فكر وثقافة

تبسيط العلوم أم السطحية والتعالم: يوفال نوح هراري

  • دارشانا نارايانان
  • ترجمة: مصطفى هندي

إن نوح هراري -مؤلف الكتب الأكثر مبيعًا- هو في الواقع راوية قصص موهوب، ومتحدث شهير؛ لكنه يضحي بالعلم من أجل الإثارة، وعمله مليء بالأخطاء.

إذا شاهدت مقاطع فيديو ليوفال نوح هراري، مؤلف الكتاب الناجح للغاية “العاقل: تاريخ موجز للبشرية”، سوف ترى أنه يتلقى أكثر الأسئلة إثارة للدهشة.

 “بعد مائة عام من الآن، هل تعتقد أننا سنظل مهتمين بأن نكون سعداء؟” 

– الصحفي الكندي ستيف بايكين، من برنامج “الأجندة مع ستيف بايكين”

  “هل ما أفعل لا يزال ذا مغزى؟ وكيف أستعد لمستقبلي؟” 

– طالبة تدرس اللغات في جامعة أنتويرب

 “في نهاية كتاب العاقل، قلت إننا يجب أن نطرح السؤال، “ماذا نريد أن نريد؟” حسنًا، ما الذي تعتقد أننا يجب أن نريده؟” 

– أحد الجمهور في حوارات TED، بعنوان “القومية مقابل العولمة: الانقسام السياسي الجديد”

 “أنت شخص يمارس تأمل الفيباسانا؛ هل هذا يساعدك على الاقتراب من القوة؟ هل هذا هو المكان الذي تقترب فيه من القوة؟”

 – مدير الجلسة في 2018 India Today Conclave

يتسم أسلوب هراري في هذه المواجهات بطابع السلاسة والرقة، وربما الخجل. في بعض الأحيان، يقول بلطف إنه لا يجيد “العرافة ولا التكهن”، ثم ينتقل بخفة للإجابة على السؤال بثقة تجعلك تتساءل عما إذا كان يجيدها بالفعل. قال هراري لبايكن: بعد مئة عام من الآن، من المحتمل جدًا أن يختفي البشر، وستكون الأرض مأهولة بكائنات مختلفة جدًا مثل السايبورغ والذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه من الصعب التنبؤ “بأي نوع من الحياة العاطفية أو العقلية سوف تتمتع به هذه الكائنات”. كما نصح الطالبة الجامعية بتنويع مهاراتها، لأن سوق العمل في عام 2040 سيكون متقلبًا للغاية. أما في محاورة TED فقد أعلن أننا “نريد أن نعرف الحقيقة”. وقال هراري لـ India Today Conclave، دون أن يبتسم من عبثية السؤال: “أمارس تأمل الفيباسانا لأرى الواقع بشكل أكثر وضوحًا”. وبعد لحظات، قال “إذا لم أتمكن من مراقبة حقيقة أنفاسي لمدة 10 ثوانٍ، فكيف لي أن آمل أن أراقب واقع النظام الجيوسياسي؟”.

إذا لم تكن منزعجًا بعد من هذه الإجابات؛ فربما يزعجك أن تعرف أن من بين “القطيع” المنبهر بهراري بعضٌ من أقوى الناس في العالم وأكثرهم نفوذًا ومالًا، وهم يأتون إليه مثلما كان الملوك القدامى يلجؤون إلى عرافيهم. فقد سأل مارك زوكربرج هراري عما إذا كانت البشرية قد أصبحت أكثر اتحادا أم تشتتا بسبب التكنولوجيا. كما سأله المدير العام لصندوق النقد الدولي عما إذا كان الأطباء سيعتمدون على الدخل الأساسي العالمي في المستقبل. وسأله الرئيس التنفيذي لشركة Axel Springer -إحدى أكبر دور النشر في أوروبا- عما يجب على الناشرين فعله لتحقيق النجاح في العالم الرقمي. وسأله أحد المحاورين من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عن تأثير جائحة كورونا على التعاون العلمي الدولي. لقد جثا هؤلاء -بكل ما يتمتعون به من نفوذ- أمام تلك الفرمانات المتعالمة التي يصدرها هراري بلا روية؛ وهم لم يفعلوا ذلك مع أي خبير في أي مجال من مجالات اهتمامهم، ولكنهم قدموا هذا الولاء لمؤرخ هو -من نواح كثيرة- مخادع؛ والأهم من ذلك كله، أنه متعالم ومزيفٌ للعلم.

***

إن هذه الأوقات عصيبة، وكلنا يبحث عن إجابات لأسئلة دقيقة عن الحياة والموت؛ هل سينجو البشر من الموجات القادمة من الأوبئة وتغير المناخ؟ هل تحوي جيناتنا مفتاحًا لفهم كل شيء عنا؟ هل سينقذنا التقدم التقني أم سيدمرنا؟ إن الرغبة في وجود دليل حكيم -نوعٌ من تلك الإرشادات التي يقدمها الأنبياء بحكمة وثقة بالغة، وتقفز بجرأة عبر تخصصات متعددة لتقديم إجابات بسيطة ومباشرة وواثقة، ثم تربطها جميعًا في قصص شيقة- أمرٌ مفهوم. لكن هل هذا واقعي؟

يخيفني أنّ هذا السؤال، بالنسبة للكثيرين، يبدو غير ذي معنى. يعتبر كتاب هراري الأهم (العاقل) الرائد ملحمة ظهور واضمحلال الأنواع البشرية؛ من بداياتنا المتواضعة كمخلوقات أدنى، إلى المستقبل حيث سننشئ الخوارزميات التي ستطيح بنا وتهيمن علينا. نُشر كتاب العاقل باللغة الإنجليزية في عام 2014، وبحلول عام 2019، كان قد ترجم إلى أكثر من 50 لغة، وبيعت منه أكثر من 13 مليون نسخة. قال الرئيس باراك أوباما في تزكيته الكتاب على CNN في عام 2016 إن كتاب العاقل، مثل أهرامات الجيزة، أعطاه “إحساسًا بالمنظور” حول حضارتنا الاستثنائية. ثم نشر هراري لاحقا اثنين من أكثر الكتب مبيعًا: هومو ديوس: تاريخ موجز للغد (2017) و21 درسا من القرن الحادي والعشرين (2018). ومؤخرًا، بيع من كتبه أكثر من 23 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم. قد يكون هراري محقًا في الادعاء أنه أكثر المثقفين رواجًا في العالم، مبتعدًا بمسافة كبيرة وشاسعة عن أقرب منافسيه، ويكسب مئات الآلاف من الدولارات لكل ندوة يتحدث فيها.

لقد أغوانا هراري، لكن ليس بسبب مصداقيته أو علمه، بل بسبب القوة الناعمة المتمثلة في قدرته الروائية. بصفتي عالمة، أعرف مدى صعوبة تحويل القضايا المعقدة إلى قصص جذابة وفي نفس الوقت دقيقة من الناحية العلمية. وأعرف أيضًا متى يتم التضحية بالعلم من أجل الإثارة. إن يوفال هراري مثال لما أسميه “مبسط علوم”. (عالم النفس الإكلينيكي الكندي واليوتيوبر الناجح جوردان بيترسون مثال آخر). إنّ مبسطي العلوم للعامة هم رواة قصص موهوبون، ينسجون خيوطًا مثيرة حول “حقائق” علمية بلغة بسيطة ومقنعة عاطفيًا. وتخلو رواياتهم إلى حد كبير من الفروق الدقيقة أو الشك، مما يمنحهم جوًا زائفًا من السلطة ويجعل رسالتهم أكثر إقناعًا. ومثل نظرائهم السياسيين، فإن مبسطي العلوم للعامة هم منابع ثرية للمعلومات المضللة. إنهم يروجون لأزمات كاذبة، في الوقت الذي يقدمون أنفسهم فيه على أنهم يملكون كافة الإجابات. إنهم يدركون جيدا إغراء القصة المحكية والمحبوكة جيدًا، ويسعون بلا هوادة لتوسيع قاعدة جمهورهم، غير عابئين بتشويه العلم في سعيهم الحثيث وراء الشهرة والتأثير.

في هذا اليوم وهذا العصر، يعد سرد القصص الجيد أمرًا ضروريًا، ولكنه أكثر خطورة من أي وقت مضى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلم؛ فالعلم اليوم يقف وراء القرارات الطبية والبيئية والقانونية والعديد من القرارات العامة الأخرى، بالإضافة إلى آرائنا الشخصية حول ما يجب توخي الحذر بشأنه وكيفية عيش حياتنا. تعتمد الإجراءات المجتمعية والفردية المهمة على فهمنا الأفضل للعالم من حولنا الآن أكثر من أي وقت مضى، لاسيما والجائحة تضرب جميع منازلنا، والأسوأ يأتي مع تغير المناخ.

حان الوقت لإخضاع هذا “المتنبئ” الشعبوي وأمثاله للنقد والتمحيص الجاد.

***

قد يكون هذا مفاجئًا، لكن الدقة العلمية لعمل يوفال هراري لم تحظ سوى بالقليل من التمحيص من العلماء. قدم مشرف أطروحة هراري، البروفيسور ستيفن جان من أكسفورد – الذي أشرف على بحث هراري حول “مذكرات عصر النهضة العسكرية: الحرب والتاريخ والهوية، 1450-1600” – اعترافًا مذهلاً، وهو أن تلميذه السابق قد تمكن بشكل أساسي من التحايل على عمليات الفحص والتدقيق العلمي. وفي ملف نشرته مجلة New Yorker عام 2020 عن هراري، يفترض جان أن هراري -وتحديدا في كتابه العاقل- “قفز” على نقد الخبراء عن طريق خدعة طرح أسئلة كبيرة جدًا بحيث لا يمكن لأحد أن يضع يده على مكمن الخطأ، “فلا أحد خبير في معنى كل شيء، أو تاريخ كل شيء، على مدى فترة طويلة”.

ومع ذلك، حاولت التحقق من الدقة العلمية لكتاب العاقل؛ الكتاب المسؤول عن شهرة هراري. لقد استشرت الزملاء من أخصائيي علم الأعصاب والبيولوجيا التطورية، ووجدت أن أخطاء هراري عديدة وجوهرية، ولا يمكن تجاهلها باعتبار أنها نقطة في محيط. ورغم أن كتبه تباع على أنها كتابات علمية وليست روايات خيالية، إلا أن بعض أفكاره أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة؛ وكلها سمات معروفة في مبسطي العلوم.

“الجزء الأول: الثورة المعرفية”

كتب هراري عن قفزة جنسنا البشري إلى قمة السلسلة الغذائية، متفوقين على الأسود، فقال:

    “معظم الحيوانات المفترسة على كوكب الأرض هي مخلوقات رائعة. لقد ملأتهم ملايين السنين من الهيمنة بالثقة بالنفس. على النقيض من ذلك، فإن “العاقل” يشبه إلى حد كبير ديكتاتور جمهورية الموز؛ نظرًا لأننا كنا حتى وقت ليس ببعيد أحد الكائنات مستضعفة في سهول السافانا، فإننا نشعر بالمخاوف والقلق بشأن موقعنا في هذه السلسلة، مما يجعلنا قاسين وخطرين بشكل مضاعف”.

يستنتج هراري أن “العديد من الكوارث التاريخية، من الحروب المميتة إلى الكوارث البيئية، نتجت عن هذه القفزة المتسارعة”.

بصفتي عالمة أحياء تطورية، يجب أن أقول إن هذا المقطع يصيبني بالاشمئزاز. ما الذي يجعل بالضبط أسدًا واثقًا من نفسه؟ أهو الزئير العالي؟ سيطرته على سرب من الإناث؟ مخلب قوي؟ هل استنتاج هراري مبني على ملاحظات ميدانية أو تجارب في المختبر؟ (ملحوظة: لا يحتوي النص على أي دليل عن مصادره)؛ هل القلق حقًا يجعل البشر قساة؟ هل يشير إلى أنه لو أخذنا وقتنا في الوصول إلى قمة السلسلة الغذائية، ما كان هذا الكوكب ليشهد حربا أو تغيرا مناخيا من صنع الإنسان؟

يستحضر هذا المقطع مشهدا من فيلم “الأسد الملك” The Lion King  حيث ينظر موفاسا إلى الأفق ويخبر سيمبا أن كل ما يسطع عليه الضوء يقع ضمن مملكته؛ إن حكاية هراري حية وملفتة للنظر، لكنها خالية من أي علم.

بعد ذلك، لننظر في مسألة اللغة؛ يدعي هراري أن “[العديد من] الحيوانات -بما في ذلك جميع أنواع القردة والشمبانزي- لها لغات صوتية”.

لقد أمضيت عقدًا من الزمن في دراسة التواصل الصوتي في حيوانات القردة (من حين لآخر، تضمن تواصلهم معي رش بولهم في اتجاهي) في معهد برينستون لعلوم الأعصاب، حيث حصلت على الدكتوراه، ودرسنا كيف ينشأ السلوك الصوتي من تفاعل الظواهر التطورية والنمائية والعصبية والميكانيكية الحيوية. نجح عملنا في كسر العقيدة القائلة بأن تواصل القرود (على عكس التواصل البشري) مبرمج مسبقًا في رموز عصبية أو جينية. في الواقع، اكتشفنا أن صغار القرود يتعلمون “التحدث” بمساعدة والديهم بطريقة مشابهة للطريقة التي يتعلم بها الأطفال.

ومع ذلك، على الرغم من كل أوجه التشابه بينها وبين البشر، لا يمكن القول بأن القرود لديها “لغة”؛ فاللغة عبارة عن نظام رمزي مرتبط بالقواعد حيث تشير الرموز (مثل الكلمات والجمل والصور وما إلى ذلك) إلى الأشخاص والأماكن والأحداث والعلاقات في العالم؛ ولكنها تستحضر أيضًا الرموز الأخرى وتراجعها داخل نفس النظام (على سبيل المثال، الكلمات التي تعرف كلمات أخرى). يمكن لنداءات الإنذار من القرود وأغاني الطيور والحيتان أن تنقل المعلومات؛ لكننا -كما قال الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرير- نعيش في “بُعد جديد للواقع” أصبح ممكنًا من خلال اكتساب نظام رمزي.

قد يكون للعلماء نظريات متباينة حول كيفية نشوء اللغة، لكن الجميع -من اللغويين مثل نعوم تشومسكي وستيفن بينكر، إلى الخبراء في التواصل بين الرئيسيات مثل مايكل توماسيلو وآصف غضنفر- يتفقون على أنه على الرغم من وجود سلف لها في الحيوانات الأخرى، إلا أن لغة البشر فريدة من نوعها. وهذا المبدأ يُدرّس في مناهج علم الأحياء في جميع أنحاء العالم، ويمكن العثور عليه من خلال بحث Google بسيط.

يعارض زملائي العلماء هراري أيضًا؛ حيث يشير عالم الأحياء هاجالمار توريسون Hjalmar Turesson إلى أن تأكيدات هراري بأن الشمبانزي “يصطادون معًا ويقاتلون جنبًا إلى جنب ضد قرود البابون والفهود وقطعان الشمبانزي المعادية” = لا يمكن أن يكون صحيحة؛ لأن الفهود والشمبانزي لا يعيشون في نفس الأجزاء من إفريقيا. ويقول توريسون: “ربما يخلط هراري بين الفهود والنمور”.

ربما تبدو معرفة الفرق بين الفهود والنمور ليس بهذه الأهمية؛ فإن هراري يكتب بالأساس قصة البشر. لكن أخطاءه -للأسف- تمتد إلى جنسنا البشري أيضًا. في الفصل الذي يحمل عنوان “السلام في عصرنا” من كتاب العاقل، يستخدم هراري مثال شعب الغواراني في الإكوادور ليقول إنه من الناحية التاريخية: “يعود الفضل في أفول العنف إلى حد كبير إلى صعود الدولة”. ويخبرنا أن شعب الغواراني عنيفون لأنهم “يعيشون في أعماق غابات الأمازون، بدون جيش أو شرطة أو سجون”. صحيح أن منطقة الغواراني كانت ذات يوم من بين أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، لكنهم عاشوا في سلام نسبي منذ أوائل السبعينيات. تحدثت إلى أنديرس سمولكا Anders Smolka ، عالم الوراثة النباتية، الذي صادف أنه قضى وقتًا مع الغواراني في عام 2015. ذكر سمولكا أن القانون الإكوادوري لا يطبق في الغابة، وليس لدى الغواراني شرطة أو سجون خاصة بهم؛ ويقول: “إذا كان استخدام الرمح لا يزال مصدر قلق، فأنا متأكد تمامًا من أنني كنت سأسمع بهذه الفكرة؛ لقد كنت هناك متطوعًا في مشروع السياحة البيئية، لذا كانت سلامة ضيوفنا أمرًا بالغ الأهمية”، هنا يستخدم هراري مثالاً ضعيفًا للغاية ليبرر الحاجة إلى دولة بوليسية مشهورة بالعنصرية والعنف.

قد تبدو هذه التفاصيل غير منطقية، لكن كل منها يمثل حجرًا هشًا في البنية الكبرى لما يصوره هراري -كذبًا- على أنه أساس متين. إذا أظهرت القراءة السريعة هذه السلسلة من الأخطاء الجوهرية، أعتقد أن الفحص الأكثر شمولاً سيؤدي إلى أخطاء بالجملة.

غالبًا لا يصف هراري ماضينا فحسب؛ إنه يتنبأ بمستقبل البشرية نفسها. يحق للجميع بالطبع التكهن بمستقبلنا. لكن من المهم معرفة ما إذا كانت هذه التكهنات تصمد أمام التدقيق العلمي، خاصة إذا كان من بين جمهور المؤلف نخب صنع القرار لدينا؛ كما هو الحال مع هراري. إن التوقعات الكاذبة لها عواقب وخيمة؛ فيمكن أن تضلل الآباء الذين يأملون في الاعتقاد بأن الهندسة الوراثية ستقضي على التوحد، كما يمكن أن تؤدي إلى ضخ مبالغ طائلة في مشاريع فاشلة، أو تتركنا غير مستعدين بشكل يرثى له لتهديدات مثل الأوبئة.

الآن، إليكم ما قاله هراري عن الأوبئة في كتابه “تاريخ موجز للغد” الصادر عام 2017:

    “لذلك؛ عند مواجهة الكوارث مثل الإيدز والإيبولا، تميل المقاييس لصالح البشرية… ولذلك فمن المحتمل أن تستمر الأوبئة الكبرى في تعريض البشرية للخطر في المستقبل فقط إذا أوجدتها البشرية نفسها، خدمة لأيديولوجية غاشمة. ربما يكون العصر الذي وقفت فيه البشرية عاجزة قبل الأوبئة الطبيعية قد انتهى، لكننا من الممكن أن نفقد لهذه القدرة”.

أتمنى لو فقدنا هذه القدرة؛ لقد مات أكثر من 6 ملايين منا في جائحة كورونا وفقًا للإحصائيات الرسمية، مع بعض التقديرات التي تشير إلى أن العدد الحقيقي يتراوح بين 12 و22 مليون. وسواء كنت تعتقد أن السارس أو الكوفيد -أو أيا ما كان الفيروس المسؤول عن الوباء- جاء مباشرة من البرية، أو من معهد ووهان لعلم الفيروسات = يمكننا أن نتفق جميعًا على أن الوباء لم ينشأ “خدمةً لأيديولوجية غاشمة”.

لو حاول هراري أن يرتكب خطأ أكبر في هذا المقطع، ما استطاع. ومع ذلك، استمر -باعتباره مبسط علوم ناجح- في تقديم خبرته المتعالمة من خلال الظهور في العديد البرامج والقنوات أثناء الجائحة، فقد ظهر على شاشة NPR متحدثًا عن “كيفية معالجة الوباء والأزمة الاقتصادية الناتجة عنه”. وظهر في برنامج كريستيان أمانبور لتسليط الضوء على “الأسئلة الرئيسية الناشئة عن تفشي فيروس كورونا”. ثم انتقل إلى بي بي سي نيوزنايت ليقدم “منظورًا تاريخيًا حول فيروس كورونا”. وتحول إلى بودكاست سام هاريس، ليخبرنا عن “الآثار المستقبلية للكوفيد”. كما وجد هراري أيضًا وقتًا للظهور على قناة إيران الدولية مع صادق سابا، وفي سلسلة “الهند اليوم” الإلكترونية حول تداعيات جائحة كورونا، وعدد كبير من القنوات الإخبارية الأخرى حول العالم.

مستغلا الفرصة للترويج لأزمة زائفة -وهي سمة أساسية أخرى لمبسطي العلوم- أعطى هراري تحذيرات رهيبة من “المراقبة السرية” (مفهوم مقلق باعتراف الجميع)؛ وقال: “كتجربة فكرية، فكر في حكومة افتراضية تطالب كل مواطن بارتداء سوار بيومتري يراقب درجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب على مدار 24 ساعة في اليوم”. ويقول إن الجانب الإيجابي لهذه الرقابة أنه من المحتمل أن تستخدم الحكومة هذه المعلومات لوقف الوباء في غضون أيام. أما الجانب السلبي هو أنه يمكن أن يمنح الحكومة نظام مراقبة محسنًا ومتقدما جدا، لأنه “إذا كان بإمكانك مراقبة ما يحدث لدرجة حرارة جسدي وضغط الدم ومعدل ضربات القلب أثناء مشاهدة مقطع الفيديو، يمكنك معرفة ما يجعلني أضحك، وما الذي يجعلني أبكي، وما يجعلني غاضبًا حقًا”.

إن العواطف البشرية وتعبيراتنا عن العواطف ذاتية للغاية ومتغيرة. وهناك اختلافات ثقافية وفردية في الطريقة التي نفسر بها أحاسيسنا. ولا يمكن الاستدلال على عواطفنا فقط من خلال التغيرات الفسيولوجية المجردة من المعلومات السياقية (يمكن لمقابلة عدو قديم، أو عاشق جديد، والكافيين أن يجعل قلبنا يدق بقوة). هذا صحيح حتى لو رصدت قياسات فسيولوجية أكثر شمولاً من درجة حرارة الجسم وضغط الدم ومعدل ضربات القلب. حتى أنه يظل صحيحًا عند مراقبة حركات الوجه. لقد وجد علماء مثل عالمة النفس ليزا فيلدمان باريت أنه على عكس الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة؛ فحتى المشاعر مثل الحزن والغضب ليست عالمية. توضح باريت أنه “ليس لحركات الوجه معنى عاطفي متأصل في قراءتها مثل الكلمات الموجودة على الصفحة”، وهذا هو السبب في أننا لم نتمكن من إنشاء أنظمة تكنولوجية يمكنها أن تستنتج ما تشعر به أنت أو أشعر به في لحظة معينة (وهو السبب وراء أننا قد لا نتمكن أبدًا من بناء هذه الأنظمة).

إن ادعاءات هراري باطلة من الناحية العلمية، لكن لا يمكن تجاهلها؛ يقول زميلي عالم الأعصاب أحمد الهادي “نحن نعيش في رمز بانورامي رقمي”؛ فالشركات والحكومات تراقبنا باستمرار. إذا سمحنا لأشخاص مثل هراري بإقناعنا بأن تقنيات المراقبة يمكن أن “تعرفنا بشكل أفضل مما نعرف أنفسنا”، فإننا في خطر السماح للخوارزميات بالتحكم بنا. وهذا له تداعيات أسوأ في العالم الحقيقي، مثل تحديد من هو القابل للتوظيف أو من يشكل خطرًا أمنيًا بناءً على المصداقية والدقة المفترضة للخوارزمية.

تستند تخمينات هراري باستمرار إلى فهم ضعيف للعلم؛ فتنبؤاته لمستقبلنا البيولوجي، على سبيل المثال، تستند إلى وجهة نظر للتطور متمركزة حول الجينات؛ وهي طريقة تفكير هيمنت (للأسف) على الخطاب العام بسبب شخصيات عامة مثله. تقدم مثل هذه الاختزالية نظرة تبسيطية للواقع، والأسوأ من ذلك أنها تنحرف بشكل خطير إلى منطقة علم تحسين النسل (اليوجينيا).

***

كتب هراري في الفصل الأخير من كتاب العاقل:

 “لماذا لا نعود إلى “نموذج الخالق” وتقديم تصميم أفضل للعاقل؟ إن قدرات واحتياجات ورغبات الإنسان العاقل لها أساس وراثي؛ وجينوم العاقل ليس أكثر تعقيدًا من الفئران (يحتوي جينوم الفأر على حوالي 2.5 مليار قاعدة نووية، وجينوم العاقل حوالي 2.9 مليار قاعدة، وهذا يعني أن الأخير أكبر بنسبة 14 في المائة فقط) …إذا كانت الهندسة الوراثية قادرة على خلق فئران عبقريّة، فلماذا لا تكون قادرة على خلق بشر عباقرة؟ إذا كان بإمكانها إنشاء فئران أحادية الجنس، فلماذا لا يصمم دماغ البشر بحيث يظلون مخلصين لشركائهم؟”.

سيكون من المفيد حقًا أن تكون الهندسة الوراثية عصا سحرية؛ بحيث يمكن للنقرات السريعة أن تحول سكان الأرض إلى شركاء مخلصين، وتجعل الجميع بمستوى ذكاء أينشتاين. لكن هذا ليس هو الحال للأسف. لنفترض أننا نريد أن نصبح فصيلة غير عنيفة؛ فقد اكتشف العلماء أن النشاط المنخفض لجين أوكسيديز أحادي الأمين (MAO-A) مرتبط بالسلوك العدواني والجرائم العنيفة، ولكن في حالة ما إذا كان لدينا إغراء “العودة إلى نموذج الخالق وتقديم تصميم أفضل للإنسان العاقل” (كما يقول هراري إن ذلك ممكنا)، فليس كل من لديه نشاط MAO-A منخفض يمارس العنف بالضرورة، ولا كل من لديه نشاط MAO-A مرتفع غير عنيف. غالبًا ما يصبح الأشخاص الذين نشؤوا في بيئات شديدة الإيذاء عدوانيين، بغض النظر عن جيناتهم. يمكن أن يؤدي ارتفاع نشاط MAO-A إلى حمايتك من هذا المصير، لكنه ليس أمرًا ضروريا. على العكس من ذلك، عندما ينشأ الأطفال في بيئات محبة وداعمة -حتى أولئك الذين لديهم نشاط منخفض لجين MAO-A – فإنهم يزدهرون في كثير من الأحيان.

إن جيناتنا ليست الأيدي التي تتحكم في حركاتنا كما لو كنا دمى بخيوط، حتى يتصور أنه من الممكن لها أن تسحب الخيط الصحيح في الوقت المناسب للتحكم في الأحداث التي نعيشها. عندما يكتب هراري عن تغيير علم وظائف الأعضاء لدينا، أو “هندسة” البشر ليكونوا مخلصين أو أذكياء = فإنه يتخطى العديد من الآليات غير الجينية التي تشكل هويتنا.

على سبيل المثال، حتى الأشياء التي تبدو متشابكة مثل علم وظائف الأعضاء لدينا -كانقسام الخلايا، وحركتها وانتظامها في أنسجة وأعضاء- لا تتم هندستها بواسطة الجينات وحدها. في الثمانينيات، أجرى العالم جي إل ماركس سلسلة من التجارب على Xenopus (ضفدع مائي موطنه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى) ووجد أن الأحداث الفيزيائية الحيوية (مثل التفاعلات الكيميائية في الخلايا، والضغوط الميكانيكية داخل الخلايا وعلى الخلايا، والجاذبية) يمكنها تشغيل الجينات وإيقافها، ومن ثم تحديد مصير الخلية. وخلص إلى أن أجسام الحيوانات ناتجة عن رقصة معقدة بين الجينات وتغير الأحداث الجسدية والبيئية.

عند القراءة لشخص مثل هراري، قد يعتقد المرء أن سلوك الأطفال حديثي الولادة مثلا تهيمن عليه جيناتهم بشكل حصري تقريبًا، نظرًا لأن الأطفال ليس لديهم تقريبًا أي “تنشئة” يمكن التحدث عن أثر لها. لكن تظهر الأبحاث أن الأطفال بعمر ستة أشهر المولودين لأمهات شربن الكثير من عصير الجزر في الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحمل، استمتعن بحبوب الدواء بنكهة الجزر أكثر من الأطفال الآخرين. يحب هؤلاء الأطفال نكهة الجزر، وهذا ليس بسبب جينات “حب الجزر”. فعندما ترضع الأمهات (البيولوجية أو الحاضنة) أطفالهن رضاعة طبيعية، تنعكس مذاقات الأطعمة التي تناولوها في حليب الأم، ويطور أطفالهم تفضيلاً لهذه الأطعمة. ومن ثم “يرث” الأطفال تفضيلات الطعام من سلوك أمهاتهم.

على مدى أجيال، طُلب من الأمهات الجدد في كوريا أن يشربن أوعية من حساء الأعشاب البحرية، وطلب من النساء الصينيات طهي أقدام الخنازير بالزنجبيل والخل بعد الولادة بفترة وجيزة. يستطيع الأطفال الكوريون والصينيون أن يرثوا تفضيلات الذوق الخاصة بثقافة معينة دون الحاجة إلى جينات “أكل الزنجبيل” أو “الرغبة في الخل”.

في هذا العالم الحديث -بغض النظر عن المكان الذي نعيش فيه- نستهلك السكريات المصنعة. يمكن أن يؤدي اتباع نظام غذائي عالي السكر لفترات طويلة إلى أنماط الأكل غير الطبيعية والسمنة. استخدم العلماء نماذج حيوانية واكتشفوا آلية جزيئية يحدث من خلالها ذلك. تعمل الأنظمة الغذائية عالية السكر على تنشيط مركب بروتيني يسمى PRC2.1، والذي ينظم بعد ذلك التعبير الجيني لإعادة برمجة الخلايا العصبية للتذوق وتقليل الإحساس بالحلاوة، مما يؤدي إلى حبس الحيوانات في أنماط التغذية التي تعرقل قدرتها على التكيف. هنا تعمل العادات الغذائية على تغيير التعبير الجيني -مثال على “إعادة البرمجة اللاجينية”- مما يؤدي إلى اختيارات غذائية غير صحية.

التنشئة تشكل الطبيعة، والطبيعة تشكل التنشئة؛ فالقسمة ليست ثنائية؛ إنها أشبه بشريط موبيوس، الذي تتصل نهايته ببدايته. إن حقيقة كيفية ظهور “قدرات واحتياجات ورغبات الإنسان العاقل” هي أكثر تعقيدًا (وأناقة!) مما يصوره هراري.

يقول عالمًا الوراثة إيفا جابلونكا وماريون جي:

“إن فكرة وجود جين للمغامرة أو أمراض القلب أو السمنة أو التدين أو الشذوذ الجنسي أو الخجل أو الغباء أو أي جانب آخر من جوانب العقل أو الجسم = لا مكان لها على منصة الخطاب الجيني. رغم أنّ العديد من الأطباء النفسيين وعلماء الكيمياء الحيوية وغيرهم من العلماء غير المتخصصين في علم الوراثة (لكنهم يعبرون عن آرائهم في القضايا الوراثية بثقة منقطعة النظير) ما زالوا يستخدمون لغة الجينات كعوامل سببية بسيطة، ويعدون جمهورهم بحلول سريعة لجميع أنواع المشاكل، إلا أن الأمر ليس كذلك. إنهم ليسوا أكثر من عوام يجب أن تكون معرفتهم أو دوافعهم موضع شك”.

تظل دوافع هراري غامضة. لكن أوصافه للبيولوجيا (والتنبؤات حول المستقبل) تسترشد بأيديولوجية سائدة بين تقنيي وادي السيليكون -مثل لاري بيج وبيل جيتس وإيلون ماسك وآخرين. قد يكون لديهم آراء مختلفة حول ما إذا كانت الخوارزميات ستنقذنا أو تدمرنا. لكنهم يؤمنون بالقوة الهائلة للحسابات الرقمية؛ يقول ماسك في مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز عام 2020: “نحن نتجه نحو وضع يكون فيه الذكاء الاصطناعي أذكى من البشر، وأرى أن هذا المستقبل لا يبعد عنا حاضرنا بأكثر من خمس سنوات”. ماسك مخطئ؛ لن تأخذ الخوارزميات جميع وظائفنا، أو تحكم العالم، أو تضع حدًا للإنسانية في أي وقت قريب (إن وجدت)؛ يقول المتخصص فرانسوا شوليت عن إمكانية وصول الخوارزميات إلى الاستقلالية المعرفية: “اليوم وفي المستقبل المنظور، هذا ليس سوى خيال علمي”. من خلال ترديد روايات وادي السيليكون، يروج هراري مرة أخرى لأزمة زائفة. والأسوأ من ذلك، أنه يصرف انتباهنا عن الأضرار الحقيقية للخوارزميات والقوة المطلقة لصناعة التكنولوجيا.

في الفصل الأخير من “موجز تاريخ الغد”، يخبرنا هراري عن دين جديد؛ “دين البيانات”، وممارسو هذا الدين -“خبراء البيانات”، كما يسميهم – ينظرون إلى الكون بأسره على أنه تدفقات من البيانات. إنهم يرون جميع الكائنات الحية على أنها معالجات بيانات كيميائية حيوية، ويعتقدون أن “المهنة الكونية للبشرية” هي إنشاء معالج بيانات شامل المعرفة وقادر على فهمنا بشكل أفضل مما يمكننا فهم أنفسنا. الاستنتاج المنطقي لهذه القصة -كما يتوقع هراري- أن الخوارزميات ستتولى السلطة على جميع جوانب حياتنا؛ سيقررون من نتزوج، وما المهن التي تناسبنا، وكيف سنُحكم. (وادي السيليكون -كما يمكنك أن تتخيل- هو كنيسة دين البيانات).

يقول هراري -معيدًا صياغة بيانات علماء البيانات- “إن الإنسان العاقل خوارزمية عفا عليها الزمن”؛

 “فمهما يكن من أمر؛ ما هي ميزة البشر على الدجاج؟ فقط تلك المعلومات لدى البشر تتدفق في أنماط أكثر تعقيدًا بكثير من الدجاج. يمتص البشر المزيد من البيانات ويعالجونها باستخدام خوارزميات أفضل. حسنًا، إذا تمكنا من إنشاء نظام معالجة بيانات يمتص بيانات أكثر من الإنسان، ويقوم بمعالجتها بشكل أكثر كفاءة، ألن يكون هذا النظام أفضل من الإنسان بنفس الطريقة التي يتفوق بها الإنسان على الدجاجة؟”

لكن الإنسان ليس دجاجة منتفخة، كما أنه ليس بالضرورة أفضل من الدجاجة من جميع النواحي. في الواقع، يمكن للدجاج “امتصاص بيانات أكثر” من البشر، و “معالجتها بشكل أفضل”؛ على الأقل في مجال الرؤية. تحتوي شبكية العين البشرية على خلايا مستقبلة للضوء حساسة للأطوال الموجية باللون الأحمر والأزرق والأخضر. بينما تحتوي شبكية عين الدجاج على هذه الخلايا، بالإضافة إلى الخلايا المخروطية للأطوال الموجية البنفسجية (بما في ذلك بعض الأشعة فوق البنفسجية)، بالإضافة إلى المستقبلات المتخصصة التي يمكن أن تساعدهم على تتبع الحركة بشكل أفضل. كما أن أدمغتهم مجهزة لمعالجة كل هذه المعلومات الإضافية. إن عالم الدجاج تمتزج فيه روعة تقنية الألوان بطريقة لا يمكننا حتى فهمها. وجهة نظري هنا ليست أن الدجاج أفضل من الإنسان – فهذه ليست منافسة – ولكن الدجاج فريد أيضًا، بنفس الطريقة التي نتفرد بها نحن كـ”بشر”.

لا الدجاج ولا البشر مجرد خوارزميات؛ إن أدمغتنا لها جسد، وهذا الجسد يقع في عالم. تظهر سلوكياتنا بسبب أنشطتنا الدنيوية والجسدية. والكائنات الحية ليست مجرد استيعاب ومعالجة تدفقات البيانات من بيئتنا؛ نحن نعمل باستمرار على تغيير وإنشاء بيئاتنا، وبيئات بعضنا البعض، وهي عملية تسمى “البناء المتخصص” في علم الأحياء التطوري. عندما يبني القندس سدًا فوق مجرى مائي، فإنه يخلق بحيرة، ويتعين على جميع الكائنات الحية الأخرى الآن أن تعيش في عالم به بحيرة. تستطيع القنادس إنشاء أراضٍ رطبة تستمر لقرون، مما يؤدي إلى تغيير ضغوط الانتقاء التي يتعرض لها أحفادهم، مما قد يتسبب في حدوث تحول في العملية التطورية. يتمتع الإنسان العاقل بمرونة منقطعة النظير؛ فلدينا قدرة غير عادية على التكيف مع بيئاتنا، وكذلك تعديلها. إن أفعالنا في الحياة لا تفرقنا فقط عن الخوارزميات؛ إنها تجعل من شبه المستحيل على الخوارزميات أن تتنبأ بدقة بسلوكياتنا الاجتماعية، مثل من سنحبه، ومدى تحسن أدائنا في الوظائف المستقبلية، أو ما إذا كان من المحتمل أن نرتكب جريمة.

هراري حريص على تصوير نفسه ككاتب موضوعي؛ إنه يجتهد ليخبرنا أنه يقدم وجهة نظر علماء البيانات، وليس وجهة نظره هو. لكنه بعد ذلك يفعل شيئًا متسترًا جدًا؛ يقول إن وجهة نظر عالم البيانات “قد تصدمك كمفهوم هامشي غريب الأطوار، لكنه في الواقع قد غزا معظم المؤسسة العلمية”؛ عند تقديم وجهة نظر عالم بيانات Dataist للعالم على أنها قطعية (بعد أن “استولت على معظم المؤسسات العلمية”)، يخبرنا هراري بأنه من الصحيح والموضوعي أن البشر مجرد خوارزميات، وأن مسيرتنا نحو الزوال -كمتلقين سلبيين للقرارات التي تتخذها خوارزميات أفضل- أمر لا مفر منه، لأنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإنسانيتنا. وعند الانتقال إلى الحاشية السفلية التي تسرد المراجع التي تدعم هذا البيان الشامل، نجد أنه من بين الكتب الأربعة التي يستشهد بها هراري، ثلاثة منها كتبها أشخاص ليسوا علماء وهم منتج موسيقي، ومسؤول توقع الصيحات الرائجة trendcaster، وناشر مجلة.

لا يوجد شيء محدد سلفا بشأن مصير البشرية؛ إن استقلاليتنا تتآكل ليس بسبب الكارما الكونية، ولكن بسبب نموذج اقتصادي جديد اخترعه Google وطوره Facebook؛ شكل من أشكال الرأسمالية وجد طريقة للتلاعب بنا لأغراض جني الأموال. أعطت عالمة الاجتماع شوشانا زوبوف هذا النموذج الاقتصادي اسم “رأسمالية المراقبة”. حيث تعمل شركات المراقبة الرأسمالية – Google و Facebook و Amazon و Microsoft وغيرها – على إنشاء المنصات الرقمية التي نعتمد عليها بشكل متزايد للعيش والعمل واللعب. إنهم يراقبون أنشطتنا عبر الإنترنت بتفاصيل مذهلة ويستخدمون المعلومات للتأثير على سلوكياتنا من أجل تعظيم أرباحهم. كمنتج ثانوي، ساعدت منصاتهم الرقمية في إنشاء غرف صدى أدت إلى إنكار للتغير المناخي واسع النطاق، وشكوك علمية، واستقطاب سياسي. من خلال تسمية العدو، ووصفه بأنه اختراع من البشر – وليس حقيقة من حقائق الطبيعة أو حتمية تكنولوجية – تمنحنا زوبوف طريقة لمحاربته. كما يمكنك أن تتخيل ، فإن زوبوف -على عكس هراري- ليست شخصية محبوبة في وادي السليكون.

في أكتوبر من عام 2021، أصدر هراري الجزء الثاني من المحاكاة الرسومية لكتابه العاقل. سيأتي بعد ذلك كتاب العاقل للأطفال بعنوان Sapiens Live، وهو تجربة غامرة، وبرنامج تلفزيوني متعدد المواسم مستوحى من الكتاب. إن متنبئنا الشعبوي لا يكل في بحثه عن أتباع جدد؛ ومعهم يفتح آفاقا جديدة من الشهرة والتأثير.

لقد أغوانا هراري بسرد قصته، لكن نظرة فاحصة على سجله تُظهر أنه يضحّي بالعلم من أجل الإثارة، وغالبًا ما يرتكب أخطاءً جسيمة في سرد فكرته، ويصور ما يجب أن يكون تخمينيًا على أنه مؤكد ويقيني. والأساس الذي يبني عليه تصريحاته غامض، لأنه نادرًا ما يقدم هوامش أو مراجع كافية، وشحيح بشكل ملحوظ في الاعتراف بالمفكرين الذين صاغوا الأفكار التي يذكرها، ويقدمها على أنها أفكاره الخاصة. والأخطر من ذلك كله، أنه يعزز سرديات رأسماليي المراقبة، ويمنحهم تصريحًا مجانيًا للتلاعب بسلوكياتنا بما يتناسب مع مصالحهم التجارية. لإنقاذ أنفسنا من هذه الأزمة الحالية، والأزمة التي تنتظرنا، يجب أن نرفض بقوة العلم الشعبوي الخطير الذي يقدمه يوفال نوح هراري.

أعجبني المقال

المصدر
currentaffairs.orgIllustrations by John Biggs

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى