فكر وثقافة

نظرية العقد الاجتماعي

  • دايفيد انتونيني
  • ترجمة: نجوى نصر الدين
  • تحرير: نوال السنان

عندما تُعقد اتفاقية ذات أهمية معينة، كإيجار شقة أو الانضمام إلى نادي رياضي أو الطلاق، فإنكَ بذلك تُوافق على شروط معينة أي أنك تُوقع عقدًا؛ وذلك لمصلحتك ومصلحة الطرف الآخر، كما يجب أن تكون توقعات الجميع واضحة، وكذلك عواقب الفشل في تلبية تلك التوقعات.

إن العقود شائعة، وقد جادل بعض المفكرين المُؤثرين في حِقبة الفلسفة الحديثة بأن المجتمع بأسره يتم إنشاؤه وتنظيمه بموجب عقد، وأبرز “منظري العقد الاجتماعي” هما تومس هوبز (1588-1679م) وجون لوك (1632-1704م)، ويشرح هذا المقال أصول هذا التقليد، ولماذا قد يكون مفهوم العقد مُنيرًا للتفكير في بُنية المجتمع والحكومة.

1- حالة الطبيعة والعقد الأول.

لمعرفة سبب سعينا للحصول على عقد تخيَّل لو لم يكن هناك عقد أو اتفاق، فما سيكون عليه المجتمع هو: لا قواعد لا قوانين ولا سلطات، تُسمى هذه بـ “الحالة الطبيعية”.

كيف ستكون الحياة في “حالة الطبيعة”؟

يَعتقد مُعظم الناس أنها ستكون سيئة للغاية، فبالرغم كل شيء لن يكون هناك مسؤولون لمعاقبة أي شخص يرتكب جريمة بحقنا، مما يُؤدي لعدم وجود رادع للسلوك السيئ، وسيكون على كل رجل وامرأة وطفل الدفاع عن أنفسهم.

وصف هوبز الحياة في الطبيعة بأنها مُنعزلة، فقيرة، سيئة، وحشية، وقصيرة، ويصفها لوك بأنها المكان الذي يُمكن أن يكون فيه كل شخص قاضيًا ومتهمًا في نِزاعاته الخاصة؛ مما يعني أن يقرر شخصيًا متى تعرَّض للظلم وكيفية معاقبة الجاني، ومن الواضح أن هذا قد يخرج عن نطاق السيطرة.

تاريخيًا ربما لم نكن في حالة الطبيعة أبدًا، لكن “مُنظري العقد الاجتماعي” يستخدمون هذه الفكرة لشرح لماذا قواعد المجتمع والعقد مرغوبة، إنها تُتيح لنا العيش بسلام مع التأكيد أنه لا يمكن لأحد أن يؤذينا ببساطة أو يأخذ ممتلكاتنا دون عواقب، ويقول منظرو العقد الاجتماعي: أن مُعظم الناس سوف تُبرِم بحرية عقدًا لتأمين هذه الفوائد.

على الرغم من ذلك فإن العقد له بعض التكاليف؛ فللحصول على مزايا المجتمع المُنظم يوافق الجميع على التخلي عن بعض الفوائد التي حصلوا عليها في حالة الطبيعة، يقول هوبز: إنه يجب علينا التخلي عن “حق الطبيعة” أو القدرة على الحكم بأنفسنا على أنفسنا، ويقول لوك: إننا يجب أن نتخلَّى عن الحق في أن نكون قُضاة ومدَّعين في نزاعاتنا.

لنفترض أن الناس يتعاقدون من أجل المنفعة المتبادلة لتشكيل مجتمع ما؛ فما هي تفاصيل هذا العقد؟

2- اتفاقية تشكيل الحكومة.

يحتاج المجتمع المُشكل حديثًا إلى آلية لاتخاذ القرارات، فمن سيضع القواعد ومن سينفذها، فإذا كان المجتمع الجديد سيعمل بسلام يجب عليه إنشاء هذه السلطة.

يقول هوبز: إن سُلطة صُنع القرار الوحيدة يجب أن تكون حاكمًا قديرًا، الذي يُسميه (ليفياثان) أي التنين الذي يحكُم بالقوة بحيث يخاف المواطنون مما قد يفعله بهم، كما يُذكِّر هوبز قُرَّاءه بلهجة تحذيرية أن: العهود/العقود بلا سيف ماهي إلا حبرٌ على ورق، وليست لها قوة لتأمين البشر على الإطلاق.

فالعقد يعني أنك: إما تُطيع الحاكم وقوانينه؛ أو تُعاني من عواقب وخيمة كالسجن أو الموت.

ويعكس اقتراح لوك لإنشاء الحكومة نهجًا أكثر ديمقراطية -بمعنى حكم الأغلبية-، حيث يُوافق كل رجل مع الآخرين بانتخاب هيئة سياسية واحدة في ظل حكومة واحدة، يُطيعون أوامرها وتخضع هي بدورها إلى قرار الأغلبية، وبناءً على ذلك فإن الوظيفة الأساسية للحكومة هي تمرير القوانين من خلال تصويت الأغلبية فيما يتعلق بحماية الحقوق، وخاصة حق المرء في المُلكية: “الغاية الكبرى والرئيسية للرجال الذين يضعون أنفسهم تحت ظل الحكومة هي للحفاظ على ممتلكاتهم”.

الحكومة تتطلبُ منا الخضوع لسلطة شخص آخر، إن طاعتك لحكم شخص آخر يتطلب التضحية؛ فنحن نتخلى عن الحق في سن القوانين وإنفاذها ومعاقبة التجاوزات عليها، ونقوم بنقل هذه الحقوق إلى شخص أو مجموعة تقوم بها بالنيابة عنا، وتُشكل هذه الأنشطة الأساسية الثلاثة: صنع القرار، وإنفاذه، ومعاقبة المخالف؛ الأساس للفروع الثلاثة للحكومة المُشتركة في العديد من البلدان.

3- الختام.

من المحتمل أن يكون العيش بموجب عقد أفضل من العيش في “حالة الطبيعية”، ومع ذلك تبقى التساؤلات.

أولًا نحن عادةً ما نتفق صراحة على العقود، لكننا لم نفعل أي شي من هذا القبيل للمجتمع، وإذا قيل أننا نتفق ضِمنيا هذا يعني أننا اتفقنا دون أن نعلم، يجيب لوك: “الصعوبة هي ما يجب النظر إليه على أنه مُوافقة ضمنية، وإلى أي مدى يجب أن يُنظر إلى أي شخص قد وافق؛ وبالتالي يخضع إلى أي حكومة، حيثُ لم يكن قد أدلى بأي تعبير عن ذلك مطلقا”.

لم نتفق صراحة على أي عقد اجتماعي؛ هل يُوافق المواطنون ببساطة من خلال التمتُع بفوائد الأشياء التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال العيش في المجتمع؟ فمثلا تُعد القدرة على القيادة بالطرق العامة ميزة، لكن هذا ممكن فقط من خلال وجود طُرق تموِّلها الحكومة ما لم يرفض شخص ما القيادة على الطرق العامة، من خلال قبول مثل هذه الميزة؛ فهل تُعد هذه “موافقة” ضمنية؟

يُعتبر مفهوم لوك “للموافقة الضمنية” إشكالية؛ لأنه يَفترضُ الاتفاق على أساس الفوائد التي نتلقاها، مع ذلك فإن الموافقة الصريحة مهمة لأن هذا النوع من الموافقة هو علامة الدخول الطوعي في عقد، غالبا ما تكون الموافقة الصريحة مهمة للغاية -ضع في اعتبارك الموافقة في العلاقات الجنسية-، ولكن لا يتم الحصول عليها أو السعي إليها للمشاركة فيها والانتفاع منها من كونها جزءا من المجتمع.

هناك مشكلة ثانية أعمق في “مفهوم العقد الاجتماعي”، وهي من كان ولايزال خارج العقد؟ من لم يُسمح له بتوقيع العقد أو المساعدة في إنشاء شروطه؟ في العديد من المجتمعات كان استبعاد النساء وغير الأوربيين مقصودًا، ومن المؤكد أن العديد من الأفراد والجماعات من الناس لم يوافقوا على الكثير من سياسات وممارسات العديد من الحكومات سواءً في الماضي أو الحاضر.

أعجبني المقال

المصدر
1000wordphilosophy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى