِّز إسهامات علم اجتماع المعرفة، والعلوم المعرفية (cognitives)، وظهور باراديجمات جديدة (مثل تحليل الشبكات) في تقطيع أوصال حقل البحث السوسيولوجي أكثر في فرنسا. على الجانب الآخر، هناك خفّت الصراعات بين الهياكل، وهدأت النقاشات.

بعض التساؤلات الرئيسيّة

أيّا كانت الحقبة، وعلى الرغم من التعدُّدية التي تناولناها للتّو، ليست الأسئلة الكُبرى التي يُعالِجُها علم الاجتماع في نهاية المطاف كثيرة العدد. فهي توازي الاهتمامات المقدَّمة أعلاه.

الرباط الاجتماعي

كيف يتّفِق أن الجماعات البشريّة لا تسقُط في العُنف المعمَّم، أو تنفجر إلى عدد لا نهائيّ من المجموعات الصّغيرة (micro-groupes)؟ هذا السؤال واسع الانتشار منذ منشأ التخصُّص. والإجابات المقدَّمة متنوِّعة جدا. هكذا يصِف نوربرت إلياس السيرورة التاريخيّة لـ« تحضُّر أعراف » مجتمعاتنا: العنف، التعبير عن الانفعالات مُلجَمَة تدريجيّا، بل حتّى منفيّة عن الحياة الاجتماعية. بالنسبة لإيرفينغ غوفمان، الرباط الاجتماعيّ يُحافظ على الطّابَع المسرحيّ للحياة المشتركة: حتّى يشتغل المجتمع، يجب على الناس أن « يلعبوا اللُّعبة » ويقبلوا أن يتّخِذوا مكانا فوق الخشبة. بحسب آخرين أيضا، الرباط الاجتماعي ليس شيئا آخر غير نتيجة حسابات وميكانيزمات التبادُلات العقلانيّة بين الأفراد (تيار الاختيار العقلاني).

الحداثة وطبيعتها

إظهار ما يشكِّل جوهر المجتمعات الغربية. أعمال كارل ماركس أو ماكس فيبر هي جِداريّات واسعة تعرِض وصفًا للرّأسماليّة: تاريخُها، اشتِغالُها، مبادئها. منذ سنوات 1970 إلى سنوات 1990، تمّ تمديد هذا الطُّموح: من تحليل مجتمع الاستهلاك (جان بودريار، إدغار موران)، مُرورا عبر مفهوم المجتمع ما بعد الصِّناعي الذي يعود إلى دانييل بيل وآلان تورين، وُصولا إلى مفهوم مجتمع الشّبكات الذي وصفه مانويل كاستلز. اليوم، يفترض علماء اجتماع من قبيل أنتوني غدِنز أو أولريش بيك أننا سقطنا في شكلٍ من الحداثة « راديكاليّة »، والتي تميل إلى إثقال عاتِق الفرد بعِبء مصيره.

الهيمنة والسُّلطة

لماذا يقبل الناس النظام الاجتماعي؟ لماذا يتركون آخرين يُمارسون السلطة نيابةً عنهم؟ كان ماكس فيبر من أوائل من مَنْهَجَ تفكيرا حول هذا السؤال، مع اقتراح تصنيفٍ لأشكال السلطة. من بين علماء الاجتماع المعاصرين، بدون شك بيير بورديو هو من حفر بِعِنادٍ أكبر أُخدود ميكانيزمات الهيمنة باعتبارها ظواهر محوريّة للتنظيم الاجتماعي. ولهذا الغرض، قام بتجديد العُدّة المفاهيميّة: مفاهيمُ الهابتوس (habitus)، والعُنف الرّمزي، والإنسال (reproduction)… هي الآن جُزء من المُعجَم المتداوَل لعلم الاجتماع.

الفعل

ما هي محرِّكات الفعل الإنساني؟ منذ « عودة الفاعل » خلال سنوات 1980، سُبقت الرؤية الدُّوركايميّة (أفعال الناس، إلى حدٍّ كبير، هي نتاج القوى الاجتماعيّة التي تتجاوزُها) بنظريّاتٍ أُخرى.

تُركِّز مقارباتٌ على هامش الحريّة الذي يتوفّر عليه الأفراد، في اختياراتهم، حتّى في نِطاقٍ من القُيود، وتعتبِر أنّ الحياة الاجتماعيّة لا توجَد إلّا من خلال الأفراد الذين يتصرّفون داخلها. تشكِّل الفرديّة المنهجيّة (ريمون بودون)، والتحليل الاستراتيجيّ (ميشيل كروزير) جزءا منها.

تهتمّ تيّارات أُخرى بالتّفاعُلات: يُبنى، عبر لُعبة التبادُلات اليوميّة بين الأشخاص، باستمرارٍ، المُجتمعُ، وقواعِدُه، ومصيرُه. التفاعُليّة الرّمزيّة (هوارد بيكر)، والإثنومِتودولوجيا (هارولد غارفينكل) هي ممثِّلَة لهذا المنهج.

على جانِبٍ ثالث، ثَمَّ أعمالٌ تُشدّد على حُضورٍ، لدى كلّ واحد منا، لتعدُّديّةٍ في نماذج السُّلوك. دراسة السلوكات من ثمَ يتمثّل في تحليل كيف تجري الاختيارات أو الإدارة المتزامِنة لهذه النماذج المختلفة (أعمال برنارد لاهير) أو أنظمة الفعل (فرانسوا دوبيه).

عقل أو لاعقل

هنا أيضا، ماكس فيبر مهّد السبيل، مع تحليله لسيرورة عقلنة العالم الحديث وتصنيفه لأشكال العقلانيّة.

يصنع التصوُّر النّفعي المُستورَد من النظريّة الاقتصادية (لا يتصرّف الناس إلا على أساس الحسابات تكاليف-فوائد) بوّابته إلى علم الاجتماع مع تيّار الاختيار العقلاني (rational choice). لكن هذه الرُّؤية، التي اعتُبِرت تقييديّة وغير واقعيّة بشكل مُفرط، سوف يُطعَن فيها لصالح تمثيلات للعقلانيّة أكثر اتّساعا: وهو مفهوم العقلانيّة المحدودة الذي يرجع إلى هربرت سيمون، واستعاده ميشيل كروزير وإرهارد فرايدبيرغ؛ وهي « الأسباب الوجيهة » التي يحبّها رايمون بودون.

يفنِّد علماء اجتماع آخرون (إدغار موران) فكرة فصل الجانب العقلانيّ للإنسان عن بُعدِه اللاعقلانيّ والانفِعاليّ.

بُنى المجتمع

ما هو مِعمار المجتمعات؟ وكيف تنتظِم؟ في التّقليد الماركسيّ، فإنّ البُنى الماديّة (الاقتصاد، نظام الإنتاج، المِلكيّة) هي التّي تُحدِّد النّظام الاجتماعي.

لاحقا، سوف يستلهِم علماء الاجتماع من الأنثروبولوجيا (الوظيفيّة والبنيويّة) للتّفكير في هذه الإشكالية. تالكوت بارسونز يصف المجتمع باعتباره نظاما مستقرا منظَّما حول أربع وظائف أساسية: التكيُّف، مواصلة الأهداف، الاندماج، حِفظ المعايير.

لكن سؤال البُنى يطرح نفسه أيضا عند وصف المجتمع. لفترة طويلة، يبدو أن الأمر يتراوح بين إما أنه يتألّف قبل كل شيء من طبقات (العُمّال، الفلّاحون، البورجوازيون)، من شرائح، من فئات سوسيومهنيّة. اليوم، إذا لم يكن أحد ينكر التبايُن في الشروط الاجتماعيّة، فإن طُرُقا أُخرى يتمّ توظيفُها لتقسيم أو ملاحظة الأشكال الجديدة للحركيّة الاجتماعيّة.

علم اجتماع بدون مجتمع؟

على صعيد نظري، اليوم، كل شيء يسير كأنّ عُلَماء الاجتماع قد أضاعوا مقاليد المجتمع. كاتب مثل زيجمونت باومان يصِف مجتمعا « سائلا »، في تغيُّر دائم ليُبرِز حقيقة أنّ كل ما يمنح لمجتمعاتنا طابعا مستقرا ويمكن التنبُّؤ به (مؤسسات، تقاليد…) ينمحي، ليُفسِح المجال لعالَم حيث « الشروط التي يتصرّف في ظلّها أعضاؤُه تتغيّر في وقتٍ أقلّ مما تتطلّبُه أنماط الفعل حتّى تتصلّب في عادات وأنشطة روتينيّة »[3]، فيما يقرّر آلان تورين، من جانبه، بأننا لسنا بحاجة إلى فكرة « المجتمع » نفسها. وعموما، يتساءل علماء الاجتماع، كما يفعل ذلك دانيلو مارتوسولي، حول « اتّساق الاجتماعي ».

فضلا عن ذلك، فإن قضية الانعكاسيّة، المرتبطة بقضيّة الفرد الموضوع في صلب الإشكاليّة السوسيولوجية، باتت تحتلُّ مكانا مركزيّا إلى حدٍّ ما في النقاشات. الانعكاسيّة تُشير إلى خُصوصيّةٍ لعصرنا، حيث الإنتاج وحركة المعارف حول الممارسات الاجتماعية تغيّر من هذه الممارساتِ نفسِها (أنتوني غدنز). حسب العديد من الباحثين، يبدو أنها تلعب دورا مفتاحيّا لأجل التميُّز عن المقاربات الكلاسيكيّة في علم اجتماع الفعل.

يبدو أن هذه النقاشات الجديدة تسمح، في الظاهر، بتجاوُز التعارُضات الكلاسيكيّة التي تشكَّل حولها التخصُّص، نحو فردي/جماعي، ذاتي/موضوعي، ميكرو/ماكرو، نظرية/ممارسات… ولكن علم الاجتماع يبقى حقلا مُثارًا، واختلافات عميقة ما تزال قائمة بين مختلف التيارات التي تشكِّله. تشهد على ذلك المجادلات قريبة العهد حول مؤلفات برونو لاتور، الذي يُسائِل حقيقة أن الاجتماعيّ موجود في حدِّ ذاته[4] وحيث أعمالُه مُحَّمَّلة بـ « النسبويّة »، على سبيل المثال، أو لوك بولتانسكي، الذي يحاول[5] تحديد الشروط التي في ظلّها يمكن أن تتصالح سوسيولوجيا نقديّة وسوسيولوجيا النّقد.


المصدر

LA SOCIOLOGIE : Histoire, idées, courants, Ouvrage coordonné par Xavier Molénat, Sciences Humaines Éditions, 2009.

[1] F. Le Play, La Méthode sociale, 1879, cité dans J.-M. Berthelot, La Construction de la sociologie, Puf, 1991.

[2] J.-M. Berthelot, La Construction de la sociologie, op.cit.

[3] La Vie liquide, Le Rouergue/Chambon, 2006.

[4] B. Latour, Changer de société. Refaire de la sociologie, La Découverte, 2006.

[5] De la critique, Gallimard, 2009.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى