عام

سَلْعَنةُ الذات؛ صناعة الجمال

  • محمد السعيد

في كتابه: “الصورة والجسد” يذكر الباحث محمد حسام إسماعيل أنه ومنذ العهود الأولى للرأسمالية الصناعية تم تطوير نظرة أفلاطونية للجمال، حيث يطغى ويقهر نموذجٌ جمالي مستحيل التحقق للمرأة في المجتمع الغربي، والشرقي على نحوٍ أقل، مقدماً لها المعايير الذكورية للتصرف والسلوك، ليس على مستوى الشكل فقط، ولكن على المستوى النفسي أيضاً. وتعمل وسائل الإعلام على ترويج أسطورة الجمال هذه، والتي بواسطتها يخدع الشكل الوظيفة فاصمًا المرأة عن حقيقة ذاتها، وعن غيرها من النساء، تاركاً إياهن ممزقات متفرقات بلا حول ولا قوة، مجرد «أشياء» جمالية يتم التحديق فيها وتأملها.

صناعة الجمال:

وشيئاً فشيئاً تغدو أسطورة الجمال هاجساً يقضُّ مضاجع النساء والرجال على حدٍ سواء -وإن كان وقعُها على الأنثى أشدّ وأعمق -وتكتسب الخرافة بُعداً اجتماعياً لتتحول إلى قواعد ومبادئ ومعايير يُقاسُ بها جمال المرأة، ومهما سعت في اكتسابها فالنقص دائماً موجود، كما أن مقارنة النفس مع المعايير المحدّدة بقوام عارضة الأزياء أو مظهر الممثل الفاتن نتيجته الفشل والإخفاق على الأرجح.

وتطور نموذج الجمال المثالي أو أسطورة الجمال تم بفعل تحرّر المرأة في المجتمعات الرأسمالية الصناعية من القيود المادية التي تحد من استقلالها، بيد أن هذه المجتمعات الذكورية خافت من تحرر المرأة وفكرت في نوع جديد من التحكم الاجتماعي فكانت «أسطورة الجمال» المسؤولة عن معظم الأمراض الاجتماعية في الغرب كأمراض التغذية، والمواد الإباحية، والاغتصاب، والتحيز ضد المرأة، وجراحات التجميل، ومعايير الإعلان والأزياء.[1]

وإن كانت الرأسمالية قد طورت نظرة أفلاطونية للجمال، إلا أن لهذه النظرة أصلٌ يعود إلى حقبة الحداثة ونزع السحر عن العالم، فمع انتقال الحضارة الغربية إلى مرحلة جديدة أُنزِل فيها الدين إلى أدنى مستوياته حتى أُقصي عن الحياة، ورُفِع فيها العلم حتى طغى على كل شيء، فتم تعريف الإنسان على ضوء هذا التحول ببُعدِهِ المادي فقط، وهُنا تحول الجسد إلى مَعْلَمٍ جديد أٌعيد اكتشافه وتقديمه بما يُناسب المرحلة الجديدة المُتحدِّدة بالسوق الاقتصادية والرغبات الفردانية وشكل الدولة الحداثية الجديد. ونقتبس هُنا كلمات جان ليوتار، الفيلسوف الفرنسي، المُعِّبرة عن شيءٍ من التحول المقصود فيما أشار إليه بقوله: لقد أصبح الجسد أصل الفلسفة وأصل كل النشاطات الإنسانية.

ولا نرى أفضل، لشرح معنى أن يكون الجسد أصل النشاطات الإنسانية، من عالم الاجتماع البولندي، زيگمونت باومان فيما كتبه في كتابه “الحياة السائلة” ذو العنوان المهم على هشاشة المشهد الحياتي اليوم، يقول باومان: ينتقل سحر النزعات الحسية الجسدية، والنشوة الجسدية والمتع والملذات، إلى صدارة المشهد في سياسة الحياة باعتباره غايتها النهائية، ومن ثمَّ يوضع الجسد في مكانة فريدة لا يُضاهيها أي دور أسند إلى أي كيان آخر في عالم الحياة

 

مجتمع الصورة:

تنهال علينا الصور كوابل من النار، إذ نتعرضُ للمئات منها يومياً، في البيت والشارع وفي محطات المترو وطوابير الانتظار وفي الساحات العامة وفي كل مكان، وطِبقاً لما تحمله الصورة من رموز وإشارات وقيم ودلالات ورسالة تعمل على تمريرها يتم تشكيل المخيال المجتمعي والرأي العام واللاوعي الباطني للفرد.

بهذا الشكل تَوظّف الصورة كما يُشير مصطفى حجازي، عالم النفس اللبناني، لتمرّر رسالتها، فتنتهك بذلك حياة الإنسان عامها وخاصها، ولا تُقيمُ له أدنى اعتبار. ومن بين الآليات التي تشتغل عليها الصورة الإعلامية كما يرى الدكتور حجازي: توظيف الجسد في الخطاب الإعلامي، لكونه المكون الأساس للشخصية الإنسانية، فهو يحمل عدة دلالات، وله حضور قوي في تطور الحضارة الإنسانية.

تُعيد الثقافة الجماهيرية اليوم تعريف الجسد الأنثوي وفقاً لصفات مُحددة وقوالب جاهزة: قوام ممشوق وقَدٍ نحيف بشكل مُفرِط، وشفاه ممتلئة وأسنان لؤلؤية وأنف صغير مدبب وعيون كبيرة، وغير ذلك من المواصفات الخيالية، الإباحية في حقيقتها، مستحيلة الوجود والتحقق في الإنسان الطبيعي بأجمعها، المُتحقِّقة بواسطة التقنيات الحديثة وأدوات الرسم والتعديل وجراحي التجميل. ويُروج لهذا الشكل الخيالي باستخدام الدعاية والإعلان وتغزو صوره المجتمع بأكمله، فلا تكاد تقطع شارعاً أو تفتح صفحة على الويب حتى يبرز لك ذلك الوجه الفاتن والقوام الساحر، ومن ثُمَّ يُعاد المشهد مراراً وتكراراً ليرسخ باللاوعي الفردي والمجتمعي ليغدو أكبر أحلام الذكر والأنثى على حدٍ سواء، وهُنا تتحرك رغبة الشراء والاستهلاك لتحقيق الحلم والفوز به.

 

إنسان الاستهلاك:

عند هذه النقطة يدخل الشق الاقتصادي للرأسمالية المتعاظمة بسوقها الجشع، وفقاً لما يراه عبد الوهاب المسيري، المفكر المصري، فقد “نشأت عدة صناعات رؤوس أموالها بلايين الدولارات ركزت بالذات على المرأة. فشركات مستحضرات التجميل جعلت المرأة هدفاً أساسياً لها، فمن خلال آلاف الإعلانات، يولد في المرأة إحساس بأنها إن لم تستخدم الكثير من المساحيق والعطور والكريمات ستفقد جاذبيتها، وجاذبية المرأة في الصورة الإعلامية اليوم تعني جمالها. وبعد ترسيخ هذه القناعة تماماً في وجدان الإناث يتم تغيير المساحيق كل عام، ويطلب من المرأة أن تغير وجهها لتصبح «جديدة دائمًا»، «مرغوبة أبدًا»، وهكذا تصبح المرأة سوقاً يتجدّد فيه الطلب على الدوام.

تُعيد الصورة والإعلانات التجارية اليوم تعريف الإنسان وتقديمه في قالب يَقصِرهُ على مظهره الخارجي فقط، أي في حدود جسده المادي، وربما هذا هو ما تسعى إليه القِلة المسيطرة على ثروات العالم، أصحاب السوق والقطاعات الصناعية الكبرى؛ إذ إن الإنسان الذي لا يَعرِف من نفسه سوى جسده المادي هو إنسانٌ استهلاكي في نهاية الأمر، يسعى على الدوام لإشباع لذَّات الجسد وتحقيق رغباتهِ، وإنسان الاستهلاك يعني سوقاً مفتوحة وعجلة اقتصادية ربحية تدور على الدوام.

يرى الأستاذ حسن بوحبة في كتابه الجسد بين النسق القيمي وسلطة الصورة الإعلامية أن الموضة قد جعلت من الجسد شيئاً يخضع للتركيبات كلها، ووضعته في سياق استهلاكي، فتم بذلك تحويله إلى قيمة استعمالية تبادلية، ووسيلة لجلب الأنظار، وهذا ما يُفسر ظاهرة تنامي الاهتمام بالجسد وعوالمه (المواد التجميلية المتنوعة، أو المواد الاستهلاكية التي تحافظ على وزن الجسد ورشاقته). ويؤكد على أن الإنسان لم يعد يُشكِّل وحدة مستقلة، ولم يعد خاضعاً لمعايير إنسانية أو أخلاقية. فقد ساوته المعرفة العلمانية بمختلف مكونات الطبيعة، مثله مثل الشجرة أو الفراشة، ونزعت عنه القداسة، فلم يعد مستعصياً على التفكير المادي، بل تم إخضاعه للتجريب، لأنه – في نظر الفكر العلماني المادي – نتاج بيئي، ونتاج مختلف المسببات والقوى التي تؤثر في الطبيعة، فوصلنا في نهاية المطاف إلى تشييء الإنسان، ليصبح مادة قابلة للاستعمال.

وفي السياق ذاته يكتب الدكتور مصطفى المرابط عن استلاب إنسانية المرأة وتنميطها في قوالب وأشكال صناعية تخلقّها يد الرسامين وأدوات التقنيين فيما يُعرف بصناعة الأنوثة التي كما يعتقد أنها ” تُروج لجسد متخيل لا صلة له بالواقع، ممّا يعني أن يُمارس على المرأة سلطة قاهرة لا حيلة لها في ردها أو دفعها. إنه شكل من أشكال الاستبداد، الذي أسميه الاستبداد الناعم مقابل الاستبداد الكثيف أو الصلب. فإذا كان الاستبداد الكثيف تم من الخارج من خلال الإنسان وضبطه ومراقبته وإرغامه وحبس أنفاسه، فإن الاستبداد الناعم عملية تتم من الداخل من خلال الامتثال الطوعي لمعايير ونماذج تم غرسها وتثبيتها بواسطة الثقافة الرمزية والآلة الإعلامية

وما يجري لا يخرج عن كونه تسليعٌ للذات (معاملتها واعتبارها كسلعة تُصنّع وتُباع وتشترى) ذلك أن إرضاخها لمقاييس ومعايير مادية تُحدّد ماهية الجمال الواجب تحقّقه في الفرد، يعني أن تُعرّف بتعريفات مادية، لتبدأ بالتفكّك والانهيار شيئاً فشيئاً، إذ إن ما ينطبق على المادة لا يصلح لها، بل يُفسدها.

إنسانٌ بِبُعدٍ مادي وهوية تقتصر على الجسد فقط وذَاتٌ تم استلابها وتدميرها، ثقافة مادية وحضارة لذائذية شهوانية وحداثة فشلت في تحقيق ما وعدت به من أمن وسلام ورخاء، يكتب آلان تورين، الفيلسوف الفرنسي، بشيء من الحزن والأسف على إنسان الحداثة المقتول: لا يوجد إنسان حي في الغرب في نهاية القرن العشرين ينجو من القلق أمام فقدان كل معنى، وأمام غزو الحياة الخاصة، وغزو القدرة على الوجود كذات بواسطة الدعاية والإعلان، وبتدهور المجتمع إلى مستوى الجمهرة، والحب إلى مستوى اللذة.

 

فِقهُ الجمال:

“عندما يتم تحويل الجسم إلى موضوع، عندما نبدأ برؤية أجسامنا كمواضيع لا تربطنا بها علاقة حب، ونرى بها مجرد أدوات لا بد لها من القيام بوظيفتها، وأن تكون الأفضل والأكثر تميزاً وتلقى الإعجاب، عند ذلك نكون في النهاية قد فصلنا أنفسنا عن مشاعرنا” بهذا الشكل تُعلق الطبيبة النفسية فرانا على تحولات الجسد اليوم، ويعكس كلامها حقيقة ما  نعيشهُ اليوم ونشهده، ذكوراً وإناث، في اعتبار الجسد مجرد أداة نتوسّل بها ونتقرب إلى محبة الناس ونيل إعجابهم، وفي تمركزنا حوله والاهتمام به حد الإفراط وإهمال ما يحمله؛ نفسُنا الروحية وذاتنا الشخصية.

تُصيب أسطورة الجمال الفرد المُعاصر بالهشاشة والخور، ليتقوقع على نفسه المُنفصِمة عن حاملها الخارجي -الجسد -ويُحاول التستر على خوائها الداخلي، بدلاً من التصدي للعلة الرئيسية المتمثّلة في حضارة الحاضر الشهوانية ومجتمع الصورة والاستهلاك.

الجمال الفِطري والحُسن الطبيعي، كلاهما الحقيقة الثابتة والتأكيد الأول والأخير على جمال الإنسان الذي لا يُجتلب ويُصنع، جمالٌ به يبقى الإنسان إنساناً حقيقياً بكل أبعاد هذه الكلمة وما تحمله من معنىً ودلالة. الجمال الحقيقي لا يُحيطُ بسرِّه وصف ولا رمز، ولا يكون بالمساحيق وأدوات التنميق، كما أنّه لا يُكتسب بالعمليات والتعديلات، هو جمالٌ يبدأُ من الداخل أولاً ومن ثمَّ ينعكس على الخارج، ولا ينُافي هذا الاعتناء والاهتمام بالمظهر الخارجي، فها هُنا التمركز والاهتمام يوجه نحو الداخل، أي نحو الأصل. جمالٌ يبقى ما بقي الإنسان، يافعاً وشاباً وعجوزا، في كل أحواله وأطواره. الجمال الحق أنت، كيفما كُنت، لا المِثال المزيف والشكل المعدّل، وإن لم ترَ نفسك جميلاً فلا يَنفعُك شيء، وإن أجمع الناس واتفقوا على جمالك. من الداخل، هُناك يبدأ وينتهي.


[1]  محمد حسام الدين إسماعيل، الصورة والجسد: دراسات نقدية في الإعلام المعاصر

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى